Indexed OCR Text

Pages 541-560

الآية : ٨٧
٥٤١
سُورَةُ الِحِجُ
ونحو قولهم: لَبَّك وسعدَيْكَ(١). وأراد كما في ((الكشف)): أنَّه جمع لمعنى التكرير
والإعادة كما ثُنِّي لذلك، لكنَّ استعمالَ المُثَنَّى في هذا المعنى أكثرُ؛ لأنَّه أولُ
مراتبٍ التكرار، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ مَثْنَى بمعنى التكرير والإعادة كما أنَّ صريحَ
المُثَنَّى كذلك في نحو ((كرَّتين)) ثم جُمِعَ مبالغةً، وقوله من التثنية إيضاحٌ للمعنى؛
لأَنَّه من الثَّنْي بمعنى التثنية، والأولُ أرجحُ؛ نظراً إلى ظاهر اللفظ، والثاني نظراً
إلى الأصل.
وقال في موضع آخر: إنَّه من التثنية أو الثناء، والواحدةُ: مثناة، أو مَثنية(٢)،
بفتح الميم على ما في أكثر النسخ، والأقيسُ - على ما قال المدقق بحسب اللَّفظ -
أنَّ ذلك مشتقٌّ من الثناء أو الثَّني، جمع مَثْنِى مَفْعل منهما، إما بمعنى المصدر جُمِع
لمَّا صُيِّر صفةً، أو بمعنى المكان في الأصل نُقِلَ إلى الوصف مبالغةً نحو: أرض
مَأْسَدَة؛ لأنَّ محلّ الثناء يقعُ على سبيل المجازِ على الثاني والمُثْنَى عليه، وكذلك
محلُّ الثّنِي، ولا بُعْدَ في باب العَدْل أنْ يكونَ منقولاً عنه لا مخترعاً ابتداءً.
وإطلاقُ ذلك على الفاتحة؛ لأنَّها تكرَّر قراءتُها في الصلاة، ورُوي هذا عن
الحسن وأبي عبد الله رحمهما الله تعالى. وعن الزجَّاج لأنَّها تُكَتَّى بما يُقرَأُ بعدها
من القرآن(٣)، وقيل - ونُسِبَ إلى الحسن أيضاً -: لأنَّها نَزلَت مرَّتَين مرَّةً بمكَّة ومرَّةً
بالمدينة .
وتعقِّبَ بأنَّها كانت مسمَّاةً بهذا الاسم قبل نزولها الثاني، إذ السورةُ كما سمعْتَ
غيرَ مرَّةٍ مِّیةٌ.
وقيل: لأنَّ كثيراً من ألفاظها مكرَّرٌ كالرحمن، والرحيم، وإياك، والصراط،
وعلیھم.
وقيل: لاشتمالها على الثناء على الله تعالى، والقولان كما ترى.
وقيل - ونُسِب إلى ابن عباس ومجاهد -: إنَّ إطلاقَ المثاني على الفاتحة؛
(١) الكشاف ٣/ ٣٩٥ بنحوه.
(٢) الكشاف ٢ / ٣٩٧ بنحوه.
(٣) معاني القرآن ١٨٥/٣.

سُورَةُ الِحْم
٥٤٢
الآية : ٨٧
لأنَّ الله سبحانه استثناها وادَّخَرَها لهذه الأمةِ، فلم يُعطِها لغيرهم، ورُوي هذا
الادِّخارُ في غيرها أيضاً، وفي غيرها أنَّ ذلك؛ لأنَّه تُكرَّر قراءتُه وألفاظُه، أو
قِصَصُه ومواعظُهُ، أو لِمَا فيه من الثناء عليه تعالى بما هو أهلُه جلَّ شأنه، أو لأنَّه
مُثْنى عليه بالبلاغة والإعجاز، أو يُثْنَى بذلك على المتكلِّم به، وعن أبي زيد البلخي
أنَّ إطلاقَ المثاني على ذلك؛ لأنَّه يُتْني أهلَ الشرِّ عن شرِّهم، فتأمَّل.
وجوِّز أنْ يُراد بالمثاني القرآنُ كلُّه، وأخرج ذلك ابنُ المنذر وغيرُه عن
أبي مالك(١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في توجيه إطلاقها عليه مع
الاختلاف في الإفراد والجمع(٢).
وأنْ يُرادَ بها كُتُب الله تعالى كلُّها، فـ(مِن)) للتبعيض، وعلى الأوَّل للبيان
ـ﴾﴾ بالنصب عطفٌ على ((سبعاً)).
﴿وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيَ
فإِنْ أُريدَ بها الآياتُ أو السُّورُ أو الأُمورُ السبعُ التي رُوِبَت عن زياد، فهو مِن
عطف الكلِّ على الجزء بأنْ يُرادَ بالقرآن مجموعُ ما بين الدّفتَين، أو من عطف العامّ
على الخاصِّ بأنْ يُرادَ به المعنى المشتركُ بين الكلِّ والبعض، وفيه دلالة على امتياز
الخاصِّ حتى كأنَّه غیرُه، كما في عكسه.
وإِنْ أُريدَ بها الأسباع فهو من عطف أحدٍ الوصفَين على الآخر كما في قوله:
إلى الملك القَرمِ وابنِ الهمام (٣)
البيت، بناءً على أنَّ القرآنَ في نفسه الأسباعُ، أي: ولقد آتيناك ما يقال له:
السبعُ المثاني والقرآن العظيم.
واختار بعضُهم تفسيرَ ((القرآن العظيم)) كـ ((السبع المثاني)) بالفاتحة لِمَا أخرجَه
البخاري عن أبي سعيد بن المُعَلَّى قال: قال رسول الله وسالآتي: ((الحمدُ لله ربِّ
العالمين، هي السَّبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه))(٤).
(١) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٠٥/٤، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٢٠ .
(٢) في سورة الزمر، عند قوله تعالى: ﴿مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الآية: ٢٣].
(٣) عجزه: وليث الكتيبة في المزْدَحَم، وسلف ٢/ ٣٥٠.
(٤) صحيح البخاري (٤٤٧٤)، وهو في مسند أحمد (١٥٧٣٠).

الآية : ٨٨
٥٤٣
سُوَرَةُ الِجُ
وفي ((الكشف)): كونُها (١) الفاتحةَ أوفقُ لمقتضَى المقام لِمَا مرَّ في تخصيص
((الكتاب وقرآن مبين)) بالسورة، وأشدُّ طباقاً للواقع، فلم يكن إذ ذاك قد أُوتي وَله
القرآن كلَّه. اهـ.
وأمر العطف معلومٌ مما قبله. وقرأت فرقةٌ: ((والقرآنٍ)) بالجرِّ (٢)، عطفاً على
((المثاني))، وأَبعدَ مَن ذهَبَ إلى أنَّ الواو مُقحمةٌ والتقدير: سبعاً من المثاني القرآنِ
العظيم.
﴿لَا تَعْدَّنَ عَيْنَّكَ﴾ لا تطمح بنظرك طموحَ راغبٍ، ولا تُدِم نظرك ﴿إِلَى مَا مَنَّعْنَا
بِهِ﴾ من زخارفِ الدنيا وزينتها ﴿أَزَّوَجًا مِنْهُمْ﴾ أصنافاً من الكفرة اليهود والنصارى
والمشركين، وقيل: رجالاً مع نسائهم، والنَّهيُ قيل: له ◌َ﴿ وهو لا يقتضي
الملابسةَ ولا المقاربةَ، وقيل: هو لأُمَّته وإن كان الخطابُ له عليه الصلاة والسلام،
وأُيِّد بما أخرجه ابنُ جرير وغيرُه عن ابن عباس ﴿هَا أنَّه قال في الآية: نُهِيَ الرجلُ
أَنْ يَتْمنَّى مالَ صاحبه(٣) .
نعم كان ◌َّه بعدَ نزول الآية شديدَ الاحتياط فيما تضمَّنته، فقد أخرج أبو عبيد
وابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير أنَّه عليه الصلاة والسلام مرَّ بإبلٍ لحيٍّ يقال
لهم: بنو المُلَوَّح، أو بنو المصطلق، قد عَبَسَت في أبوالها وأَبْعارها مِن السّمن،
فَتَقِنَّع بثوبه ومرَّ ولم ينظر إليها؛ لقوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَكَ) الآية (٤)، ويُعدُّ نحو
هذا الفعلِ من باب سدِّ الذرائع.
ومنهم مَن أيَّدَ الأوَّل بهذا وبدلالة ظاهر السياق عليه، وحاصلُها مع ما قبل: قد
أُوتيتَ النعمةَ العظمَى، التي كلُّ نعمةٍ وإِنْ عِظُمَت فهي بالنسبة إليها حقيرةٌ، فعليك
أنْ تستغنيَ بذلك ولا ترغبَ في متاع الدنيا، وجُعِلَ من ذلك قولُه عليه الصلاة
(١) في (م): كونهما.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٣/٣، والبحر المحيط ٤٦٦/٥ والكلام منه.
(٣) تفسير الطبري ١٢٨/١٤.
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٥٤، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر
المنثور ١٠٥/٤-١٠٦، وفي الأصل و(م): عَنَسَت، بدل: عَبَسَت، والعَبَسُ: ما تعلق
بأذناب الإبل من أبوالها وأبعارها يجفُّ عليها. ينظر القاموس (عبس).

سُوَدَةُ الِحُ
٥٤٤
الآية : ٨٨
والسلام: ((ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن))(١) بناءً على أنَّ ((يَتَغنَّ)) من الغِنَى المقصور
كَيَستغني، وليس مقصوراً على الممدود، ويشهدُ لذلك ما في الحديث الصحيح في
الخيل: ((وأما التي هي له سِترٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها تغنِّياً وتعفُّفاً))(٢) وعن أبي بكر تحظُه: مَن
أُوتي القرآن فرأَى أنَّ أحداً أُوتِيَ من الدنيا أفضل مما أُوتي، فقد صغَّر عظيماً وعظّم
صغيراً(٣). وقد أخرج ابنُ المنذر عن سفيان بن عُيينة ما هو بمعناه(٤)، وقال
العراقي: إنَّ الخبر مرويٌّ ولكنْ لم أقف على روايته عن أبي بكر ظُه في شيءٍ من
كُتُب الحديث(٥) .
وحكى بعضُهم في سبب نزولِ الآية أنَّه وافَت من بُصرى وأذرعات سبعُ قوافلَ
لقُريظةَ والنضير في يومٍ واحدٍ، فيها أنواعٌ من البُرِّ والطّيْب والجواهر، فقال
المسلمون: لو كانت لناً لتقوَّينا بها، ولأَنفقناها في سبيل الله تعالى، فنزلت(٦).
فكأنَّه سبحانه يقول: قد أعطيتُكم سبعاً هي خيرٌ من سبعٍ قوافل، وروي هذا عن
الحسن بن الفضل.
وتُعقّب بأنَّه ضعيفٌ، أو لا يصحّ؛ لأنَّ السورةَ مكيةٌ، وقريظة والنضير كانوا
بالمدينة فكيف يصحُّ أنْ يُقالَ ذلك؟ وهو كما ترى. نعم رُوي أنَّه ◌ِوَلُّ وافَى
بأذرعات سبعَ قوافلَ ليهود بني قريظة والنضير فيها ... إلخ، وهو غيرُ معروفٍ،
وقد قالوا: إنَّه لم يُعْهَد سفرُه ◌َّ للشام.
(١) أخرجه البخاري (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة څئه.
(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧)، وهو عند أحمد (٧٥٦٣) من
حديث أبي هريرة څ.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٩٨/٢. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
ص٩٣ -٩٤: لم أجده عن أبي بكر.
وأخرج نحوه ابن المبارك في الزهد (٧٩٩)، والطبراني كما في مجمع الزوائد ١٥٩/٧،
والخطيب في تاريخ بغداد ٣٩٦/٩ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه:
إسماعيل بن رافع الأنصاري، قال الهيثمي: متروك.
(٤) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٠٦/٤، وذكره أبو عبيد في فضائل القرآن
ص٥٣، والطبري ١٤/ ١٢٧ .
(٥) تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ٢٧٣/١، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٣٠٦/٥.
(٦) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٢.

الآية : ٨٩ - ٩١
٥٤٥
◌ُدَّةَ الحِجر
واستُؤنس بخبر النزولِ على أنَّ الَّهي معنيٌّ به سيِّدُ المخاطبين عليه الصلاة
والسلام كالنَّهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ حيث إنَّهم لم يؤمنوا، وكان وَه
يودّ أنْ يُؤمنَ كلُّ مَن بُعِثَ إليه، ويَشقُّ عليه عليه الصلاة والسلام لمزيد شَفَقته بقاءُ
الكفرة على كفرهم، ولذلك قيل له: ((ولا تَحزَن عليهم)) وكأنَّ مرجعَ الجملةِ الأُولَى
إلى النَّهي عن الالتفات إلى أموالهم، ومرجعَ هذه الجملة إلى النَّهي عن الالتفات
إليهم، وليس المعنى: لا تحزن عليهم حيث إنَّهم المتمتِّعون بذلك، فإنَّ التمتُّع به
لا يكون مداراً للحزن عليهم، وكونُ المعنى: لا تحزن على تمتُّعهم بذلك، فالكلامُ
على حذف مضافٍ، لا يخفَى ما فيه من ارتكاب خلافِ الظاهر من غير داعٍ إليه.
كناية عن التواضع لهم والرِّفق بهم، وأصلُ ذلك
٨٨
وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
أنَّ الطائرَ إذا أرادَ أنْ يَضُمَّ فَرْخَه إليه بَسَط جناحَيه له، والجناحان من ابن آدم
جانباه.
أي: المُنذِرُ الكاشِفُ نزول عذابِ الله تعالى
٨٩
﴿وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
ونِقَمِه المخوفةِ بمَن لم يُؤمن.
قيل: إنَّه متعلِّقٌ بقوله تعالى: (وَقَدْ ءَانَيْنَكَ) إلخ
٩٠
﴿كَمَآ أَنْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
على أنْ يكونَ في موضع نصبٍ نعتاً لمصدر من ((آتينا)) محذوفٍ، أي: آتيناك سبعاً
من المثاني إيتاءً كما أنزلنا، وهو في معنى: أَنزلْنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على
أهل الكتاب.
· أي: قسموه إلى حقِّ وباطلٍ، حيث قالوا
٩١
﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ
عناداً وعداوةً: بعضُه حقٌّ موافقٌ التوراة والإنجيل، وبعضُه باطلٌ مخالفٌ لهما،
وتفسيرُ ((المقتسمين)) المذكورين بأهل الكتاب مما رُوي عن الحسن وغيرِهِ، وفي
(الدر المنثور)) أخرج البخاريُّ وسعيد بنُّ منصور والحاكم وابنُ مردويه من طُرقٍ عن
ابن عباس ◌ًا أنَّه قال في الآية: هم أهل الكتاب جَزَّؤوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه
وكفروا ببعضه(١).
(١) صحيح البخاري (٤٧٠٥)، والمستدرك ٢/ ٣٥٥، والدر المنثور ١٠٦/٤، وأخرجه الطبري
١٢٩/١٤.

