Indexed OCR Text
Pages 441-460
الآية : ٢٢ ٤٤١ سُورَةُ الِهم والرياحُ اللواقحُ هي ريحُ الجنوب كما رواه ابنُ أبي الدنيا عن قتادة مرفوعاً (١)، وروى الديلميّ بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة نحوَه(٢)، وأخرجَ ابنُ جریر وغیرُه عن عُبيد بن عُمير قال: يبعثُ الله تعالى المبشِّرةَ فتقُمُّ الأرضَ قَمَّا، ثم يبعثُ المثيرةَ فُتُثيرُ السحابَ فتجعله كسَفاً، ثم يبعثُ المؤلِّفةَ فَتُؤَلِّفُ بينه فيجعلُه ركاماً، ثم يبعثُ اللواقحَ فتُلقِحُه فيمطر (٣). وقرأ حمزة: ((وأرسلنا الريح)) بالإفراد(٤) على تأويل الجنس، فتكونُ في معنى الجمع، فلذا صحَّ جعلُ (لواقح)) حالاً منها، وذلك كقولهم: أهلَكَ الناسَ الدينارُ الصُّفْرُ والدرهم البيضُ. ولا تخالِفُ هذه القراءة ما قالوه في حديث: ((اللهمَّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))(٥) من أنَّ الرياح تُستعمَل للخير والريحَ للشرِّ، لِمَا قال الشهاب: مِن أنَّ ذلك ليس من الوضع، وإنما هو من الاستعمال، وهو أمرٌ أغلبيٌّ لا كُلِّيٌّ، فقد استُعمِلَت الريحُ في الخير أيضاً نحو قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج طَتِبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] أو هو محمولٌ على الإطلاق بأنْ لا يكونَ معه قرينةٌ كالصفة والحال، وأمَّا كونُ المرادِ بالخير الدعاءَ بطول العُمُر لَيَرَى رياحاً كثيرةً، فلا وجْهَ له(٦). ﴿فَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ﴾ بعد ما أَنْشأنا بتلك الرياح سحاباً ماطراً ﴿مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُ﴾ جعلناه لكم سُقْيا تَسقُون به مزارعَكم ومواشيكم، وهو على ما قيل أبلغُ من: (١) عزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر المنثور ٩٦/٤، وقال الشافعي في الأم ٢٢٥/١ - ونقله عنه البيهقي في السنن الكبرى ٣٦٤/٣ -: وبلغني أن قتادة قال: قال رسول الله وآليات: (((ما هبت جنوبٌ قطُ إلا أسالت وادياً». وهو هكذا مرسل. (٢) أخرجه الديلمي (٣٠٨١)، وابن أبي الدنيا في كتاب السحاب (١٣٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٠٤) و(٨٠٥)، والطبري ٤٦/١٤، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وضعَّف إسناده. (٣) الطبري ٤٥/١٤، وأخرجه أيضاً أبو الشيخ في العظمة (٧١٩)، ونقله المؤلف بواسطة الدر المنثور ٩٦/٤ والكلام منه. (٤) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢، وقرأ بها خَلَف. (٥) أخرجه الشافعي في مسنده ص٨١، وأبو يعلى (٢٤٥٦)، والطبري في الكبير (١١٥٣٣)، وابن عدي ٧٦٣/٢، وأبو الشيخ في العظمة (٨٧٤)، والخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٠٠، من حديث ابن عباس ، وتقدم ٧١/٣. (٦) حاشية الشهاب ٢٨٩/٥. سُورَةُ الِغُ ٤٤٢ الآية : ٢٢ سقيناكم، لِمَا فيه من الدلالة على جعل الماء مُعدًّا لهم ينتفعون به متى شاؤوا، وقد فرَّقَ بين أَسْقَى وسَقَى غيرُ واحدٍ، فقد قال الأزهريُّ: العربُ تقول لكلِّ ما كان من بطون الأنعام، أو من السماء، أو من نهرٍ جارٍ: أسقيتُه، أي: جعلتُ شرْباً له وجعلتُ له منه مسقَى، فإذا كان للشَّفَةِ قالوا: سَقَى، ولم يقولوا: أَسْقَى(١). وقال أبو عليٍّ: يقال: سقيتُه حتى رَوِيَ، وأسقيتهُ نهراً: جعلتُه شرباً له(٢). وربما استعملوا سَقَى بلا همزة كأسقى، كما في قول لبيد يصفُ سحاباً: أَقولُ وصوبُهُ مِنِّي بعيدٌ يَحُظُّ الشَّثَّ مِن قُلَل الجبالِ سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأَسْقَى نُميراً والقبائلَ من هلالٍ(٣) فإنَّه لا يريدُ بـ : سَقَى قومي، ما يَروي عِطاشَهم، ولكنْ يُريدُ: رزقَهم سقياً لبلادهم يخصبون بها، وبعيدٌ أنْ يسألَ لقومه ما يروي، ولغيرهم ما يخصبون به، ولا يرد على قول الأزهريِّ - أنَّه لا يقال: أَسقَى، في سُقيا الشَّفَة - قولُ ذي الرُّمَّة : وأُسْقيهِ حتى كادَ ممَّا أَبُثُهُ يُكلِّمُني أحجارهُ ومَلاعبُهْ(٤) قال الإمام(٥): لأنَّه أرادَ بـ: أُسقيه، أدعو له بالسقيا، ولا يقال في ذلك كما قال أبو عبيدة(٦) سوی أَسْقَى. هذا، وقد جاء الضميرُ هنا مثَّصلاً بعد ضمير منصوبٍ مثَّصلٍ أَعرفُ منه، ومذهب سيبويه في مثل ذلك وجوب الاتِّصال(٧). (١) تهذيب اللغة ٢٢٨/٩، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٥١/٥. (٢) البحر المحيط ٤٥١/٥ . (٣) البيتان في ديوان لبيد ص٩٣ وجاء في الأصل و(م): وصوته، بدل: وصوبه، واللثّ، بدل: الشَّبّ، ونجد، بدل: مجد. والمثبت من الديوان والمصادر. قال شارح الديوان: صوبه: مصاب مطره، والشتّ: شجر من شجر السراة. مجد: ابنة تيم بن غالب، وهي أم كلاب وكعب وعامر بني ربيعة بن عامر بن صعصعة. (٤) ديوان ذي الرُّمة ٢/ ٨٢١، ومجاز القرآن ٣٥٠/١. (٥) مفاتيح الغيب ١٩/ ١٧٧ . (٦) في (م): أبو عبيد، والمثبت الصواب، وقوله في مجاز القرآن ٣٥٠/١. (٧) ينظر الكتاب ٣٦٣/٢-٣٦٤. ٤٤٣ الآية : ٢٣ نَفَى سبحانه عنهم ما أثبتَه لجنابه بقوله جلَّ ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ، إِخَزِنِينَ جلاله: (وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِنُهُ) كأنَّه قيل: نحن القادرون على إيجاده وخَزْنِهِ في السحاب وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين، وقيل: المرادُ نَفْي حِفْظِهِ، أي: وما أنتم له بحافظين في مجاريه عن أنْ يغورَ، فلا تنتفعون به، وعن سفيان أنَّ المعنى: وما أنتم له بمانعين لإنزاله من السماء. