Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١
٣٨١
سُورَةُ الإِسْرَةِ
والأشجارِ حوله، وفي الحديث أنَّه تعالى باركَ فيما بين العريش إلى الفرات وخصَّ
فلسطين بالتقديس(١). وقيل: بركتُه أن جَعَلَ سبحانه مياهَ الأرض كلَّها تنفجر من
تحتٍ صخرته، والله تعالى أعلمُ بصحَّة ذلك.
وهو أحدُ المساجدِ الثلاثةِ التي تُشدَّ إليها الرِّحال، والأربعةِ التي يُمنع من
دخولها الدجّال؛ فقد أَخرج أحمدُ في ((المسند))(٢) أنَّ الدجّال يطوف الأرضَ إلَّا
أربعةً مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكَّة، والأَقصى، والُور.
والصلاةُ فيه مضاعفة؛ فقد أخرج أحمدُ أيضاً (٣)، وأبو داود(٤)، وابن ماجه(٥)
عن ميمونةَ مولاةٍ رسول الله وَّ أنَّها قالت: يا نبيَّ الله، أَفتِنا في بيت المقدس، قال:
((أرضُ المحشرِ والمنشر، ائتوه وصلُّوا فيه؛ فإنَّ صلاةً فيه بألفٍ صلاة)). وفي روايةٍ
لأحمدَ (٦) عن بعض نسائه عليه الصلاة والسلام أنَّها قالت: يا رسولَ الله، فإن لم
تستطع إحدانا أن تأتيَه؟ قال: ((إذا لم تستطع إحداكنَّ أن تأتيَه، فلْتبعث إليه زيتاً يُسرَج
فيه؛ فإنَّ مَن بعث إليه بزیت یُسرَج فیه، کان کمن صلَّی فیه)) وروی بعضَه أبو داود.
وهو ثاني مسجدٍ وضع في الأرض؛ لخبر أبي ذرِّ(٧): قلت: يا رسولَ الله، أيُّ
مسجدٍ وضع في الأرضِ أوَّلاً؟ قال: ((المسجدُ الحرام)» قلت: ثم أيّ؟ قال:
((المسجدُ الأَقصى)) قلت: كم بينَهما، قال: ((أربعون سنةً، ثمَّ أينما أدركتك الصلاةُ
فصلِّ؛ فإنَّ الفضلَ فیه)).
وقد أسَّسه يعقوبُ عليه السلام بعد بناءِ إبراهيمَ عليه السلام الكعبةَ بما ذكر في
الحديث، وجدَّده سليمانُ، أو أتمَّ تجديدَ أبيه عليهما السلام بعد ذلك بكثير،
والكلامُ فيما يتعلَّق بذلك مفضّل في محلِّه(٨).
(١) أخرجه بنحوه ابن عساكر موقوفاً على معاذ ﴿لله، كما في الدر المنثور ٢٧٠/٢.
(٢) برقم (٢٣٠٩٠).
(٣) في المسند برقم (٢٧٦٢٦).
(٤) في سننه (٤٥٧) مختصراً كما سيشير إليه المصنف.
(٥) في سنته (١٤٠٧).
(٦) هي الرواية السالفة، وهي عند أبي داود وابن ماجه.
(٧) أخرجه البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠).
(٨) انظر ٤ / ٤-٥.

سُورَة الاسْراءِ
٣٨٢
الآية : ١
﴿لِزُرِيَهُ، مِنْ مَيَئِنَأْ﴾ أي: لنرفعَه إلى السماءِ حتى يرى ما يرى من العجائب
العظيمة، فقد صحَّ أنَّه وَّهِ عُرج به من صخرة بيتِ المقدس كما تقدَّم، واجتمع في
كلِّ سماءٍ مع نبيٍّ من الأنبياءِ عليهم السلام، كما في ((صحيح البخاري)) وغيرِه(١)،
واطّلع عليه الصلاة والسلام على أحوال الجنةِ والنَّار، ورأى من الملائكة ما لا يَعلم
عِدتهم إلَّا الله تعالى.
ونُقل عن ابن عباس ظُّ أنَّه عليه الصلاة والسلام رأى ليلةَ المعراجِ في
مملكة اللهِ تعالى خلقاً كهيئة الرِّجال على خيلٍ بُلْقٍ شاكين السلاحَ، طولُ الوَاحدِ
منهم ألفُ عام، والفرسُ كذلك، يَتْبع بعضُهم بعضاً، لا يُرى أوَّلُهم ولا آخِرهم،
فقال: ((يا جبريل، مَن هؤلاء))؟ فقال: ألم تسمع قولَه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيْكَ إِلَّا
مُؤْ﴾ [المدثر: ٣١] فأَنا أَهبط وأَصعد أراهم هكذا يمرُّون، لا أدري مِن أين يجيئون،
ولا إلى أين يذهبون(٢).
وقد صلَّى وَِّ بالأنبياء عليهم السلام في بيت المقدسِ، قال في ((العقائق)):
وكانت صلاتُه عليه الصلاة والسلام بهم ركعتين، قرأ في الأُولى: (قُلّ يَأَيُّهَا
الْكَفِرُونَ) وفي الثانية ((الإخلاص)). وقال بعضُهم: كانت دعاءً. وذكر أنَّ الأنبياء
كانوا سبعةَ صفوف، ثلاثةٌ منهم مرسَلون، وأنَّ الملائكةَ عليهم السلام صلَّت معهم،
وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، كما قال القاضي زكريا في شرح
((الرَّوض)»، والحكمةُ في ذلك أنْ يظهرَ أنَّه إمامُ الكلِّ عليه الصلاة والسلام.
وهل صلَّى بأرواحهم خاصَّة، أو بها مع الأَجساد؟ فيه خلافٌ. وكذا اختُلف
في أنَّه ◌َِِّ صلَّى بهم قبل العروجِ أو بعده، فصحَّح الحافظ ابنُ كثير(٣) أنَّه بعده،
وصحّح القاضي عياضٌ وغيرُه أنَّه قبلَه. وجاء في روايةٍ أنَّه عليه الصلاة والسلام
صلَّى في كلِّ سماء ركعتين يؤمُّ أَملاكَها، وكان الإسراءُ والعروجُ في بعض ليلةٍ
واحدة، وكان رجوعُه ◌َّرَ على ما كان ذهابُه عليه، ولم يعيَّن مقدارُ ذلك البعض،
وكيفما كان، فوقوعُ ما وقع فيه من أَعجبِ الآيات، وأغربِ الكائنات.
(١) صحيح البخاري (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧)، وصحيح مسلم (١٦٤). وسلف تخريجه ص٣٦٨ من
هذا الجزء.
(٢) لم نقف عليه .
(٣) في تفسيره عند تفسير الآية.

