Indexed OCR Text
Pages 361-380
سورة بني إسرائيل وتسمَّى ((الإسراء)) و((سبحان)) أيضاً. وهي - كما أخرج ابنُ مردويه عن ابن عباسٍ وابنِ الزُّبِير طُه - مكِّية(١)، وكونُها كذلك بتمامها قولُ الجمهور. وقال صاحبُ (الغنيان)): بإجماع. وقيل: إلَّا آيتين: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الآية: ٧٣] ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ﴾ [الآية: ٧٦] وقيل: إلَّا أربعاً: هاتان وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِ﴾ [الآية: ٦٠] وقولُه سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الآية: ٨٠] وزاد مقاتلٌ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ=﴾ [الآية: ١٠٧] وعن الحسن إلَّا خمسَ آيات: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ﴾ [الآية: ٣٣] ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفٌ﴾ [الآية: ٣٢] ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الآية: ٥٧] ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ﴾ [الآية: ٧٨] ﴿وَءَتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [الآية: ٢٦]. وقال قتادة: إلَّا ثماني آيات، وهي قوله تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ) إلى آخرهن. وقيل غيرُ ذلك. وهي مئةٌ وعشرُ آيات عند الجمهور، وإحدى عشْرةَ عند الكوفيين. وكان ◌َلِ﴾ - كما أَخرج أحمدُ، والترمذيُّ وحسَّنه، والنَّسائي(٢)، وغيرُهم عن عائشةَ - يقرؤها و((الزمرَ)) كلَّ ليلة. وأخرج البخاريُّ، وابن الضُّرَيس، وابنُ مردويه عن ابن مسعود أنَّه قال في هذه السورةِ و((الكهفِ)) و((مريمَ)) و((طهَ)) و((الأنبياءِ)): هنَّ من العِتاق الأُوَل، وهنَّ من تِلادي(٣). وهذا وجهٌ في ترتيبها . (١) الدر المنثور ١٣٦/٤. (٢) الدر المنثور ١٣٦/٤، ومسند أحمد (٢٤٣٨٨)، وسنن الترمذي (٢٩٢٠) و(٣٤٠٥)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٨٠). (٣) الدر المنثور ١٣٦/٤، وصحيح البخاري (٤٧٣٩)، وفضائل القرآن ص٩٨. ٣٦٢ سُؤَدَّةُ الاسْراءِ ووجهُ اتصال هذه بـ ((النحل)) - كما قال الجلال السيوطيُّ(١) - أنه سبحانه لمَّا قال في آخرها: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ [الآية: ١٢٤] ذكر في هذه شريعةَ أهلِ السَّبت التي شرعها سبحانَه لهم في التوراة، فقد أَخرج ابن جَريرٍ (٢) عن ابن عباسٍ ◌ّ أنَّه قال: إنَّ التوراة كلَّها في خمسَ عشرةَ آيةً من سورة ابني إسرائيل)). وذكر تعالى فيها عصيانَهم وإِفِسادَهم، وتخريبَ مسجدهم، واستفزازَهم النبيَّ ◌َّهِ، وإرادتَهم إِخراجَه من المدينة، وسؤالَهم إيَّه عن الرُّوح، ثم ختمها جلَّ شأنُه بآيات موسى عليه السلام التسع، وخطابِه مع فرعون، وأَخبر تعالى أنَّ فرعونَ أراد أن يستفزّهم من الأرض، فأُهَلك ووَرِث بنو إسرائيل مِن بعده، وفي ذلك تعريضٌ بهم أنَّهم سينالهم ما نال فرعونَ، حيث أرادوا بالنبيِّ ◌َّ ما أَراد هو بموسى عليه السلام وأصحابِهِ. ولمَّا كانت هذه السورةُ مصدَّرةً بقصَّة تخريبِ المسجدِ الأقصى، افتُتحت بذِكر إسراءِ المصطفى وَلّ، تشريفاً له بحلول رِكابه الشريفِ جبراً لما وقع من تخريبه. وقال أبو حيَّان في ذلك(٣): إنَّه تعالى لمَّا أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام بالصَّبر ونهاه عن الحزن على الكفرة وضيقِ الصَّدر من مكرهم، وكان مِن مكرهم نسبتُهُ وَله إلى الكَذِب والسِّحر والشِّعر، وغير ذلك ممَّا رمَوه - وحاشاه - به، عقّب ذلك بذکر شرفِهِ وفضلِهِ وعلوِّ منزلتِهِ عنده عزَّ شأنه. وقيل: وجهُ ذلك اشتمالُها على ذِكر نِعَم، منها خاصَّة ومنها عامَّة، وقد ذكر في سورة النَّحل من النِّعم ما سمِّيت لأجله سورةَ النِّعم، واشتمالُها على ذِكر شأنٍ القرآنِ العظيم كما اشتملت تلك، وذَكَرَ سبحانه هناك في ((النحل)): ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾ [الآية: ٦٩] وذَكَرَ هاهنا في القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٨٢] وذَكَرَ سبحانه في تلك أمرَه بإيتاء ذي القربى(٤)، وأَمَرَ هنا بذلك مع زيادةٍ في قوله سبحانه: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ نـ (١) في تناسق الدرر ص٦٣ -٦٤ . (٢) في تفسيره ١٣٨/١٥. (٣) في البحر المحيط ٤/٦. (٤) في الآية: ٩٠. الآية : ١ ٣٦٣ سُؤَكَةُ الاسْرَاةِ حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الآية: ٢٦] وذلك بعد أن أَمَرَ جلَّ وعلا بالإحسان بالوالدين اللذَين هما منشأُ القرابة، إلى غير ذلك ممَّا لا يُحصَى، فليُتَأمَّل، والله تعالى الموفِّق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحَنَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ ((سبحان)) هنا - على ما ذهب إليه بعضُ المحقّقين - مصدرُ: سَبَّح تسبيحاً، بمعنى: نزَّه تنزيهاً، لا بمعنى: قال: سبحانَ الله. نعم جاءَ التسبيحُ بمعنى القولِ المذكورِ كثيراً، حتى ظنَّ بعضُهم أنَّه مخصوصٌ بذلك، وإلى هذا ذهب صاحبُ ((القاموس)) في شرح ديباجةِ ((الكشّاف)» وجَعَلَ (سبحان)) مصدرَ سَبَحَ مخفَّفاً. وليس بذاك. وقد يُستعمل عَلَماً للتنزيه، فيُقطع عن الإضافة؛ لأنَّ الأَعلام لا تضاف قياساً، ويُمنَع من الصَّرف للعَلَمية والزيادة، واستُدلَّ على ذلك بقول الأَعشى: سبحانَ مِن علقمةَ الفاخرِ(١) قد قلت لما جاءني فخره وقال الرَّضيُّ: لا دليلَ على عَلَميته؛ لأنه أكثرُ ما يستعمل مضافاً، فلا يكون عَلَماً، وإذا قُطع فقد جاء منوَّناً في الشِّعر، كقوله: سبحانَه ثم سبحاناً نعوذ به وقبلَنا سبَّح الجوديُّ والجَمَدُ(٢) وقد جاء باللَّام، كقوله: سبحانك