سُوْدَةُ الِىِجْر
٥٤٦
الآية : ٩١
وجاء ذلك مرفوعاً أيضاً، فقد أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) عن الحبر قال:
سألَ رجلٌ رسول الله وَّهِ قال: أَرَأَيتَ قولَ الله تعالى: (كَمَآ أَنَزْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
) قال عليه الصلاة والسلام: ((اليهودُ والنصارى)). قال: (الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ
عِضِينَ (®) ما عِضِيْن؟ قال ◌َّهِ: ((آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض))(١).
أو اقتسَمُوه لأنفسهم استهزاءً به؛ فقد رُوي عن عكرمة أنَّ بعضَهم كان يقول:
سورةُ البقرة لي، وبعضُهم: سورةُ آل عمرانَ لي، وهكذا؛ وجوِّز أنْ يُرادَ
بـ ((المقتسمين)) أهلُ الكتاب، ويُراد من القرآن معناه اللغويُّ، أي: المقروء من
كُتُبهم، أي: الذين اقتسَمُوا ما قرؤوا من كتبهم وحرَّفوه، وأقرُّوا ببعضٍ وكذَّبوا
ببعضٍ، وحُمل توسُّطُ قوله تعالى: (لَا تَمُدََّ عَيْنَكَ) إلخ بين المتعلِّق والمتعلَّق على
إمداد ما هو المرادُ بالكلام من التسلية.
وتُعقّب القولُ بهذا التعلَّقِ بأَنَّه جلَّ هذا المقامُ عن التشبيه، فلقد أُوتِي وَّ ما لم
يُؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثلَه، وفي حَمْل القرآن على المعنى اللغويِّ ما فيه.
وقيل: هو متعلِّقٌ بقوله تعالى: (وَقُلْ إِّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (9) لأنَّه في قوَّة
الأمر بالإنذار كأنَّه قيل: أَنذِرْ قريشاً مثلَ ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين،
يعني: اليهود، وهو ما جَرَى على قريظة والنضير، بأنْ جعل المتوقَّع كالواقع، وقد
وَقَع كذلك.
وتُعقّب بأنَّ المشبّه به العذابُ المنذَرُ ينبغي أنْ يكونَ معلوماً حالَ النزول، وهذا
ليس كذلك فيلغو التشبيه، وتنزيلُ المتوقَّع منزلة الواقع له موقعٌ جليلٌ من الإعجاز،
لكن إذا صادفَ مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْكَا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]
ونظائرِهِ، على أنَّ تخصيصَ الاقتسام باليهود بمجرَّد اختصاصِ العذابِ المذكورِ بهم
مع شِرْكَتهم للنصارى في الاقتسام المتفرِّع على الموافقةِ والمخالفة.
وفي الاقتسام بمعنى التحريفِ الشاملِ للكتابَين، بل تخصيص العذابِ المذكورِ
بهم مع كونه من نتائج الاقتسامِ تخصيصٌ من غير مخصِّص.
(١) المعجم الأوسط (٦٢٠٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٦/٧: فيه حبيب بن حسان،
وهو ضعيف.

الآية : ٩١
٥٤٧
سُورَةُ الِجُ
وجوِّز أنْ يُراد بـ ((المقتسمين)) جماعةٌ من قريش وهي اثنا عشر، وقال ابنُ
السائب: ستّة عشَرَ رجلاً: حنظلةُ بنُ أبي سفيان، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بنُ
المغيرة، وأبو جهل، والعاص بن هشام، وأبو قيس بنُ الوليد، وقيس بنُ الفاكه،
وزهير بن أمية، وهلال عبد الأسود، والسائب بن صيفي، والنضر بن الحارث،
وأبو البختري ابن هشام، وزَمعة بنُ الحجاج، وأميَّة بنُ خَلَف، وأوس بنُ المغيرة،
أرسلَهم الوليدُ بنُ المغيرة أيامَ الموسم لِيقِفُوا على مداخل طُرُقِ مكة لِيُنفِّرُوا الناسَ
عن الإيمان برسول الله وَ﴿، فانقسَمُوا على هاتيكَ المداخل يقولُ بعضُهم: لا تغترُّوا
بالخارج فإنَّه ساحرٌ، ويقول الآخر: كذَّابٌ، والآخرُ: شاعرٌ، إلى غير ذلك من
هَذَيانهم، فأهلكهم الله تعالى يومَ بدر وقبلَه بآفات، ويُجعَلُ ((الذين)) منصوباً
بـ (النذير)) على أنَّه مفعولُه الأول، و((كما)) مفعوله الثاني، أي: أُنذرُ المُعْضِين الذين
يُجزِّؤون القرآن إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطيرَ مثل ما أنزلنا على المقتسمين الذين
اقتسَمُوا مداخلَ مكة وهَذَوا مثل هَذَیانهم .
وتُعقّب بأنَّ فيه مع ما فيه من المشاركة لِمَا سَبَق في عدم كونِ العذاب الذي شُبِّه
به العذابُ المنذَرُ واقعاً ومعلوماً للمنذَرين، أنَّه لا داعيَ إلى تخصيص وصْفٍ
التعْضِيَة بهم وإخراجِ المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوةً لهم في ذلك، فإنَّ
وصْفَهم لرسول الله وَهُ بما وَصَفُوا به من السحر والشعر والكذب متفرٌّ على
وَصْفهم للقرآن بذلك، وهل هو إلا نفسُ التعضيةِ، ولا إلى إخراجهم من حكم
الإنذار، على أنَّ ما نَزَل بهم من العذاب لم يكن من الشدّة بحيث يُشبَّهُ به عذابُ
غيرِهم، ولا مخصوصاً بهم، بل هو عامٌّ لكلا الفريقين وغيرهم، مع أنَّ بعضَ مَن
عُدَّ مِن المنذَرين على قولٍ كالوليد بن المغيرة والأسود وغيرِهما قد هَلَكُوا قبل
مَهلك أكثرِ المقتسمين يومَ بدر، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى.
وقيل: إنَّه صفةٌ لمفعولِ ((النذير)) أُقيمَ مقامَه بعدَ حذفِهِ، والمقتسمون هم
القاعدون في مداخل الظُرق كما حُرِّر، أي: النذير عذاباً مثلَ العذاب الذي أنزلناه
على المقتسمین.
وتُعقّب أيضاً بأنَّ فيه مع ما مرَّ أنَّه يقتضي أنْ يكونَ ((كما أنزلنا)) من مقول
الرسول ◌َ*، وهو لا يصلُحُ لذلك.

سُورَةُ الِجُ
٥٤٨
الآية : ٩١
واعتُذِرَ له بأنَّه كما يقول بعضُ خواصِ الملك: أَمَرْنا بكذا، والآمرُ الملك
كما تقدَّم غيرَ بعيدٍ، أو حكايةً لقول الله تعالى، وفيه من التعسُّف ما لا يخفى،
وأيضاً فيه إعمالُ الوصف الموصوف في المفعول، وهو مما لا يجوز.
وأجيب بأنَّ الكوفيةَ تجوِّزُه، والقائلُ بَنَّى الكلامَ على ذلك، أو أنَّ المرادَ بالمفعول
المفعولُ الغيرُ الصريح، وتقديره: بعذاب، وهو لا يمنعُ الوصفَ من العمل فيه.
وقيل: المرادُ بـ ((المقتسمين)) على تقدير الوصفيَّة الرهطُ الذين تقاسَمُوا على أنَّ
يُبيُِّوا صالحاً عليه السلام فأهلَكَهم الله تعالى، والاقتسام بمعنى التقاسم، ولا إشكالَ
في التشبيه؛ لأنَّ عذابهم أمرٌ محقَّقُ نطَقَ به القرآن العظيمُ فيصحُّ أنْ يقَعَ مشبَّهاً به
للعذاب المنذَرِ، والموصول إما مفعولٌ أوَّل للنذير، أو لِمَا دلَّ هو عليه من ((أَنذر)).
وتُعقّب أيضاً بأنَّ فيه بعد إغماضٍ العين عمَّا في المفعوليَّة من الخلاف أو
الخفاء أنَّه لا يكونُ للتعرُّض لعنوان التعضية في حيِّز الصلة، ولا لعنوان الاقتسام
بالمعنى المَزْبورِ في حيِّز المفعولِ الثاني فائدةٌ، لِمَا أنَّ ذلك إنَّما يكونُ للإشعار بعلِّيَّةَ
الصلةِ والصفةِ للحكم الثابتِ للموصول والموصوف، فلا يكونُ هناك وَجْهُ شَبَهِ يدورُ
عليه تشبيهُ عذابهم بعذابهم خاصةً، لعدم اشتراكهم في السبب، فإنَّ المُعضين بمعزلٍ
من التقاسم على التبييت الذي هو السببُ لهلاك أولئك، مع أنَّ أولئك بمعزلٍ من
التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء، ولا علاقةً بين السببّين مفهوماً ولا وجوداً
تصحِّحُ وقوعَ أحدهما في جانب والآخر في جانب، واتِّفاقُ الفريقَين على مطلَق
الاتّفاق على الشرور المفهوم من الاتِّفاق على الشرِّ المخصوصِ الذي هو التبييتُ
المدلولُ عليه بالتقاسم، غيرُ مَفيدٍ، إذ لا دلالةَ لعنوان التعضيةِ على ذلك، وإنما يدلُّ
عليه اقتسامُ المداخل.
وجعلُ الموصول مبتدأً على أنَّ خبرَه الجملةُ القَسَمِيَّةِ لا يليقُ بجزالة التنزيلِ
وجلالةٍ شأنه الجليل. اهـ. وهذا الجَعلُ مرويٌّ عن ابن زيد، وفي روايةٍ عن ابن
عباس ﴿ًا أخرجَها البيهقيُّ وأبو نعيم في ((الدلائل)) ما يقتضيه (١)، ومن هنا قيل
(١) دلائل النبوة للبيهقي ١٩٩/٢-٢٠١ من طريق ابن إسحاق، وهو في السير والمغازي
ص١٥٠- ١٥٢، ولم نقف عليه عند أبي نعيم في مطبوع دلائل النبوة.

