Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ٢٦ ٨١ سُورَةُ النَِّ المضاف. وقرئ: ((بِنْيَتَهُمْ)) وهو بمعنى بنائهم يقال: بنيتُ أبني بناءً وبِنْيَة وبِنِى، نعم كثيراً ما يُعبَّر بالبَنِيَّة عن الكعبة. وقرأ جعفر: ((بَيْتَهم))، والضحاك: ((بُيُوتهم))(١). ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي: سقط عليهم سَقْفُ بُنيانهم؛ إذ لا يُتُصوَّر له القيامُ بعد تهدُّم قواعده، و((من)) متعلِّقٌ بـ ((خرَّ) وهي لابتداء الغاية، أو متعلُّقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من السَّقف مؤكِّدةٌ، وقال ابن عطية وابن الأعرابيّ: إنَّ ((من فوقهم)) ليس بتأكيد لأنَّ العربَ تقولُ: خرَّ علينا سقفٌ، ووقعَ علينا حائظٌ، إذا انهدمَ في مُلك القائل، وإن لم یقع علیه حقیقة فهو لبیان أنهم كانوا تحته حین (٢) هدم(٢). ومن الناس مَنْ زَعَمَ أنَّ ((على)) بمعنى ((عن)) وهي للتعليل، والكلامُ على تقدير مُضافٍ، أي: خَرَّ من أجل كُفْرهمُ السَّقْفُ، وجيءَ بقوله تعالى: (مِن فَوْقِهِمْ) مع (خَرَّ) لدفع توهُم أن يكونَ قد خَرَّ وهم ليسوا تحته. ولا يخفى أنه تطويلٌ من غير طائل، بل كلامٌ لا ينبغي أن يتفوَّه به فاضل، والكلامُ تمثيلٌ، يعني أنَّ حالهم في تسويتهم المنصوبات والحِيَل ليمكروا بها رُسُلَ الله تعالى عليهم الصلاة والسلام، وإبطال الله تعالى إياها وجَعْلها سبباً لهلاكهم كحال قوم بنَوا بُنياناً وعَمَدوه بالأساطين، فأتى ذلك من قِبَل أساطينه بأن ضُعْضِعت فسقط عليهم السقف وهلكوا تحته، ووجهُ الشَّبه أنَّ ما نصبوه وخيَّلوه سببَ التحصُّن والاستيلاء صارَ سببَ البوار والفناء، فالأساطينُ بمنزلة المنصوبات، وانقلابها عليهم مُهلِكَة كانقلاب تلك الحِيَل على أصحابها، والبنيانُ ما كان زوَّروه وروَّجوا فيه تلك المنصوبات وتواطؤوا عليه من الرأي المدَّّم بالمكائد، ويشبه ذلك قولهم: مَنْ حَفَرَ لأخيه ◌ُبًّا وقع فيه منكبًا. ويقربُ من هذا ما قيل: إنَّ المرادَ: أحبطَ الله تعالى أعمالهم، وقيل: الأمرُ مبنيٌّ على الحقيقة، وذلك أنَّ نُمروذ بن كنعان بنى صَرْحاً ببابل ليصعدَ بزَعْمه إلى السماء ويعرفَ أمرَها ويقاتل أهلها، وأَفرطَ في عُلوِّه، فكان طوله في السماء - على (١) البحر المحيط ٥/ ٤٨٥، والمحرر الوجيز ٣٨٨/٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٨٨/٣ بنحوه. سُوَّةُ الْحَلَّ ٨٢ الآية : ٢٦ ما حكى النقاشُ وروي عن كعب - فرسخين، وقال ابن عباس ﴿ّ ووهبٌ: كان ارتفاعه خمسة آلاف ذراع وعَرْضه ثلاثة آلاف ذراع، فبعث الله تعالى عليه ريحاً فهدمته وخرَّ سَقْفه عليه وعلى أتباعه، فهلكوا. وقيل: هدمه جبريل عليه السلام بجناحه، ولما سَقَطَ تبلبلتِ الناسُ من الفزع، فتكلَّموا يومئذٍ بثلاثٍ وسبعين لساناً، فلذلك سُمِّيت بابل، وكان لسانُ الناس قبل ذلك السُّريانية(١). ولا يخفى ما في هذا الخبر من المخالفة للمشهور؛ لأنَّ موجبه أنَّ هلاكَ نُمروذ كان بما ذُكر، والمشهور أنه عاشَ بعد قصة الصَّرْح وأهلكه الله تعالى ببعوضةٍ وصلتْ لدماغه؛ إظهاراً لكمال خِسَّته وعجْزه، وجازاهُ سبحانه من جنس عمله؛ لأنه صَعِدَ إلى جهة السماء بالنُّسور، فأهلكه الله تعالى بأَخَسِّ الطيور، وما ذُكر في وجه تسمية المكان المعروف ببابل هو المشهور، وفي ((معجم البلدان)) أنَّ مدينة بابل [بناها] يوراسف الجبار، واشتقَّ اسمها من المشتري؛ لأنَّ بابل باللِّسان البابليّ الأول اسمٌ للمشتري، وأَخْرَبَها الإسكندر(٢). وما ذُكر من أنَّ اللِّسانَ كان قبل ذلك السريانية ذكره البغوي(٣)، ونظر فيه الخازنُ بأنَّ صالحاً عليه السلام وقومَهُ كانوا قبلُ، وكانوا يتكلَّمون بالعربية، وكان قبائل قبل إبراهيم عليه السلام مثل طَسْم وجديس يتكلَّمون بالعربية أيضاً(٤). وقد يدفع بالعناية. وقال الضحاك: الآيةُ إشارةٌ إلى قوم لوط عليه السلام، وما فُعل بهم وبِقُراهم، والكلامُ أيضاً مبنيٌّ على الحقيقة. واختار جماعةٌ بناءه على التمثيل حسبما سمعت، وعليه فالمراد - على المختار - من الذين كفروا من قبل ما يشمل جميع الماكرين الذين هُدم عليهم بنيانهم، وسُقِطَ في أيديهم. وقرأ الأعرجُ: ((السُّقُف))(٥) وزيد بن عليٍّ ﴿هَا ومجاهد: ((السُّقْف)) بضمِّ (١) ينظر تفسير البغوي ٦٦/٣، والطبري ٢٠٤/١٤. (٢) معجم البلدان ١/ ٣١٠ وما بين حاصرتين منه. (٣) في تفسيره ٦٦/٣ . (٤) تفسير الخازن ٨٦/٣. (٥) القراءات الشاذة ص ٧٢. الآية : ٢٧ ٨٣ سُورَةُ الْحَك السين فقط(١)، وكلاهما جمع سَقْفٍ، وفُعُل وفُعْل ــ على ما قال أبو حيان - محفوظان في جَمْع فَعْل، وليسا مقيسين فيه، ويُجمع على سُقُوفٍ وهو القياس. وقرأت فرقةٌ: ((السَّقُف)) بفتح السِّين وضَمِّ القاف، وهي لغةٌ في السَّقْف، وذكر أنَّ الأصلَ مضمومُ القاف وساكِنُهُ مُخَفَّفُهُ، وكَثُر استعماله على عَكْسٍ قولهم: رَجُل - بفَتْح فَضَمّ - ورَجْل بفتحٍ فسكون - وهي لغةٌ تميمية (٢). بإتيانه منه، بل يتوقَّعون إتيان ﴿وَأَتَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ إ مقابله مما يريدون ويشتهون، والمراد به العذابُ العاجلُ، وفي عَظْفِ هذه الجملة على ما تقدَّم تهويلٌ لأمر هلاكهم، ويدلُّ على أنَّ المراد به العاجل قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ بُخْزِيِهِمْ﴾ أي: يُذِلُّهم، والظاهرُ أنَّ ضمائرَ الجمع للذين مكروا من قبل، كأنه قيل: قد مَكَرَ الذينَ من قبلهم، فعذَّبهم الله تعالى في الدنيا، ثم يُعذِّبهم في العُقبى، و((ثم)) للإيماء إلى ما بين الجزاءين من التفاوت مع ما تدلُّ عليه من التراخي الزماني، وتقديمُ الظّرف على الفعل قيل: لقَصْر الإخزاء على يوم القيامة، والمراد به ما بُيِّنَ بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُ﴾ أي: لهم تفضيحاً وتوبيخاً: ﴿أَيْنَ شُرَكَِّىَ﴾ إلى آخره، ولا شكَّ أنَّ ذلك لا يكونُ إلا في ذلك اليوم. وقال بعض المحققين: ليس التقديمُ لذلك، بل لأنَّ الإخبارَ بجزائهم في الدنيا مُؤذِنٌ بأنَّ لهم جزاءً أُخْرَويّاً، فتبقى النفسُ مترقِّبةً إلى وروده، سائلةً عنه بأنه ماذا مع تيقُّنها بأنه في الآخرة، فَسِيقَ الكلامُ على وجهٍ يُؤذِنُ بأنَّ المقصود بالذكر جزاؤهم، لا كونه في الآخرة، وذكر أيضاً أنَّ الجملةَ المذكورةَ عَطْفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام، أي: هذا الذي فُهم من التمثيل من عذاب هؤلاء الماكرين القائلين في القرآن العظيم أساطير الأولين، أو ما هو أعمُّ منه، ومما ذُكر من عذاب أولئك الماكرين من قَبْلُ، جزاؤهم في الدنيا ويوم القيامة يخزيهم .. إلى آخره، ثم قال: والضميرُ إما للمفترين(٣) في حقِّ القرآن الكريم، أو: لهم ولمن مثّلوا بهم من (١) المحتسب ٩/٢. (٢) البحر المحيط ٥/ ٤٨٥. وقوله: وساكنه مخففه أي: السَّقْف مُخَفَّفٌ عن السَّقُف. (٣) في (م): للمغترين. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٠٨/٥ والكلام منه. سِوَةُ الْحَالِ ٨٤ الآية : ٢٧ الماكرين، وتخصيصه بهم يأباه السباق والسياق. وفيه من ارتكاب خلافِ الظاهر ما فيه، فليتأمل. وفسَّر بعضُهم الإخزاء بما هو من روادف التعذيب بالنار؛ لأنه الفَرْدُ الكامل، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وقيل عليه: إنَّ قوله سبحانه: (أَيْنَ شُرَكَآَيِىَ) إلى آخره يأباه؛ لأنه قبل دخولهم النار. وأجيب بأنَّ الواو لا تقتضي الترتيبَ، وأنت تعلمُ أنَّ الأَولى مع هذا حملُهُ على مُظْلَق الإذلال، وإضافةُ الشركاء إلى نفسه عزَّ وجلَّ لأدنى ملابسةٍ بناءً على زَعْمهم أنهم شركاء لله، سبحانه عمَّا يشركون، فتكون الآيةُ كقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]. وجُوِّزَ أن يكونَ ما ذُكر حكاية منه تعالى لإضافتهم، فإنهم كانوا يضيفون ويقولون: شركاءُ الله تعالى، وفي ذلك زيادة في توبيخهم ليست في: أين أصنامكم، مثلاً لو قيل، ولا يخفى أنَّ هذا خِزِيٌّ وإهانةٌ بالقول، فإذا فُسِّر الإخزاءُ فيما تقدَّم بالتعذيب بالنار، كانت الآيةُ مشيرةً إلى خِزْيَين؛ فعليٍّ وقوليٍّ، وأُشير إلى الأول أولاً؛ لأنه أَنسبُ بسابقه. وقرأ الجمهور: ((شركائيَ)) ممدوداً مهموزاً مفتوحَ الياء، وفِرِقَةٌ كذلك، إلا أنهم سكَّنوا الياء فتسقط في الدَّرْج لالتقاء الساكنين، والبزِّي عن ابن كثيرٍ بخلافٍ عنه بالقَصْر وفَتْح الياء(١)، وأنكر ذلك جماعةٌ وزعموا أنَّ هذه القراءةَ غيرُ مأخوذٍ بها لأنَّ قَصْر الممدود لا يجوز إلا ضرورةً، وليس كما قالوا، فإنه يجوزُ في السَّعة، وقد وُجِّه أيضاً بأنَّ الهمزةَ المكسورةَ قبل الياء حُذفت للتخفيف، وليس كقَصْر الممدود مطلقاً، مع أنه قد روي عن ابن كثير قَصْرُ التي في ((القَصص))(٢)، و((ورائي)) في ((مريم))(٣) [الآية: ٥]، وعن قُنْبل قَصْر ((أن رآه استغنى)) في ((العلق)) [الآية: ٧] فكيف يُعَدُّ ذلك ضرورة. (١) يعني: شركايَ. التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٣/٢. (٢) الآية (٦٢). (٣) والقراءتان غير المشهورتين عنه. الآية : ٢٧ ٨٥ سُؤَدَّةُ الْفَحَ نعم قال أبو حيان: إنَّ وقوعَهُ في الكلام قليلٌ (١) فاعرف ذلك فقد غَفَل عنه كثيرٌ من الناس. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِهِمَّ﴾ أي: تخاصمون وتُنازعون الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم في شأنهم، وتزعمون أنهم شركاءُ حقّاً حين بيَّنوا لكم ضدّ ذلك، وفسَّر بعضُهم المشاقَّةَ بالمعاداة، وتفسيرُها بالمخاصمة ليظهر تعلّقُ ((فيهم)) به، ولا يحتاج إلى جَعْل ((في)) للسببية أولى، وقيل: للمخاصمة مشاقة أَخْذاً من شَقّ العصا، أو لكون كلٍّ من المتخاصمين في شقّ؛ والمراد بالاستفهام استحضارُها للشفاعة على طريق الاستهزاء والتبكيت، فإنهم كانوا يقولون: إن صَحَّ ما تقولون فالأصنامُ تشفعُ لنا، والاستفسارُ عن مكانتهم لا يُوجبُ غيبَتهم حقيقة، بل يكفي في ذلك عدمُ حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون أنهم متَّصفون به، فليس هناك شركاءُ ولا أماكنها . وقيل: إنَّ ذلك يُوجِبُ الغَيبة، ويقال: إنه يُحالُ بينَهم وبين شركائهم حينئذٍ ليتفقَّدوهم في ساعة علَّقوا الرجاءَ بها فيهم، أو أنهم لمَّا لم ينفعوهم فكأنهم غَيْبٌ. ولا يُحتاج إلى هذا بعدما علمتَ، على أنه أُورد على قوله: ليتفقَّدوهم .. إلى آخره أنه ليس بسَديد، فإنه قد تبيَّن للمشركين حقيقةُ الأمر، فرجعوا عن ذلك الزَّعْم الباطل، فكيف يُتُصوَّرُ منهم التفقُّد. وأجيب بأنه يجوز أن يغفلوا لِعِظَم الهول عن ذلك فيتفقَّدوهم، ثم إنَّ ما ذُكر يقتضي حَشْرَ الأصنام، وهو الذي يدلُّ عليه كثيرٌ من الآيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] على قول، ولا أرى مانعاً من حَمْل الشُّركاء على معبوداتهم الباطلة بحيث تشملُ ذوي العقول أيضاً . وقرأ الجمهور: ((تُشاقُّون)) بفتح النون، ونافع بکسرها(٢)، ورویت عن الحسن(٣)، ولا يلتفت إلى تضعيف أبي حاتم. وقرأتْ فرقةٌ بتشديدها على أنه أدغم نونَ الرفع في نون الوقاية والكسر على حذف ياء المتكلم، والاكتفاء به أي: (١) البحر المحيط ٤٨٦/٥. (٢) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٣/٢. (٣) المحرر الوجيز ٣٨٨/٣، والبحر المحيط ٤٨٦/٥. سُؤَةُ الْحَانَ ٨٦ الآية : ٢٧ تشاقُونني(١)، على أنَّ مشاقَّةَ الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم كمشاقّة الله تعالى شأنه، ولولا ذلك لم يصح تعليق المشاقَّة به سبحانه. أما إذا كانت بمعنى المخاصمة فظاهر أنهم لم يخاصموا الله تعالى، وأما إذا كانت بمعنى العداوة، فلأنهم لا يعتقدون أنهم أعداءٌ لله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيََّ﴾ [الممتحنة: ١] يعني المشركين فمؤوَّلٌ أيضاً بغير شبهة. ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ من أهل الموقف وهم الأنبياءُ عليهم السلام والمؤمنون الذين أُوتوا علماً بدلائل التوحيد، وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد، فيجادلونهم ويتكَبَّرون عليهم، واقتصر يحيى بن سلام على المؤمنين، والأمرُ فيه سهل. وعن ابن عباس ◌ّ أنهم الملائكة عليهم السلام. ولم نقف على تقييده إياهم. وعن مقاتل أنهم الحفَظَةُ منهم. ويُشعر كلامُ بعضِهم بأنهم ملائكة الموت، حيث أَورد على القول بأنهم الملائكة أنَّ الواجبَ حينئذٍ: يتوقَّونهم مكان («تتوفّاهم الملائكة)» وأنه يلزمُ منه الإبهامُ في موضع التعيين، والتعيينُ في موضع الإبهام. وهو - كما قال الشهاب - في غاية السقوط(٢). وقيل: المراد كلُّ من اتَّصف بهذا العنوان من مَلكِ وإنسيٍّ وغير ذلك. والذي يميلُ إليه القلبُ السليمُ القولُ الأول، أي: يقول أولئك توبيخاً للمشركين وإظهاراً للشماتة بهم، وتقريراً لما كانوا يَعِظونهم وتحقيقاً لما أوعدوهم به. وإيثارُ صيغة الماضي للدلالة على تحقَّق وقوعه وتحتُّمه حسبما هو المعهودُ في إخباره تعالى كقوله سبحانه: ﴿وَنَادَّ أَصْحَبُ الْجَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. ﴿إِنَّ الْخِزْىَ﴾ الذُّلَّ والهوان. وفسَّره الراغب بالذل الذي يستحى منه(٣). ﴿اَلْيَوْمَ﴾ منصوبٌ بالخزي على رأي مَنْ يرى إعمالَ المصدر باللام، كقوله: ضعيفُ النِّكاية أعداءَهُ(٤) (١) البحر المحيط ٤٨٦/٥، والإملاء ٤٤٥/٣. (٢) حاشية الشهاب ٣٢٧/٥. (٣) ينظر المفردات (خزي). (٤) صدر بيت لم يُعرف قائله، وعجزه: يَخالُ الفرار يُراخي الأجَلْ. وهو في شرح المفصل ٥٩/٦، وخزانة الأدب ١٢٧/٨. الآية : ٢٨ ٨٧ سُورَةُ الْحَكِ أو بالاستقرار في الّرف الواقع خبراً لـ ((إن)»، وفيه فَصْلٌ بين العامل والمعمول بالمعطوف، إلا أنه مُغتَفَرٌ في الظرف. و((أل)) للحضور، أي: اليوم الحاضر، وإيراده للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عِزَّةٍ وشقاق. ﴿وَالسُّوَءَ﴾ العذاب، ومن الخزي به جَعْلُ ذكر هذا للتأكيد ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ بالله تعالى وآياته ورسله عليهم السلام. ﴿الَّذِينَ تَنَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ بتأنيث الفعل، وقرأ حمزة والأعمش: ((يتوقّاهم)» بالتذكير هنا وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى(١)، والوجهان شائعان في أمثال ذلك. وقرئ بإدغام تاءِ المضارعة في التاء بعدها، ويجتلب في مثله حينئذٍ همزةٌ وَصْلٍ في الابتداء، وتسقطُ في الدَّرج وإن لم يُعهَد همزة وَصْل في أول فعلٍ مضارع. وفي مصحف عبد الله بتاءٍ واحدةٍ في الموضعين(٢). وفي الموصول أوجهُ الإعراب الثلاثة: الجرُّ على أنه صفة ((الكافرين))، أو بدلٌ منه أو بيانٌ له، والنَّصْبُ والرفعُ على القَطْعِ للَّمِّ؛ وجوَّزَ ابنُ عطيةَ كونه مرتفعاً بالابتداء وجملة ((فألقوا)) خبره(٣). وتعقّبه أبو حيان بأنَّ زيادةَ الفاء في الخبر لا تجوز هنا إلا على مذهب الأخفش في إجازته زيادتها(٤) في الخبر مطلقاً نحو: زيدٌ فقام، أي: قام، ثم قال: ولا يتوهّمُ أنَّ هذه الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ إذا كان موصولاً وضُمِّنَ معنى الشرط؛ لأنها لا يجوزُ دخولها في مِثْل هذا الفعل مع صريح أداة الشرط، فلا يجوزُ مع ما ضُمِّن معناه(٥). اهـ بلفظه . ونقل شهابٌ عنه أنه قال: إنَّ المنعَ مع ما ضُمِّنَ معناه أولى. وتعقبه بأنَّ كونه أولى غيرُ مُسلَّم، لأنَّ امتناعَ الفاء معه؛ لأنه لقوَّته لا يحتاجُ إلى رابطٍ إذا صحَّ (١) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٣/٢، والبحر المحيط ٤٨٦/٥، والموضع الثاني هو الآية (٣٢) من هذه السورة. (٢) البحر المحيط ٤٨٦/٥، والمحرر الوجيز ٣٩٠/٣. (٣) المحرر الوجيز ٣٨٩/٣. (٤) في (م): وزيادتها. (٥) البحر المحيط ٤٨٦/٥. سُوَّةُ الْحَلِ ٨٨ الآية : ٢٨ مباشرته للفعل، وما تضمَّنَ معناه ليس كذلك(١). وكلامه الذي نقلناه لا يُشعر بالأولوية، فلعلَّه وجد (٢) له كلاماً آخر يُشعر بها . واستظهر هو (٣) الجرَّ على الوصفية ثم قال: فيكونُ ذلك داخلاً في المقول، فإن كان القول يوم القيامة يكون ((تتوفّاهم)) بصيغة المضارع حكاية للحال الماضية، وإن كان في الدنيا أي: لما أخبر سبحانه أنه يخزيهم يومَ القيامة ويقول جلَّ وعلا لهم ما يقول، قال أهل العلم: إنَّ الخزيَ اليومَ الذي أخبر الله تعالى أنه يخزيهم فيه والسوء على الكافرين، يكون ((تتوفّاهم)) على بابه، ويشملُ من حيث المعنى من توقَّته ومن تتوقّاه، وعلى ما ذكره ابن عطية يحتملُ أن يكون ((الذين)» إلى آخره من كلام الذين أوتوا العلم، وأن يكون إخباراً منه تعالى. والظاهر أنَّ القول يوم القيامة، فصيغةُ المضارع لاستحضار صورة تَوَفِّي الملائكة إياهم كما قيل آنفاً لما فيها من الهول، وفي تخصيص الخزي والسوء بمَن استمرَّ كفرُهُ إلى حين الموت، دون مَنْ آمَنَ منهم ولو في آخر عمره، وفيه تنديمٌ لهم لا يخفى، أي: الكافرين المستمرِّين على الكُفْر إلى أن تتوفّهم الملائكة. ﴿ظَالِىّ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: حالَ كونهم مستمرِّين على الشِّرك الذي هو ظُلمٌ منهم لأنفسهم وأيُّ ظُلْمٍ حيث عرَّضوها للعذاب المقيم. ﴿فَلْقَوَأْ السَّلَمَ﴾ أي: الاستسلام، كما قاله الأخفش، وقال قتادة: الخضوع، ولا بُعْدَ بين القولين. والمراد عليهما أنهم أظهروا الانقيادَ والخضوعَ، وأصلُ الإلقاء في الأجسام فاستُعمل في إظهارهم الانقياد وإشعاراً بغاية خضوعهم وانقيادهم، وجُعل ذلك كالشيء المُلقَى بين يدي القاهر الغالب. والجملة قيل: عَظْفٌ على قوله تعالى: (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآِىَ) وما بينهما جملةٌ اعتراضيةٌ جِيءَ بها تحقيقاً لما حاقَ بهم من الخزي على رؤوس الأشهاد. وكان الظاهر: فيُلقون .. إلى آخره، إلا أنه عبّر بصيغة الماضي للدلالة على تحقّق (١) حاشية الشهاب ٣٢٧/٥. (٢) في الأصل: وجه. (٣) أي: أبو حيان في تفسيره ٤٨٦/٥. الآية : ٢٨ ٨٩ سُورَةُ النحل الوقوع، أي: يقول لهم سبحانه ذلك فيستسلمون وينقادون ويتركون المشاقَّة، وينزلون عمَّا كانوا عليه في الدنيا من الكِبْر وشِدَّة الشَّكيمة، ولعلَّه مرادُ مَنْ قال: إنَّ الكلامَ قد تمَّ عند قوله تعالى: (أَنفُسِهِمٌ) ثم عاد إلى حكاية حالهم يوم القيامة. وقيل: عَظْفٌ على ((قال الذين))، وجوَّز أبو البقاء وغيره العَظْفَ على (تتوفّاهم))(١)، واستظهره أبو حيان(٢)، لكن قال الشهاب: إنه إنما يتمشّى على كون (تتوفّاهم)) بمعنى الماضي(٣). وقد تقدَّم لك القولُ بأنَّ الجملةَ خبر ((الذين)) مع ما فيه. واعترض الأول بأنَّ قوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْمٍ﴾ إما أن يكون منصوباً بقولٍ مُضْمَرٍ، وذلك القولُ حالٌ من ضمير ((ألقوا)) أي: ألقوا السَّلَم قائلين: ما كنَّا .. إلى آخره، أو تفسيراً للسَّلَم الذي ألقوه بناءً على أنَّ المراد به القولُ الدالُ عليه، بدليل الآية الأخرى: ﴿فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] وأيّاً ما كان فذلك العَظْفُ يقتضي وقوعَ هذا القول منهم يوم القيامة، وهو كَذِبٌ صريحٌ، ولا يجوزُ وقوعه يومئذ. وأجيب بأنَّ المرادَ: ما كنّا عاملينَ السُّوءَ في اعتقادنا، أي: كان اعتقادنا أنَّ عَمَلنا غيرُ سيّئ، وهذا نظيرُ ما قيل في تأويل قولهم: ﴿وَلَِّ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقد تُعقِّبَ بأنه لا يلائمه الردُّ عليهم بـ ((بلى إنَّ الله)) إلى آخره لظهور أنه لإبطال النفي، ولا يقال: الردُّ على مَنْ جَحَدَ واستيقنت نفسُه؛ لأنه يكونُ كَذِباً أيضاً، فلا يُقید التأويل. ومن الناس من قال بجواز وقوعٍ الكذبِ يومَ القيامة، وعليه فلا إشكال، ولا يخفى أنَّ هذا البحثَ جارٍ على تقدير كون العَظْف على ((قال الذين)) أيضاً؛ إذ يقتضي كالأول وقوع القول يوم القيامة، وهو مدارُ البحث. واختار شيخ الإسلام عليه الرحمة العَظْفَ السابق وقال: إنه جوابٌ عن قوله سبحانه: (أَيْنَ شُرَكَآَِّىَ) وأرادوا بالسوء الشِّركَ منكرين صدورَهُ عنهم، وإنما عبَّروا عنه بما ذكر اعترافاً بكونه سيِّئاً، لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره (١) الإملاء ٤٤٥/٣. (٢) البحر المحيط ٤٨٦/٥. (٣) حاشية الشهاب ٣٢٧/٥. سُورَةُ النَّلِ ٩٠ الآية : ٢٩ عنهم، ونفى أن يكونَ جواباً عن قول أُولي العلم ادِّعاءً لعدم استحقاقهم لما دَهَمهم من الخزي والسوء(١). ولعلَّه متعيّنٌ على تقدير العَظْف على ((قال الذين)) إلى آخره، وإذا كان العَظْفُ على ((تتوفّاهم الملائكة)) كان الغرضُ من قولهم هذا الصادرِ منه عند معاينتهم الموت استعطاف الملائكة عليهم السلام بنفي صدور ما يُوجِبُ استحقاقَ ما يُعانونه عند ذلك، وقيل: المراد بالسُّوء الفعلُ السيئ، أعمُّ من الشرك وغيره، ويدخل فيه الشِّركُ دخولاً أوَّليّاً، أي: ما كنَّا نعملُ سوءاً ما فضلاً عن الشرك، و((من)) على كلِّ حالٍ زائدة و((سوء)) مفعولٌ لـ ((نعمل)). ﴿بَ﴾ ردِّ عليهم من قِبَل الله تعالى، أو من قِبَل أولي العلم، أو من قِبَلٍ الملائكة عليهم السلام، ويتعيَّنُ الأخيرُ على كون القول عند معاينة الموت ومعاناته، أي: بلى كنتم تعملون ما تعملون. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٨ فهو يجازيكم عليه وهذا أوانه. ﴿فَادْ خُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ خِطابٌ لكلِّ صنفٍ منهم أن يدخل باباً من أبواب جهنم، والمرادُ بها إما المنفذُ أو الطبقة، ولا يجوزُ أن يكونَ خطاباً لكلِّ فردٍ لئلا يلزمَ دخول الفرد من الكفار من أبوابٍ متعدِّدة، أو يكون لجهنمَ أبوابٌ بعَدَدِ الأفراد، وجُوَّزَ أن يُراد بالأبواب أصناف العذاب، فقد جاء إطلاقُ الباب على الصِّنف کما يقال: فلانٌ ينظر في بابٍ من العلم، أي: صنفٍ منه، وحينئذٍ لا مانعَ في كون الخطاب لكلِّ فرد، وأَبعدَ من قال: المراد بتلك الأبواب قبورُ الكَفَرة المملوءةُ عذاباً مستدلاً بما جاء: ((القبرُ روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حُفَر النار))(٢). ﴿خَلِينَ فِّْ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ إن أُريد بالدخول حدوثَهُ، ومقارنةٌ إن أُريد به مُطلق الكون، وضميرُ ((فيها)) قيل: للأبواب بمعنى الطبقات، وقيل: لجهنم، والتزم هذا وكون الحال مقدَّرة مَنْ أَبْعَدَ، وحَمْلُ الخلود على المُكْثِ الطويل للاستغناء عن هذا الالتزام، وإن كان واقعاً في كلامهم خلاف المعهود في القرآن الكريم. (١) تفسير أبي السعود ١٠٩/٥ . (٢) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠) ضمن حديث طويل عن أبي سعيد حُه وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. الآية : ٣٠ ٩١ سُؤَةُ التَّحْمِ ﴿فَلَيْسَ مَثْوَىَ الْمُتَكَِّينَ ﴾﴾ أي: عن التوحيد، وذكرهم بعنوان التكبُّر للإشعار بعِلِّيَّته لثوائهم فيها، وقد وَصَفَ سبحانه الكفّار فيما تقدَّم بالاستكبار، وهنا بالتَّكبُّر، وذكر الراغبُ أنهما والكِبْرُ تتقاربُ؛ فالكِبر الحالةُ التي يتخصَّصُ بها الإنسانُ من إعجابه بنفسه، والاستكبارُ على وجهين؛ أحدهما: أن يتحرَّى الإنسانُ ويطلبَ أن يصيرَ كبيراً، وذلك متى كان على ما يَجبُ، وفي المكان الذي يَجبُ، وفي الوقت الذي يَجبُ، وهو محمود. والثاني: أن يتشبَّع فيُظهرَ من نفسه ما ليس له وهو مذموم، والتكبُّر على وجهين أيضاً؛ الأول: أن تكونَ الأفعالُ الحسَنَةُ كثيرةً في الحقيقة، وزائدةً