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحِّىء﴾ بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلةِ لها ﴿وَثُمِيتُ﴾ بإزالتها عنها، فالحياةُ صفةٌ وجوديةٌ، وهي كما قيل صفةٌ تقتضي الحسَّ والحركةَ الإرادية، والموتُ زوالُ تلك الصفة، وقال بعضهم: إنَّه صفةٌ وجوديةٌ تضادّ الحياة لظاهر قوله تعالى: ﴿ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ [الملك: ٢] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك. وقد يُعَمَّم الإحياء والإماتةُ بحيث يشملُ(١) الحيوانَ والنباتَ مثل أنْ يقال: المرادُ إعطاءُ قوَّةِ النَّماءِ وسَلْبها . وتقديمُ الضمير؛ للحصر، وهو إما توكيدٌ للأول، أو مبتدأُ خبرُه الجملةُ بعده، والمجموع خبرٌ لـ ((إِنَّا))، وجوِّزَ كونُه ضميرَ فصلٍ، وردّه أبو البقاء بوجهَين: أحدهما: أنَّه لا يدخُل على الخبر الفعلي. والثاني: أنَّ اللام لا تدخُل عليه(٢). وتعقب ذلك في ((الدر المصون)): بأنَّ الثاني غلطٌ فإنَّه ورَدَ دُخولُ اللام عليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢](٣) ودخولُه على المضارع مما ذهب إليه الجرجانيُّ(٤) وبعضُ النحاة، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ ◌ُدِيُ وَبُيدٌ﴾ [البروج: ١٣] ولعلَّ ذلك المجوِّزَ ممن يَرَى هذا الرأيَ، والعجبُ من أبي البقاء، فإنه ردَّ ذلك هنا، وجوَّزه في قوله تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُرُ﴾ [فاطر: ١٠] كما نقله في ((المغني))(٥). FF ﴾﴾ أي: الباقون بعد فناء الخَلْق قاطبةً، المالكون للملك عند ﴿وَغَحْنُ الْوَرِثُونَ (١) في الأصل: يعم، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٧٣/٥. (٢) الإملاء ٤٢٥/٣. (٣) الدر المصون ٧/ ١٥٥ . (٤) المغني ص ٦٤٢، وحاشية الشهاب ٢٨٩/٥ والكلام منه. (٥) الإملاء ٢١٨/٤-٢١٩، والمغني ص ٦٤٢، وحاشية الشهاب ٢٩٠/٥ والكلام منه. سُوَةُ الِح ٤٤٤ الآية : ٢٤ انقضاءِ زمان الملكِ المجازيِّ، الحاكمون في الكلِّ أوَّلاً وآخِراً، وليس لأحدٍ إلا التصرفُ الصوريُّ والملك المجازيُّ، وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ المتأخِّر ليس بوارثٍ للمتقدِّم كما يتراءى من ظاهر الحال، وتفسيرُ الوارث بالباقي مرويٌّ عن سفيان وغيره، وفُسِّر بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهمَّ متِّعنا بأسْماعنا وأَبْصَارنا وقُوَّتنا ما أَحْيَيْتَنَا، واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنَّ))(١) وهو من باب الاستعارة. ﴾ مَن هو حيٌّ لم ٢٤ ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ مَن مات ﴿وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَفْخِرِينَ يَمُت بعدُ، أخرجه ابنُ أبي حاتم وغيرُه عن ابن عباس(٢)، وفي روايةٍ أُخرَى عنه ((المستقدمين)) آدمُ عليه السلام ومَن مضَى من ذُرِّيته، و((المستأخرين)) مَن في أصلاب الرجال، ورُوي مثله عن قتادة، وعن مجاهد ((المستقدمين)) مَن مضَى من الأمم، و ((المستأخرين)) أمةٌ محمدٍ بَّهَ، وقيل: مَن تقدَّم ولادةً وموتاً ومَن تأخّر كذلك مطلقاً، وهو من المناسبة بمكان، ورُوي عن الحسن أنَّه قال: مَن سَبَق إلى الطاعة ومَن تأخّر فيها . ورُوي عن مُعتمر أنَّه قال: بلَغَنا أنَّ الآية في القتال، فحدَّثتُ أُبَيًّا، فقال: لقد نزلَت قبل أنْ يُفرضَ القتالُ(٣). فعلى هذا أخذ الجهاد في عموم الطاعة ليس بشيءٍ، على أنَّه ليس في تفسير ذلك بالمستقدمين والمستأخرين فيها كمالُ مناسبةٍ. والمرادُ مِن عِلْمِهِ تعالى بهؤلاء علمُه سبحانه بأحوالهم، والآية لبيان كمالٍ علمه جلَّ وعلا بعد الاحتجاج على كمال قدرته تعالى، فإنَّ ما يدلُّ عليها دليلٌ عليه ضرورةَ أنَّ القادر على كلِّ شيءٍ لابدَّ من علمه بما يصنعُه، وفي تكرير قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا) ما لا يخفَى من الدلالة على التأكيد. (١) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٥٠٢) من حديث ابن عمر، والحاكم ٥٢٣/١ ١٤٢/٢ من حديث أبي هريرة. وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٦٥) من حديث أنس بن مالك. وأبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ١٨٢ من حديث عائشة، وتقدم ٣٢١/٣، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٧، وأخرجه الطبري ١٤/ ٥٠ وتتمة الآثار فيه. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٦١ - ٢٢٦٢. الآية : ٢٥ ٤٤٥ سُورَةُ الِ جْرُ وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابنُ ماجه والحاكم وصحَّحه والبيهقيُّ في (سننه)) وجماعةٌ من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت امرأةٌ تُصلِّي خَلْفَ رسولِ الله ◌َ﴿ حسناءُ من أحسن الناسِ، فكانَ بعضُ القوم يتقدَّمُ حتى يكونَ في الصف الأوَّلِ لئلا يراها، ويستأخرُ بعضُهم حتى يكونَ في الصف المؤشّر، فإذا ركع نَظَر مِن تحت إبطَّيْه، فأنزل الله تعالى الآية(١). وأخرج عبد الرزاق وابنُ المنذر عن أبي الجوزاء أنَّه قال في الآية: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاةِ (٢) ولم يَذْكُر مِن حديث المرأة شيئاً، قال الترمذي(٣): هذا أشبه أنْ يكونَ أُصحَّ. وقال الربيع بن أنس: حرَّض النبيُّ نَّهِ على الصفِّ الأوَّل في الصلاة، فازدحَمَ الناس عليه وكان بنو عُذْرة دورُهم قاصيةٌ عن المسجد، فقالوا : نبيعُ دورَنا ونشتري دوراً قربيةً من المسجد، فأنزل الله تعالى الآية(٤). وأنت تعلم أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن هنا قال بعضُهم: الأَوْلَى الحملُ على العموم، أي: علمنا من اتَّصف بالتقدُّم والتأّر في الولادة والموت والإسلام وصفوفِ الصلاة وغير ذلك. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَخْشُرُهُمْ﴾ للجزاء، وتوسيط الضمير؛ قيل: للحصر، أي: هو سبحانه يحشرُهم لا غير، وقيل عليه: إنَّه في مثل ذلك يكونُ الفعل مُسلَّم الثبوت، والنزاعُ في الفاعل، وها هنا ليس كذلك، فالوجهُ جعلُه لإفادة التقوى. وتعقِّب بأنَّ هذا في القصر الحقيقي غير مُسلَّم، وتصدير الجملة بـ ((إنَّ) لتحقيق الوعد، والتنبيه على ما سبق يدلُّ على صحّة الحكم. وفي الالتفات والتعرُّض (١) مسند أحمد (٢٧٨٣)، وسنن الترمذي (٣١٢٢)، والمجتبى ١١٨/٢، وسنن ابن ماجه (١٠٤٦)، والحاكم ٣٥٣/٢، والسنن الكبرى للبيهقي ٩٨/٣. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: حديث غريب جدًّا وفيه نكارة شديدة. واستظهرأن يكون من كلام أبي الجوزاء فقط، لیس فیه لا بن عباس ذِكْر. (٢) تفسير عبد الرزاق ٣٤٨/١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٤ / ٩٧. (٣) عند الحديث (٣١٢٢). (٤) ينظر زاد المسير ٣٩٦/٤، واللباب ٤٤٩/١١. سُؤَدَّةُ الىجم ٤٤٦ الآية : ٢٦ لعنوان الربوبيَّة إشعارٌ بعلَّته. وفي الإضافة إلى ضميره وَِّ دلالةٌ على اللطف به عليه الصلاة والسلام. وقرأ الأعمش: ((يَخْشِرُهم)) بكسر الشين(١). ﴿إِنَّهُ، حَكِيمٌ﴾ بالغُ الحكمة، متقنٌّ في أفعاله. والحكمةُ عندهم عبارةٌ عن العلم بالأشياء على ما هي عليه، والإتيان بالأفعال على ما ينبغي. وعَليم ﴾ وَسِعَ علمُه كلَّ شيءٍ، ولعلَّ تقديمَ وصفِ الحكمة؛ للإيذان ٢٥ باقتضائها للحشر والجزاء، وقد نصَّ بعضُهم على أنَّ الجملةَ مستأنفَةٌ للتعليل. ﴿وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ أي: هذا النوع، بأنْ خَلَقنا أَصْلَه وأَوَّلَ فرد من أفراده خَلْقاً بديعاً منطوياً على خلق سائرٍ أفرادِه انطواءً إجماليًّا. ﴿مِنْ صَلْصَلٍ﴾ أي: طين يابس، يُصَلْصِلُ، أي: يُصوَّتُ إذا نُقِرَ. أخرجه ابنُ أبي حاتم عن قتادة(٢)، ونقلَه في ((الدر المصون))(٣) عن أبي عبيدة (٤)، ونَقَل عنه أبو حيان أنَّه قال: هو الطين المخلوطُ بالرمل(٥). وهو روايةٌ عن ابن عباس، وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه الطينُ المرفَّق الذي يُصنَع منه الفخَّار، وفي أُخرى نحو الأول. وقيل: هو من صَلْصَلَ: إذا(٦) أَنتَنَ، تضعيفُ صلَّ، يقال: صَلَّ اللحمُ وأَصلَّ، إذا أَنتَنَ، وهذا النوع من المضعَّف مصدره(٧) يُفتَح أولُه ويُكسَر، كالزلزال، ووزنه عند جمهور البصريين فَعْلَال، وقال الفرَّاء وكثيرٌ من النحويين: ((فَعْفَع)) كُرِّرَت الفاءُ والعين ولا لامَ، وغلَّطَهم في ((الدر المصون)) لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثةٌ: فاء وعين ولام، وقال بعضُ البصريين والكوفيين: فَعْفَل، ونُسبَ أيضاً إلى الفرَّاء، بل قيل: (١) البحر المحيط ٤٥١/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥٨/٣ للأعرج. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٩٨/٤. (٣) ٧ /١٥٥. (٤) مجاز القرآن ٣٥٠/١. (٥) البحر المحيط ٤٤٢/٥، والنهر الماد ٤٥٢/٥. (٦) في (م): إذ، والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي ٢٩٠/٥. (٧) في (م): مصدر. الآية : ٢٦ ٤٤٧ سُوَّةُ الِحْ هو المشهورُ عنه، وعن بعضٍ آخر من الكوفيين أنَّ وَزْنه فقَّل بتشديد العين، والأصلُ صَلَّل مثلاً، فلمَّا اجتمع ثلاثةُ أمثالٍ أُبدلَ الثاني من جنس الفاء. وخصَّ بعضُهم هذا الخلاف بما إذا لم يختلَّ المعنى بسقوط الثالث كـ : لَمْلَم، وكَبْكَبَ، فإِنَّك تقول: لَمَّ، وكَبَّ، فلو لم يصحَّ المعنى بسقوطه نحو: سِمْسِم، فلا خلاف في أصالة الجميع(١). وقال اليمني: ليس معنى قولهم: إنَّ الأصل صَلَّل أنَّه زيد فيه صادٌ، بل هو رباعي كـ : زلزل، والاشتراكُ في أصل المعنَى لا يقتضي أنْ يكونَ منه، إذ الدليلُ داٌّ على أنَّ الفاء لا تُزادُ، ولكن زيادةُ الحرف تدلُّ على المعنى(٢). وذكر في ((البحر)) أنَّ (صلصال)) بمعنى ((مصلصل)) كالقضقاض بمعنى المقضقض، فهو مصدرٌ بمعنی الوصف، ومثله كثير(٣). ﴿مِّنْ حٍَ﴾ من طينٍ تغيَّر واسودَّ من مجاورة الماء، ويقال للواحدة: حَمْأَةٌ، قال الليث: بتحريك الميم، ووهمَ في ذلك، وقالوا: لا نعرفُ الحمأة في كلام العرب إلا ساكنةَ الميم، وعلى هذا أبو عبيدة والأكثرون (٤). والجارُّ والمجرور في موضع الصفة لـ : ((صَلصال)) كما هو السنَّةُ الشائعةُ في الجارِّ والمجرور بعد النكرة، أي: من صلصال كائنٍ من حَمَأ، وقال الحوفيُّ: هو بدلٌ ممَّا قبله بإعادة الجارِّ، فكأنَّه قيل: خلقناه من حَمَأْ ﴿مَسْنُونِ ﴾﴾ أي: مُصوَّر من سُنَّة الوجه وهي صورتُه، وأنشد لذلك ابنُ عباس قولَ عمِّه حمزةَ يمدحُ النبيَّ ◌َّ: جَلا الغيمَ عنه ضوؤُه فتبدَّدا(٥) أغرُّ كأنَّ البدرَ سُنَّةُ وَجْهِهِ وأنشد غيره قول ذي الرُّمَّة: تُرِيكَ سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مُفْرفةٍ ملساءَ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ(٦) (١) الدر المصون ١٥٥/٧ - ١٥٦. (٢) حاشية الشهاب ٢٩٠/٥. (٣) البحر المحيط ٥/ ٤٤٢ ووقع في الأصل و(م): كالقضاض، بدل: كالقضقاض، وهو