الآية : ٩١
٥٤٩
سُورَةُ الآجر
بمنعِ عدمِ اللَّياقة، وبعضُ من يُسلِّمها يقول: يجوزُ أنْ يكونَ الموصولُ صفة
((المقَتسمين)) مراداً بهم أولئك الرهطُ، ومعنَى جعلهم القرآنَ عِضين حُكمُهم بأنَّه
مفترَى وتكذيبهم به، والمرادُ منه معناه اللغويُّ، فيؤول إلى وَصْفهم بتكذيبهم
بكتابهم وإعراضِهم عن الإيمان به والعمل بما فيه.
ويُوافق ما مرَّ من قوله تعالى فيهم وفي قومهم: (وَءَانِيْنَهُمْ ءَيَدِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا
مُعْرِضِينَ ﴾) بناءً على أنَّ المرادَ بالآيات آياتُ الكتاب المُنزَل على نبيِّهم عليه
السلام حسبما قيل به فيما سبق، وإنْ أَبيتَ ذلك بناءً على ما سمعتَ هنالك
التَّزَمنا كونَ الموصولِ مفعولاً، وقلنا: فائدةُ التعرُّضِ للعنوانَين المذكورين على
الوجه المذكور الإشارةُ إلى تَفْظيع أمرٍ التكذيب وكونه في سَبَبيَّته للعذاب
كالاقتسام على قتل النبيِّ، ويلتزمُ ما يُشعرُ به هذا من أَفظَعيَّة الاقتسام المزبورِ؛
لأنَّه لا يكونُ إلا عن تكذیبٍ ومزيدٍ عداوةٍ للنبيّ، وفيه بحث.
وقيل: المُصحِّحُ لوقوع أحدِ العنوانَين في جانبٍ والآخر في جانب أنَّ التكذيبَ
يَنجرُّ بزعم المكذِّبين إلى إبطال أمرِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وإطفاءِ نورِه، وهو
العلّةُ الغائیةُ لذلك، والاقتسام المذکورُ کذلك، وهو کما تری.
وقال أبو البقاء - وليتَهُ لم يقل -: إنَّ ((كما أنزلنا)) متعلِّق بقوله تعالى: (مَتَّعْنَا ◌ِ]
أَزْوَجًا مِنْهُمْ) وهو في موضع نصبٍ، نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: متعناهم تمتيعاً
كما أنزلنا، والمعنى: نقَّمنا بعضَهم كما عذَّبنا بعضَهم(١).
وذكر ابنُ عطيَّة وغيرُه أنَّه يحتملُ أنْ يكونَ المعنى: قل: إنِّي أنا النذيرُ
المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنَّك ستأتي نذيراً على المقتسمين، أي: أهل
الكتاب(٢).
ومرادُهم على ما قيل أنَّ ((ما)) في ((كما)) موصولة، والمرادُ من المشابهة
المستفادةِ من الكاف الموافَقَةُ، وهي مع ما في حيِّزها في محلِّ النصب على الحاليّة
من مفعول ((قل)) أي: قل هذا القولَ حالَ كونِهِ كما أنزلنا على أهل الكتابَين، أي:
(١) الإملاء ٤٣٥/٣-٤٣٦.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٤/٣.

سُودَةُ الِحُ
٥٥٠
الآية : ٩١
موافقاً لذلك، والأنسبُ على هذا حَمْلُ الاقتسام على التحريف، ليكونَ وصفُهم
بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكتمانهم لنعت النبيِّ وَّر.
وأنت تعلم أنَّ فيه بعداً، لكنَّه أَولَى بالنسبة إلى بعض ما تقدَّم، وقريبٌ منه
ما قيل: المعنى: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني إيتاءً موافقاً للإيتاء الذي أنزلناه على
أهل الكتابین وأخبرناهم به في كتبهم، وفيه ما فيه.
وأما جعلُها زائدةً، والمعنى: أنا النذيرُ المبينُ ما أنزلنا. فحالُه غنيٌّ عن التنبيه
عليه .
وقال العلامة أبو السعود بعد نقل أقوالٍ عقَّبها بما عقَّبها: والأقربُ من الأقوال
المذكورة أنَّ ((كما أنزلنا)) متعلّقٌ بقوله تعالى: (وَقَدْ ءَانَيْنَكَ) إلخ، وأنَّ المرادَ
بـ ((المقتسمين)) أهلُ الكتابَين، وأنَّ الموصولَ مع صلته صفةٌ مبيِّةٌ لكيفية اقتسامهم،
ومحلُّ الكاف النصبُ على المصدريَّة، وحديثُ جلالةِ المقام عن التشبيه من لوائح
النظر الجليل.
والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآنَ العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال
الكتابَين على أهلهما، وعدمُ التعرُّض لذكر ما أَنزلَ عليهم من الكتابَين؛ لأنَّ
الغرَضَ بيانُ المماثلة بين الإيتاءَین لا بينَ متعلَّقيهما، والعدولُ عن تطبيق ما في
جانب المشبّه به على ما في جانب المشبّه بأنْ يقال: كما آتينا المقتسمين حسبما وَقَع
في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ [البقرة: ١٢١] إلخ للتنبيه على ما بين الإيتاءَين
من التنائي، فإنَّ الأوَّل على وجه التكرمةِ والامتنان، فشتّان بينه وبين الثاني،
ولا يقدحُ ذلك في وقوعه مشبّهاً به، فإنَّ ذلك إنَّما هو لمسلَّمِيَّتِه عندهم، وتقدُّم
وجوده على المشبّه زماناً لا لمزيَّةٍ تعودُ إلى ذاته، ونظيرُ ذلك ما قيل في الصلوات
الإبراهيميَّة، فليس في التشبيه إشعارٌ بأفضليةِ المشبّه به من المشبّه، فضلاً عن إيهام
ما تعلَّق به الأول مما تعلَّق به الثاني، وإنَّما ذُكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتِّصافهم
به مع تحقّق ما يَنفيه من الإنزال المذكور، وإيذاناً بأنَّهم كان من حقٌّهم أنْ يُؤمنوا
بكلِّه حسب إيمانهم بما أُنزل عليهم؛ بحكم الاشتراكِ في العلَّة والاتِّحادِ في(١)
(١) في الأصل: اتحاد.