الآية : ١
٣٨٣
سُؤَةُ الإِسْرَاة
وفي بعض الآثارِ أَنَّه وَّهِ لمَّا رجع وجد فراشَه لم يَبْرُد من أَثر الثَّوم. وقيل: إنَّ
غصنَ شجرةٍ أصابه بعِمامته في ذهابه، فلمَّا رجع وجده بعدُ يتحرك.
وزعم بعضُهم أنَّ ليلة الإسراء غيرُ ليلةِ المعراج، وظاهرُ الآية - على
ما سمعتَ - يقتضي أنَّهما في ليلة واحدة.
وإنما أُسرِي بِهِ وَّهِ أَوَّلاً إلى بيت المقدس ومُرج به ثانياً منه؛ ليكونَ وصولُه
إلى الأماكن الشَّريفة على التدريج؛ فإنَّ شرفَ بيتِ المقدس دون شرفِ الحضرة
التي عَرَجَ إليها على ما قيل، وقيل: توطيناً له عليه الصلاة والسلام لما في المعراج
من الغرابة العظيمةِ التي ليست في الإسراء وإنْ كان غريباً أيضاً. وقيل: لتتشرَّفَ به
أرضُ المحشر ذهاباً وإياباً. وقيل: لأنَّ باب السماءِ الذي يقال له مصعدُ الملائكة
عليهم السلام، على مقابلة صخرةٍ بيتِ المقدس، فقد نُقل عن كعب الأحبارِ أنَّه
قال: إنَّ لله تعالى باباً مفتوحاً من سماءِ الدنيا إلى بيت المقدس، ينزل منه كلَّ يوم
سبعون ألفَ مَلَك، يستغفرون لمن أتَى بيت المقدس وصلَّى فيه، فأُسري به وَلّل إلى
هناك أوَّلاً، ثم عُرج به ليكونَ صعودُه على الاستواء. وقيل: إنَّ أُسطواناتِ المسجدِ
قالت: ربَّنا حَصَلَ لنا من كلِّ نبيِّ حظّ، وقد اشتقنا إلى محمدٍ بَّهِ، فارزقنا لقاءَه،
فبدئ بالإسراء به إلى المسجد تعجيلاً للإجابة. وقيل غير ذلك.
وعبَّر بـ ((من)) الدالَّةِ على التبعيض؛ لأنَّ إراءة جميع آيات الله تعالى - لعدم
تناهيها - ممَّا لا تكاد تقع، ولو قيل: آياتِنا، لتبادرَ الكلُّ، وربَّما يستعان بالمقام
على إرادته، واستُشكل بأنَّه كيف يرى نبيُّنَا وَ﴿ بعضَ الآيات ويرى إبراهيمُ عليه
السلام ملكوت السماواتِ والأرض كما نطق به قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ
مَلَكُوتَ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وفرقٌ بين الحبيبِ والخليل؟ وأُجيب بأنَّ
بعض الآياتِ المضافةِ إليه تعالى أشرفُ وأعظمُ من ملكوت السماواتِ والأرض،
كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ [النجم: ١٨].
وقال الخَفَاجيُّ (١): السؤال غيرُ وارد؛ لأنَّ ما رآه إبراهيم عليه السلام ما فيها
من الدَّلائل والحُجج، وليس ذلك مقاوماً للمعراج، فتأمَّل.
(١) في حاشيته ٨/٦.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٣٨٤
الآية : ١
وقال ابنُ عطية(١): يحتمل أن يكونَ معنى الآية: لِنُريَ محمداً وَّهِ للناس آيةً
من آياتِنا، أي: ليكونَ عليه الصلاة والسلام آيةً في أنَّه يصنع اللهُ تعالى ببشرٍ هذا
الصنعَ، ويندفع بهذا السؤالُ المذكور، إلَّا أنه احتمالٌ في غاية البُعد.
ثم لا يخفى أنه ليس في الآية إشارةٌ إلى أنَّه ◌َ﴿ رأى ربَّه ليلة الإسراء؛ إذ
لا يَصْدق عليه تعالى أنَّه من آياته، بل لا يصدق سبحانه أنَّه آية. نعم مثبتو الرؤيةِ
يحتجُون بغير ذلك، وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.
وكذا ليست الآيةُ نصًّا في المعراج، بل هي نصٌّ في الإسراء دونه؛ إذ يجوز
حملُ بعض الآيات على ما حصل له وَّ في الإسراء فقط، بل قال بعضُهم: ليس
في الآيات مطلقاً ما هو نصٍّ في ذلك، ومِن هنا قالوا: إنَّ الإسراءَ إلى بيت
المقدسِ قطعيٌّ ثبت بالكتاب، فمَن أَنكره فهو كافر، والمعراجُ ليس كذلك، فمن
أَنكره فليس بكافر، بل مبتدعٌ. وكأنَّه سبحانه إنّما لم يصرِّح به كما صرَّح بالإسراء
رحمةً بالقاصرین علی ما قيل.
وفي ((التفسير الخازني))(٢) أنَّ فائدة ذِكر المسجدِ الأقصى فقط دونَ السماء، أنَّه
لو ذكر صعودَه عليه الصلاة والسلام لاشتدَّ إنكارُهم لذلك، فلمَّا أَخبر أنَّه أسرى به
إلى بيت المقدس، وبان لهم صِدقُه فيما أَخبر به من العلامات التي فيه وصدَّقوه
عليها، أَخبر بعد ذلك بمعراجه إلى السماءِ، فكان الإسراءُ كالتَّوطئة للمعراج. اهـ.
وهذا ظاهرٌ في الخبر الوارد في هذا الباب، لا في الآية؛ لأنَّه لم يُخبِر فيها
بالمعراج كما أَخبر فيها بالإسراء دلالةً. وقيل: إنَّ الإشارةَ بعد ذلك التصريحِ
كافية، فتدبّر.
وصرفُ الكلام من الغَيبة التي في قوله سبحانه: (سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،) إلى
صيغة المتكلِّم المعَظم في ((باركنا)) و((نريه)) و(آياتنا)) لتعظيم البركاتِ والآيات؛ لأنَّها
كما تدلُّ على تعظيم مدلولِ الضميرِ تدل على عِظَم ما أُضيف إليه وصدر عنه،
كما قيل: إنَّما يفعلُ العظيم العظيم.
(١) في المحرر الوجيز ٤٣٦/٣.
(٢) ١٢٨/٣

الآية : ١
٣٨٥
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
وقد ذكروا لهذا التلوينٍ نكتةً خاصَّة، وهي: أنَّ قوله تعالى: (الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،
لَيْلًا) يدلُّ على مسيره عليه الصلاة والسلام من عالم الشهادةِ إلى عالم الغيب، فهو
بالغَيبة أنسب، وقوله تعالى: (بَرَكْنَا حَوْلَهُ) دلَّ على إنزال البركات، فيناسب تعظيمَ
المنزل، والتعبيرُ بضمير العظمةِ متكفِّل بذلك، وقوله سبحانه: (لِثُيَهُ) على معنى:
بعدَ الاتِّصال وعزّ الحضور، فيناسب التكلُّمَ معه، وأما الغَيبة؛ فلكونه وَ لّ إذ ذاك
ليس من عالَم الشهادة، ولذا قيل: إنَّ فيه إعادةً إلى مقام السِّرِّ والغيبوبةِ من هذا
العالَم، والغيبةُ بذلك أليَقُ، وقوله تعالى: (مِنْ مَئِنَاْ) عودٌ إلى التعظيم كما سبقت
الإشارة إليه.
وأما الغيبةُ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾﴾ على تقدير كونٍ
الضميرِ له تعالى، كما هو الأَظهر، وعليه الأكثر؛ فليطابقَ قولَه تعالى: (بِعَبْدِهِ،)
ويرشّح ذلك الاختصاصُ بما يوقع هذا الالتفاتَ أحسنَ مواقعِه، وينطبق عليه
التعليلُ أتمَّ انطباق؛ إذ المعنى: قرَّبه وخصّه بهذه الكرامة؛ لأنَّه سبحانه مطّلع على
أحواله، عالمٌ باستحقاقه لهذا المقام.
قال الطّيبي: ((إنَّه هو السميعُ)) لأقوال ذلك العبد، ((البصيرُ)) بأفعاله، بكونها
مهذَّبة خالصةً عن شوائب الهوى، مقرونةً بالصِّدق والصَّفا، مستأهلةً للقُرب
والزُّلفى. وأمَّا على تقديرٍ كون الضمير للنبيِّ وَّهِ - كما نقله أبو البقاء (١) عن
بعضهم، وقال: أي: ((السميعُ)) لكلامنا ((البصيرُ)) لذاتنا، وقال الجلبي: إنَّه لا يَبعد،
والمعنى عليه: إنَّ عبدي الذي شرَّفته بهذا التشريفِ هو المستأهلُ له، فإنَّه ((السميعُ))
لأَّوامري ونواهيّ، العاملُ بهما، ((البصيرُ)) الذي ينظر بنظرة العِبرة في مخلوقاتي
فيعتبر، أو ((البصيرُ)) بالآيات التي أريناه إيَّاها، كقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى﴾
[النجم: ١٧] - فقيل: لمطابقة الضمائر العائدةِ عليه، وكذا لِما عبَّر به عنه من قوله
سبحانه: (بِعَبْدِهِ،). وقيل: للإشارة إلى اختصاصه وَل﴿ بالمِنَح والزُّلفى، وغَيبوبةِ
شهوده في عَين (بي يسمع وبي يبصر))(٢). ولا يمتنع إطلاقُ السميعِ والبصيرِ على
غيره تعالى كما تُوهِّم، لا مطلقاً ولا هنا .
(١) في الإملاء ٤٦٨/٣.
(٢) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في الأصل الثاني والستين بعد المئة ص ٣٠٥.