تحريف. (٤) مجاز القرآن ٣٥١/١، ونقله عنه - وقولَ الليث - بواسطة البحر المحيط ٤٤٣/٥. (٥) الدر المنثور ٩٨/٤، وأضواء البيان ١٤٣/٣. (٦) ديوان ذي الرمة ٢٩/١، وفي هامش (م) عند قوله: غير مقرفة: من قرفت الجرح: قشرته. اهـ. منه. وعند قوله: ندب (بالتحريك): أثر الجرح. اهـ. منه. سُوْدَةُ الِح ٤٤٨ الآية : ٢٧ أو مصبوبٌ من: سَنَّ الماءَ، صبَّه، ويقال: شَنَّ بالشين أيضاً، أي: مفرغ على هيئة الإنسان كما تُفرغ الصُّوَرُ من الجواهر المذابة في القوالب، وقال قتادة ومعمر: المسنون: المنتن. قيل: وهو من سَنَنْتُ الحجَرَ على الحجر إذا حككته به، فالذي يسيلُ بينهما سنين، ولا يكونُ إلا مُنتناً. وقيل: هو من سَنَنتُ الحديدةَ على المِسَنِّ إذا غيرتَها بالتحديد. وأصلُه الاستمرار في جهة، من قولهم: هو على سَنَّنٍ واحدٍ. وهو صفةٌ لـ ((حما))، ويجوز أنْ يكونَ صفةً لـ ((صلصال)) ولا ضيرَ في تقدُّم الصفة الغير الصريحةٍ على الصريحة، فقد قال الرضي: إذا وُصِفَت النكرةُ بمفرَدٍ أو ظرفٍ أو جملة، قُدِّم المفرد في الأغلب، وليس بواجب، خلافاً لبعضهم، والدليل عليه قولُه تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] لكنَّه يحتاجُ إلى نكتةٍ لا سيَّما في كلام الله تعالى؛ لأنَّه لا يعدلُ عن الأصل لغير مقتض، ولعلَّ النكتة هاهنا مناسبة المقدَّم لما قبله في أنَّ كلَّا منهما من جنس المادة، وقيل: إنما أُخِّرت الصفةُ الصريحة؛ تنبيهاً على أنَّ ابتداءً مسنونيتهٍ ليس في حال كونه صلصالاً بل في حال كونه حماً، كأنَّه سبحانه أَفرَغَ الحماَ فصُوِّر من ذلك تمثالُ إنسانٍ أجوف، فيبس حتى إذا نُقِرَ صَوَّت، ثم غيَّره طوراً بعد طورٍ حتى نَفَخ فيه من روحه، فتبارك الله أحسنُ الخالقين. وقيل: المسنون: المنسوب، أي: نسب إليه ذريته، وهو كما ترى. ﴿وَلَآَنَّ﴾ هو أبو الجنِّ كما روي عن ابن عباس، ويُجمَع على جنان كحائط وحِيطان، وراعٍ ورُعيان. قاله الطبرسي، وقيل: هو إبليسُ، وروي عن الحسن وقتادة(١)، لكنَّ في ((الدر المصون)) أنَّه هو أبو الجن(٢)، وقال ابنُ بحر: هو اسمٌ لجنس الجنِّ، وتشقُّب الجنس لما كان من فردٍ واحدٍ مخلوقٍ من مادةٍ واحدةٍ كان الجنسُ مخلوقاً منها . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ((والجأن)) بالهمزة(٣). وانتصابه بفعل يفسره (١) مجمع البيان ١٤/ ٢٤. (٢) ينظر الدر المصون ١٥٧/٧، وحاشية الشهاب ٢٩١/٥. (٣) القراءات الشاذة ص٧١، والبحر المحيط ٤٥٣/٥. الآية : ٢٧ ٤٤٩ ﴿فَقْنَهُ﴾ وهو هنا أقوى من الرفع، للعطف على الجملة الفعلية ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل خَلْق الإنسان، قيل: ومن هنا يظهرُ جوازُ كون المراد بـ ((المستقدمين)) أحدَ الثقلين وبـ ((المستأخرين)) الآخر، والخطاب بقوله تعالى: ((منكم)) للكلِّ، وهو بعيدٌ غاية البعد. ﴾ أي: الريح الحارَّةُ التي تقتل، وروي ذلك عن ابن ﴿مِنْ ثَّارِ السَّمُومِ عباس، وأكثرُ ما تهبُّ في النهار وقد تهبُّ ليلاً. وسُمِّيت سَموماً؛ لأنَّها بلطفها تنفذُ في مسامِ البَدَن، ومنه السمُّ القاتل، ويقال: سُمَّ يومُنا يُسَمُّ، إذا هبَّت فيه تلك الريح. وقيل: السمومُ: نارٌ لا دخانَ لها، ومنها تكونُ الصواعق، ورَوَى ذلك أبو روق عن الضحاك، عن ابن عباس، فالإضافةُ من إضافة العامِّ إلى الخاصِّ. وقيل: السمومُ: إفراط الحرِّ، والإضافةُ من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمرادُ: من النار المفرطة الحرارة. وقد جاء في بعض الآثار ما يدلُّ على أنَّ النار التي خُلقَ منها الجانُّ أشدُّ حرارة من النار المعروفة؛ فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيِّ وَّ أَّه قال: (رُؤيا المسلم جزءٌ من سبعينَ جزءاً من النبوّة، وهذه النارُ جزءٌ من سبعين جزءاً من السَّموم التي خُلقَ منها الجانُّ) وتلا عليه الصلاة والسلام الآية (١). واستُشكل الخلقُ من النار بأنَّه كيف تُخلَق الحياةُ فيها، وهي بسيطةٌ ليست متركِّبةً من أجزاء مختلفةٍ الطبع، والحياةُ كالمزاج لا تكونُ إلا في المركبات، وقد اشترطَ الحكماء فيها البنية المرگّبة؟ وأُجيبَ بمنع ذلك؛ لأنَّها إذا خُلقَت في المجرَّدات کالملائكة(٢) على قولٍ والعقولِ العشرة(٣) التي أثبتَها الفلاسفةُ، فبالطريق الأَولَى البسائط، بل لا مانعَ (١) عزاء لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٩٨/٤-٩٩، وقوله: ((رؤيا المسلم جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة)) أخرج نحوه أحمد (٤٦٧٨)، ومسلم (٢٢٦٥) من حديث ابن عمر وله شواهد ینظر المسند. وقوله: ((وهذه النار جزءٌ ... )) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٤. (٢) في الأصل: كما في الملائكة. (٣) ليس في (م). سُوْدَةُ الِحُ ٤٥٠ الآية : ٢٧ أيضاً أنْ تُخلَقَ في الأجزاء الفَرْدَة، خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البنية المركّبةَ من الجواهر، وليس لهم سِوَى شُبَهٍ أوهن من بيت العنكبوت على أنَّ ذلك غیرُ واردٍ رأساً؛ لأنَّ معنى كون الجنِّ مخلوقةً من نارٍ أنَّها الجزء الأعظم الغالب عليها، كالتراب في الإنسان، فليست بسيطةً. وقال بعضُهم: إنَّ الجنَّ أجسامٌ هوائيةٌ أو ناريةٌ بمعنى أنَّهم يغلب عليهم ذلك، وهم مرتَّبون من العناصر الأربعةِ كالملائكة عليهم السلام على قول. ثم إنَّ النقلَ الظاهرَ عن أكثر الفلاسفةِ إنكارُ الجنِّ، وليس ذلك مذهب جميعهم، فقد ذهب جمعٌ عظيمٌ من