الآية : ٩١
٥٥١
سُورَةُ الِجم
الحقيقة التي هي مطلَقُ الوحي، وتوسيطُ قوله تعالى: (لَا تَمُذَّنَ عَيْنَّكَ) إلخ لكمال
اتِّصاله بما هو المقصودُ من بيان حالٍ ما أُوتِي النبيُّ ◌َله .
ولقد بُيِّن أولاً عُلوُّ شأنه ورِفعةُ مكانِهِ بَّهِ بحيث يستوجبُ اغتباطَه عليه الصلاة
والسلام بمكانِهِ واستغناءه به عمَّا سواه، ثم نُهِيَ عن الالتفات إلى زهرة الدنيا،
وعبَّر سبحانه عن إيتائها لأهلها بالتمتُّع المُنبئ عن وَشْك زوالها عنهم، ثم عن
الحُزن؛ لعدمِ إيمانِ المُنهمكين فيها، وأمرَ بمراعاة المؤمنين والاكتفاء بهم عن
غيرهم، وبإظهار قوَامِهِ بمواجب الرسالة ومَرَاسم النِّذارَة حسبما فُصِّل في تضاعيف
ما أوتيَ من القرآن العظيم.
ثم رَجَع إلى كيفية إتيانِهِ على وَجْهٍ أَدمجَ فيه ما يزيحُ شُبَهَ المنكرِين ويستنزِلُهم
من العناد من بيان مشاركتِهِ لِمَا لا ريبَ لهم في كونه وحياً صادقاً، فتأمَّل والله تعالى
عندَه علمُ الكتاب(١). اهـ وهو كلامٌ ظاهرٌ عليه مخايلُ التحقيق.
وفي ((البحر)) بعد نقلٍ أَكثرِ هذه الأقوالِ: وهذه أقوالٌ وتوجيهاتٌ مُكلفة،
والذي يظهرُ لي أنَّه تعالى لمَّا أَمَرِهِ وَّر بأَنْ لا يحزَنَ على مَن لم يُؤْمن، وأَمَرِه عليه
الصلاة والسلام بخفضٍ جناحِهِ للمؤمنين، أَمرَهِ وَّهِ أنْ يُعلِمَ المؤمنين وغيرَهم أنَّه
هو النذيرُ المبين، لئلا يَظُنَّ المؤمنون أنَّهم لمَّا أُمِرَ بَّهِ بخفض جناحِهِ لهم خَرَجُوا
مِن عُهدةِ النِّذارة، فَأُمِرَ نَّهِ بأنْ يقول لهم: (إَِّ أَنَا النَّذِيْرُ الْمُبِينُ) لكم ولغيركم،
كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَنَهَا﴾ [النازعات: ٤٥] وتكونُ الكافُ نعتاً
لمصدر محذوفٍ، والتقدير: وقل قولاً مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين إنَّك نذيرٌ
لهم، فالقولُ للمؤمنين في النِّذارة كالقول للكفار المقتسمين؛ لئلا يُظَنَّ إنذارُك
للكفار مخالفاً لإنذار المؤمنين، بل أنت في وَصْف النِّذارة لهم بمنزلةٍ واحدةٍ تُنذِرُ
المؤمنَ كما تنذرُ الكافر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيْرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(٢)
[الأعراف: ١٨٨]. اهـ بحروفه، وهو كما ترى ركيكٌ لفظاً ومعنّى، والله تعالى أعلمُ
بمراده، وعنده علم الكتاب.
(١) تفسير أبي السعود ٥/ ٩١.
(٢) البحر المحيط ٤٦٩/٥.

سُورَةُ الِغْ
٥٥٢
الآية : ٩٢ - ٩٣
و((عضين)) جمع ◌ِضَة، وأصلُها: عِضَوَة بكسر العين وفتح الضاد بمعنى جزء،
فهو معتلُّ اللام من عَضَّاه بالتشديد جعلَه أعضاءً وأجزاءً، فالمعنى: جعلوا القرآن
أجزاءً.
وقيل: العِضَهُ في لغة قريش: السِّحرُ، فيقولون للساحر: عاضِهٌ، وللساحرة:
عاضِهَةٌ، وفي حديث رواه ابنُ عدي في ((الكامل)) وأبو يَعلَى في ((مسنده)): ((لَعَنَ اللهُ
العاضِهَةَ والمُستَعْضِهَة)»(١) وأراد ◌ِّهِ الساحرةَ والمستسحرة، أي: المستعملة لسحرِ
غيرها، وهو على هذا مأخوذٌ من عَضَهْتُه، فاللام المحذوفة هاء كما في شَفَة وشاة،
على القول بأنَّ أصلهما: شَفَهةٌ وشَاهةٌ، بدليل جمعهما على: شِفَاه وشِیَاه،
وتصغيرهما على: شُفَيهة وشُوَيهة.
وعن الكِسائي أنَّه مِن عَضَهَه عَضْهاً وعَضِيْهةً رماه بالبهتان، قيل: وأخذُ العِضَه
بمعنى السِّحر من هذا؛ لأنَّ البهتانَ لا أصل له، والسحر تخييلُ أمرٍ لا حقيقةً له،
وذهب الفرَّاء إلى أنَّه من العضاه وهي شجرةٌ تؤذي كالشَّوك، واختار بعضُهم
الأَوَّلَ، وجَمْعُ السلامةِ لجَبْر ما حُذِف منه كعِزِين وسِنِين، وإلا فحقُّه أنْ لا يُجمَع
جمعَ السلامةِ المذكَّر؛ لكونه غيرَ عاقلٍ ولتغيُّر مفردِهِ؛ ومثل هذا كثيرٌ مَّردٌ.
ومِن العرب مَن يُلزمُهُ الياء، ويجعل الإعرابَ على النون فيقول: عِضِيْنك
كسِيْنك، وهذه اللغة كثيرةٌ في تميم وأسد.
والتعبير(٢) عن تجزئة القرآن بالتعضية، التي هي تفريقُ الأعضاء مِن ذي الروح
المستلزم لإزالة حياتِهِ وإبطالِ اسمِهِ دون مطلَقِ التجزئة والتفريقِ اللذَين ربما يُوجدان
فيما لا يضرُّه التبعيضُ = للتنصيص على قُبح ما فعلوه بالقرآن العظيم.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (﴾﴾ أي: لنسألَنَّ يومَ القيامة أصنافَ الكفرةِ مطلقاً
المقتسمين وغيرهم سؤالَ تقريع وتوبيخِ ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾﴾ في الدنيا من قولٍ
وفعلٍ وتَرْكٍ، فيدخل فيه ما ذُكرَ من الاقتسام والتعضية دخولاً أوليًّا، أو لنجازينَّهم
(١) التراجم الساقطة من الكامل ص١٠٧ من حديث ابن عباس ◌ًا. قال الحافظ ابن حجر في
تخريج أحاديث الكشاف ص٩٤: في إسناده زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام،
وهما ضعيفان، ولم نقف عليه في مطبوع مسند أبي يعلى.
(٢) في الأصل و(م): وفي التعبير. والمثبت من تفسير أبي السعود ٥/ ٩٢.