اللهمَّ ذو السُّبحانِ(٣) ولا مانع من أن يقالَ في البيت الذي استدلُّوا به: حُذف المضافُ إليه وهو مرادٌ للعِلم به، وأُبقي المضافُ على حاله مراعاةً لأَغلب أحواله، أي: التجرُّد عن التنوين، كقوله: (١) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص٩٤، وسلف ١٠٣/٢. (٢) البيت في الكتاب ٣٢٦/١، والخزانة ٣٨٩/٣، وسلف ١٠٣/٢. والجودي والجمد جبلان. (٣) الرجز في أمالي ابن الشجري ١٠٨/٢، والخزانة ٢٥٠/٣ (دار صادر) دون نسبة، وسلف ١٠٣/٢. سورة الإسراء ٣٦٤ الآية : ١ خَالَطَ مِن سلمى خياشيمَ وَفَا(١) انتھی . وظاهرُ كلامِ الزمخشريِّ(٢) أنه عَلَمٌ للتسبيح دائماً، وهو عَلَم جنس؛ لأنَّ علم الجنس كما يوضَع للذّوات يوضع للمعاني، فلا تفصيلَ عنده. وانتصر له صاحبُ ((الكشف)) فقال: إنَّ ما ذهب إليه العلَّامة هو الوجه؛ لأنَّه إذا ثبتت العَلَمية بدليلها، فالإضافة لا تنافيها، وليست من باب: زيد المعارك، لتكونَ شاذَّة، بل من باب: حاتِم طيِّئ، وعنترة عبسٍ. وذَكَرَ أنه يدلُّ على التنزيه البليغ، وذلك من حيث الاشتقاق من السَّبح، وهو الذهابُ والإِبعاد في الأرض، ثم ما يُعطيه نقلُه إلى التفعيل، ثم العدولُ عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصَّة، لا سيّما وهو عَلَم يشير إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذِّهن، وما فيه من قيامه مَقامَ المصدرِ مع الفعل، فإنَّ انتصابه بفعل متروكِ الإظهار، ولهذا لم يَجُز استعماله إلَّ فيه تعالى أسماؤه وعَظُمَ كبرياؤه، وكأنَّه قيل: ما أبعدَ الذي له هذه القدرةُ عن جميع النقائص، فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخَصيصِ به إلَّا حكمةً وصواباً. انتهى. وأُورد على ما ذكره أوّلاً أنَّ مَن منع إضافةَ العلمِ قياساً، لم يفرِّق بين إضافةٍ وإضافة، فإن ادَّعى أنَّ بعض الأَعلامِ اشتهرت بمعنّىَ، كحاتم بالكرم، فيجوزُ في نحوه الإضافةُ لقصد التخصيص ودفعِ العمومِ الطارئ، فما نحن فيه ليس من هذا القبيل كما لا يخفَى. وما ذَكَرَ من دلالته علىَ التَّنزيه من جميع النقائصٍ هو الذي يشهد له المأثور، ففي ((العِقد الفريد)): عن طلحةَ قال: سألتُ رسولَ اللهِ وَله عن تفسير ((سبحان الله)) فقال: ((تنزيهٌ لله تعالى عن كلِّ سوء))(٣). وقال الطَّيبي في قول الزمخشريِّ: إنه دلَّ على التنزيه البليغِ عن جميع القبائحِ (١) قائله العجاج، وهو في ديوانه ص٤٢٤، وصدره: حتى تناهى في صهاريج الصفا. يقول: حتى تناهى في صهاريج - أحواض ـ من صفا وحجارة، فهو صاف، ليس فيه كدر، كأن ريح فيها وخياشيمها هذه الخمر. (٢) في الكشاف ٤٣٦/٢. (٣) أخرجه البزار (٩٥٠)، والطبراني في الدعاء (١٧٥١)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٤/١٠ -٩٥: رواه البزار، وفيه: عبد الرحمن بن حماد الطلحي، وهو ضعيف بسبب هذا وغيره. اهـ. وأورده الدارقطني في العلل ٢٠٨/٤ مرسلاً وموصولاً، وقال: والمرسل أصح. الآية : ١ ٣٦٥ سُورَةُ الإِسْرة التي يُضيفها إليه أعداءُ اللهِ تعالى: إنَّ ذلك مما يأباه مقامُ الإسراء إباءَ العَيوفِ(١) الورودَ، وهو مزيَّف، بل معناه التعجُّب كما قال في ((النُّور)): الأصل في ذلك أن يسبّحَ الله تعالى عند رؤيةِ العجيبِ من صنائعه، ثم كَثُر حتى استُعمل في كلِّ متعجّب منه(٢). وليس بشيءٍ، ففي ((الكشف)): أنَّ التنزيه لا ينافي التعجُّبَ كما توهّم واعترض، وجَعْلُه مداراً والتعجُّب تبعاً هاهنا هو الوجهُ بخلاف آيةِ ((النور)). وذكر بعضُهم أنَّ الظاهرَ من كلام ((الكشّاف)) في مواضعَ أنَّه لا يرتضي الجمعَ بين التنزيهِ والتعجّب؛ للمنافاة بينهما، بل لأنَّ كلَّ منهما معنَى مستقلٌّ، فالجمعُ بينهما جمعٌ بين معنَي المشترك، وعلى الجمع فالوجهُ ما ذُكر أنَّه الوجه، فافْهَمْ. وقيل: إنَّ((سبحان)) ليس عَلَماً أصلاً بلا تفصيل، ففيه ثلاثةُ مذاهب. وذكر بعضُهم أنَّه في الآية على معنى الأمر، أي: نزِّهوا الله تعالى وبرِّئوه من جميع النَّقائص، ويدخل فيها العجزُ عما بعد. أو: من العجز عن ذلك. والمتبادرُ اعتبارُ المضارع. والإسراء: السيرُ بالليل خاصَّة، كالسُّرى، فأَسرَى وسَرَى بمعنَى. وليست همزةُ أَسرى للتعدية، كما قال أبو عبيدة. وقال ابنُ عطية (٣): الهمزةُ للتعدية، والمفعولُ محذوف، أي: أَسرى ملائكتُه بعبده. قال في ((البحر)) (٤): وإنَّما احتاج إلى هذه الدَّعوى اعتقاد أنَّه إذا كان أَسرى بمعنى سرى، لزم من كون الباءِ للتعدية مشاركةُ الفاعلِ للمفعول، وهذا شيءٌ ذهب إليه المبرِّد، فإذا قلت: قمتُ بزيد، يَلزم منه قيامُك وقيامُ زيدٍ عنده، وإذا جعلتَ الباءَ كالهمزة، لا يلزمُ ذلك كما لا يخفَى. وقال أيضاً: يحتمل أن يكونَ أسرى بمعنى سَرَى، على حذف مضافٍ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه، والأصلُ: أسرى ملائكتُه، وهو مبنيٌّ على ذلك الاعتقادِ أيضاً. وقال الليثُ: يقال: أَسرى، لأوَّل الليل، وسَرَى، لآخِرِه. (١) العيوف من الإبل: الذي يشم الماء فيدعه وهو عطشان. القاموس (عيف). (٢) الكشاف ٥٥/٣، عند قوله تعالى: ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [الآية: ١٦]. (٣) في المحرر الوجيز ٤٣٤/٣. (٤) ٦ / ٥. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٣٦٦ الآية : ١ وأمَّا سار، فالجمهورُ على أنه عامٌّ لا اختصاصَ له بليل أو نهار. وقيل: إنه مختصُّ بالنهار، وليس مقلوباً مِن سری. وإيثارُ لفظةِ العبدِ للإيذان بتمخُّضه وَّه في عبادته سبحانه، وبلوغِه في ذلك غايةً الغايات القاصية، ونهايةَ النهاياتِ النائية، حسبما يلوح به مبدأُ الإسراءِ ومنتهاه. والعبوديةُ - على ما نصَّ عليه العارفون - أشرفُ الأوصاف، وأعلى المراتب، وبها يفتخر المحُّون، كما قيل: لا تدعُني إلَّا بيا عبدها فإنَّه أشرف أسمائي(١) وقال آخر (٢): عبدي وملكُ يدي وما أَعتقْتُه باللهِ إنْ سألوك عنِّي قل لهم وعن أبي القاسم سليمانَ الأنصاريِّ أنَّه قال: لمَّا وصل النبيُّ نَّهِ إلى الدَّرجات العالية والمراتبِ الرفيعة، أَوحى اللهُ تعالى إليه: يا محمد، بمَ نشرِّفك؟ قال: بنسبتي إليك بالعبوديّة، فأنزل اللهُ تعالى: (سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،)(٣). وجاء: ((قولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه))(٤). وقيل: إنَّ في التعبير به هنا دون: حبيبِهِ، مَثَلاً سدًّا لباب الغلوِّ فيه وَّز، كما وقع للَّصارى في نبيِّهم عليه السلام. وذكروا أنَّه لم يعبِّر اللهُ تعالى عن أحدٍ بالعبد مضافاً إلى ضمير الغَيبةِ المشارِ به إلى الهُويَّة إلَّ النبيّ وَِّ، وفي ذلك مِن الإشارة ما فيه. ومَن تأمَّل أدنَى تأمُّل ما بين قولِه تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،) وقولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَلِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ظهر له الفرقُ التامُّ بين مقامِ الحبيب ومقامٍ الكليم صلى الله عليهما وسلَّم. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى قريباً في هذه السورةِ ما يُفهَم منه الفرق أيضاً، فلا تغفُل. (١) سلف ٢/ ٣٠. (٢) هو عبد الله بن علي تقي الدين السروجي، والبيت في فوات الوفيات ١٩٧/٢، والوافي بالوفيات ٣٤٢/١٧، وثمرات الأوراق ص٢٠٨. (٣) قال الإمام الرازي في تفسيره ١٤٦/٢٠: وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال: سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري ... ثم ذكره. (٤) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر الآية : ١ ٣٦٧ سورة الإسراء وإضافةُ ((سبحان)) إلى الموصول المذكورِ؛ للإشعارِ بعِلِّية ما في حيِّز الصلةِ للمضاف، فإنَّ ذلك من أدلَّة كمالٍ قدرته، وبالغ حكمته، وغاية تنزُّهه تعالى عن صفات النقص. وقولُه تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ ظرفٌ لـ ((أَسرى))، وفائدته الدلالةُ بتنكيره على تقليل مدَّة الإسراءِ، وأنَّها بعضٌ من أجزاء الليل؛ ولذلك قرأ عبدُ الله وحذيفة: ((من الليل))(١) أي: بعضه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ﴾ [الإسراء: ٧٩]. واعتُرض بأنَّ البعضيةَ المستفادَة مِن ((مِن)) التبعيضية هي البعضيةُ في الأجزاء، والبعضيةَ المستفادة من التنكير البعضيةُ في الأفراد والجزئيَّات، فكيف يُستفاد من التنكير أنَّ الإسراءَ كان في بعضٍ من أجزاءِ الليل؟ فالصواب أنَّ تنكيره لدفع توهُّم أن الإسراء كان في ليال، أو لإفادة تعظيمه، كما هو المناسبُ للسِّياق والسِّباق، أي: ليلاً أيَّ ليلٍ دنا فيه المحبُّ إلى المحبوب، وفاز في مقام الشهودِ بالمطلوب. وأجاب عن ذلك بعضُ الكاملين بما لا يخفَى نقصُه. وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ ما ذكر قد نصَّ عليه الشيخُ عبد القاهرِ في ((دلائل الإعجاز))(٢) ولا يَرِد عليه الاعتراضُ ابتداءً. وتحقيقُه على ما صرَّح به الفاضلُ اليمنيُّ نقلاً عن سيبويه وابنِ مالك: أنَّ الليلَ والنهار إذا عرِّفا كانا معياراً للتعميم وظرفاً محدوداً، فلا تقولُ: صحبتُه الليلةَ، وأنت تريد ساعةً منها، إلَّا أن تقصدَ المبالغة، كما تقول: أتاني أهلُ الدنيا، لِناسٍ منهم، بخلاف المنكَّر؛ فإنَّه لا يفيد ذلك، فلمَّا عدل عن تعريفه هنا، عُلِمَ أنَّه لم يقصد استغراقَ السُّرى له، وهذا هو المرادُ من البعضيَّة المذكورة، ولا حاجةً إلى جعل الليلِ مجازاً عن بعضه، كما أنك إذا قلت: جلستُ في السوق، وجلوسُك في بعض أماكنِهِ، لا يكون السوق فيه مجازاً كما لا يخفَى. وقد أشار إلى هذا المدقِّقُ في ((الکشف)). وقيل: المرادُ بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمِه، كما يقال: جاءني فلانٌ (١) الكشاف ٤٣٦/٢، والبحر ٥/٦. (٢) انظر ص٢٨٨-٢٩٠. الآية : ١ ٣٦٨ سُؤَةُ الأسْرَاءِ بليل، أي: في معظم ظلمتِهِ، فيفيد البعضيةَ أيضاً. وينافيه ما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى في الحديث. وزَعْمُ أنَّ ذِكر ((ليلاً)) للتأكيد، أو تجريدِ الإسراء وإرادةٍ مطلق السيرِ منه = ناشىءٌ من قلَّة البضاعةِ كما لا يخفَى. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى بيانُ حكمةِ كون الإسراءِ ليلاً. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ﴾ الظاهر أنَّ المرادَ به المسجدُ المشهورُ بين الخاصِّ والعامٌّ بعينه، وكان ◌َ ﴿ إذ ذاك في الحِجْر منه، فقد أخرج الشيخان والترمذيُّ والنَّسائي(١) من حديث أنسٍ بن مالك، عن مالك بنِ صعصعةً قال: قال رسولُ اللهِ وَلخير: ((بينا أنا في الحِجْر - وفي رواية: في الحطيم - بين النائم واليقظان، إذ أتاني آتٍ، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه، فاستخرج قلبي فغسله، ثم أُعيدَ، ثم أُتيت بدايَّة دون البغلِ وفوقَ الحمار أبيضَ، يقال له: البُراق، فحُملت عليه .. )) الحديث. وفي بعض الرِّوايات أنَّه جاءه جبريلُ وميكائيلُ عليهما السلام وهو مضطجعٌ في الحِجر بين عمِّه حمزةَ وابنٍ عمِّه جعفر (٢)، فاحتملته الملائكةُ عليهم السلام وجاؤوا به إلى زمزمَ، فألقَوه على ظهره، وشقَّ جبريلُ صدرَه من ثُغرة نحرِه إلى أسفل بطنه بغير آلةٍ ولا سيلانِ دمٍ ولا وجودِ ألم، ثم قال لميكائيل: ائتني بطستٍ من ماءٍ زمزم، فأتاه به، فاستخرج قلبَه الشريفَ، وغسله ثلاثَ مراتٍ، ثم أَعاده إلى مكانه، وملأه إيماناً وحكمةً، وخَتَمَ عليه، ثم