قدمائهم إلى وجودهم، وهو مذهبُ جمهورِ أرباب الملل وأصحابِ الروحانيَّات، ويسمُّونهم بالأرواح السفليَّة، وزعموا أنَّهم أسرعُ إجابةً من الأرواحِ الفَلَكيَّة إلا أنَّها أضعفُ. ثم(١) اختلَفَ المثبتُون، فمنهم مَن زَعَم أنَّهم ليسوا أجساماً ولا حالِّين فيها، بل هم جواهر قائمةٌ بأنفسها لكنَّها أنواعٌ مختلفةٌ بالماهية، كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحلِّ، فبعضُها كريمةٌ حرَّةٌ مُحبَّةٌ للخيرات، وبعضها دنيّةٌ خسيسةٌ محبَّ للشرور، ولا يعلم عدَدَ أنواعهم إلا الله تعالى، ولا يَبَعدُ أنْ يكونَ في أنواعها مَن يقدرُ على أفعالٍ شاقَّةٍ يعجزُ عنها قدرةُ البشر، وكذا لا يبعدُ لكلِّ نوعٍ منها تعلُّقٌّ بنوعٍ مخصوصٍ من أجسام هذا العالم. ومن الناس مَن زَعَم أنَّ هذه الأرواحَ البشرية والنفوسَ الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوَّةً وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانيَّة، فإذا اتَّفق حدوثُ بدنٍ مشابهٍ للبدن الذي فارَقَته(٢)، فبسبب تلك المشابهة يحصُل لتلك النفس المفارقةِ تعلُّقٌ ما بهذا البدن، وتصيرُ معاونةً لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن اتَّفقَت هذه الحالةُ في النفوس الخيِّرة، سُمي ذلك المعيَّنُ مَلَكاً وتلك الإعانةُ إلهاماً، وإن اتَّفقَت في النفوس الشريرةِ، سُمِّي ذلك المعينُ شيطاناً وتلك الإعانةُ وَسْوسةٌ. (١) في (م): نعم. (٢) في (م): فاوقته. الآية : ٢٧ ٤٥١ سُوَّةُ الإِجْر ومنهم مَن قال: إنَّهم أجسامٌ، لكن اختلفوا، فقال بعضُهم: هي مختلفةُ الماهية وإن اشتركَت في صفة. وقال آخرون: إنَّها متساويةٌ في تمام الماهية. وقد أطال الكلامَ في ذلك الإمامُ في تفسير سورة الجنّ(١). وذَكَر في تفسير هذه الآية أنَّهم اختلفوا في الجنِّ، فقال بعضُهم: إنَّهم جنسٌ غير الشياطين، والأصحُّ أنَّ الشياطينَ قسمٌ من الجنِّ، فكلُّ مَن كان منهم مؤمناً فإنَّه لا يُسمَّى بالشيطان، وكلُّ مَن كان منهم كافراً سُمِّ بهذا الاسم، والدليلُ على صحَّة ذلك أنَّ لفظَ الجنِّ مشتَقٌّ من الاستتار، فكلُّ مَن كان كذلك، كان من الجنِّ(٢). اهـ. وما ذكره من الأصحِّ هو الذي ذهب إليه المُعظَمُ، لكن ما ذكره من الدليل ضعيف. وقال وهب: إنَّ من الجنِّ مَن يُولَد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومنهم مَن هو بمنزلة الريح لا يتوالدُون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين (٣). وذكر ابن عربي: أنَّ تناسلَ الجنِّ بإلقاء الهواء في رحم الأُنثَى، كما أنَّ التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم، وأنَّهم محصورون في اثنتَي عشرةً قبيلةً أصولاً؛ ثم يتفرَّعون إلى أفخاذٍ، ويقعُ بينهم حروبٌ، وبعضُ الزوابع يكونُ عند حربهم، فإنَّ الزوبعةَ تَقابلُ ريحَين تمنع كلٌّ صاحبتَها أنْ تخترقَها، فيؤدِّي ذلك إلى الدور، وما كلُّ زوبعةٍ حرب(٤). وأخرج البيهقي في ((الأسماء)) وأبو نعيم والديلمي وغيرُهم بإسناد صحيح - كما قال العراقي - عن أبي ثعلبة مرفوعاً: ((الجنُّ ثلاثةُ أصنافٍ، فصنفٌ لهم أجنحةٌ يطيرونَ في الهواء، وصنفٌ حَيَّاتٌ وكلابٌ، وصنفٌ يَحُلُّون ويَظْعَنُون))(٥) وفي هذه (١) مفاتيح الغيب ١٤٨/٣٠ وما بعد. (٢) مفاتيح الغيب ١٩/ ١٨٠. (٣) أخرجه بنحوه الطبري ١٤/ ٦٥، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٩٩). (٤) الفتوحات المكية ١٣٢/١-١٣٣. (٥) الأسماء والصفات (٨٢٧)، والحلية ١٣٧/٥، ومسند الفردوس (٢٦٤٣)، وتخريج أحاديث الإحياء ٣٩/٣، وأخرجه أيضاً ابن حبان (٦١٥٦)، والحاكم ٤٥٦/٢، وابن عبد البر في التمهيد ٢٦٥/١٦، والاستذكار ٢٦٠/٢٧-٢٦١، وقال عقبه: هذا إسناد جيد، رواته أئمة ثقات. سُورَةُ الِجم ٤٥٢ الآية : ٢٨ القسمة عندي إشكالٌ يظهرُ بالتدبُّر، ولعلَّ حاصلها أنَّ صنفاً منهم يغلبُ عليهم الطيرانُ في الهواء، وصنفٌ يغلبُ عليهم الحلُّ والارتحالُ، وصنفٌ يغلبُ عليهم المُكْثُ والتوظُنُّ ببعض المواطن، وعبّر عنهم بالحيَّات والكلاب؛ لكثرة تشكّلهم بذلك دون الصنفَين الآخرين، فإنَّهم وإنْ جاز عليهم التشكّل بالأشكال المختلفة؛ لأنَّهم من الجنِّ، وقد قالوا: إنَّهم قادرون على ذلك، وإنْ نُوزع فيه بأنَّه يستلزمُ أنْ لا تبقَى ثقةٌ بشيءٍ. وردّ بأنَّ الله تعالى قد تكفَّل لهذه الأمَّة بعصمتها عن أنْ يقعَ فيها ما يترتَّبُ عليه الريبةُ في الدين، ورفعُ الثقة بعالم وغيره، فاستحال شرعاً الاستلزام المذكور إلا أنَّهم لا يكثُرُ تشكُّلهم بذلك. وربما يقال: إنَّ القدرة على التشكل إنما هي لصنفِ المتوطّنين، وإثباتها في كلامهم للجنِّ يكفي فيه صحتُها باعتبار بعض الأصناف، لكنَّه بعيدٌ جدًّا، فليُتَدبَّر حقّه. وقد قال الهيثمي(١): إنَّ رجال هذا الحديثِ وُتُّقُوا، وفي بعضهم ضعفٌ. فإنْ كان الحديثُ لذلك ضعيفاً، فلا قيل ولا قال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وسيأتي إن شاء الله تعالى استيفاءُ الكلام في هذا المقام بعون الله تعالى الملك العلَّام(٢). ثم إنَّ مساقَ الآية الكريمة - على ما قيل - كما هو، للدلالة على كمال قدرته تعالى شأنه وبيانِ بَدْء خَلْق الثقلَين، فهو للتنبيه على مقدِّمةٍ يتوقَّفُ عليها إمكانُ الحشر، وهي قبول المواد للجمع والإحياء، فتدبّر. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبِّكَ﴾ نُصِبَ بإضمار: اذكر، وتذكيرُ الوقت لِمَا مرَّ مراراً من أنَّه أدخلُ في تذكير ما وَقَع فيه، وفي التعرُّض لوصف الربوبيَّةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعارٌ بعلَّة الحكم وتشريفٌ له وَّر، أي: اذكر وقتَ قوله تعالى ﴿لِلْمَلَئِكَةِ﴾ الظاهرُ أنَّ المراد بهم ملائكةُ السماء والأرض، وزَعَم بعضُ الصوفيّة أنَّ المرادَ بهم ملائكةُ الأرض ولا دليلَ له علیه: (١) مجمع الزوائد ١٣٦/٨. (٢) في سورة الجن آية (١). الآية : ٢٩ ٤٥٣ سُؤَدَّةُ الِجم ﴿إِ خَلِقٌ﴾ فيما سيأتي؛ وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنَّه تعالى فاعلٌ لذلك البتةَ من غير صارفٍ ولا عاطف ﴿بَشَرًا﴾ أي: إنساناً، وعبَّر به عنه؛ اعتباراً بظهور بَشَرته، وهي ظاهرُ الجلْد عكس الأَدَمةِ - خلافاً لأبي زيد، حيث عكَسَ، وغلَّطه في ذلك أبو العبّاس(١) - وغيرِه من الصوف والوبر ونَحوهما، ولبعض أكابر الصوفيّة وجهٌ آخرُ في التسمية سنذكره إن شاء الله تعالى في باب الإشارة. ويستوي فيه الواحدُ والجمعُ وذكر الراغبُ أنَّه جاء جمعُ البشرة بَشَراً وَأَبْشَاراً (٢)، وقيل: أُريد جسماً كثيفاً يلاقي ويُباشر، أو جسيماً بادي البشرة ولم يُرد إنساناً وإنْ كان هو إياه في الواقع، وبعضُ مَن قال إنَّه المراد قال: ليس هذا صيغةً عينِ الحادثة وقت الخطاب، بل الظاهرُ أنْ يكونَ قد قيل لهم: إنِّي خالقٌ خلقاً من صفته كيت وكيت، ولكن اقتصَرَ عند الحكاية على الاسم. ﴿مِنْ صَلْصَلٍ﴾ متعلِّقٌ بـ ((خالق)) أو بمحذوفٍ وقع صفة ((بشراً)) ﴿مِّنْ حَمٍَّ ٢٨ تقدَّم تفسيرُه وإعرابُه، فتذكَّر فما في العهد من قِدَم. مَسْنُونٍ ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ﴾ فعلتُ فيه ما يصيرُ به مستوياً معتدلاً مستعدًّا لفيضان الروح، وقيل: صوَّرتُه بالصُّوَر الإنسانية والخلقة البشرية. ﴿وَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِ﴾ النفخُ في العُرف: إجراءُ الريح من الفم أو غيرِه في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، والمرادُ هنا تمثيلُ إفاضةٍ ما به الحياة بالفعل على المادة القابلةِ لها، وليس هناك نفخٌ حقيقةً. وقال حجَّةُ الإسلام: عبَّر بالنفخ الذي يكونُ سبباً لاشتعال فتيلة القابل من الطين الذي تعاقبَت عليه الأطوارُ حتى اعتَدَل واستَوَى واستعدَّ استعداداً تامًّا بنور الروح؛ كما يكونُ سبباً لاشتعال الحطب القابل مثلاً بالنار عن نتيجته ومُسبَّبِهِ، وهو ذلك الاشتعال، وقد يُكنَى بالسبب عن الفعل المستفادِ الذي يحصُلُ منه على سبيل المجاز، وإنْ لم يكن الفعلُ المستفادُ على صورة الفعل المستفاد منه. (١) ينظر تهذيب اللغة ٣٦٠/١١، ومفردات الراغب (بشر). (٢) مفردات الراغب (بشر). سُورَةُ الِفُ ٤٥٤ الآية : ٢٩ ثم هذا الروحُ عنده وكذا عند جماعةٍ من المحقّقين ليس بجسم يَحُلُّ البدنَ حلولَ الماء في الإناء مثلاً، ولا هو عَرَضٌ يحلُّ القلبَ أو الدماغَ حلوَّلَ السوادِ في الأسود والعِلْم في العالِم، بل هو جوهرٌ مجرَّدٌ ليس داخلَ البدن ولا خارجَه، ولا متَّصلاً به ولا مُنفصلاً عنه، ولهم على ذلك عدَّة أدلَّة: الدليلُ الأولُ: أنَّ الإنسان يمكنه إدراكُ الأمور الكلِّيَّة، وذلك بارتسام صُوَر المدركات في المدرك، فمحلٌّ تلك الصورِ إنْ كان جسماً فإمَّا أنْ يحلَّ غيرَ منقسم أو منقسماً، والأوَّلُ محالٌ؛ لأنَّ الذي لا ينقسمُ من الجسم طرفٌ نقطيٍّ، والنقطةُ تمتنعُ أنْ تكونَ محلًا للصور العقليّة؛ لأنَّها مما لا يُعقَل حصولُ المزاج لها حتى يختلفَ حالُ استعدادها في القابليَّة وعدمها، بل إنْ كانت قابلةً للصور المذكورة وجبَ أنْ يكونَ ذلك القبولُ حاصلاً أبداً، ولو كان كذلك لكان المقبولُ(١) حاصلاً أبداً لِمَا أنَّ المبادي الفعَّالة المفارقة عامَّةُ الفيض، فلا يتخصَّص إلا لاختلاف أحوالِ القوابل، فلو كان القابلُ تامَّ الاستعدادِ لكان المقبولُ واجبَ الحصول، وحينئذٍ يكونُ جميعُ الأجسام ذوات النقط عاقلةً، ويجبُ أيضاً أنْ يبقَى البدنُ بعد الموت عاقلاً لبقاء محلِّ الصور على استعداده، وليس كذلك. والثاني أيضاً محالٌ؛ لأنَّ الحالَّ في المنقسِم منقسمٌ، فيلزمُ أنْ تكونَ تلك الصورةُ منقسمةً أبداً، وذلك محالٌ لوجوهٍ مقرَّرة فيما بينهم. الدليلُ الثاني: ما عوَّل عليه الشيخ وزَعَم أنَّه أجلُّ ما عنده في هذا الباب، وهو أنَّه يُمكننا أنْ نعقلَ ذواتنا، وكلُّ مَن عقل ذاتاً، فله ماهيةُ ذلك الذات؛ فإذن لنا ماهيةُ ذاتنا، فلا يخلو إمّا أنْ يكونَ تعقُّلنا لذاتنا لأجل صورةٍ أخرى مساويةٍ لها تحصل فيها، وإمَّا أنْ لا يكونَ بل لأجل أنَّ نفسَها حاضرةٌ لها، والأولُ محالٌ؛ لأنَّه يُفضي إلى الجمع بين المثلَين، فتعيَّن الثاني، وكلُّ ما ذاته حاصلٌ لذاته كان قائماً بذاته، فإذن القوَّةُ العاقلةُ وهي الروح والنفسُ الناطقةُ قائمةٌ بنفسها، وكلُّ جسمٍ أو جسمانيٍّ فإنَّه غيرُ قائم بنفسه، وأَكْثَرَ تلامذتُه من الاعتراضات وأجاب عنها . (١) في الأصل: القبول. الآية : ٢٩ ٤٥٥ سُورَةُ الِصْرُ الدليلُ الثالث: ما عوَّل عليه أفلاطون، وهو أنَّا نتخيَّل صوراً لا وجودَ لها في الخارج، ونُميِّزُ بينها وبين غيرها، فهذه الصور أمورٌ وجوديةٌ ومحلُّها يمتنع أنْ يكونَ جسمانيًّا، فإنَّ جملة بدننا بالنسبة إلى الأمور المتخيلة لنا قليلٌ من كثير، فكيف ينطبقُ الصور العظيمة على المقادير الصغيرة؟ وليس يمكنُ أنْ يقال: إنْ بعضَ تلك الصور منطبعةٌ في أبداننا وبعضها في الهواء المحيط بنا، إذ الهواءُ ليس من جملة أبداننا ولا آلة لنفوسنا في أفعالها أيضاً، وهو ظاهرٌ، فإذن محلٌّ هذه الصور شيءٌ غيرُ جسمانيٍّ، وذلك هو النفسُ الناطقةُ. الدليل الرابع: لو كان محلُّ الإدراكات شيئاً جسمانيًّا لصحَّ أنْ يقومَ ببعض ذلك الجسم علمٌ، وبالبعض الآخر جهلٌ، فيكونُ الشيء الواحدُ عالماً جاهلاً بشيءٍ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ. الدليل الخامس: أنَّ الروح لو كان منطبعاً في جسم مثل قلبٍ أو دماغ لكان إمَّا أنْ يعقلَ دائماً ذلك الجسم، أو لا يعقلُه كذلك، أو يعقلُه في وقت دون وقت، والأقسام باطلةٌ فالقول بانطباعه باطل، وبيانُ ذلك أنْ تعقُّل الروح لذلك الجسم إمَّا أنْ يكونَ لأجل أنَّ الآلة حاضرةٌ عنده، أو لأنَّ صورةً أخرى من تلك الآلةِ تحصلُ له، فإنْ كان الأولُ فالروح إنْ أمكنَه إدراك تلك الآلةِ وإدراك نفسٍ مقارنتها له، فما دامَت الآلةُ مقارنةً وجَبَ أنْ يعقلها الروح، فيكونُ دائمَ الإدراك لتلك الآلة، وإن امتَنَع على الروح إدراكُ الآلة وَجَب أنْ لا يُدركَها أبداً، فظاهر أنَّه لو كان تعقُّلُ الروح لتلك الآلة لأجل المقارنة لوجب أنْ يعقلها دائماً أو لا يعقلها كذلك، وكلا القسمَين باطلٌ، وأمَّا إنْ كان تعقُّله لها لأجل حصول صورةٍ أُخرَى منها، فالروح إنْ كانت في تلك الآلة والصورة الثانية حاصلة فيه يكونُ الصورة الثانية للآلة حالَّةً أيضاً في الآلة؛ لأنَّ الحالَّ في الحالِّ في الشيء حالٍّ في ذلك الشيء، فيلزمُ الجمعُ بين المثلَين، وإنْ لم يكن الروح في تلك الحالة بل مجرَّدة، فذلك المطلوب. واستدلَّ بغير ذلك أيضاً. وقد ذكر الإمامُ في ((المباحث))(١) من الأدلَّة اثنَي عشَرَ دليلاً - منها ما ذُكر - (١) قوله: المباحث، ليس في الأصل، والمثبت من (م)، واسمه: المباحث الشرقية في العلم الإلهي والطبيعي. ينظر كشف الظنون ٢/ ١٥٧٧ . سُوَّة الىجر ٤٥٦ الآية : ٢٩ وأطالَ الكلامَ في ذلك جرحاً وتعديلاً وعوَّل في إثبات هذا المطلب على غير ذلك فقال: والذي نعوِّلُ عليه أنْ نقول: إنَّ كلَّ عاقلٍ يجدُ من نفسه أنَّه الذي(١) كان قبل، فهويَّتُه إمَّا أنْ تكونَ جسماً، وإمَّا أنْ تكونَ قائمةً بالجسم، وإمَّا أنْ لا تكونَ شيئاً من الأمرَين، والأوَّلُ باطل(٢). أما أولاً: فلأنَّ الإنسان قد يكونُ عالماً بهويَّته عند ذُهوله عن جملة أعضائه الظاهرة والباطنةِ. وأما ثانياً: فلأنَّ الأبعاض الجسمانيةَ دائمةُ التحلُّل والتبدُّل؛ لأنَّ الأسباب المحالة من الحرارة الخارجية والداخلية والحركات النفسانية والبدنية مما لا تختصُّ بجزءٍ دون جزءٍ، والبدن مركّبٌ من الأعضاء المركّبة، وهي مرتَّبةٌ من الأعضاء البسيطةٍ، مثل اللحم والعظم، فيكون كلُّ جزءٍ من اللحم مثلَ الآخر في الاستعداد للتحلُّل، فإذا كانت الأجزاءُ كلُّها متساويةً في ذلك كانت نسبةُ المحلِّلات(٣) إلى كلِّ واحدٍ من الأجزاء كنسبته إلى الجزء الآخر، فلم يكن عروضُ التحلُّل لبعضٍ أَوْلَى من عروضه للبعض الآخر، فَثَبتَ أنَّ هويَّة الإنسان ليست جسماً وليست أيضاً قائمةً بالجسم؛ لأنَّ القائمَ به يجبُ أنْ يتبدَّل عند تبدُّله لاستحالة انتقال الأعراضِ، فكان يلزمُ أنْ لا يجدَ الإنسانُ من نفسه أنَّه الذي كان موجوداً قبل، ولمَّا كان هذا العلمُ من العلوم البديهيَّة علمنا أنَّ هويَّةَ الإنسان ليست جسماً ولا محتاجةً إليه، فهو جوهرٌ مجرَّدٌ، وهو المطلوب. ولا يلزمُ أنْ يكونَ لسائر الحيوانات هذا الجوهر؛ لأنَّا وإنْ عرفنا أنَّها تعلمُ هويَّات أنفسها لكنْ لا نعرفُ أنَّها تعلمُ من أنفسها أنَّها هي التي كانت موجودةً قبل. ويمكن أنْ يحتجَّ أيضاً على هذا المطلب بأنَّا قد دَلَلْنا على أنَّ المُدرِك بجميع أصنافِ الإدراكات لجميع المُذْرَكات شيءٌ واحدٌ في الإنسان، فنقول: ذلك المُدرِك إمَّا أنْ يكونَ جسماً، أو قائماً به، أو لا ولا، والأوَّلُ ظاهرُ الفساد؛ لأنَّ الجسم من حيث هو جسمٌ لا يمكنُ أنْ يكونَ مُدرِكاً. (١) تكررت في (م). (٢) في (م): بالباطل. (٣) في الأصل: المحلات. الآية : ٢٩ ٤٥٧ سُؤَدَّةُ الِحْرُ والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ تلك الصفةَ إما أنْ تكونَ قائمةً بجميع أجزاء البدن أو ببعضٍ دون بعض، والأوَّلُ باطلٌ، وإلا لكان كلُّ جزءٍ من أجزاء البدن مبصراً سامعاً متخيِّلاً متفكِّراً عاقلاً، وليس كذلك، وبطلَ أيضاً أن يقال: إنَّ بعضَ الأعضاء قامت به القوَّة المدرِكةُ لجميع هذه المدرَكات؛ لأنَّه يلزمُ أنْ يكونَ في البدن عضوٌ واحدٌ سامع مبصرٌ متخيِّلٌ متفكّر عاقل، ولسنا نجدُ ذلك فينا، وبهذا ظهرَ أيضاً فسادُ ما قيل: لعلَّ القوَّةَ المدرِكة لجميع المدركات قائمةٌ بجسم لطيفٍ محصورٍ في بعض الأعضاءِ لظهور أنَّا لا نجد من أبداننا موضعاً مُشتمِلاً على هذا الجسم اللطيف السامع المبصر المتخيِّل المتفكّر العاقل. وليس لأحدٍ أنْ يقول: هب أنَّكم لا تعرفون هذا الموضع، لكنَّ ذلك لا يدلُّ على عدمه، لأنَّا نقول: إنَّا قد دَلْلنا على أنَّا السامعون المبصرون المتخيِّلون العاقلون، فلو كان بعضُ الأجسام - سواء كان جزءاً من البدن أو محصوراً في جزءٍ منه - موصوفاً بالقوّة المتعلّقة بجميع هذه المدرَكات لم يكن حقيقتنا وهويتنا إلا ذلك الجسم، فلو لم نعرفه لَكُنَّا لا نعرف حقيقةَ أنفسنا، وذلك باطلٌ، فثبت أنَّ الموصوف بالقوّة المدرِكة لجميع المدركات ليس جسماً أصلاً ولا قائماً به، فهو جوهرٌ مجرَّدٌ، وهو المطلوب. وذكر هؤلاء الذاهبون إلى التجرُّد