سُؤَةُ الإِسْرَةِ
٣٨٦
الآية : ٢
قال الطّيبي: ولعل السرَّ في مجيءٍ الضميرِ محتملاً للأَمرين الإشارة إلى أنَّه ◌ِه
إنَّما رأى ربَّ العزَّة وسمع كلامَه به سبحانه، كما في الحديث المشار إليه آنفاً،
فافهم تسمع وتُبصِر.
وتوسيطُ ضميرٍ الفصل إمَّا لأنَّ سماعه تعالى بلا أُذن، وبصره بلا عَين، على
نحوٍ لا يشاركه فيه تعالى أحدٌ، وإمَّا للإشعار باختصاصه وَلِّ بتلك الكرامة.
وزعم ابنُ عطية (١) أنَّ قولَه تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وعيدٌ للكفار على
تكذيبهم النبيَّ ◌ِّهِ في أمر الإسراء، أي: ((إنَّه هو السميعُ)) لما تقولون أيها
المكذِّبون، ((البصيرُ)) بما تفعلون، فيعاقبكم على ذلك.
وقرأ الحسن: ((لِيُرِيَه)) بياء الغيبة(٢)، ففي الآية حينئذٍ أربعُ التفاتات.
﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ أي: التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَهُ﴾ أي: الكتابَ، وهو الظاهرُ، أو
موسى عليه السلام ﴿هُدَى﴾ عظيماً ﴿لِّبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ متعلِّق بهُدَى، أو بجَعَلَ، واللامُ
تعليلية، والواوُ استئنافية، أو عاطفةٌ على جملة (سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى) لا على (أَسْرَى)
كما نقله في ((البحر))(٣) عن العُكبَريِّ، وحَكَى نظيرَه عن ابن عطيةً؛ لبُعده وتكلُّفه.
وعقب آيةَ الإسراءِ بهذه استطراداً؛ تمهيداً لذكر القرآن، والجامعُ أنَّ موسى
عليه السلام أُعطي التوراةَ بمسيره إلى الطُّور، وهو بمنزلة معراجِه؛ لأنَّه مُنح ثَمَّتَ
التكليم، وشرِّف باسم الكليم، وطَلَبَ الرؤية، مدمَجاً فيه تفاوتُ ما بين الكتابَين
ومَن أُنزلا عليه، وإن شئتَ فوازن بينَ (أَسْرَى بِعَبْدِهِ،) و(وَءَاتَيْنَا مُوسَى) وبين (هُدَّى
لِّبَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ و﴿يَهْدِى لِلَتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الآية: ٩].
﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ﴾ أي: أن لا تتَّخذوا، على أنَّ ((أنْ)) تفسيرية و((لا)) ناهية،
والتفسيرُ - كما قال أبو البقاء(٤) - لما تضمَّنه الكتابُ من الأمر والنَّهي، وقيل:
المحذوف، أي: آتينا موسى كتابةً شيءٍ هو: لا تتَّخذوا، والكتابُ وإن كان المرادُ
(١) في المحرر الوجيز ٤٣٦/٣.
(٢) الكشاف ٢/ ٤٣٧، والبحر ٦/٦.
(٣) ٦/ ٧.
(٤) في الإملاء ٤٦٨/٣.

الآية : ٢
٣٨٧
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
به التوراة، فهو مصدرٌ في الأصل، ولا يخفى أنَّه خلافُ الظاهر.
وجوَّز في (البحر)) (١) أن تكونَ ((أنْ)) مصدريةً، والجارُّ قبلَها محذوف، و((لا))
نافية، أي: لئلا تتَّخذوا، وقيل: يجوز أن تكونَ ((أن)) وما بعدها في موضع البدلِ
من ((الكتاب)).
وجوَّز أبو البقاءِ (٢) أن تكونَ زائدة، و(أَلَّا تَنَّخِذُواْ) معمولٌ لقولٍ محذوف، و(لا)»
فيه للنَّهي، أي: قلنا: لا تتَّخذوا. وتعقَّبه أبو حيَّان(٣) بأنَّ هذا الموضعَ ليس من
مواضع زيادة ((أنْ)).
وكذا جوِّز أن تكونَ ((لا)) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾
[الأعراف: ١٢] والتقدير: كراهةَ أن تَتَّخذوا. ولا يخفَى ما فيه.
وقرأ ابن عباسٍ، ومجاهدٌ، وعيسى، وأبو رجاءٍ، وأبو عمرٍو من السبعة: ((أنْ
لا يتَّخذوا)) بياء الغيبة(٤)، وجعل غيرُ واحدٍ ((أنْ)) على ذلك مصدريةً، ولم يذكروا
فيها احتمالَ كونِها مفسِّرة.
وقال شيخ زاده(٥): لا وجهَ لأن تكونَ ((أن)) مفسِّرة على القراءة بياء الغيبة؛ لأنَّ
ما في حيِّز المفسِّرة مقولٌ من حيث المعنى، والذي يُلقَى إليه القولُ لا بدَّ أن يكونَ
مخاطباً، كما لا وجهَ لكونها مصدريةً على قراءة الخطاب؛ لأنَّ بني إسرائيل غيَّب،
فتأمَّل.
والجارُّ عندهم على كونها مصدريةً محذوفٌ، أي: لأن لا يتَّخذوا ﴿مِن دُونِ
وَكِيلًا ﴾﴾ أي: ربًّا تَكِلون إليه أموركم غيري، فالوكيل فعيلٌ بمعنى مفعول،
وهو الموكولُ إليه، أي: المفوّض إليه الأمورُ، وهو الربُّ.
(١) ٦ / ٧.
(٢) في الإملاء ٣/ ٤٦٨.
(٣) في البحر ٦/ ٧.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٧، وقراءة أبي عمرو في التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٦/٢.
(٥) هو محيي الدين محمد بن مصطفى القوجوي الحنفي الإمام العلامة. له: حواش على
البيضاوي، وشرح الوقاية، وشرح المفتاح، وغير ذلك. توفي سنة (٩٥١هـ). شذرات
الذهب ٢٨٦/٨ .