خرج به إلى باب المسجد، فإذا بالبُراق مُسرَجاً مُلجَماً، فركبه ... الخبر. ويُعلَم منه الجمعُ بين ما ذُكر من أنَّه عليه الصلاة والسلام كان إذ ذاك في الحِجر وما قيل: إنَّه كان بين زمزمَ والمقام. وقيل: المراد به الحَرَمُ، وأُطلق عليه لإحاطته به، فهو مجازٌ بعلاقة المجاورة الحِسِّية والإحاطة، أو لأنَّ الحرم كلَّه محلٌّ للسجود ومحرَّم ليس بحِلٌّ، فهو حقيقةٌ لغوية، والنكتةُ في هذا التعبيرِ مطابقةُ المبدأ المنتھی. (١) صحيح البخاري (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧)، وصحيح مسلم (١٦٤)، وجامع الترمذي (٣٣٤٦)، وسنن النسائي ٢١٧/١. (٢) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٥٧٩/٦ بصيغة التمريض. الآية : ١ ٣٦٩ سُورَةُ الإِسْرَاةِ وكان ◌َ﴿ إذ ذاك في دار فاختةَ أمُّ هانئٍ بنتِ أبي طالب؛ فقد أَخرج النَّسائيُّ عن ابن عباسٍ(١)، وأبو يعلَى في ((مسنده))، والطبرانيُّ في ((الكبير))(٢) من حديثها: أنَّهِ وَلِّ كان نائماً في بيتها بعد صلاة العشاء، فأُسري به ورجع من ليلته وقصَّ القصةَ عليها، وقال: ((مُثِّل لي النبيُّون فصلَّيت بهم)) ثم خرج إلى المسجد وأَخبر به قريشاً، فمن مصفِّق، وواضع يدَه على رأسه تعجّباً وإنكاراً، وارتدَّ أُناس ممَّن آمن به عليه الصلاة والسلام، وسعى رجالٌ إلى أبي بكر، فقال: إنْ كان قال ذلك لقد صَدَقَ، قالوا: تصدِّقه على ذلك؟ قال: إني أصدِّقه على أَبعدَ من ذلك، أصدِّقه بخبر السماءِ غَدوةً أو رَوحةً، فسمِّي: الصِّدِّيق. وكان في القوم مَن يعرف بيتَ المقدس، فاستنعتوه إيَّه، فجُلِّي له، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أمَّا النعتُ فقد أصاب فيه، فقالوا: أَخْبِرنا عن عِيرنا فهي أهمّ إلينا، هل لقيتَ منها شيئاً؟ قال: (نعم، مررت بعِيْر بني فلان، وهي بالرَّوحاء، وقد أضلَّو بعيراً لهم وهم في طلبه، وفي رِحالهم قدحٌ من ماء، فعطشت فأخذتُه وشربته ووضعته كما كان، فاسألوا: هل وجدوا الماءَ في القَدَح حين رجعوا))؟ قالوا: هذه آية. قال: ((ومررت بعِيْر بني فلان، وفلانٌ وفلانٌ راكبان قعوداً، فنفر بعيرُهما منِّي فانكسر، فاسألوهما عن ذلك)) قالوا: هذه آيةٌ أخرى، ثم سألوه عن العُدَّة والأَحمال والهيئات، فمثلت له العِيرُ، فأخبرهم عن كلِّ ذلك وقال: ((تَقْدَم يومَ كذا مع طلوع الشمسِ وفيها فلانٌ وفلان، يَقدُمها جملٌ أَورق عليه غِرارتان(٣) مَخيطتان)) قالوا: وهذه آيةٌ أخرى، فخرجوا يشتدُّون ذلك اليوم نحوَ الثنيَّة، فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمسُ فيكذِّبوه، إذ قال قائلٌ: هذه الشمسُ قد طلعت، وقال آخَر: هذه العِير قد أقبلت، يَقدُمها بعيرٌ أَورقُ فيها فلانٌ وفلانٌ كما قال، فلم يؤمنوا وقالوا: هذا سِحرٌ مبين. قاتلهم اللهُ أَنَّى يؤفكون. وفي بعض الآثارِ أنَّ أَمَّ هانئ قالت: فَقَدْتُه ◌َّهِ وكان نائماً عندي، فامتنع مني النومُ مخافةَ أن يكونَ عرض له بعضُ قريشٍ، ويقال: إنَّه تفرَّقت بنو عبدِ المطلب (١) في الكبرى (١١٢١٩) و(١١٢٢١) وليس فيه ذكر لأم هانئ أصلاً. (٢) برقم (١٠٥٩). (٣) الغرارة: وعاء من الخيش ونحوه، وهو أكبر من الجُوالق. المعجم الوسيط (غرر). سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٣٧٠ الآية : ١ يلتمسونه، ووصل العبَّاس إلى ذي طوى وهو ينادي: يا محمدُ يا محمد، فأجابه وَّه، فقال: يا ابنَ أخي، أَعييتَ قومَك أين كنت؟ قال: ((ذهبتُ إلى بيت المقدس)) قال: مِن ليلتك، قال: ((نعم))، قال: هل أصابك إلَّا خير؟ قال: ((ما أَصابني إلَّا خير)) وقيل غيرُ ذلك. وكما اختلف في مبدأ الإسراء اختلف في سَنته، فذكر النوويُّ في ((الروضة)) أنَّه كان بعد النبوّة بعشر سنين وثلاثة أشهر، وفي ((الفتاوى))(١) أنَّه كان سنةً خمسٍ أو ستٍّ من النبوّة، ونقل عنه الفاضلُ الملَّا أمين العمريُّ في شرح ((ذات الشفاء))(٢) الجزمَ بأنَّه كان في السنة الثانيةَ عشرةَ من المبعث، وعن ابن حزمٍ دعوى الإجماعِ على ذلك، وضعف ما في ((الفتاوى)) بأنَّ خديجةَ عَّا لم تصلِّ الخمسَ وقد ماتت قبل الهجرةِ بثلاث سنين. وقيل: كان قبل الهجرةِ بسنةٍ وخمسة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر، ووقع في حديث شريكِ بن أبي نَمِر (٣) عن أنسٍ أنَّه كان قبل أن يوحَى إلیه ◌ِے، وقد خطأه غيرُ واحدٍ في ذلك. ونقل الحافظُ عبد الحقِّ في كتابه ((الجمعُ بين الصحيحين)»(٤) حدیثَ شریكٍ الواقعَ فيه ذلك بطوله، ثم قال: هذا الحديثُ بهذا اللفظِ من رواية شريكٍ عن أنسٍ قد زاد فيه زيادةً مجهولةً، وأتى فيه بألفاظ غيرِ معروفة. وقد روَى حديثَ الإسراءِ عن أنسٍ جماعةٌ من الحفّاظ المتقنين والأئمَّةِ المشهورين، كابن شهاب، وثابتٍ البُناني، وقتادة، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريكٌ ليس بالحافظ عند أهلِ الحديث. وأجاب عن ذلك محيي السُّنةِ وغيرُه بما ستسمعه إن شاءَ الله تعالى. وكذا اختلف في شهره وليلتِه، فقال النوويُّ في ((الفتاوى)»(٥): كان في شهر ربيعٍ الأوَّل، وقال في ((شرح مسلم)) تبعاً للقاضي عياض: إنَّه في شهر ربيعٍ (١) ص٣٦. (٢) في سيرة النبي والخلفاء، لابن الجزري. (٣) في الأصل و(م): نمرة، وهو خطأ. وحديثه عند البخاري (٣٥٧٠) ومسلم (١٦٢). (٤) ١٢٧/١-١٢٨. وهو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الأندلسي الإشبيلي، الإمام الحافظ العلامة. توفي سنة (٥٨١هـ). سير أعلام النبلاء ١٩٨/٢١ . (٥) ص٣٦. الآية : ١ ٣٧١ سُورَةُ الإِسْرة الآخِرِ (١)، وجزم في ((الروضة)) بأنَّه في رجب. وقيل: في شهر رمضانَ. وقيل: في شؤَّال. وكان ــ على ما قيل - الليلةَ السابعة والعشرين من الشهر، وكانت