الآية : ٩٣
٥٥٣
سُوَرَةُ الِجْرُ
على ذلك، وعلى التقديرَين لا منافاةً بين هذه الآيةِ وقولِهِ تعالى: ﴿فَؤْمِذٍ لَّا يُشْكَلُ عَنْ
ذَنِ إِنسُّ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] لأنَّ المرادَ هنا حسبما أشرنا إليه إثباتُ سؤالٍ
التقريعِ والتوبيخ، أو المجازاة بناءً على أنَّ السؤالَ مجازٌ عنها، وهناك نَفْيُ سؤال
الاستفهام؛ لأنَّه تعالى عالمٌ بجميع أعمالهم، ورُوي هذا عن ابن عباس، وضعَّف
هذا الإمامُ بأنَّه لا معنَى لتخصيص نَفي سؤالِ الاستفهام بيوم القيامة؛ لأنَّ ذلك
السؤال محالٌ عليه تعالى في كلِّ وقتٍ(١).
وأجيبَ بأنَّه بناءً على زعمهم كقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] فإنَّه
يظهرُ لهم في ذلك اليوم أنَّه سبحانه لا يخفَى عليه شيءٌ، فلا يحتاجُ إلى الاستفهام.
وقيل: المرادُ لا سؤالَ يومئذٍ منه تعالى ولا مِن غيره، بخلاف الدنيا فإنَّه
ربما سألَ غيرُه فيها. ورُدَّ بأنَّ قوله: لأنَّه سبحانه عالمٌ بجميع أعمالهم، يأباه.
واختارَ غيرُ واحدٍ في الجمع أنَّ النفي بالنسبة إلى بعض المواقفِ، والإثباتَ
بالنسبة إلى بعضٍ آخرَ، وسيأتي تمامُ الكلام في ذلك(٢).
الَّذِينَ جَعَلُواْ
٩٠
واستظهر بعضُهم عودَ الضمير في (لنسألنهم)) إلى ﴿اٌلْمُقْتَسِمِينَ
للقُرْب، وجوِّزَ أنْ يعودَ على الجميع من مؤمنٍ وكافرٍ؛ لتقدُّم
٩١
اُلْقُرْءَانَ عِضِينَ
ما يُشعر بذلك من قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِيثُ
٨٩].
و ((ما)) للعموم كما هو الظاهر، وأخرج ابنُ جرير وغيرُه عن أبي العالية أنَّه قال
في الآية: يُسأل العبادُ كلُّهم يومَ القيامة عن خَلَّتين: عمَّا كانوا يَعبدُون، وعمّا
أجابوا به المرسلين(٣) .
وأخرج الترمذيُّ وجماعةٌ عن أَنَسٍ عن النبيِّ وَِّ أَنَّه قال: ((يُسألونَ عن قول: لا إله
إلا الله)) (٤) وأخرجه البخاريُّ في تاريخه والترمذيُّ من وجهٍ آخرَ عن أنسٍ موقوفاً (٥)،
(١) مفاتيح الغيب ٢١٤/١٩.
(٢) في سورة الرحمن عند تفسير الآية (٣٩).
(٣) الطبري ١٤/ ١٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١٠٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) سنن الترمذي (٣١٢٦)، والتاريخ الكبير ٣٣/٨، وأخرجه أيضاً الطبري ١٤٠/١٤.
(٥) التاريخ الكبير ٨٦/٢، والترمذي (٣١٢٦)، وأخرجه أيضاً الطبري ١٣٩/١٤.

سُؤَادَةُ الِّعْرُ
٥٥٤
الآية : ٩٤
وروي أيضاً عن ابن عمرَ ومجاهد، والمعنى على ما في ((البحر)): يسألون عن الوفاء
بلا إله إلا الله والتصديقٍ لمقالها بالأعمال(١).
والفاء قيل: لترتيب الوعيدٍ على أعمالهم التي ذُكر بعضُها، وقيل: لتعليل النَّهي
والأمرِ فيما سبق، وزعْمُ أنَّها الفاء الداخلة على خبر الموصول كما في قولك:
الذي يأتيني فلَهُ درهمٌ، مبنيٌّ على أنَّ ((الذين)) مبتدأٌ، وقد علمتَ حالَ ذلك، وفي
التعرُّض لوصفِ الربوبيَّة مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفَى من
إظهار اللطف به ويتلقى .
﴿ فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قال الكلبي: أي: أَظْهِرْه واجهَرْ به، يقال: صَدَع بالحجَّةِ:
إذا تكلَّمَ بها جهاراً، ومِن ذلك قيل للفجر: صديع؛ لظهوره.
وجوِّز أنْ يكونَ أمراً من صَدع الزُّجَاجة، وهو تفريقُ أجزائها، أي: افرُق بين
الحقِّ والباطل، وأصلُه على ما قيل الإبانة والتمييزُ، والباء على الأول صلةٌ، وعلى
الثاني سبيَّةٌ .
و ((ما)) جوِّزَ أنْ تكونَ موصولةً، والعائدُ محذوفٌ، أي: بالذي تُؤمرُ به، فحُذِفَ
الجارّ، فتعدَّى الفعل إلى الضمير فصار تُؤْمَره، ثم حُذف، ولعلَّ القائلَ بذلك لم
يعتبر حذفَهُ مجروراً لفقد شرطِ حذفه بناءً على أنَّه يُشترَط في حذف العائدِ المجرور
أنْ يكونَ مجروراً بمثل ما جُرَّ به الموصول لفظاً ومعنّى ومتعلَّقاً .
وقيل: التقديرُ: فاصدَع بما تُؤْمَرُ بالصَّدع بهِ فحُذِفَت الباء الثانية ثم الثالثة ثم
لام التعريف ثم المضاف ثم الهاء، وهو تكلّفٌ لا داعيَ له، ويكاد يُورثُ الصُّداع.
والمرادُ بما يؤمرُ به الشرائعُ مطلقاً، وقول مجاهد كما أخرجَه عنه ابنُ
أبي حاتم: إنَّ المعنى: اجهَرْ بالقرآن في الصلاة(٢). يقتضي بظاهره التخصيصَ،
ولا داعيَ له أيضاً كما لا يخفى. وأَظهرُ منه في ذلك ما روي عن ابن زيد أنَّ المرادَ
بـ ((ما تُؤمِرُ)) القرآن الذي أُوحي إليه وَِّ أنْ يُبلِّغَهم إياه. وأنْ تكون مصدريةً، أي:
فاصْدَع بمأموريَّتك، وهو الذي عناه الزمخشريُّ بقوله: أي: بأمرك، مصدر من
(١) البحر المحيط ٤٦٩/٥ .
(٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٠٦/٤، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٤٣.

الآية : ٩٥
٥٥٥
مُؤَدَّ الِحْ
المبنيِّ للمفعول(١)، وتعقبه أبو حيان بأنه مبني على مذهب من يجوز أن يراد
بالمصدر ((أن)) والفعل المبني للمفعول والصحيحُ أنَّ ذلك لا يجوزُ(٢).
وردَّ بأنَّ الاختلافَ في المصدر الصريح هل يجوزُ انحلالُه إلى حرفٍ مصدريٌّ
وفِعْلٍ مجهول، أم لا؟ أمَّا أنَّ الفعل المجهول هل يُوصَلُ به حرف مصدريٌّ فليس
محلَّ النزاع، فإنْ كان اعتراضُه على الزمخشريِّ في تفسيره بالأمر، وأنَّه كان ينبغي
أنْ يقولَ بالمأمورية، فشيءٌ آخر سهلٌ، ثم لا يخفَى ما في الآية من الجزالة.
وقال أبو عبيدة عن رؤبة: ما في القرآن أجزل(٣) منها، ويُحكَى أنَّ بعضَ العرب
سوِعَ قارئاً يَقْرَؤها فسجَدَ، فقيل له في ذلك فقال: سجدتُ لبلاغةِ هذا الكلام، ولم
يزل * مستخفياً - كما روي عن عبد الله بن مسعود - قبل نزولها(٤)، فلمَّاً نزلَت
خرج هو وأصحابُه عليه الصلاة والسلام(٥).
﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ أي: لا تلتفِتْ إلى ما يقولون ولا تُبالِ بهم، فليسَت
الآيةُ منسوخةً، وقيل: هي من آيات المهادنة التي نسخَتها آيةُ السيف، وأخرج ذلك
ابنُ أبي حاتم وأبو داود في ناسخه عن ابن عباس ط﴾(٦).
٩٥
· بك، أو بك وبالقرآن، كما رُوي عن ابن عباس؛
﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ (
بقَمْعهم وتدميرهم. وأخرج الطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في
((الدلائل))، وابن مردويه بسندٍ حسن(٧) قال: المستهزؤون: الوليد بن المغيرة،
(١) الكشاف ٣٩٩/٢.
(٢) البحر المحيط ٥/ ٤٧٠ .
(٣) قوله: أجزل، ساقط من (م).
(٤) في (م): نزول ذلك.
(٥) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، والسيوطي في الدر المنثور ١٠٦/٤، وعزاه للطبري،
وهو عنده ١٤/ ١٤٣ عن عبد الله بن عبيدة.
(٦) الدر المنثور ١٠٦/٤ .
(٧) المعجم الأوسط (٤٩٨٦)، ودلائل النبوة للبيهقي ٣١٦/٢-٣١٧، عن ابن عباس
ودلائل النبوة لأبي نعيم ٣٥٢/١-٣٥٣ عن عروة بن الزبير ظلبه، وعزاه لابن مردويه
السيوطي في الدر المنثور ١٠٧/٤، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة ٤٠٨/١، والطبري
١٤/ ١٤٦ عن عروة.

سُورَةُ الِجم
٥٥٦
الآية : ٩٥
والأسود بن عبدٍ يَغُوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل السهميّ،
والعاص بن وائل، فأتاه جبريلُ عليه السلام فشكاهم إليه، فأراه الوليدَ فأومأ جبريلُ
عليه السلام إلى أَكْحَله(١)، فقال ◌َّهِ: ((ما صنعتَ شيئاً)). قال: كفيتُكَه، ثم أَراه
الأسود بنَ المطلب فأومأ إلى عينيه فقال: ((ما صنعتَ شيئاً)). قال: كفيتُكَه، ثم أَراه
الأسودَ بن عبد يَغُوث فأومأ إلى رأسه فقال: ((ما صنعتَ شيئاً)). قال: كفيتُكُه؛ ثم
أَراه الحارث فأومأ إلى بَظْنه فقال: ((ما صنعتَ شيئاً)). قال: کفیتُگه، ثم أَراه
العاص بن وائل فأومأ إلى أَخْمَصه فقال: ((ما صنعتَ شيئاً». قال: كفيتُكَه.
فأما الوليدُ فمرَّ برجلٍ من خزاعة وهو يَريشُ نبلاً فأصابَ أكحله فقطَعَها،
وأما الأسودُ بن المطلب فنزَلَ تحت سَمُرَةٍ فجعَلَ يقول: يا بنيَّ أَلَا تدفعون عنِّي قد
هلكتُ أُطعَنُ بالشوك في عَيْنَي، فجعلوا يقولون: ما نَرَى شيئاً، فلم يَزَلْ كذلك حتى
عَمِيَت عيناه، وأما الأسود بن عبد يَغُوث فخرج في رأسه قُروحٌ فمات منها،
وأما الحارث فأخذَهُ الماء الأصفر في بطنه حتى خَرَج رجيعُه من فيه فمات منه،
وأما العاص فركبَ إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل في أخمص قدمه شوكة
فقتلته .
وقال الكرماني في شرح ((البخاري)): إنَّ المستهزئين هم السبعةُ الذين أَلقَوا
الأَذَى ورسولُ الله ◌َّه يُصلِّي كما جاء في حديث البخاري وهم: عمرو بن هشام،
وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عُتبة، وأمية بن خَلَف، وعُقبة بن
أبي مُعَيط، وعُمَارة بن الوليد(٢) .
وفي ((الإعلام)) للسهيلي أنَّهم قُذِفُوا بقَليبٍ بدرٍ (٣)، وعدَّهم بخلاف ما ذكر.
وفي ((الدر المنثور)) وغيره رواياتٌ كثيرةٌ مختلفةٌ في عِدَّتهم (٤) وأسمائهم وكيفيَّة
هلاكهم.
(١) في الأوسط ودلائل البيهقي: أبجله، بدل: أكحله، والأبجل: عِرِقٌ غليظٌ في الرِّجْل أو في
اليد بإزاء الأكحل.
(٢) شرح البخاري للكرماني ٩٧/٤، عند شرح الحديث رقم (٢٤٠).
(٣) التعريف والإعلام ص ٩٠-٩١، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٣٠٨/٥.
(٤) جاء في حاشية (م): عن ابن عباس رضيها أنهم كانوا ثمانية. اهـ منه. وينظر اختلاف الروايات
في الدر المنثور ١٠٧/٤.

الآية : ٩٦ - ٩٨
٥٥٧
سُوَرَةُ الِّجْ
وعدَّ الشعبيُّ منهم هبَّارَ بن الأسود. وتعقَّبه في ((البحر)): بأنَّ هباراً أسلمَ يوم
الفتح ورَحَل إلى المدينة(١). فعدّه وَهْمٌ، وهذا متعيِّنٌ إذا كانت كفايتُه عليه السلام
إياهم بالإهلاك كما هو الظاهر.
وقد ذكر الإمامُ نحو ما ذكرنا من اختلاف الروايات، ثم قال: ولا حاجةً إلى
شيءٍ من ذلك، والقدر المعلوم أنَّهم كانوا طائفةً لهم قوَّةٌ وشوكةٌ؛ لأنَّ أمثالَهم هم
الذين يَقدِرون على مثل هذه السفاهة مع رسول الله وَّر في علوِّ قدره وعِظَم مَنصِبه،
ودلّ القرآنُ على أنَّ الله سبحانه أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم(٢).
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ﴾ أي: اتَّخذوا إلهاً يعبدونه معه تعالى، وصيغةُ
الاستقبالِ لاستحضار الحالِ الماضيةٍ، وفي وَصْفهم بذلك تسليةٌ لرسول الله وَله
وتهوينٌ للخَطْب عليه عليه الصلاة والسلام بالإشارة إلى أنَّهم لم يقتصروا على
الاستهزاء به سير بل اجترؤوا على العظيمة التي هي الإشراك به سبحانه.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ ما يأتون ويذرون، وفيه من الوعيد ما لا يخفى، وفي
((البحر)): أنَّه وعيدٌ لهم بالمجازاة على استهزائهم وشركهم في الآخرة كما جُوزُوا
في الدنيا(٣).
﴾ من كلماتِ الشركِ والاستهزاءِ،
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
وتحليةُ الجملةِ بالتأكيد لإفادة تحقُّقِ ما تتضمَّنه من التسلية. وصيغةُ المضارع لإفادة
استمرار العلم حسب استمرارٍ متعلّقه باستمرار ما يُوجبه من أقوال الكفرة.
﴿فَسَيِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فافزع إلى ربِّك فيما نابَكَ من ضِيْق الصدرِ بالتسبيح ملتبساً
بحمده، أي: قل: سبحانَ اللهِ والحمدُ لله، أو: فنزِّهْهُ عما يقولون حامداً له سبحانه
على أنْ هداك للحقِّ، فالتسبيحُ والحمدُ بمعناهما اللغويِّ، كما أنَّهما على الأول
بمعناهما العُرفيِّ، أعني قولَ تَيْنك الجملتين، وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع
الإضافة إلى ضميره وَلّ ما لا يخفَى من اللطف به عليه الصلاة والسلام، والإشعار
بعلَّة الحكم، أعني الأمرَ المذكور.
(١) البحر المحيط ٤٧٠/٥.
(٢) مفاتيح الغيب ٢١٥/١٩.
(٣) البحر المحيط ٥/ ٤٧٠ .