سُورَةُ الإشرارة
٣٨٨
الآية : ٣
قال ابنُ الجوزي(١): قيل للربِّ وكيل؛ لكفايته وقيامِه بشؤون عباده، لا على
معنى ارتفاعٍ منزلةِ الموكّل وانحطاطِ أمر الوكيل، و(من)) سيف خطيب(٢)، و((دون))
بمعنى ((غير)، وقد صرَّح بمجيئها كذلك في غير موضع، وهي مفعولٌ ثانٍ
لـ (تخذوا))، و((وكيلاً)) الأوَّل.
وجوِّز أن تكونَ ((من)) تبعيضية، واستُظهر الأول، والمرادُ النهيُ عن الإشراك به
تعالى.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ﴾ نصب على الاختصاص، أو على النِّداء، والمراد
الحملُ على التوحيد بذِكر إنعامه تعالى عليهم في ضمن إنجاءِ آبائهم من الغرق في
سفينة نوح عليه السلام، حين ليس لهم وكيلٌ يتوّلون عليه سِواه تعالی.
وخصَّ مكيُّ النداءَ بقراءة الخطاب، قال(٣): مَن قرأ: ((يتخذوا)) بياء الغَيبة،
يَبعد معه النداءُ؛ لأنَّ الياءَ للغيبة، والنداء للخطاب، فلا يجتمعان إلَّ على بُعد،
ونِعمَ ما قال. وقولُ بعضِهم: ليس كما زعم؛ إذ يجوز أن يُنادي الإنسانُ شخصاً
ويُخبرَ عن أحدٍ فيقول: يا زيدُ ينطلق بكرٌ، و: فعلتَ كذا يا زيدُ ليفعلْ عَمرو كيتَ
وكيت، إنْ كما زعم = لا يدفع البُعدَ الذي اذَّعاه مَكيّ.
وجوِّز أن يكونَ أحدَ مفعولَي ((تتخذوا))، و((وكيلاً)) الآخَر، وهو لكونه فعيلاً
بمعنى مفعول يستوي فيه الواحدُ المذكَّر وغيرُه، فلا يَرِدُ أنَّه كيف يجوز أن يكونَ
مفعولاً ثانياً والمفعولُ الثاني خبرٌ معنّى وهو غيرُ مطابقٍ هنا؟ و((من دوني)) حالٌ منه،
و ((من)) يجوز أن تكونَ ابتدائية.
وجوِّز أيضاً أن يكونَ بدلاً من ((وكيلاً)) لأنَّ المبدَل منه ليس في حكم الطّرح من
كلِّ الوجوه، أي: لا تتَّخذوا من دوني ذريةَ مَن حملنا، والمراد نهيُهم عن اتِّخاذ
عُزيرٍ وعيسى عليهما السلام ونحوِهما أرباباً .
وفي التعبير بما ذُكر إيماءٌ إلى عِلَّة النهي من أَوجُه: أحدها: تذكيرُ النعمة في
(١) في زاد المسير ٥/ ٦ نقلاً عن ابن الأنباري.
(٢) أي: زائدة للتوكيد، انظر حاشية الشهاب ٨/٦.
(٣) في مشكل إعراب القرآن ٤٢٧/١-٤٢٨ .

الآية : ٣
٣٨٩
سُؤَةُ الإِسْرة
إنجاء آبائهم كما ذُكر. والثاني: تذكيرُ ضعفِهم، وحالِهم المُحوِج إلى الحمل.
والثالث: أنَّهم أضعفُ منهم؛ لأنَّهم متولِّدون منهم. وفي إيثار لفظِ الذَّرية الواقعةِ
على الأَطفال والنساءِ في العرف الغالبِ مناسبةٌ تامَّة لما ذُكر.
وجوَّز أبو البقاءٍ(١) كونَه بدلاً من ((موسى))، وهو بعيد جدًّا.
وقرأت فِرقة: ((ذريةُ))(٢) بالرفع على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو ذرية،
ولا بُعدَ فيه كما توهِّم، أو على البدل من ضمير ((يتخذوا)) قال أبو البقاءِ(٣): على
القراءة بياء الغيبة.
وقال ابنُ عطية (٤): ولا يجوز هذا على القراءة بتاء الخطاب؛ لأنَّ ضمير
المخاطَب لا يبدَل منه الاسمُ الظاهر.
وتعقبه أبو حيَّان في ((البحر))(٥) بأنَّ المسألةَ تحتاج إلى تفصيل، وذلك أنَّه إن
كان في بدل بعضٍ من كلٌّ وبدلِ اشتمال، جاز بلا خلاف، وإنْ كان في بدل شيءٍ
من شيءٍ وهما لعين واحدة، إن كان يفيد التوكيدَ، جاز بلا خلافٍ أيضاً، نحو:
مررتُ بكم صغيرٍكم وكبيرِكم، وإنْ لم يفد التوكيدَ، فمذهبُ جمهورِ البصريين
المنعُ، ومذهبُ الأخفشِ والكوفيين الجوازُ، وهو الصحيحُ؛ لوجود ذلك في لسان
العرب، وقد استدلَّ على صحّته في ((شرح التسهيل)).
وقرأ زيد بن ثابت وأبان بن عثمان وزيد بن علي ومجاهد في رواية بكسر
ذال ((ذرية)). وفي روايةٍ أخرى عن مجاهدٍ أنَّه قرأ بفتحها، وعن زيد بن ثابتٍ أيضاً
أنَّه قرأ: ((ذَرِيَّة)) بفتح الذالِ وتخفيف الراءِ وتشديد الياء، على وزن فَعِيلة كمَطِيّة (٦).
﴿إِنَّهُ﴾ أي: نوٌ عليه السلام ﴿ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾﴾ كثيرَ الشكر في
مجامع حالاته .
(١) في الإملاء ٤٦٩/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص٧٤.
(٣) في الإملاء ٣/ ٤٦٩.
(٤) في المحرر الوجيز ٤٣٧/٣ .
(٥) ٦ / ٧.
(٦) البحر المحيط ٧/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٤، والمحتسب ١٥٦/١.

سُورَةُ الاسْرَةِ
٣٩٠
الآية : ٣
وأخرج ابن جَرير(١)، وابنُ المنذر، والبيهقيُّ في ((الشُّعب))(٢)، والحاكم(٣)
وصحَّحه، عن سلمانَ الفارسيِّ قال: كان نوحٌ عليه السلام إذا لبس ثوباً أو طعم
طعاماً، حَمِدَ اللهَ تعالى، فسمِّي عبداً شكوراً.
وأخرج عبدُ الله بن أحمدَ في زوائد ((الزُّهد)» عن إِبراهيمَ قال: شُكْرُه عليه
السلام أن يسمِّيَ إذا أكل، ويحمدَ اللهَ تعالى إذا فرغ.
وأخرج ابنُ مردويه عن معاذٍ بن أنسٍ الجهنيِّ، عن النبيِّ وَطِّ قال: ((إنَّما سمَّى اللهُ
تعالى نوحاً عبداً شكوراً؛ لأنَّه كان إذا أمسى وأصبح، قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾))(٤)
تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
[الروم: ١٧- ١٨].
وأخرج البيهقيُّ(٥) وغيرُه عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َّيِ قال: ((إنَّ نوحاً لم يقم عن
حَلاءٍ قطّ إلَّ قال: الحمدُ لله الذي أذاقني لذَّتَه، وأبقَى فيَّ منفعته، وأَذهب عنِّ
أذاه)) وهذا من جُملة شُكره عليه السلام.
وفي هذه الجملةِ إيماءٌ بأن إِنجاءَ مَن معه عليه السلام كان ببركة شكره، وحثٌّ
للذُّرية على الاقتداء به، وزجرٌ لهم عن الشِّرك الذي هو أعظمُ مراتبِ الكفر. وهذا
وجهُ ملائمتِها لما تقدَّم، وقال الزمخشريُّ(٦): يجوز أن يقال ذلك عند ذِکره على
سبيل الاستطراد، وحينئذٍ فلا يُطلَب ملاءمتُه مع ما سيق له الكلام، إلَّا من حيث إنَّه
كان من شأن مَن ذُكر، أَعني نوحاً عليه السلام.
وقيل: ضميرُ ((إنه)) عائدٌ على موسى عليه السلام، والجملة مسوقةٌ على وجه
التعليل، إمَّا لإيتاء الكتاب، أو لجعله عليه السلام هدّى، بناءً على أنَّ ضمير
(جعلناه)) له، أو للنَّهي عن الاتِّخاذ، وفيه بُعد، فتدبّر.
-
(١) في تفسيره ١٤/ ٤٥٢.
(٢) برقم (٤٤٧١).
(٣) في مستدركه ٣٦٠/٢.
(٤) الدر المنثور ٤ / ١٦٢.
(٥) في الشعب (٤٤٦٩).
(٦) في الكشاف ٢/ ٤٣٨.