على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالمتكبِّر. والثاني: أن يكونَ مُتكلِّفاً لذلك، مُتشبِّعاً، وذلك في وَصْفِ عامةِ الناس؛ والتكبِّر على الوجه الأول محمودٌ، وعلى الثاني مذمومٌ(١). والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوف أي: جهنم أو أبوابها إن فسِّرت بالطبقات، والفاء عاطفة، واللام جيء بها للتأكيد اعتناء بالذَّمّ لما أنَّ القومَ ضالُّون مُضلُّون كما ينبئُ عنه قوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلٍَّ) وللتأكيد اعتناءً بالمدح جيءَ باللام أيضاً فيما بعدُ من قوله سبحانه: ﴿وَلَدَارُ الْأَخِرَةِ خَرٌّ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] لأنَّ أولئك القوم على ضدِّ هؤلاء هادونَ مهديُّون، وكأنه لعدم هذا المقتضى في آيتي ((الزُّمر)) و((المؤمن)) (٢)، لم يُؤْتَ باللام، وقيل: (فَلَيْسَ مَثْوَىَ الْمُتَكَِّينَ) وقيل: التأكيدُ متوجّهٌ لما يُفهم من الجملة من أنَّ جهثَّمَ مثواهم، وحيث إنه لم يُفهم من الآيات قبلَ هنا، فهمه منها قبل آيتَي تينك السورتين، جيءَ بالتأكيد هناك ولم يجئ به هنا اكتفاءً بما هو كالصريح في إفادة أنها مثواهم، مما ستسمعه إن شاء الله تعالى هناك. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ﴾ أي: المؤمنين، وُصِفُوا بذلك إشعاراً بأنَّ ما صَدَرَ عنهم من الجواب ناشئٌ من التقوى: ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبِّكُمْ قَالُواْ خَيٌْ﴾ أي: أنزل خيراً، فـ ((ماذا)) اسمٌ واحدٌ مُرَّبٌ للاستفهام بمعنى: أيّ شيءٍ، محلُّهُ النَّصب بـ ((أنزل))، و((خيراً)) مفعولٌ لفعلٍ (١) المفردات (كبر). (٢) الزمر (٧٢)، والمؤمن (٧٦). سُورَةُ النَّة ٩٢ الآية : ٣٠ محذوفٍ، وفي اختيار ذلك دليلٌ على أنهم لم يتلعثموا في الجواب، وأطبقوه على السؤال معترفين بالإنزال على خلاف الكَفَرة حيث عَدَلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس من الإنزال في شيء. نعم قرأ زيدُ بن عليٍّ ◌ِ﴿ًا: ((خيرٌ)) بالرفع(١)، فـ ((ما)) اسمُ استفهامٍ، و((ذا)) اسمٌ موصولٌ بمعنى ((الذي))، أي: أيُّ شيءٍ الذي أنزله ربُّكم، و((خيرٌ) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، فيتوافقُ جملتا الجواب والسؤال في كون كلٌّ منهما جملةً اسمية، وجَعْلُ (ماذا)) منصوباً على المفعولية كما مرَّ، ورَفْعُ ((خير)) على الخبرية لمبتدأ جائزٌ إلا أنه خلافُ الأولى، وفي ((الكشف)) أنه يظهرُ من الوقوف على مراد صاحب (الكشاف))(٢) في هذا المقام أنَّ فائدةَ النَّصْب مع أنَّ الرفعَ أقوى دَفْعُ الالتباسِ ليكونَ نصّاً في المطلوب، كما أُوثر النَّصْبُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ ◌ِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] لذلك، وينحلُّ مراده من ذلك بالرجوع إلى ما نقلناه عنه سابقاً والتأمل فيه، فتأمَّل فإنه دقیق. هذا، ولم نجدْ في السائل هنا خلافاً كما في السائل فيما تقدَّم، والذي رأيناهُ في كثيرٍ مما وقفنا عليه من التفاسير أنَّ السائلَ الوفدُ الذي كان سائلاً أولاً في بعض الأقوال المحكية هناك، وذَكَرَ أنه السائلُ في الموضعين كثيرٌ منهم ابنُ أبي حاتم، فقد أخرج عن السُّدِّيِّ قال: اجتمعتْ قريشٌ فقالوا: إنَّ محمداً وَله رجلٌ حلوُ اللِّسان، إذا كلَّمه الرجلُ ذهبَ بعقله، فانظروا أناساً من أشرافكم المعدودين، المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كلِّ طريقٍ من طُرُقٍ مَّةَ على رأس ليلةٍ أو ليلتين، فمَنْ جاء يريده فردُوه عنه، فخرجَ ناسٌ منهم في كلِّ طريقٍ، فكان إذا أقبلَ الرجلُ وافداً لقومه ينظر ما يقولُ محمدٌ وَّهِ، فينزلُ بهم، قالوا له: أيا(٣) فلان ابن فلان، فيعرِّفه بنَسَبه ويقول: أنا أُخبرك عن محمدٍ بَله: هو رجلٌ كذَّابٌ، لم يتبعهُ على أمره إلا السُّفهاءُ والعبيدُ ومَنْ لا خيرَ فيه، وأما شيوخُ قومه وخيارُهم، فمفارقون له، فيرجعُ أحدُهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ (١) البحر المحيط ٤٨٧/٥. (٢) ٤٠٧/٢. (٣) في تفسير ابن أبي حاتم: أنا، وفي (م): يا. والمثبت من الأصل. الآية : ٣٠ ٩٣ سُورَةُ الْحَالَِ الْأَوَّلِينَ فإذا كان الوافدُ ممَّنْ عَزَمَ اللهُ تعالى له على الرشاد فقالوا له مِثْلَ ٢٤ ذلك قال: بئسَ الوافدُ أنا لقومي إن كنتُ جئتُ، حتى إذا بلغتُ مسيرةَ يوم رَجَعْتُ قبل أن ألقى هذا الرجل وأنظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره، فيدخلُ مكةً فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد وَطاهر، فيقولون: خيراً ... إلخ (١). نعم يجوز عقلاً أن يكونَ السائلُ بعضهم لبعضٍ لیقوى ما عنده بجوابه، أو لنحو ذلك كالاستلذاذ بسماع الجواب، وكثيراً ما يسأل المحبُّ عمَّا يعلمه من أحوال محبوبه استلذاذاً بمدامة ذِكْره وتشنيفاً لسَمْعه بسَنِيٌّ دُرِّه: ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هي الخمرُ ولا تسقني سِرّاً إذا أمكنَ الجهرُّ(٢) بل يجوز أيضاً أن يكونَ السائلُ من الكَفَرة المعاندين، وغرضُهُ بذلك التلاعب والتهكم. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ أتوا بالأعمال الحسنة الصالحة ﴿فِي هَذِهِ﴾ الدار ﴿الذُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾ مثوبةٌ حَسَنَةٌ جزاءَ إحسانهم، والجارُّ والمجرورُ متعلَّقٌ بما بعده على معنى أنَّ تلكَ الحسنة لهم في الدنيا، والمراد بها على ما روي عن الضحاك النصرُ والفتحُ، وقيل: المدح والثناء منه تعالى، وقال الإمام: يحتمل أن يكونَ فتحَ باب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى﴾(٣) [محمد: ١٧]، وقيل: متعلِّقٌ بما قبله، وحينئذٍ يحتملُ أن يكونَ الكلامُ على تقدير مثله متعلِّقاً بما بعد أو لا، بل تكون هذه الحسنةُ الواقعةُ مثوبةً لإحسانهم في الدنيا في الآخرة، واقتصر بعضُهم على هذا الاحتمال، والمرادُ بالحسنة حينئذٍ إما الثوابُ العظيمُ الذي أَعدَّه الله تعالى يوم القيامة للمحسنين، وإما التضعيفُ بِعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْف، إلى ما لا يعلمه غيرهُ جلَّ وعلا، واختير كونه متعلّقاً بما بعد؛ لأنه الأوفقُ بقوله سبحانه: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ والكلامُ كما يُشعر به كلامُ غيرٍ واحدٍ على حَذْف مضافٍ، أي: ولَثَوابُ دار الآخرة، أي: ثوابهم فيها خيرٌ مما أُوتوا في الدنيا من الثواب. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٨١/٧. (٢) البيت لأبي نواس وهو في ديوانه ص ٢٤٢. (٣) تفسير الرازي ٢٠/ ٢٤ . سُؤَدَّةُ الْحَلِّ ٩٤ الآية : ٣١ وجُوِّز أن يكونَ المعنى: خيرٌ على الإطلاق، فيجوز إسنادُ الخيرية إلى نفس دار الآخرة. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: دار الآخرة، حُذف لدلالة ما سبق عليه كما قاله ابن عطية، والزجاج(١)، وابنُ الأنباري، وغيرهم، وهذا كلامٌ مبتدأ عِدَةٌ منه تعالى للذين اتَّقوا على قولهم، وهو في الوعد ها هنا نظير ((ليحملوا أوزارهم)) في الوعيد فيما مرَّ، وجُوِّزَ أن يكونَ ((خيراً)) مفعول ((قالوا)) وعمل فيه؛ لأنه في معنى الجملة كـ: قال قصيدةً، أو صفة مصدر، أي: قولاً خيراً، وهذه الجملةُ بدلٌ منه، فمحلُّها النَّصبُ، أو مفسِّرةٌ له، فلا محلَّ لها من الإعراب، وعلى التقديرين مقولهم في الحقيقة ((للذين أحسنوا)) إلخ إلا أنَّ الله سبحانه سمَّاه خيراً، ثم حكاه كما تقول: قال فلانٌ جميلاً: مَنْ قَصَدنا وَجَبَ حقُّه علينا، وعلى ما ذكر لا يكون دلالةُ النصب على ما مرَّ لما أُشير إليه هناك، وإنما تكونُ من حيثُ شهادةُ الله تعالى بخيريَّة قولهم، ويحتملُ جَعْلُ ذلك كما في ((الكشف)) مفعولَ ((أنزل)) ويكونُ تسميتهُ خيراً من الله تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ليشعر أول ما يقرُ السمعَ بالمطابقة من غير نَظَرٍ إلى فَهْم معناه، وأما قولهم: (للذين أحسنوا)) أي: قالوا أنزلَ هذه المقالة، فإنَّ ما يُفهم من المطابقة بعد تدبُّر المعنى، وزعمَ بعضُهم أنه لا يجوزُ جعله منصوباً بـ ((أنزل)) لأنَّ هذا القولَ ليس منزَّلاً من الله تعالى، وفيه تفوتُ المطابقةُ حينئذٍ، وهو كلامٌ ناشئٌ من قِلَّةِ التدبُّر. وفي ((البحر)): الظاهرُ أنَّ (للذين)) إلخ مندرجٌ تحت القول، وهو تفسيرٌ للخير الذي أنزل الله تعالى في الوحي(٢). وظاهره أنه وجهٌ آخرُ غيرُ ما ذكر، وفيه رَدٌّ على الزاعم أيضاً، ولعلَّ اقتصارَهم على هذا من بين المنزَّل؛ لأنه كلامٌ جامعٌ، وفيه ترغيبٌ للسائل، والمختار من هذه الأوجه عند جَمْعٍ هو الأول، بل قيل: إنه الوجه . ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ كما اختاره الزجاجُ(٣) وابنُ الأنباري، أي: (١) المحرر الوجيز ٣٩٠/٣، ومعاني القرآن للزجاج ١٩٦/٣. (٢) البحر المحيط ٤٨٨/٥. (٣) في معاني القرآن ١٩٦/٣ . الآية : ٣١ ٩٥ سُورَةُ الْحَلِ هي جنات، وجُوِّزَ أن يكونَ مبتدأ خبرهُ محذوفٌ، أي: لهم جناتٌ، أو هو المخصوصُ بالمدح. ﴿يَدْ خُلُونَ﴾ نعتٌ لـ ((جنَّات)) عند الحوفي بناءً على أنَّ ((عَدْن)) نكرةٌ، وكذلك ﴿َجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ﴾ وكلاهما حالٌ عند غيرٍ واحدٍ بناءً على أنها عَلَمٌ. وجوَّزوا أن يكون ((جنات)) مبتدأ، وجملة ((يدخلونها)) خبره، وجملة ((تجري)) إلخ حالٌ، وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن: ((جناتٍ)) بالنَّصب على الاشتغال أي: يدخلونَ جناتٍ عدنٍ يَدخلونها(١)، قال أبو حيان: وهذه القراءةُ تقوِّي كونَ ((جنات)) مرفوعاً مبتدأ، والجملةُ بعده خبره. وقرأ زيدُ بن عليٍّ ﴾: ((ولنعمتُ(٢) دارِ المتقين)) بتاءٍ مضمومة و((دارٍ)) مخفوضة، فيكون ((نعمتُ)) مبتدأ مضافاً إلى ((دار))، و((جنات)) خبره. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن نافع: (يُدْخَلونها)) بالياء على الغيبة والفعلُ مبنيٌّ للمفعول، ورويت عن أبي جعفر وشيبة (٣). ﴿لَّمْ فِيَهَا﴾ أي: في تلك الجنات ﴿مَا يَشَدَمُونَ﴾ الظّرفُ الأول خبرٌ لـ ((ما)) والثاني حالٌ منه، والعاملُ ما في الأول من معنى الحصول والاستقرار، أو متعلّقٌ به لذلك، أي: حاصلٌ لهم فيها ما يشاؤون من أنواع المشتهيات، وتقديمُهُ للاحتراز عن تَوَهُّم تعلُّقه بالمشيئة، أو لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من أنَّ تأخيرَ ما حقُّه التقديم يُوجبُ ترقُّبَ النفس إليه، فیتمگّنُ عند ورودہ أفضل(٤) تمگُّن. وذكر بعضُهم أنَّ تقديم ((فيها)) للحَصْر، و((ما)) للعموم بقرينة المقام، فيفيدُ أنَّ الإنسانَ لا يجدُ جميعَ ما يريده إلا في الجنة. فتأمله. والجملة في موضع الحال نظيرَ ما تقدم، وزُعِمَ أنَّ ((لهم)) متعلِّقٌ بـ ((تجري))، أي: تجري من تحتها الأنهارُ لنفعهم، و((فيها ما يشاؤون)) مبتدأ وخبرٌ في موضع الحال، لا يخفى حاله عند ذوي التمییز. (١) القراءات الشاذة ص ٧٣، والمحرر الوجيز ٣٩٠/٣، والبحر المحيط ٤٨٨/٥. (٢) في (م): ولنعمة. (٣) البحر المحيط ٤٨٨/٥، والمحرر الوجيز ٣٩٠/٣. (٤) في (م): فضل. سُورَةُ النحل ٩٦ الآية : ٣٢ ﴾ أي: جنسَهم، ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلُ ذلك الجزاء الأوفى ﴿يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ فيشملُ كلَّ من يتَّقي من الشرك والمعاصي، وقيل: من الشرك، ويدخلُ فيه المتَّقون المذكورون دخولاً أوَّلياً، ويكونُ فيه بَعْثٌ لغيرهم على التقوى، أو المذكورین، فيكون فيه تحسيرٌ للكَفَرة، قيل: وهذه الجملة تؤيِّدُ كون قوله سبحانه (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ) عِدَةً، فإنَّ جَعْلَ ذلك جزاءً لهم يُنظر إلى الوعد به من الله تعالى، وإذا كان مقول القول لا یکون من كلامه تعالى حتى يكونَ وَعْداً منه سبحانه، وقيل: إنها تؤيِّدُ كون ((جنات)) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، لا مخصوصاً بالمدح؛ لأنه إذا كان مخصوصاً بالمدح يكون كالصَّريح في أنَّ ((جنات عَدْن)) جزاءً للمتقين، فيكونُ ((كذلك)) إلخ تأكيداً، بخلاف ما إذا كان خبرَ مبتدأ محذوف، فإنه لم يعلَمْ صريحاً أنَّ جنات عدن جزاءً للمتقين، وفيه نظرٌ، وكذا في سابقه إلا أنَّ في التعبير بالتأبيد ما يُهوِّن الأمر. ﴿الَّذِنَ نَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ نَعْتٌ للمتقين، وجُوِّزَ قَطْعُهُ، وقوله سبحانه: ﴿لَتِنَّ﴾ حالٌ من ضميرهم، ومعناه على ما روي عن أبي معاذ: طاهرين من دَنَسِ الشِّرك. وهو المناسبُ لِجَعْله في مقابلة ((ظالمي أنفسهم)) في وَصْف الكَفَرة بناءً على أنَّ المرادَ بالظّلم أعظمُ أنواعه، وهو الشرك، لكن قيل عليه: إنَّ ذِكْرَ الطهارة عن الشِّرك وحده لا فائدةَ فيه بعد وَصْفهم بالتقوى. وأجيب بأنَّ فائدةَ ذلك الإشارةُ إلى أنَّ الطهارةَ عن الشِّرك هي الأصل الأصيل. وفي ((إرشاد العقل السليم)) بعد تفسير الظّلم بالكُفْر وتفسير ((طيّبين)) بطاهرين عن دَنَس الظّلم وجَعْله حالاً قال: وفائدته الإيذانُ بأنَّ مَلاكَ الأمر في التقوى هو الطهارةُ عمَّا ذكر إلى وقت تَوَفِيهم، ففيه حٌّ للمؤمنين على الاستمرار على ذلك، ولغيرهم على تحصيله(١). وقال مجاهد: المراد بـ (طيّبين)) زاكية أقوالهم وأفعالهم، وهو مرادُ مَنْ قال: طاهرين من ◌ُظُلْم أنفسهم بالكفر والمعاصي. وإلى هذا ذهب الراغبُ حيث قال: الطَّيِّبُ من الإنسان منْ تعرَّى من نجاسةِ الجَهْل والفِسْق وقبائح الأعمال، وتحلَّى (١) تفسير أبي السعود ١١١/٥. الآية : ٣٢ ٩٧ سُوَّةُ الْحَلِ بالعِلْم والإيمان ومحاسن الأعمال، وإياهم قَصَدَ بقوله سبحانه: ﴿ الَّذِينَ تَنَّهُمُ اٌلْمَلَبِكَةُ طَيِنٌ﴾(١). وانتُصر لذلك بأنَّ وَصْفَهم بأنهم مثَّقون موعودون بالجنة في مقابلة الأعمال يقتضي ما ذُكر، وحملوا الظّلمَ فيما مرَّ على ما يعمُّ الكُفْرَ والمعاصي، لأنَّ ذلك مُجابٌ بقولهم: ((ما كثَّا نعملُ من سوء)» فلا تفوتُ المناسبةُ في جَعْل هذا مقابلاً لذاك، لكن في الاستدلال بما ذكر في الجواب على إرادة العامِّ ما لا يخفى. والكثيرُ على تفسير الطَّيِّبِ بالطاهر عن قاذورات الذنوب مطلقاً(٢) الذي لا خُبْثَ فيه، وقيل: المعنى فرحين ببشارة الملائكة عليهم السلام إياهم، أو بقَّبْض أرواحهم التوجُّه نفوسهم بالكُلِّيةِ إلى حظيرة القدس، فالمرادُ بالطَّيب ◌ِيِّبُ النفس، وطِيْبُها عبارةٌ عن القبول مع انشراح الصدر. ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ من الملائكة، وجُوِّزَ أن يكونَ ((الذين)) مبتدأٌ، خبره هذه الجملة، أي: قائلين أو قائلون لهم: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ لا يحيقكم بعدُ مكروه. قال القرطبيُّ - وروى نحوه البيهقيُّ -: عن محمد بن كعب القُرَظي: إذا استُدْعِيَتْ نفسُ المؤمن جاءه ملكُ الموت عليه السلام فقال: السلامُ عليك يا وليَّ الله، إنَّ الله تعالى يقرأ عليك السلام، وبشَّرَهُ بالجنة(٣). ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ التي أَعدَّها الله تعالى لكم، ووعدكم إياها، وكأنها إنما لم تُوصف لشهرة أمرها . وفي ((إرشاد العقل السليم)) اللام للعهد، أي: جنات عدن ... إلخ ولذلك جُرِّدتْ عن النَّعت(٤). وهو كما ترى، والمراد دخولهم فيها بعد البعث بناءً على أنَّ المتبادر الدخولُ بالأرواح والأبدان، والمقصودُ من الأمر بذلك قبل مجيء وقته البشارةُ بالجنة على أتمٍّ وجه، ويجوز أن يُرادَ الدخولُ حين التَّوِّي، بناءً على حَمْل الدخول على الدخول بالأرواح كما يُشير إليه خبرُ: ((القبر روضةٌ من ریاض (١) المفردات (طيب). (٢) في (م): مطابق. (٣) تفسير القرطبي ١٧/١١-١٨، و٣٢٠/١٢. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٦١/١. (٤) إرشاد العقل السليم ١١١/٥. سُورَةُ الفَحَلَ ٩٨ الآية : ٣٣ الجنة))(١) وكون البشارة بذلك دون البشارة بدخول الجنة على المعنى الأول، لا يمنعُ عن ذلك، على أنَّ لقائل أن يقول: إنَّ البشارةَ بدخول الجنة بالأرواح متضمّنةٌ للبشارة بدخولها بالأرواح والأبدان عند وقته؛ وكونُ هذا القول كسابقه عند قبض الأرواح هو المرويُّ عن ابن مسعود وجماعة من المفسرين. وقال مقاتل والحسن: إنَّ ذلك يوم القيامة، والمراد من التَّوفِّي وفاة الحشر، أعني: تسليم أجسادهم وإيصالها إلى موقف الحشر، مِن تَوَفَّى الشيءَ إذا أخذه وافياً، وجُوِّزَ حَمْلُ الثَّوفِّي على المعنى المتعارف، مع كون القول يوم القيامة إما بجَعْل ((الذين تتوقّاهم الملائكة يقولون)) مبتدأً وخبراً، أو بجَعْل ((يقولون)) حالاً مقدَّرةً من الملائكة، و((الذين)) على حاله أوّلاً، وحالُ ذلك لا يخفى. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة بالذي كنتم تعملونه من ذلك، والباء للسببية العادية، وهي فيما في الصحيحين من قوله ولايته : (لن يدخل الجنةَ أحدُكم بعمله))(٢) الحديث، للسببية الحقيقية، فلا تعارُضَ بين الآية والحديث. وبعضُهم جَعَلَ الباءَ للمقابلة دَفْعاً للتعارض. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرُ كفَّارُ مكةَ المارُّ ذِكْرهم ﴿إِلََّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ القبضٍ أرواحهم كما روي عن قتادة ومجاهد. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ وثَّابٍ وطلحةُ والأعمش: (يأتيهم)) بالياء آخر الحروف(٣)، ﴿أَ بَأْتِيَ أَمْرُ رَيِّكَ﴾ أي: القيامة كما روي عمَّن تقدَّم أيضاً، وقال بعضهم: المرادُ به العذابُ الدنيويُّ دونها، لا لأنَّ انتظارَها يُجامعَ انتظارَ إتيان الملائكة، فلا يلائمه العَظْفُ بـ ((أو))، لا لأنها ليست نصّاً في العناد؛ إذ يجوز أن يُعتبر مَنْعُ الخلوِّ ويُراد بإيرادها كفاية كلِّ واحدٍ من الأمرين في عذابهم، بل لأنَّ قولَهُ تعالى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى: (وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ) الآية صريحٌ في أنَّ المرادَ به ما أصابهم من العذاب الدنيويِّ، وفيه مَنْعٌ ظاهر، ويؤيدُ إرادة الأول التعبير بـ ((يأتي)) دون ((يأتيهم)). (١) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠). وسلف ص ٩٠ من هذا الجزء. (٢) صحيح البخاري (٥٦٧٣)، وصحيح مسلم (٢٨١٦) (٧٢) من حديث أبي هريرة ـ وأخرجه - أيضاً - أحمد (٧٥٨٧). (٣) التيسير ص ١٠٨، والنشر ٣٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٩١/٣. الآية : ٣٤ ٩٩ سُؤَدَّةُ الْحَمِّ وقيل: المرادُ بإتيان الملائكة إتيانهم للشهادة بصِدْق النبيِّ وَلي، أي: ما ينتظرون في تصديقك إلا أن تنزل الملائكة تشهد بنبوَّتك، فهو كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] والجمهور على الأول، وجُعلوا منتظرين لذلك مجازاً لأنه يلحقهم لحوقَ الأمر المنتظر كما قيل. واختير أنَّ ذلك لمباشرتهم أسبابَ العذاب الموجبة له المؤدِّية إليه، فكأنهم يقصدون إيتاءه ويتصدَّون لوروده، ولا يخفى ما في التعبير بالرَّبِّ وإضافته إلى ضميره و ﴿ من اللَّطف به عليه الصلاة والسلام، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى وجهُ رَبْطِ الآيات. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلُ ذلك الفعل من الشرك والتكذيب ﴿فَعَلَ اٌلَّذِينَ﴾ خَلَوا ﴿مِن قَبْلِهِوَ﴾ من الأمم ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ إذا أصابهم جزاء فِعْلهم ﴿وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ بالاستمرار على فِعْلِ القبائح المؤدِّي لذلك، قيل: وكان الظاهرُ أن يقال: ولكن كانوا هم الظالمين كما في سورة ((الزخرف))(١)، لكنه أُوثر ما عليه النَّظْمُ الكريمُ لإفادة أنَّ غائلةَ تُلْمهم آيلةٌ إليهم، وعاقبته مقصورةٌ عليهم، مع استلزام اقتصار ظُلْمِ كلِّ أحدٍ على نفسه من حيثُ الوقوعُ اقتصاره عليه من حيث الصدور. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي: أجزيةُ أعمالهم السيئة، على طريقة إطلاق اسم السَّبب على المسبّب إيذاناً بفظاعته. وقيل: الكلامُ على حَذْف المضاف. وتُعقِّب بأنه يُوهم أنَّ لهم أعمالاً غير سيئة، والتزم ومُثِّلَ ذلك بنحو صلة الأرحام، ولا يخفى أنَّ المعنى ليس على التخصيص، والداعي إلى ارتكاب أحد الأمرين أنَّ الكلامَ بظاهره يدلُّ على أنَّ ما أصابهم سيئة، وليس بها . وقد يُستغنى عن ارتكاب ذلك لما ذكر بأنَّ ما يدلُّ عليه الظاهرُ من باب المشاكلة كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَّوَاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] كما في ((الكشاف))(٢). (١) الآية (٧٦). (٢) ٤٠٨/٢. سُؤَةُ التّحَالَِ ١٠٠ الآية : ٣٤ ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: أحاطَ بهم، وأَضْلُ معنى الحَيق الإحاطةُ مطلقاً، ثم خُصَّ في الاستعمال بإحاطة الشَّرِّ، فلا يقالُ: أحاطتْ به النِّعمة، بل النقمة. وهذا أبلغُ وأفظعُ من ((أصابهم)) ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ أي: من العذاب كما قيل، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ عبارةٌ عن العذاب، وليس في الكلام حَذْفٌ ولا ارتكابُ مجاز على نحو ما مرَّ آنفاً . وقيل: ((ما)) مصدريةٌ، وضميرُ ((به)) للرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يُذْكَر، والمراد: أحاطَ بهم جزاءُ استهزائهم بالرسول وَّهِ، أو موصولةٌ عامةٌ للرسول عليه الصلاة والسلام وغيره، وضمير (به)) عائدٌ عليها، والمعنى على الجزاء أيضاً، ولا يخفى ما فيه، وأيّاً ما كان فـ ((به)) متعلق بـ ((يستهزؤون)) قُدِّم للفاصلة(١). هذا، ثم إنَّ قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ) إلخ على ما في ((الكشف)) رجوعٌ إلى عَدِّ ما هم فيه من العناد والاستشراء في الفساد، وأنهم لا يُقلعون عن ذلك كأسلافهم الغابرين إلى يوم التناد، وما وقع من أحوال أضدادهم في البَين، كان لزيادة التحسير والتبكيت والتخسير، وفيه دلالةٌ على أنَّ الحُجَّة قد تمَّتْ وأنه وَّرِ أدَّى ما عليه من البلاغ المبين. وقوله تعالى: (فَأَصَابَهُمْ) عَظْفٌ على (فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِنَّ) مترتِّبٌ؛ إذ المعنى: كذلك التكذيبُ والشِّركُ فِعْلُ أسلافهم، وأصابهم ما أصابهم. وفيه تحذيرٌ مما فعله هؤلاء وتذكيرٌ لقوله سبحانه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] ولا يخفى حُسْنُ الترتّب على ذلك؛ لأنَّ التكذيبَ والشِّركَ تسيَّبا لإصابة السيئات لمن قبلهم، وقوله سبحانه: (وَمَا ظَلَمَهُ اللَّهُ) اعتراضٌ واقعٌ حاق موقعه، وجَعْلُ ذلك راجعاً إلى المفهوم من قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي: كذلك كان مَنْ قبلهم مكذِّبين، لزمتهمُ الحُجَّةُ منتظرين، فأصابهم ما كانوا منتظرين = سديدٌ حَسَنٌ إلا أنَّ معتَمدَ الكلام الأولُ، وهو أقربُ مأخذاً، ودلالةُ ((فَعَل)) عليه أظهر، فهذه فَذْلكةٌ ضُمِّنتْ محصِّلَ ما قابلوا به تلك النِّعم والبصائر، وأُدمج فيها تسليته بَّهِ والبشرى بقلب الدائرة على مَنْ تربَّص به وبأصحابه عليه الصلاة والسلام الدوائرَ، وخُتمت بما يدلُّ على أنهم انقطعوا فاحتجُوا بآخرِ ما يحتجُّ به المحجوج، ينقلبُ(٢) عليه (١) في (م): للقاصلة. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٣٠/٥. (٢) في (م): يتقلب.