ليلةَ السبت كما نقله ابنُ الملقِّن(٢) عن رواية الواقديِّ. وقيل: كانت ليلةَ الجمعة؛ لمكان فضلِها وفضل الإسراء. ورُوَّ بأنَّ جبرائيلَ عليه السلام صلَّى بالنبيِّ وَّ أَوَّلَ يومٍ بعد الإسراء الظهرَ، ولو كانَ يومَ الجمعة لم يكن فرضُها الظهرَ. قاله محمدُ بن عَمَّرَ السَّفيري(٣)، وفيه أنَّ العمريَّ ذكر في شرح ((ذات الشِّفاء)) أنَّ الجُمُعة والجنازةَ وجبتا بعد الصَّلواتِ الخمس، وفي شرح ((المنهاج)) للعلَّامة ابن حجر: أنَّ صلاةَ الجمعةِ فُرضت بمكّة، ولم تُقَم بها لفقد العدد، أو لأنَّ شِعارها الإظهار، وكان ◌ِّه بها مستخفياً، وأوَّل مَن أقامها بالمدينة قبلَ الهجرةِ أسعدُ بن زرارةَ بقرية على ميلٍ من المدينة. ونقلَ الدَّميري عن ابن الأثيرِ أنَّه قال: الصحيحُ عندي أنَّها كانت ليلةً الاثنين. واختاره ابنُ المنير. وفي ((البحر))(٤): قيل: إنَّ الإسراء كان في سبعَ عشرةَ من شهر ربيع الأوَّل، والرسولُ وَ﴿ ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهرٍ وثمانيةٍ وعشرين يوماً، وحَكَى أنَّها ليلة السابع والعشرين من شهر ربيعِ الآخِر عن الحربيّ (٥). وهي - على ما نقل السفيريُّ عن الجمهور - أفضلُ الليالي حتى ليلةِ القَدْر (١) كذا قال المصنف رحمه الله، والذي في إكمال المعلم ١/ ٤٩٧- وتبعه عليه النووي ٢٠٩/١-٢١٠ -: إن الإسراء أقل ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً، وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعث النبي ◌َّ بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أُسري به وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل. وأشبه هذه الأقاويل قول الزهري وابن إسحاق. (٢) هو أبو حفص عمر بن علي الأنصاري الأندلسي المصري الشافعي المعروف بابن الملقن. الفقيه الإمام المحدث الحافظ. له: البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وطبقات الأولياء، وغير ذلك. توفي سنة (٨٠٤هـ). الضوء اللامع ٦/ ١٠٠. (٣) هو شمس الدين محمد بن زين الدين عمر السفيري الحلبي الشافعي، الإمام العلامة، ولد بحلب سنة (٨٧٧هـ) ولازم العلاء الموصلي والبدر السيوفي في فنون شتى، توفي سنة (٩٥٦هـ). الكواكب السائرة ٥٦/٢، وشذارت الذهب ٣١١/٨. (٤) ٦ / ٥ . (٥) في الأصل و(م): الجرمي، وهو خطأ، انظر البحر وشرحَي القاضي عياض والنووي. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٣٧٢ الآية : ١ مطلقاً. وقيل: هي أفضلُ بالنّسبة إلى النبيِّ بَّهِ، وليلةُ القدرِ أفضلُ بالنّسبة إلى أمَّته عليه الصلاة والسلام. ورُدَّ بأنَّ ما كان أفضلَ بالنسبة إليه وَّهِ فهو أفضلُ بالنسبة إلى أمَّته عليه الصلاة والسلام، فهي أفضلُ مطلقاً، نعم لم يُشرَع التعبُّد فيها، والتعبُّد في ليلة القدرِ مشروعٌ إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. واختُلف أيضاً أنَّه في اليقظة أو في المنام: فعن الحسنِ أنَّه في المنام. ورُوي ذلك عن عائشةَ ومعاويةَ ﴿هَا، ولعلَّه لم يصحَّ عنهما كما في ((البحر))(١)، وكانت ﴿ّا إذا ذاك صغيرةً، ولم تكن زوجتَه عليه الصَّلاة والسلام، وكان معاويةُ كافراً يومَئذ، واحتجَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] لأنَّ الرؤيا تختصُّ بالنوم لغة، ووقع في حديث شريكِ المتقدِّمِ ما يؤيِّده. وذهب الجمهورُ إلى أنَّه في اليقظة ببدنه وروحِه وَّر، والرُّؤيا تكون بمعنى الرؤية في اليقظة، كما في قول الراعي يصف صائداً : وبشَر قلباً كان جمَّا بَلائِلُهْ(٢) وكبَّر للرؤيا وهشَّ فؤاده وقال الواحديُّ: إنها رؤية اليقظةِ ليلاً فقط، وخبرُ شريكٍ لا يعوَّل عليه، على ما نُقل عن عبد الحقِّ. وقال النوويُّ(٣): وأمَّا ما وقع في روايةٍ عن شريكٍ: وهو نائم، وفي أُخرى عنه: ((بينا أنا عندَ البيتِ بين النائم والیقظان)»، فقد یحتُّ به من یجعلها رؤيا نومِ، ولا حجَّةَ فيه؛ إذ قد يكون ذلك أوَّلَ وصولِ المَلَك إليه، وليس في الحديث ما يدِّلُّ على كونه وَ ل﴿ نائماً في القصّة كلِّها . واحتجَّ الجمهورُ لذلك بأنَّه لو كان مناماً، ما تعجّب منه قريشٌ ولا استحالوه؛ لأنَّ النائمَ قد يرى نفسَه في السماء ويذهبُ من المشرق إلى المغرب، ولا يستبعده أحدٌ، وأيضاً العبدُ ظاهرٌ في الرُّوح والبدن. (١) ٦ / ٥. (٢) في الأصل و(م): بلاله، والمثبت من الروض الأُنُف للسُّهيلي ١٤٩/٢. والبيت في ديوان الراعي النميري ص٢٥٩، واللسان (هشش) برواية: ويشَّر نفساً كان قبلُ يلومها. (٣) في شرح صحيح مسلم ١/ ٢١٠ نقلاً عن القاضي عياض. الآية : ١ ٣٧٣ سورة الإسراء وذهبت طائفةٌ، منهم القاضي أبو بكرٍ والبغويُّ(١)، إلى تصديق القائلين بأنَّه في المنام والقائلين بأنَّه في اليقظة، وتصحيح الحديثَين في ذلك بأنَّ الإسراء كان مرّتين، إحداهما في نومه وَله قبل النبوّة، فأُسريَ بروحه توطئةً وتيسيراً لما يَضعُف عنه قُوى البشر، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَِّىِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ) ثم أُسري بروحه وبدنه بعد النبوّة. قال في ((الكشف)): وهذا هو الحقُّ، وبه يحصل الجمعُ بين الأخبار. وحكى المازريُّ في ((شرح مسلم)»(٢) قولاً رابعاً جمع به بين القولَين، فقال: كان الإسراء بجسده وَّر في اليقظة إلى بيت المقدس، فكانت رؤيةَ عَين، ثم أُسري بروحه الشريفة عليه الصلاة والسلام منه إلى ما فوقه، فكانت رؤيا قلب؛ ولذا شنَّع الكفّار عليه عليه الصلاة والسلام قوله: «أتيتُ بيتَ المقدس في ليلتي هذه)»، ولم يشنِّعوا عليه قولَه فيما سوى ذلك، ولم يتعجَّبوا منه؛ لأنَّ الرؤيا ليست محلَّ التعجُّب. وليس معنى الإسراءِ بالروح الذهابَ يقظةً