الآية : ٤
٣٩١
سُؤَدَةُ الأسْراء
﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ أخرج ابن جَرِير (١) وغيرُه عن ابن عباسٍ: أي:
أَعلمناهم. وزاد الراغبُ(٢): وأَوحينا إليهم وحياً جزماً، وصرَّح غيرُ واحد بتضمين
القضاءِ معنى الإِيحاء؛ ولهذا عدِّي بـ ((إلى))، والوحيُّ إليهم إِعلامُهم ولو بالواسطة.
وقيل: ((إلى)) بمعنى ((على))، ورُوي ذلك أيضاً عن ابن عباس، قال: أي:
قضينا عليهم ﴿فِ الْكِتَبِ﴾ أي: التوراة، أو الجنس؛ بدليل قراءةٍ أبي العالية وابن
مُجُبِير: ((الكُتُبِ)) بصيغة الجمع(٣)، والظاهرُ الأوَّل على الأوَّل، أو اللوحُ المحفوظُ
على الأخير.
وأخرج ابنُ المنذرِ والحاكمُ (٤) عن طاوسٍ قال: كنت عندَ ابنِ عباس ومعنا
رجلٌ من القَدَرية، فقلت: إنَّ أُناساً يقولون: لاَ قَدَرَ، قال: أَوَفي القوم أحدٌ منهم؟
قلت: لو كان ما كنتَ تصنع به؟ قال: لو كان فيهم أحدٌ منهم، لأَخذتُ برأسه ثم
قرأت عليه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِيِّ إِسْرَِّيلَ فِ الْكِنَبِ﴾.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ﴾ جوابُ قَسَم محذوف، وحُذف متعلَّق القضاءِ أيضاً للعلم
به، والتقدير: وقضينا إلى بني إسرائيلَ بفسادهم وعلوِّهم: واللهِ لَتُفْسدن .. إلخ،
ويكون هذا تأكيداً لتعلُّق القضاءِ، ويجوز جعلُه جوابَ ((قضينا)) بإجراء القضاءِ
مُجَرَى القَسَم، فيُتلقَّى بما يتلقَّى به، نحو: قضاء اللهِ تعالى لأَفعلنَّ كذا.
والمرادُ بالأرض الجنسُ، أو أرضُ الشام وبيتُ المقدس.
وقرأ ابنُ عباس، ونصر بن عليٍّ، وجابر بنُ زيد: ((لتُفسَدُنَّ)) بضمُّ التاءِ وفتحِ السين
مبنيًّا للمفعول(٥)، أي: يُفسدكم غيرُكم، فقيل: من الضَّلال، وقيل: من الغلبة.
وقرأ عيسى: (لَتَفْسُدُنَّ) بفتح التاءِ وضمِّ السين(٦) على معنى: لَتفسُدنَّ بأنفسكم
بارتكاب المعاصي.
(١) في تفسيره ١٤/ ٤٥٥ .
(٢) في المفردات (قضى).
(٣) القراءات الشاذة ص٧٤.
(٤) في المستدرك ٢/ ٣٦٠.
(٥) البحر المحيط ٨/٦، وانظر القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٤/٢.
(٦) القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٤/٢ .

سُؤَدَقُ الأسْراءة
٣٩٢
الآية : ٤
﴿مَرَّتَيْنِ﴾ منصوبٌ على أنَّه مصدرُ ((لتفسدن)) من غير لفظِه.
والمراد: إفسادَتين: أُولاهما - على ما نقل السُّدِّيُّ عن أشياخه - قتلُ زكريا عليه
السلام، ورُوي ذلك عن ابن عباسٍ وابنٍ مسعود، وذلك أنَّه لمّا مات صديقه
مَلِكُهم، تنافسوا على المُلك وقتل بعضهم بعضاً، ولم يسمعوا مِن زكريا، فقال اللهُ
تعالى له: قُم في قومك أُوحِ على لسانك. فلمَّا فرغ ممَّا أَوحى عليه، عَدَوا عليه
ليقتلوه، فهرب، فانفلقت لهَ شجرةٌ، فدخل فيها، وأَدركه الشيطانُ، فأخذ هُذْبةً من
ثوبه فأَراهم إيّاها، فوضعوا المنشارَ في وسط الشجرةِ حتى قطعوه في وسطها .
وقيل: سببُ قتله أنَّهم اتَّهموه بمريمَ عليها السلام، قيل: قالوا حين حملت:
ضيّع بنتَ سيِّدنا حتى زنت، فقطعوه بالمنشار في الشَّجرة.
وقال ابنُ إِسحاق: هي قتلُ شَعيا عليه السلام، وقد بُعث بعد موسى عليه
السلام، فلمَّا بلَّغهم الوحيَ أرادوا قتله، فهرب، فقُتل، وهو صاحبُ الشجرة،
وزكريا عليه السلام مات موتاً ولم يُقْتَل.
وفي ((الكشاف))(١): أُولاهما: قتلُ زكريا وحبس أرميا، والآخِرة: قتلُ يحيى
وقصدُ قتلٍ عيسى عليهما السلام.
وهذا فيمن جعل هلاكَ زكريا قبل يحيى عليهما السلام، وهو روايةُ ابنِ عساكر
في (تاريخه)) عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه(٢). ثم ضمُّ ذلك مع حبس أرميا في قَرن
غيرُ سديد؛ لأنَّ أرميا كان في زمن بُخْتَنَصَّر، وبينه وبين زكريا أكثرُ من مئتي سنة.
واختار بعضُهم - وقيل: إنه الحقُّ - أنَّ الأُولى تغييرُ التوراة وعدمُ العمل بها،
وحَبسُ أرميا وجَرحُه إذ وعظهم وبشَرِهم بنبيِّنا وََّ، وهو أوَّل مَن بشّر به عليه
الصلاة والسلام بعد بشارةِ التوراة. والأُخرى قتلُ زكريا ويحيى عليهما السلام.
ومَن قال: إنَّ زكريا مات في فراشه، اقتصرَ على يحيى عليه السلام. واختُلف
في سبب قتلِهِ، فعن ابن عباسٍ وغيرِه أنَّ سبب ذلك أنَّ مَلِكاً أراد أن يتزوَّج مَن
لا يجوز له تزوُّجُها، فنهاه يحيى عليه السلام، وكان الملكُ قد عوَّد تلك المرأةَ أن
(١) ٤٣٨/٢.
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٦٤/ ٢١١.