سُوَةَ الِجْر
٥٥٨
الآية : ٩٩
أي: المصلِّين، ففيه التعبيرُ عن الكلِّ بالجزء، وهذا
﴿وَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ
٩٨
الجزءُ على ما ذهب إليه البعضُ أفضلُ الأجزاء، لِمَا صحَّ من قوله وَلِ: ((أَقْرِبُ
ما يكونُ العبدُ مِن ربِّه وهو ساجدٌ))(١). وليس هذا موضعَ سجدةٍ، خلافاً لبعضهم.
وفي أمره ◌َّهِ بما ذُكِرَ إرشادٌ له إلى ما يكشِفُ به الغمَّ الذي يجدُه، كأنَّه قيل:
افعل ذلك يَكشِفُ عنك ربُّك الغمَّ والضيقَ الذي تجدُه في صدرك، ولمزيد الاعتناء
بأمر الصلاة جيء بالأمر بها كما تَرَى مغايراً للأمر السابق على هذا الوجه
المخصوص، وفي ذلك من الترغيب فيها ما لا يخفَى. وقد كان وَ﴿ إذا أَحْزَنَه أمرٌ
فَزِعَ إلى الصلاة(٢). وصحَّ: ((حُبِّبَ لي من دنياكم النساءُ، والطيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ
عيني في الصلاة))(٣).
وذكر بعضُهم أنَّ في الآية إشارةً إلى الترغيب بالجماعة فيها. وأنَّ في عدم تقييد
السجودِ بنحو: له، أو: لربِّك، إشارةً إلى أنَّه مما لا يكادُ يخطرُ بالبال إيقاعُه لغيره
تعالى، فتدبّر.
﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ﴾ دُمْ على ما أنت عليه من عبادتِهِ سبحانه، قيل: وفي الإظهار
بالعنوان السالف آنفاً تأكيدٌ لِمَا سَبَق من إظهار اللطفِ بهِ وَّهِ والإشعارِ بعلَّة الأمر
﴾ أي: الموتُ كما روي عن ابن عمرَ والحسن
٩٩
بالعبادة ﴿حَتَّى يَأْيَكَ الْيَقِينُ
وقتادة وابن زيد، وسُمّي بذلك؛ لأنَّه مُتيِّقَّن اللحوق بكلِّ حيٍّ، وإسنادُ الإتيان إليه؛
للإيذان بأنَّه متوجّهُ إلى الحيّ، طالبٌ للوصول إليه، والمعنى: دُمْ على العبادة
ما دُمْت حيًّا من غير إخلالٍ بها لحظةً، وقال ابنُ بحر: اليقينُ: النصرُ على الكافرين
الذي وعده ێ .
وأيًّا ما كان فليس المراد به ما زعَمَه بعضُ الملحدين مما يسمُّونه بالكشف
والشهود، وقالوا: إنَّ العبدَ متى حَصَل له ذلك سَقَط عنه التكليفُ بالعبادة، وهي
ليسَت إلا للمحجوبين، وقد مَرَقُوا بذلك من الدين وخَرجُوا من رِبْقَة الإسلام
وجماعة المسلمين.
(١) أخرجه أحمد (٩٤٦١)، ومسلم (٤٨٢)، من حديث أبي هريرة ◌ُه، وتقدم ١٨٦/٤.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٢٩٩)، وأبو داود (١٣١٩) من حديث حذيفة بن اليمان
(٣) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣) من حديث أنس ظه، وتقدم ٣٣٧/٤.

الآية : ٩٩
٥٥٩
سُؤَدَّةُ الِحْ
وذكر بعضُ الثقات أنَّ هذا الأمرَ كان بعدَ الإسراء والعروج إلى السماء، أَفترى
أَنَّهِ وَلِّ لم يتَّضِح له ليلتئذٍ صُبْح الكشف والشهودِ، ولم يَمُنَّ عليه باليقين عظيمُ
الكرم والجودِ؟ الله أكبرُ لا يتجاسرُ على ذلك من في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان، أو
رُزِقَ حبَّ خردلٍ من عقلٍ ينتظمُ به في سلك الإنسان، وأيضاً لم يزل وَِّ ـ ما دامَ
حيًّا - آتياً بمراسم العبادةِ، قائماً بأعباء التكليف، لم ينحرف عن الجادّة قَدْرَ حادّة،
أَفَيُقال: إِنَّه لم يأتِهِ عليه الصلاة والسلام حتى تُوِّي ذلك اليقينُ، ولذلك بقي في
مَشاقٌ التكليف إلى أنْ قَدِم على ربِّ العالمين؟! لا أَرَى أحداً يخطُر له ذلك بجَنَان
ولو طالَ سلوكُه في مهامِهِ الضلالةِ وبان.
نعم ذَكَر بعضُ العلماء الكرام في قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ) إلخ كلاماً متضمّناً
شيئاً مما يذكُره الصوفية، لكنَّه بعيدٌ بمراحلَ عن مَرام أولئك اللئام، ففي
((الكشف)): أنَّه تعالى بعدما هَدَم قواعدَ جهالاتِ الكفرةِ، وأَبرقَ وأَرْعَدَ بما أَظهَرَ
من صنيعِهِ بالقائلين نحو مقالاتِ أولئك الفجرةِ، فَذْلَكَ الكلامَ بقوله سبحانه: (وَلَقَدْ
نَعْلَمُ) مؤكّداً هذا التأكيدَ البالغ الصادر عن مقام تَسَخُّطِ بالغٍ وكبرياءٍ؛ ليُنَفِّسَ عن
حبيبه عليه الصلاة والسلام أشدَّ التنفيس، ثم أَرشدَ إلىّما هو أَعلَى من ذلك
مما يؤهِّله لمسامرة الجليسِ للجليس، وقال تعالى: (فَسَيِحِ بِحَمْدِ رَبِّكَ) إشارةً إلى
التوجُّه إليه بالكلِّية، والتجزُّدِ التامِّ عن الأغيار، والتحلِّي بصفات مَن توجَّه إليه
بحُسن القبول والافتقار، إذ ذلك مُقتضَى التسبيح والحمد لمن عَقَّلهما .
ثم قال سبحانه: (وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ) دلالةً على الاقتراب المضمَر فيه؛ لأنَّ
السجودَ غايةُ الذِّلَّة والافتقار، وهو مظهرُ الفناءِ حتى نفسِهِ وشِرْكِ البقاء بمَن أَمَره
بخمسِهِ.
وقوله تعالى شأنه: (وَأَعْبُدْ رَبَّكَ) إلخ، ظاهرُه ظاهرٌ، وباطنُه يُومي إلى أنَّ السَّفر
في الله تعالى لا ينقطِعُ، والشهود الذي عليه يُستقرُّ لا يحصل أبداً، فما مِن طامَّةٍ
إلا وفوقَها طامَّة.
إذا تَغِيَّبتُ بَدَا وإنْ بدا غَيَّبني(١)
(١) نسبه لأبي حمزة الصوفي الخطيبُ في تاريخ بغداد ٣٩٢/١، وابن عساكر في تاريخ دمشق
٢٥٨/٥١، ولأبي الحسين النوري أبو نعيم في الحلية ٢٥٠/١٠.

سُورَةُ الإِصْرُ
٥٦٠
التفسير الإشاري (٤٩-٩٩)
وعن لسان هذا المقام ﴿رَّبٍّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] اهـ.
هذا ولا يخفَى مما ذكره غيرُ واحدٍ من المفسِّرين مناسبةُ خاتمةِ هذه السورةِ
لفاتحتها، وأنَّ قولَه سبحانه: (وَلَقَدْ نَعَلَمُ) إلخ في مقابلة (وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِلَ عَلَيْهِ
الذِّكْرُ) والله تعالى أعلم وأحكم.
ومن باب الإشارة فيما تقدَّم من الآيات ما قالوه مما ملخصه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنّ
أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: أَخْبِرْهم بأنِّي أغفرُ خَطَرَاتٍ قلوبِ العارفين بعد إدراكهم
مواضعَ خطرها، وتداركهم ما هو مطلوبٌ منهم، وأرحمُهم بأنواع الفيوضات،
وأُوصلُهم إلى أَعلَى المكاشفات والمشاهدات.
﴿وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وهو عذابُ الاحتجاب والظَّردِ عن الباب،
وقال ابن عطاء: هذه الآيةُ إرشادٌ له ◌َّهِ إلى كيفية الإرشاد كأنَّ قِيل: أَقِمْ عبادي
بين الخوفِ والرجاء، لَيَصِحَّ لهم سبيلُ الاستقامة في الطاعة، فإنَّ مَن غَلَب عليه
رجاؤه عطّلَه، ومَنْ غَلَب عليه خوفُه أقنطَه.
وذكر بعضُهم أنَّ فيها إشارةً إلى ترجيح جانبِ الخوف على الرجاء؛ لأنَّه
سبحانه أَجرَى وَصْفَي الرحمة على نفسه عزَّ وجلَّ، ولم يُجرِ العذابَ على ذلك
السَّنَن.
وأنت تعلمُ أنَّ المذكور في كثيرٍ من الكتب أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يكونَ معتدلَ
الرجاءِ والخوفِ إلا عند الموت، فينبغي أنْ يكونَ رجاؤُه أَزْيدَ من خوفِه؛ وفي
المقام كلامٌ طويل يُطلَبُ من موضعه.
﴿لَعَغْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَئِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال النوري(١): أي: بحياتك التي خُصِّصْتَ بها
من بين العالمين. وقال القرشيُّ: هذا قَسَمٌ بحياة الحبيبِ وَلِّ. وإنما أَقسم سبحانه
بها؛ لأنَّها كانت به تعالى.
(١) في (م): النووي.