كالانسلاخ الذي ذهب إليه الصوفيةُ والحكماء، فإنَّه وإن كان خارقاً للعادة ومحلًا للتعجّب أيضاً، إلَّا أنَّه أمرٌ لا تعرفه العربُ، ولم يذهب إليه أحدٌ من السلف. والأكثرُ على أنَّ المعراج كالإسراء بالرُّوح والبدن، ولا استحالة في ذلك، فقد ثبتَ بالهندسة أنَّ مساحةً قطرِ جِرم الأرضِ ألفان وخمسُ مئةٍ وخمسةٌ وأربعون فرسخاً ونصفُ فرسخ، وأنَّ مساحة قطرِ كرةِ الشَّمس خمسةُ أمثال ونصفُ مثل لقطر جِرم الأرض، وذلك أربعةَ عشرَ ألفِ فرسخ، وأنَّ طرفَ قطرِها المتأخّر يصل موضع طرفِه المتقدِّم في ثُلُثي دقيقة، فتقطع الشمسُ بحركة الفَلَك الأعظم أربعةً عشرَ ألفِ فرسخ في ثلثَي دقيقةٍ من ساعة مستوية. وذكر الإمامُ في ((الأربعين))(٣) أنَّ الأجسامَ متساويةٌ في الذَّوات والحقائق، فوجب أن يصحَّ على كلِّ واحدٍ منها ما يصحُّ على غيره من الأعراض؛ لأنَّ قابليةً (١) في تفسيره ١٣٤/٣ على هامش الخازن. (٢) ٢٢٠/١. (٣) في أصول الدين. سُورَةُ الاسْرَاءِ ٣٧٤ الآية : ١ ذلك العَرض إن كان من لوازم تلك الماهيةِ فأينما حصلت لَزِمَ (١) حصولُ تلك القابلية، فوجب أن يصحَّ على كلِّ منها ما يصحُّ على الآخَر، وإن لم يكن من لوازمها كان من عوارضها، فيعود الكلامُ، فإن سَلِمَ، وإلَّا دارَ أو تسلسل، وذلك محال، فلا بدَّ من القول بالصحَّة المذكورة، والله تعالى قادرٌ على جميع الممكنات، فيقدرُ على أن يخلقَ مثل هذه الحركةِ السريعةِ في بدن النبيِّ ◌َّ أُو فیما يحمله. وقال العلامة البيضاويُّ(٢): الاستحالة مدفوعةٌ بما ثبت في الهندسة أنَّ ما بين طَرَفَي قرص الشمس ضِعفُ ما بين طرفي كرةِ الأرض مئةً ونيِّفاً وستِين مرة، ثم إنَّ طرفها الأسفلَ يصل موضعَ طرفها الأَعلى في أقلّ من ثانية ... إلى آخِر ما قال. وما ذكرناه هو الصوابُ في التعبير، فإنَّ المقدِّمتين اللتين ذكرهما ممنوعتان، أمَّا الأولى، بأنَّ النِّسبة التي ذكرها إنَّما هي نسبةُ جِرم الشمسِ إلى جرم الأرض، كما برهنوا عليه في باب مقادير الأجرام والأبعاد من كتب الهيئة، لكنَّهم قالوا: جرمُ الشمس مثلُ جرمِ الأرض مئةً وستةً وستين مرة وربعَ مرة وثُمُنَ مرة. والعلَّامة جعل ذلك نسبةَ القطرِ إلى القطر؛ لأنَّه المتبادرُ مما بين الطرفين، وإرادةُ الجِرم منه خلافُ الظاهر جداً، وكان يكفيه لو أَراد ذلك أن يقولَ: قرصُ الشمسِ ضعفُ كرةٍ الأرض، فأيُّ معنّى لما زاده؟! وأمَّا الثانية، فإن أَراد بالثانية الثانيةَ من دقيقة الدرجةِ الفَلَكية التي هي ستُّون دقيقة، فمَنْعُها بما حرَّره العلّامة القطب الشيرازيُّ في ((نهاية الإدراك))(٣) حيث قال: مقدارُ الدرجةِ الواحدةِ من مقعَّر الفلك الأطلس بالأميال (٩٣٤٣٥٩٣) ميلاً، فالفلكُ الأعلى يقطع فيما مِقداره من الزمان جزءٌ واحد من خمسةَ عشرَ جزءاً من ساعة مستويةٍ - وهو ثُلث خمسِها - هذا المقدارَ من الأميال، فإذا تحرَّك مقدارَ دقيقة، وهي جزءٌ من تسع مئة جزءٍ من ساعة مستوية، كان قَدْرُ قطعِه من المسافة (١٥٥٧١٨) ميلاً وسدسَ ميلٍ وخُمسَ ربع أو رُبعَ خُمسٍ ميل، ولأنَّ حينما يبدو (١) في الأصل و(م): حصلت حصل لزم .. والمثبت من حاشية الشهاب ٦/ ٧. (٢) في تفسيره ١٩٦/٣ . (٣) في دراية الأفلاك. الآية : ١ ٣٧٥ سُؤَةُ الإسْرامة قَرنُ الشمس إلى أن تطلعَ بالتَّمام يكون بقدر ما يعدُّ واحدٌ من واحد إلى ثلاث مئة، فبمقدار ما يعدُّ ثلاثين يتحرَّك الفلك (١٥٥٧١٨) ميلاً، وهو ألفٌ وسبع مئةٍ واثنان وثلاثون فرسخاً من مقعَّره، والله تعالى أعلم بما يتحرَّك محدَّبه حينئذ، فسبحان اللهِ تعالى ما أعظمَ شأنَه. اهـ. وحاصلُ ذلك أنَّ الفَلَك الأَعظم يتحرَّك من ابتداءِ طلوع جِرم الشمسِ إلى أن يطلعَ بتمامه سُدُسَ درجة، وهو عَشرُ دقائقَ من ستِّين دقيقةً من درجة فَلَكية، ومقدارُ مساحة هذه الدقائق (٥١٩٦٠٠) أي: خمسُ مئةٍ ألفٍ وتسعةَ عشرَ ألفاً وستّ مئةٍ فرسخ، وإذا جعلنا هذه الدقائقَ ثوانيَ، كانت ستّ مئةِ ثانية، فأين الأقلُّ من ثانية؟ وإن أراد بالثانية الثانيةَ من دقيقة الساعةِ التي هي رُبعُ الدرجةِ الفَلَكية، فسُدُسُ الدرجةِ هاهنا يكون ثلثي دقيقة، وإذا جعلنا ثُلُثَي الدقيقة ثواني، كانا أربعين ثانيةً، وهذه الثَّواني هي الثواني الستُّ مئة بعينها، إلّا أنَّ المنجّمين لمَّا جعلوا الساعةً ستِّين دقيقةً تسهيلاً للحساب، والساعةَ عبارةً عن خمسةَ عشرَ درجةً فلكية، اقتضى أن تكونَ الدرجةُ الفلكية وكلُّ ثانيةٍ من ثواني دقيقةِ الساعة بخمسةَ عشرَ ثانيةً من ثواني دقيقةِ الدرجات الفلكية، فالخلافُ بين ثواني دقائق الدرجةِ الفلكية وثواني دقيقة الساعة اعتبارٌ لفظي. وأجاب عبدُ الرحمن الكرديُّ الشهيرُ بالفاضل بأنَّ الثانية جزءٌ من ستِين جزءاً من دقيقة، والدقيقةُ قد تطلَق على جزءٍ من ستين جزءاً من درجة، وقد تطلق على جزءٍ من ستِّين جزءاً من ساعة، وقد تطلق على جزءٍ من ستِين جزءاً من يومٍ بليلته. ومراد العلّامة البيضاويِّ من الثانية الثانيةُ الثالثة لا الثانيةُ الأولى، وهو ظاهرٌ، ولا الثانيةُ الثانية، كما ذهب إليه سعدي جلبي وتبعه ابنُ صدرِ الدِّين، وفيه أنَّه يُفهَم منه أنَّ الفلكيين قد يقسمون اليومَ بليلته إلى ستِّين دقيقة، كما يقسمونها إلى السَّاعات والدَّرجات والدقائقِ قسمةً يتميّز بها أجزاءُ الزمان، ولم يقل بذلك أحدٌ منهم، وإنَّما ذكر ذلك بعضُهم تسهيلاً لمعرفة الكسرِ الزائدِ على الأيام التّامَّة من السَّنة لتُعرَفَ منه السَّنةُ الكبيسة في ثلاث سنين أو أربع سنين، وهو بمعزلٍ عمّا نحن فيه من قطع المسافة البعيدةِ بالزمان القليل، ولو سلَّمنا ما زعمه، كان ناقصاً من مدَّة حركةِ الفَلَك الأعظمِ من ابتداء طلوعٍ قُرص الشمسِ إلى انتهائه، وهو