الآية : ٥
٣٩٣
سُوَّةُ الإشراء
يقضيَ لها كلَّ عيدٍ ما تريد منه، فعلَّمتها أمُّها أن تسألَه دَمَ يحيى في بعض الأعياد،
فسألته، فأبى، فألحَّت عليه، فدعا بطَستٍ فذبحه فيه، فبدرت قطرةٌ على الأرض،
فلم تزل تَغلي حتى قُتل عليها سبعون ألفاً .
وقال الرَّبيعُ بن أنس: إنَّ يحيى عليه السلام كان حسناً جميلاً جدًّا، فراودته
امرأةٌ الملك عن نفسه، فأبى، فقالت لابنتها: سلي أباك رأسَ يحيى، فسألته،
فأعطاها إيَّاه.
وقال الجبَّائي: إنَّ الله تعالى ذكر فسادَهم في الأرض مرَّتين ولم یبیِّن ذلك،
فلا يُقْطَع بشيءٍ مما ذُكر.
﴿وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَا كَبِيرً ﴾﴾ لَتستكبرُنَّ عن طاعة اللهِ تعالى، أو لَتَغْلِبُنَّ الناس
بالظلم والعدوان، وتُفرِّطن في ذلك إفراطاً مجاوزاً للحدّ، وأصلُ معنى العلوِّ
الارتفاعُ، وهو ضدُّ السُّفل، وتجوِّز به عن التكبُّر والاستيلاءِ على وجه الظُّلم.
وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌َ﴾: ((عِلِيًّا كبيراً) بكسر العين واللام والياءِ المشدَّدة(١)،
قال في ((البحر)): والتصحيحِ في فُعولِ المصدرِ أكثرُ، بخلاف الجمع، فإنَّ
الإعلال فيه هو المقيسُ، وشذَّ التصحيحُ نحو: لُهوّ ومُهوّ، خلافاً للفرَّاءِ إذ جعل
ذلك قياساً.
﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُوْلَئُهُمَا﴾ أي: أُولى مرَّتي الإفساد. والوعدُ بمعنى الموعود مرادٌ به
العقاب كما في ((البحر))(٢)، وفي الكلام تقديرٌ: أي: فإذا حان وقتُ حلولِ العقاب
الموعود.
وقيل: الوعدُ بمعنى الوعيد، وفيه تقديرٌ أيضاً.
وقيل: بمعنى الوعدِ الذي يراد به الوقتُ، أي: فإذا حان موعدُ عقابٍ
أُولاهما ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أرسلنا لمؤاخذتكم بتلك الفَعلة ﴿عِبَادًا لَّنَآَ﴾ وقال
الزمخشريُّ(٣): خلِّينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعْهم. وفيه دسيسةُ اعتزال.
(١) البحر المحيط ٩/٦، والدر المصون ٣١٣/٧.
(٢) ٦ / ٩.
(٣) في الكشاف ٤٣٨/٢ .

سُورَةُ الإِسْرَارَةِ
٣٩٤
الآية : ٥
وقال ابنُ عطيَّة (١): يحتمل أن يكونَ اللهُ تعالى أرسل إلى مَلِك أولئك العبادِ
رسولاً يأمره بغزوٍ بني إسرائيل، فتكون البعثةُ بأمرٍ منه تعالى.
وقرأ الحسنُ وزيد بن عليٍّ ◌ِّه: ((عَبيدا)(٢).
﴿أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ ذوي قوَّة وبطشٍ في الحروب.
وقال الراغبُ(٣): البؤسُ والبأسُ والبأساء: الشدّة والمكروه، إلَّا أنَّ البؤس في
الفقر والحربِ أكثر، والبأسَ والبأساءَ في النِّكاية، ومن هنا قيل: إنَّ وصف البأسِ
بالشديد مبالغةٌ، كأنه قيل: ذوي شديدةٍ، كظِلٌّ ظليل. ولا بأسَ فيه، وقيل: إنه
تجريد، وهو صحيحٌ أيضاً.
واختلف في تعيين هؤلاءِ العباد، فعن ابنِ عباس وقتادةً: هم جالوت الجزري
وجنودُه، وقال ابن جُبَير وابنُ إسحاق: هم سنجاريب(٤) مَلِكُ بابل وجنودُه.
وفي ((الإعلام)) للسُّهيلي: هم بُخْتنَصَّر - عاملُ لهراسفِ أحدِ ملوك الفرسِ
الكيانية على بابل والرُّوم - وجنودُه، بُعثوا عليهم حين كذَّبوا أرميا وجرحوه
وحبسوه(٥)، قيل: وهو الحقُّ.
﴿فَاسُواْ ◌ِلَلَ الذِيَارِ﴾ أي: تردَّدوا وَسَطها لطلبكم. قال الرَّاغب(٦): جاسوا
الدِّيار: توسَّطوها وتردّدوا بينها، ويقاربه: حاسوا وداسوا، وقرأ: ((حاسوا)) بالحاء
أبو السمَّال وطلحةُ، وقُرئ أيضاً: ((تجوَّسوا)) بالجيم على وزن: تكسَّروا(٧). وقال
أبو زيد: الجَوس والحَوس: طلب الشيء باستقصاء.
و ((خلال)) اسمٌ مفرد؛ ولذا قرأ الحسن: ((خلل)) (٨)، ويجوز أن يكونَ خِلال
(١) في المحرر الوجيز ٤٣٩/٣.
(٢) البحر ٩/٦، وينظر القراءات الشاذة ص٧٥، والمحتسب ١٤/٢ .
(٣) في المفردات (بأس).
(٤) كذا في الأصل و(م)، والذي في تاريخ اليعقوبي ٨٢/١ في ذكر ملوك بابل: سنحاريب.
وكذا ورد في أغلب المصادر.
(٥) التعريف والإعلام فيما أبهم من الأسماء والأعلام في القرآن الكريم ص ٩٨- ٩٩.
(٦) في المفردات (جوس).
(٧) البحر المحيط ١٠/٦، وينظر القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٥/٢ .
(٨) القراءات الشاذة ص٧٥.

الآية : ٦
٣٩٥
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
جمعَ خَلَل، كجبال جمع جَبَل، ويُشير كلامُ أبي السُّعودِ (١) إلى اختياره، وكلامُ
البيضاويٌّ(٢) إلى اختيار الأوَّل.
﴿وَكَانَ﴾ أي: وعدُ أُولاهما ﴿وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴾﴾ محتَّمَ الفعلِ، فضميرُ ((كان))
للوعد السَّابق، وقيل: للجَوس المفهوم من ((جاسوا)).
والجمهورُ على أنَّ في هذه البعثةِ خَرَّب هؤلاء العبادُ بيتَ المقدس، ووقع القتلُ
الذَّريع والجلاءُ والأَسر في بني إسرائيل، وحرِّقت التوراة. وعن ابن عباس ومجاهدٍ
أنَّه لم يكن ذلك، وإنَّما جاس الغازون خلالَ الدِّيار وانصرفوا بدون قتال.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ أي: الدَّولةَ والغلبة. وأصلُ معنى الكرِّ العطفُ
والرجوع، وإِطلاقُ الكَرَّة على ما ذُكر مجازٌ شائع، كما يقال: تراجعَ الأَمر. ولامُ
(لكم)) للتَّعدية، وقيل: للتعليل.
وقولُه تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: الذين فعلوا بكم ما فعلوا، متعلِّق بالكَرَّة؛ لما فيها
من معنى الغلبةِ، أو حالٌ منها، وجوِّز تعلُّقه بـ ((رَدَدْنا))، وهذا - على ما في
((البحر))(٣) - إخبارٌ منه تعالى في الثَّوراة لبني إسرائيل، إلّا أنَّه جَعل ((رددنا)) موضع
نردُّ؛ لتحقُّق الوقوع، وكان بين البعثِ والردِّ ـ على ما قيل - مئةُ سنة، وذلك بعد أن
تابوا ورجعوا عمَّا كانوا عليه.
واختلف في سبب ذلك، فرُوي أنَّ أزدشير بهمن بن أسفنديار بن كشتاسف بن
لهراسف لمَّا ورث الملكَ من جدِّه كشتاسف، ألقى اللهُ تعالى في قلبه الشفقةَ على
بني إسرائيل، فردَّ أَسراءَهم الذين أتى بهم بُخْتنَصَّر إلى بابل، وسيَّرهم إلى أرض
الشام وملَّك عليهم دانيال، فاستولَوا على مَن كان فيها من أتباع بختنصر، وجعل
بعضُهم من آثار هذه الكَرَّةِ قتلَ بختنصر، ولم يَثْبُت.
وفي ((البحر)) (٤) أنَّ مَلِكاً غزا أهل بابل، وكان بُخْتَنَصَّر قد قتل من بني إسرائيل
(١) في تفسيره ١٥٦/٥.
(٢) في تفسيره ١٩٦/٣ .
(٣) ٦/ ١٠.
(٤) ٦ /١٠.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٣٩٦
الآية : ٧
أربعين ألفاً ممَّن يقرأ التوراة، وأبقَى عنده بقيةً في بابل، فلمَّا غزاهم ذلك الملكُ
وغلب عليهم، تزوَّج امرأةً من بني إسرائيل، فطلبت منه أن يردّ بني إسرائيلَ إلى
ديارهم، ففعل، وبعد مدَّة قامت فيهم الأنبياءُ ورجعوا إلى أحسنٍ ما كانوا .
وقيل: ردُّ الكرَّةِ بأن سلَّط اللهُ تعالى داودَ عليه السلام فقتل جالوتَ. وتُعقِّب
بأنَّه يَردُّه قولُه تعالى: (وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْتِدَ) ... إلخ فإنَّ المراد به بيتُ المقدس،
وداودُ عليه السلام ابتدأ بنيانَه بعد قتلِ جالوت وإيتائه النبوّةَ، ولم يتمَّه، وأتمَّه
سليمانُ عليه السلام، فلم يكن قبلَ داودَ عليه السلام مسجدٌ حتى يدخلوه أوَّلَ
مرَّة. ودُفع بأنَّ حقيقة المسجدِ الأرضُ لا البناءُ، ويُحمل قوله تعالى: (دَخَلُوهُ)
على الاستخدام. وهو كما ترى. والحقُّ أن المسجد كان موجوداً قبل داودَ عليه
السلام كما قدَّمنا.
﴿وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَقْوَلٍ﴾ كثيرةٍ بعد ما نُهبت أموالكم ﴿وَبَنِينَ﴾ بعد ما سُبيت
أولادُكم ﴿وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا ﴾﴾ ممَّا كنتم من قبل، أو من أعدائكم.
والنفيرُ - على ما قال أبو مسلم - كالنافر: مَن ينفر مع الرَّجل مِن عشيرته وأهل
بيته. وقال الزجَّاجِ(١): يجوز أن يكونَ جمعَ نَفْر، ككلب وكَلِيب، وعبد وعبيد،
وهم المجتمعون للذَّهاب إلى العدوّ.
وقيل: هو مصدر، أي: أكثرَ خروجاً إلى الغزو، كما في قول الشَّاعر(٢):
فأَكرم بقحطانَ من والدٍ وحِميرَ أَكرِم بقومٍ نفيرا
وُروی :
[و] بالحميريين أكرِم نفيرا (٣)
وصحّح السهيليُّ أنَّ اسمُ جمع؛ لغلبته في المفردات وعدم إِطَّراد مفردِهِ.
﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ﴾ أعمالَكم، سواءٌ كانت لازمةً لأَنفُسكم أو متعدِّية للغير، أي:
(١) في معاني القرآن ٢٢٨/٣.
(٢) هو تبع بن بكر الحميري، كما في المحرر الوجيز ٤٣٩/٣، والنكت والعيون ٢٣٠/٣.
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٠. وما بين حاصرتين لضرورة الوزن.

الآية : ٧
٣٩٧
سُورَةُ الإِسْرَةِ
عملتموها على الوجه المستحسَنِ اللائق، أو فعلتم الإحسانَ ﴿أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾
أي: لنفعها بما يترتَّب على ذلك من الثَّواب ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ﴾ أعمالَكم، لازمةً كانت
أو متعدِّية، بأنْ عملتموها على غير الوجهِ اللائق، أو فعلتم الإساءةَ ﴿فَلَهَا﴾ أي:
فالإساءةُ عليها؛ لما يترتب على ذلك من العقاب، فاللامُ بمعنى ((على))، كما في
قوله :
فخرَّ صريعاً لليدين وللفمٍ(١)
وعبَّر بها لمشاكلة ما قبلَها.
وقال الطبريُّ(٢): هي بمعنى ((إلى))، على معنى: فإساءتُها راجعةٌ إليها. وقيل:
إنَّها للاستحقاق، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨].
وفي ((الكشّاف))(٣) أنَّها للاختصاص، وتعقِّب بأنَّه مخالفٌ لما في الآثار من
تعدِّي ضررِ الإساءة إلى غير المذنب، اللهمَّ إلَّا أن يقال: إنَّ ضرر هؤلاءِ القوم من
بني إسرائيلَ لم يتعدَّهم، وفيه أنَّه تكلُّف لا يُحتاج إليه؛ لأنَّ الثواب والعقَابَ
الأُخروبين لا يتعدَّيان، وهما المرادُ هنا.
وقيل: اللامُ للنفع کالأُولى، لكن على سبيل التھگُم.
وتعميمُ الإحسان ومقابلِهِ بحيث يَشملان المتعدِّيَ واللازمَ هو الذي استظهره
بعضُ المحقّقين، وفسَّر الإحسانَ بفعل ما يُستحسن له ولغيره، والإساءةَ بضدٍّ ذلك،
وقال: إنَّه أنسبُ وأتمُّ؛ ولذا قيل: إنَّ تكرير الإحسانِ في النَّظم الكريمِ دون الإساءةِ
إشارةٌ إلى أنَّ جانب الإحسان أَغلب، وأنَّه إذا فُعل ينبغي تكرارُه، بخلاف ضدِّه،
وجاء عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهه أنَّه قال: ما أحسنتُ إلى أحدٍ ولا أسأت إليه،
وتلا الآية.
ووجهُ مناسبتِها لما قبلها - على ما قال القطبُ - أنَّهم لمَّا عصَوا، سلَّط اللهُ
(١) قائله جابر بن حُنَيّ كما في المفضليات ص٢٠٨، ٢١٢. وصدره:
تَنَاوَله بالرُّمح ثم اتَّنى له
(٢) في تفسيره ١٤/ ٤٧٨ .
(٣) ٤٣٩/٢.

سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
٣٩٨
الآية : ٧
تعالى عليهم مَن قَصَدَهم بالنهب والأَسر، ثم لمَّا تابوا وأطاعوا، حَسُنت حالهم،
فظهر أنَّ إحسان الأَعمال وإساءتَها مختصٌّ بهم. والآية تضمَّنت ذلك، وفيها من
التَّرغيب بالإحسان والترهيبِ من الإساءة ما لا يخفَى، فتأمَّل.
﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ﴾ المرَّةِ ﴿الْآَخِرَةِ﴾ من مرَّتَي إفسادكم ﴿لِيَسْكُوا﴾ متعلِّق بفعل
محذوفٍ لدلالة ما سبق عليه، وهو جوابُ ((إذا))، أي: بعثناهم ليسوؤا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾
أي: ليجعلَ العبادُ المبعثون آثارَ المساءةِ والكآبة باديةً في وجوهكم، فإنَّ الأعراض
النفسانيةَ تظهر فيها، فيظهر بالفرح النَّضارةُ والإشراق، وبالحزن والخوفِ الُلوُ
والسواد، فالوجوهُ على حقيقتها .
قيل: ويحتمل أن يعبّر بالوجه عن الجملة، فإنَّهم ساؤوهم بالقتل والنهب
والسَّبي، فحصلت الإساءة للذَّوات كلِّها، ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾
[الآية: ٧] ويحتمل أن يرادَ بالوجوه ساداتُهم وكبراؤهم. اهـ. وهو كما ترى. واختير
هذا على ليسوؤكم، مع أنَّه أخصرُ وأَظهرُ؛ إشارةً إلى أنَّه جُمع عليه ألمُ النفسِ
والبدنِ المدلول عليه بقوله تعالى: (وَلِسُنَِّرُوأ) إلخ.
وقيل: (فَإِذَا جَآءَ) هنا مع كونِهِ من تفصيل المجملِ في قوله سبحانه: (لَتُفْسِدُنَّ فِى
اٌلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) فالظاهر: فإذا جاء وإذا جاء، للدَّلالة على أنَّ مجيءَ وعدِ عقابِ المرَّة
الآخرةِ لم يتراخَ عن كثرتهم واجتماعِهم، دلالةً على شدَّة شكيمتِهم في كفران
النِّعم، وأنَّهم كلَّما ازدادوا عُدَّة وعِدة، زادوا عدواناً وعزَّة، إلى أن تكاملت أسبابُ
الثروةِ والكثرة، فاجأهم الله عزَّ وجلَّ على الغِرَّة، نعوذ بالله سبحانه من مباغتة
عذابه .
وقرأ أبو بكرٍ وابنُ عامر وحمزةُ: ((ليسوءَ)) (١) على التوحيد، والضميرُ الله تعالى،
أو للوعد، أو للبعث المدلولِ عليه بالجزاء المحذوف، والإسنادُ مجازيٌّ على
الأَخيرَين، وحقيقيٍّ على الأول، ويؤيِّده قراءةٌ عليٍّ كرم الله تعالى وجهَه،
وزيدٍ بن عليٍّ، والكِسائي: ((لِنسوء)»(٢) بنون العظمة، فإنَّ الضميرَ لله تعالى،
لا يحتمل غیرَ ذلك.
(١) التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٦/٢.
(٢) البحر المحيط ١١/٦، وقراءة الكسائي في التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٦/٢.

الآية : ٧
٣٩٩
سُؤَةُ الإِسْراء
وقرأ أُبَيّ: ((لِنَسوأنْ)) بلام الأمرِ ونونِ العظمة أوَّلَه، ونونِ التوكيدِ الخفيفة
آخرَه، ودخلت لامُ الأَمر على فعل المتكلِّم كما في قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ
خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجوابُ ((إذا)) على هذه القراءةِ هو الجملةُ الإنشائيةُ على
تقدير الفاءِ؛ لأنَّها لا تقع جواباً بدونها .
وعن عليٍّ كرَّم الهُ وجهَه أيضاً: (لَنسوأنَّ) و(لَيسوأنَّ)) بالنون والياءِ أولاً ونونِ
التوكيدِ الشديدة آخراً (١)، واللامُ في ذلك لامُ القَسَم، والجملة جوابُ القسم سادَّة
مسدَّ جواب ((إذا)).
واللامُ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ﴾ لامُ كي، والجارُّ والمجرور معطوفٌ
على الجارِّ والمجرور قبله، وهو متعلِّق ببعثنا المحذوفِ أيضاً. وجوِّز أن يتعلَّق
بمحذوفٍ غيره، فيكون العطفُ من عطف جملةٍ على أخرى. وعلى القراءة بلام الأمر
أو لامِ القَسَم فيما تقدَّم يجوز أن تكونَ اللامُ لامَ الأَمر، وأن تكونَ لامَ کی.
والمراد بـ ((المسجد)) بيتُ المقدس، وهو مفعولُ ((يدخلوا)). وفي ((الصِّحاح))(٢)
أنَّ الصحيحَ في نحو: دخلتُ البيتَ، أنَّك تريد: دخلتُ إلى البيت، فحُذف حرفُ
الجرِّ، فانتصب البيتُ انتصابَ المفعولِ به، وتحقيقُه في محلِّه.
وَكَمَا دَخَلُوهُ﴾ أي: دخولاً كائناً كدخولهم إِيَّاه ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فهو في موضع
النعتٍ لمصدرٍ محذوف، وجوِّز أن يكونَ حالاً، أي: كائنين كما دخلوه، و((أول))
منصوبٌ على الظرفيةِ الزمانية.
والمراد من التشبيه - على ما في ((البحر))(٣) - أنَّهم يدخلونه بالسَّيف والقهرِ
والغَلَبة والإذلال، وفيه أيضاً أنَّ هذا يُبعد قولَ مَن ذهب إلى أنَّ أُولى المرَّتين لم
يكن فيها قتالٌ ولا قتلٌ ولا نهب.
﴿وَلِيُنَِّرُواْ﴾ أي: يهلكوا، وقال قُطرب: يَهدموا، وأنشد قولَ الشاعر (٤):
(١) البحر المحيط ١١/٦، وفيه قراءة أبي، وانظر القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٥/٢.
(٢) مادة (دخل).
(٣) ٦ / ١١.
(٤) هو لبيد، والبيت في ديوانه ص ١٧٠ .

سُؤَدَّةُ الإِسْرَاء
٤٠٠
الآية : ٧
وما الناسُ إلَّا عاملان فعاملٌ يتبِّر ما يبني وآخَرُ رافعُ
وقال بعضُهم: الهدم إهلاكٌ أيضاً، وأَخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن سعيد بن جُبَير
أنَّ التتبيرَ كلمةٌ نَبَطية .
عَلَوْا﴾ أي: الذي غلبوه واستولوا عليه، فـ((ما)) اسمٌ موصول، والعائدُ
محذوف، وهو إمَّا مفعول، أو مجرورٌ، على ما قيل.
وجوِّز أن تكونَ ((ما)) مصدريةً ظرفية، أي: ليتَبِّروا مدةَ دوامِهم غالبين قاهرين
﴿َتْبِيرًا ﴾﴾ فظيعاً لا يوصَف.
واختلف في تعيين هؤلاءِ العبادِ المبعوثين بعد أنْ ذكروا قتلَ يحيى عليه السلام
في الإفساد الأخير، فقال غيرُ واحد: إنَّهم بُخْتَنَصَّر وجنودُه. وتعقّبه السُّهيلي(١) بأنه
لا يصحُّ؛ لأنَّ قتل يحيى بعد رفع عيسى عليهما السلام، وبُخْتَنَصَّر كان قبل عيسى
عليه السلام بزمنٍ طويل.
وقيل: الإسكندرُ وجنوده. وتعقّبه أيضاً بأنَّ بين الإسكندرِ وعيسى عليه السلام
نحواً من ثلاث مئةٍ سنة، ثم قال: لكنَّه إذا قيل: إنَّ إِفسادهم في المرَّة الأخيرةِ بقتل
شَعيا، جاز أن يكونَ المبعوثُ عليهم بختنصر ومَن معه؛ لأنَّه كان حينئذٍ حيًّا .
ورُوي عن عبد الله بن الزُّبير ﴿هَا أنَّ الذي غزاهم ملك خردوش(٢)، وتولَّى
قتلَهم على دم يحيى عليه السلام قائدٌ له، فسَكَنَ.
وفي بعض الآثارِ أنَّ صاحب الجيشِ دخل مذبحَ قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي،
فسألهم عنه، فقالوا: دمُ قربانٍ لم يُقبَل منَّا، فقال: ما صَدَقتموني، فقتل عليه ألوفاً
منهم، فلم يهدأ الدمُ، ثم قال: إن لم تَصْدقوني ما تركتُ منكم أحداً، فقالوا: إنَّه
دُ يحيى عليه السلام، فقال: بمثل هذا ينتقم ربُّكم منكم، ثم قال: يا يحيى، قد
علم ربِّي وربُّك ما أصاب قومَك من أجلك، فاهدأ بإذن اللهِ تعالى قبل ألّا أُبقيَ
أحداً منهم، فهدأ .
(١) في التعريف والإعلام ص٩٨.
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي الإعلام بأصول الأعلام ص٨٨: خردوس، ويقال: حردوس
وجودرس و کردوس.