ثُلُثا دقيقةٍ سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٣٧٦ الآية : ١ هما أربعون ثانية، وذلك جزءٌ من تسعين جزءاً من ساعةٍ مستوية، كما حرَّره العلّامة الشيرازي. وما ذكره من أنَّ الثانيةَ من دقيقة اليوم بليلته عبارةٌ عن أربعةٍ وعشرين ثانيةً من ثواني دقيقةِ الساعة، وهي أقلُّ من ثلثي دقيقة بستةَ عشرَ ثانية، خطأٌ على خطأ ﴿تِّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرٌَ﴾ [النجم: ٢٢]. نعم قد أَصاب في الردِّ على الفاضلين، وقد أخطأ الفاضلُ الأوَّل في غير ذلك في هذا المقام، كما لا يخفَى على مَن وقف على كلامه وكان له أدنى اطّلاع على كتب القوم؛ ولتداول هذا المبحثِ بين الطَّلبة وعدم وجدانهم مَن يبلُّ غليلهم تعرَّضنا له بما نرجو أن يُبَلَّ به الغليل، هذا والعلماءُ درجات، واللهُ تعالى الموفِّق لفهم الدقائق، فتأمَّل مرةً وثانيةً وثالثة، فلعل اللهَ سبحانه أن يفتحَ عليك غیرَ ذلك. وما ذكر من تساوي الأجسام مبنيٌّ - على ما قيل - على تركُّبها من الجواهر الفردة، وفيه خلافُ النَّظَّام والفلاسفة، والبحثُ في ذلك طويل، ولا يستدلُّ على الاستحالة بلزوم الخَرقِ والالتئام، وقد برهنوا على استحالة ذلك؛ لأنَّا نقول: إنَّ برهانهم على ذلك أوهنُ من بيت العنكبوتِ كما بيِّن في محلِّه. ولم تتعرَّض الآية لأنَّه وَّرِ كان في الإسراء به محمولاً على شيءٍ، لكن صحّت الأخبار بأنَّه عليه الصلاة والسلام أُسري به على البراق. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾، وهو بيتُ المقدس. ووَصْفُه بالأقصى، أي: الأبعد، بالنّسبة إلى مَن بالحجاز. وقال غيرُ واحدٍ: إنه سمِّي به لأنه أبعدُ المساجد التي تُزار من المسجد الحرام، وبينهما نحوٌ من أربعين ليلة. وقيل: لأنَّه ليس وراءه موضعُ عبادة، فهو أبعدُ مواضِعها. وقال ابنُ عطية (١): يحتمل أن يرادَ بـ ((الأقصى)) البعيدُ، دون مفاضلةٍ بينه وبين ما سواه، وهو بعيدٌ في نفسه للزائرين، وقيل: المرادُ بُعدُه عن الأقذار والخبائث. واختُلف في ركوب جبريل عليه السلام معه، فقيل: ركب خلفه عليه الصلاة والسلام. والصحيحُ أنَّه لم يركب، بل أخذ بركابه وميكائيلُ يقود البراق. (١) في تفسيره ٤٣٦/٣. الآية : ١ ٣٧٧ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ واختُلف أيضاً في استمراره عليه الصلاة والسلام في عروجه إلى السماء، فقيل: عَرَجَ عليه. والصحيحُ أنه نُصب له معراجٌ فعرج عليه، وجاء في وصفه وعِظَمه ما جاء، ووهّم الحافظُ ابن كثيرٍ(١) - كما قال الحلبيُّ(٢) - القائلين - ومنهم صاحبُ الهَمْزية(٣) -: إنَّ عروجَه ◌َ لِّ على البراق. ومن الأكاذيب المشهورةِ أنَّه وَ ﴿ لمَّا أراد العروج، صَعِدَ على صخرة بيتٍ المقدس ورَكِبَ البراق، فمالت الصخرةُ وارتفعت لتلحقَه، فأمسكتها الملائكةُ، ففي طرفٍ منها أَثَرُ قدمِه الشَّريف، وفي الطرف الآخَر أثرُ أصابع الملائكة عليهم السلام، فهي واقفةٌ في الهواء قد انقطعت من كلِّ جهة، لا يُمسكها إلَّا الذي يُمسك السماءَ أن تقعَ على الأرض سبحانه وتعالى. وذكر العلائيُّ(٤) ((في تفسيره)) أنَّه كان للنبيّ عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء خمسةُ مراكب: الأوَّل: البراق إلى بيت المقدس، الثاني: المعراجُ منه إلى السماءِ الدنيا، الثالث: أجنحةُ الملائكةِ منها إلى السَّماء السابعة، الرابع: جناحُ جبريلَ عليه السلام منها إلى سِدرة المنتهَى، الخامس: الرَّفرف منها إلى قابٍ قوسَين. ولعل الحكمةَ في الرُّكوب إظهارُ الكرامة، وإلَّ فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يوصله إلى أيِّ موضعٍ أراد في أقلّ من طرفة عين. وقيل: لم يكن إلَّ البراقُ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراجُ منه إلى حيث شاءَ الله تعالى، وقد كان له عشَرُ مراقٍ: سبعةٌ إلى السماوات، (١) في البداية والنهاية ٢٧٦/٤ . (٢) هو نور الدين علي بن إبراهيم الحلبي القاهري الشافعي صاحب السيرة الحلبية، كان غاية في التحقيق، حادَّ الفهم، قوي الفكرة. توفي سنة (١٠٤٤هـ). خلاصة الأثر ١٢٢/٣. (٣) حيث قال في همزیته: نصف الليلة التي كان للمختارفيها على البراق استواءُ وترقّى به إلى قابٍ قوسين وتلك السيادة القعساء وهو شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري، صاحب البردة والقصيدة المضرية وغير ذلك. توفي سنة (٦٩٦هـ). الوافي بالوفيات ١٠٥/٣، وفوات الوفيات ٣٦٢/٣. (٤) في الأصل: العلامى، والعلائي هو علاء الدين محمد بن عبد الرحمن البخاري المعروف بالعلاء الزاهد، المتوفى سنة (٥٤٦هـ). كشف الظنون ٤٥٤/١ . سُورَةُ الاسْرَةِ ٣٧٨ الآية : ١ والثامنُ إلى السِّدرة، والتاسعُ إلى المستوى الذي سمع فيه صريفَ الأَقلام، والعاشرُ إلى العرش، والله تعالى أعلم. ومن العجائب ما سمعتُه عن الطائفة الكشفيَّة - والعُهدةُ على الراوي - أنَّ للروح جسدين: جسدٌ من عالم الغيبِ لا دخلَ للعناصر فيه، وجسدٌ من عالم الشهادة كثيفٌ مركَّب من العناصر، والنبيُّ وَّرِ حين ◌ُرج به، أُلقي كلُّ عنصرٍ من عناصر الجسد العنصريِّ في كرته، فما وصل إلى فَلَك القمر حتى ألقى جميعَ العناصر، ولم يبقَ معه إلَّا الجسدُ اللطيف، فرَقِيَ به حيث شاءَ الله تعالى، ثم لمَّا رجع عليه الصلاة والسلام، رجع إليه ما أَلقاه، واجتمع فيه ما تفرَّق منه، ولَعَمري إنه حديثُ خُرافة، لا مستندَ له شرعاً ولا عقلاً . وذكر مولانا عبدُ الرحمن الدشتيُّ ثم الجاميُّ أنَّ المعراجَ إلى العرش بالرُّوح والجسد، وإلى ما وراءَ ذلك بالرُّوح فقط، وأنشد بالفارسية: گِرفْتْ أز دَسْت رَفْرَفْ عَرْشِ زُودَش جُو رَقْرَفْ شُدْ مُشرَّف أز وُجودَشْ عَلَمْ بَرْ لا مَكان بي خرقه أفْرَاشت بَدَسْتِ عَرْش تَنْ ◌ُون خِرْقَه بكذاشت گِلي بَرْدَند ازین دهليزء بَسْت بَدَان دَرْكَاه وَالَا دَسْتْ بَرْدَسْتْ مَكَانِ رَا مَرْکب أزتنگي جَهَانید جِهَت را مُهْرِه أز شَشْدَرْ رهانيد كه تَنْ محرَمْ نَبُود آنْجاوجان نیز (١) مكاني يَافْتْ خَالي أزمَكان نيز ولم أقف على مستندٍ له من الآثار، وكأنَّه لاحَظَ أنَّ العروج فوق العرشِ بالجسد يستدعي مكاناً، وقد تقرَّر عند الحكماءِ أنَّ ما وراء العرشِ لا خَلاءٌ ولا مَلاء، وبه تنتهي الأمكنةُ وتنقطع الجهات. (١) ترجمة الأبيات: حينما تشرفت مرتقی رفرف لحمله وارتقائه وحينما اقترب الجسد من قوائم العرش مرتدياً وقد ساروا به من الممر الضيق الدنيا قطع الجهات كلها بومضة عين حيث ارتقى مكاناً لا مكان سرعان ما وصل وارتقى العرش إلى عليائه خرقته رفع هناك لا مكان مستغنياً عنها حتى ارتقى نحو العلا في رونق مخترقاً آفاقها كلمح البصر والروح تبقى في عالم الأجساد. الآية : ١ ٣٧٩ سُورَةُ الإِسْرَاةِ وقال بعضُهم: أَمْرُ المعراج أجلُّ من أن يكيَّف، وماذا عسى يقال سوى أنَّ المحبَّ القادرَ الذي لا يُعجزه شيّ دعا حبيبَه الذي خَلَقه من نوره إلى زيارته، وأَرسل إليه مَن أرسل من خواصٌ ملائكتِهِ، فكان جبريلُ هو الآخذ برِکابه، وميكائيلُ الآخذ بزِمام دابَّته، إلى أن وصل إلى ما وصل، ثم تولَّى أمرَه سبحانه بما شاء حتى حصل، فأيُّ مسافةٍ تطول على ذلك الحبيبِ الربَّانيِّ، وأيُّ جسمٍ يمتنع عن الخرق لذلك الجسدِ النُّوراني؟! جزْ بحزوَى فثمَّ عالمُ لطفٍ من بقايا أجساده الأرواحُ ومَن تأمَّل في العين وإحساسِها بالقريب والبعيد - ولو كان فاقدَها وذُكر له حالُها لأنكر ذلك إنكاراً ما عليه مزيدٌ - وكذا في غير ذلك من آثارٍ قدرة الله تعالى الظاهرةِ في الأَنفس والآفاق، والواقع على جلالة قَدْرها الاتفاقُ = لم يَسَعه إلَّا تسليمُ ما نطقت به الآياتُ، وصحَّت بَه الروايات. ويُشبه كلامُ هذا البعضِ ما قاله بعضُ شعراءِ الفرس، إلَّا أنَّ فيه ميلاً إلى مذهب أهلِ الوحدة، وهو قولُه: قطره دريا كَشت وبيغمبر نميدَانَم جه شُدْ (١) قصه بیرنگ معراج أزمَنِ پیدِل مَپرُسْ والظاهرُ أنَّ المسافةَ التي قطعها عليه الصلاة والسلام في مسيره كانت باقيةً على امتدادها. ويؤيِّد ذلك ما ذكره الثعلبيُّ في تفسيره في وصف البُراق أنَّه إذا أتى وادياً طالت يداه وقَصُرت رجلاه، وإذا أتى عَقَبةً طالت رجلاه وقصرت يداه، وكانت المسافةُ في غاية الطول، ففي ((عقائق الحقائق))(٢): كانت المسافةُ من مكةً إلى المقام الذي أَوحى اللهُ تعالى فيه إلى نبيِّه عليه الصلاة والسلام ما أَوحِى قَدْرَ ثلاثٍ مئةَ ألفِ سنة، وقيل: خمسين ألفاً، وقيل غيرُ ذلك. وأنَّه ليس هناك طيُّ مسافةٍ على نحو ما يُثبته الصوفيةُ وبعضُ الفقهاءِ للأولياء كرامةً، وجهَّل بعضُ الحنفية مثبتيه لهم، وكفَّرهم آخرون، وليس له وجهٌ ظاهر، مســ (١) ترجمته : لا تسلني أنا الولهان عن قصة المعراج العجيبة إذا صارت القطرة بحراً ولست أدري إلام صار فيها الرسول. (٢) قال في كشف الظنون ١١٤٩/٢: لأبي النجم ركن الدين الخطيب المغربي، وهو كتاب في الموعظة، إلا أنه غير مصون عن الحشو. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٣٨٠ الآية : ١ وربما يَلزم مثبتيه القولُ بتداخل الجواهر، والفلاسفةُ والمتكلِّمون سوى النَّام يُحيلونه ويبرهنون على استحالته، وادَّعى بعضُهم الضرورةَ في ذلك، وقالوا: المنعُ مكابرة، وقد أَثبت الصوفيةُ للأولياء نشرَ الزمان، ولهم في ذلك حكاياتٌ عجيبة، والله تعالى أعلمُ بصخَّتها، ولم أرَ مَن تعرَّض لذلك من المتشرِّعين، وهو أمرٌ وراء عقولِنا المشوبة بالأوهام، ومثلُه في ذلك قولُ مَن قال: الأزلُ والأبد نقطةٌ واحدة، الفرقُ بينهما بالاعتبار، وليس لفهم ذلك عندي إلَّا المتجرِّدون من جلابيب أبدانِهم، وقليلٌ ما هم. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى في باب الإشارةِ حكايةُ إنكار طيِّ المسافةِ أيضاً وذِكرُ ما فيه، والله تعالى الموفِّق. وإنما أُسري بِهِ وَلِّ ليلاً لمزيد الاحتفالِ به عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّ الليلَ وقتُ الخلوةِ والاختصاص ومجالسةِ الملوك، ولا يكاد يدعو المَلِكُ لحضرته ليلاً إلَّا مَن هو خاصٌّ عنده، وقد أكرم الله تعالى فيه قوماً من أنبيائه عليهم السلام بأَنواع الكرامات، وهو كالأَصل للنَّهار، وأيضاً الاهتداءُ فيه للمقصد أَبلغُ من الاهتداءِ في النهار، وأيضاً قالوا: إنَّ المسافرَ يقطع في الليل ما لا يقطع في النَّهار، ومِن هنا جاء: ((عليكم بالذُّلْجة؛ فإنَّ الأرض تُطوَى بالليل ما لا تُطوَى بالنهار))(١) وأيضاً أُسري به ليلاً؛ ليكونَ ما يعرُج إليه من عالَم النورِ المحضِ أبعدَ عن الشَّبه بما يعرُج منه من عالَم الظلمة، وذلك أبلغُ في الإعجاب. وقال ابنُ الجوزيِّ في ذلك: إنَّ النبيَّ وَلَّه ◌ِراج، والسراجُ لا يوقَد إلَّا ليلاً، وبدرٌ، وكذا مسيرُ البدر في الظّلَم، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلَّ اللهُ تعالى. ثم إنَّ الآية ليست نصًّا في دخوله عليه الصلاة والسلام المسجدَ الأَقصى، إلَّا أنَّ الأَخبار الصحيحةَ نصٍّ في ذلك. وقولُه سبحانه: ﴿الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ﴾ صفةُ مدح، وفيها إزالةُ اشتراكٍ عارض، وبركتُه بما خُصَّ به من كونه متعبَّدَ الأنبياءِ عليهم السلام وقِبلةً لهم، وكثرةِ الأنهارِ (١) أخرجه أبو داود (٢٥٧١) من حديث أنس ظه، وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٧٢٥) من حديث جابر ◌َرُه. وليس فيهما: ((ما لا تطوى بالنهار)).