أنَّه متعلِّقٌ بالبدن كتعلُّق العاشق - عشقاً جِبِلِيًّا إلهاميًّا - بالمعشوق، حتى إنَّه لا ينقطعُ ذلك التعلُّق ما دام البدنُ مستعدًّا لأنْ يتعلَّق به، بل تعلّق الروح أَقوَى من هذا التعلَّق بكثير، وهو تعلَّقُ التدبير والتصريف. وإضافتُه إلى ضميره تعالى في الآية؛ لأنَّه سبحانه وتعالى خلقَه من غير واسطةٍ تجري مجرى الأصل والمادة، أو للتشريف. وسئل حجَّةُ الإسلام عن ذلك فقال: لو نطقَت الشمسُ وقالت: أفضتُ على الأرض من نوري، يكونُ ذلك صدقاً، ويكون معنى النسبة: أنَّ النورَ الحاصل للأرض من جنس نور الشمس بوجهٍ من الوجوه. وإنْ كان في غاية من الضعف بالنسبة إليه. وقد عرفتَ أنَّ الروح منزَّةٌ عن الجهة والمكان، وفي قوَّته العلمُ بجميع الأشياء، وذلك مضاهاةٌ ومناسبةٌ، ولذلك خُصَّ بالإضافة، وهذه المضاهاة ليست للجسمانیّات أصلاً . سُورَةُ الِحُ ٤٥٨ الآية : ٢٩ وليس لأحدٍ أنْ يقولَ: إنَّ في تنزيه الروح عن المكان وصفاً له بصفة الله تعالى شأنه وتقدَّسَت صفاتُه، بل بأخصِّ صفاته سبحانه، ويلزمُ من ذلك عدمُ التميُّزِ، فقد قالوا: كما يستحيلُ اجتماعُ جسمَين في مكان واحدٍ يستحيلُ أنْ يجتمَع اثنان لا في مكان، لأنَّه إنما استحال اجتماع جسمَين في مكان؛ لأنَّه لو اجتمعا لم يتميّز أحدُهما عن الآخر، فكذلك لو وُجد اثنان كلُّ واحدٍ منهما ليس في مكان، لم يحصل التميزُ والفرقُ بينهما، ولذا قالوا: لا يجتمعُ سوادان في محلِّ واحدٍ حتى قيل: المثلان كالضِّدَّين؛ لأنَّا نقول: التميُّز غیرُ منحصرٍ بالمكان بل یکون به لجسمَين في مكانين وبالزمان كسوادَين في جوهر واحدٍ في زمانين، وبالحدِّ والحقيقة كالأَعراض المختلفة في محلٌّ واحدٍ مثل الطعم واللون والبرودة والرطوبة في جسم واحدٍ، فإنَّ تميُّزَ كلٍّ منها عن الآخر بذاته لا بمكان ولا زمان، ومثل ذلك العلم والإرادة والقدرة، فإنَّ تميُّزَ كلِّ أيضاً بذاته وإن كان الجميع لشيءٍ واحدٍ، فإذا تُصوِّرَ أعراضٌ مختلفةُ الحقائق في محلٌّ واحدٍ، فبأَنْ يُتَصَوَّر أشياء مختلفةُ الحقائق بذواتها في غير مكان أَولَى. وكونُ الوجود لا في مكان أخصَّ صفاته سبحانه في حيِّز المنع، بل الأخصُّ أنَّه جل شأنه قَيُّومٌ، أي: قائمٌ بذاته، وكلُّ ما سواه قائمٌ به، وأنَّه تبارك وتعالى موجودٌ بذاته، وكلُّ ما سواه تعالى موجودٌ لا بذاته، بل ليس للأشياء من ذواتها إلا العدمُ، وإنَّما لها الوجودُ من غيرها على سبيل العارية، والوجودُ له سبحانه ذاتيٍّ غيرُ مستعارٍ، فالقيوميّة ليس إلا لله عزَّ وجلَّ. انتهى. وهذا الذي قالوه من تجرُّد الروحِ خلافُ ما عليه جمهورُ أهل السنة. قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي: قد خاض سائرُ الفرق غمرةً الكلام في الروح، فما ظَفِروا بطائلٍ ولا رجعوا بنائل، وفيها أكثرُ من ألف قولٍ وليس فيها - على ما قال ابن جماعة - قولٌ صحيح، بل كلُّها قياساتٌ وتجلِّياتٌ عقليّة، وجمهورُ أهل السنة على أنَّها جسمٌ لطيفٌ يخالفُ الأجسام بالماهية والصفة، متصرِّفٌ في البدن، حالٌّ فيه حلولَ الزيت في الزيتون والنار في الفحم، يعبَّرُ عنه بـ : أنا وأنت(١). وإلى ذلك ذهب إمامُ الحرمين. (١) فيض القدير ٣٤٣/٢، وقول ابن جماعة منه. الآية : ٢٩ ٤٥٩ سُورَةٌ الحجم وقال اللقاني: جمهورُ المتكلِّمين على أنَّها جسمٌ مخالفٌ بالماهية للجسم الذي تتولَّد منه الأعضاء، نورانيٌّ عُلْويٌّ خفيفٌ، حيٍّ لذاته، نافذ في جوهر الأعضاء، سارٍ فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم، لا يتطرّق إليه تبدُّلٌ ولا انحلالٌ، بقاؤه في الأعضاء حياةٌ، وانفصالُه عنها إلى عالم الأرواح موتٌ. وزَعَم بعضُهم أنَّ الإنسان هو هذا الهيكلُ المحسوس وروحُه عَرَضٌ قائمٌ به، وعزاه بعضُ المتأخِّرين من المعاصرين إلى جمهور المتكلِّمين، وجعله وامتناع اتِّحاد القابل والفاعل دليلاً على إبطال كون العبد خالقاً لأفعاله. وقد ردَّ الإمام في التفسير ذلك الزعم، وارتَضَى ما نقلناه عن الجمهور فقال: إِنَّهم قالوا: لا يجوزُ أنْ يكون الإنسان عبارةً عن هذا الهيكل المحسوس(١)؛ لأنَّ أجزاءَه أبداً في الذبول والنمو، والزيادة والنقصان، والاستكمال والذوبان، ولاشكَّ أنَّ الإنسان من حيث هو هو أمرٌ باقٍ من أوَّل عُمُرِه إلى آخره، وغيرُ الباقي غيرُ الباقي، فالمشارُ إليه عند كلِّ أحدٍ بقوله: أنا، وجب أنْ يكون مغايراً لهذا الهيكل. ثم اختلفوا عند ذلك في أنَّ المشارَ إليه بـ: أنا، أيُّ شيءٍ هو؟ والأقوالُ فيه كثيرةٌ إلَّا أنَّ أَسدَّها تحصيلاً وتلخيصاً أنَّها أجزاءٌ جسمانيَّة ساريةٌ في هذا الهيكل سريانَ الماء في الورد، والدهن في السمسم، ثم إنَّ المحقّقين منهم قالوا: إنَّ الأجسام التي هي باقيةٌ من أول العمر إلى آخره مخالفةٌ بالماهية لِمَا تَرَّب منه الهيكل، وهي حيَّةٌ لذاتها، مدركةٌ لذاتها، نورانيَّةٌ لذاتها، فإذا خالطَت ذلك وصارَت ساريةً فيه، صارَ مستنيراً بنورها متحرِّكاً بتحريكها، ثم إنَّه أبداً في الذوبان والتحُّل والتبدُّل، وتلك الأجزاء لمخالفتها له بالماهية باقيةٌ بحالها، وإذا فَسَد انفصلت عنه إلى عالم القدس إن كانت سعيدةً أو عالم الآفات إنْ كانت شقيةً(٢). اهـ. ومنه يعلم بطلانُ الاستدلال على تجرُّد الروح بإبطال كون الإنسان عبارةً عن الهيكل المحسوس كما يقتضيه كلامُ صاحب ((الهياكل))(٣) حسبما يدلُّ عليه كلامُ (١) في هامش (م): وبه يرد على بعض المعاصرين أيضاً، تدبَّر. اهـ منه. (٢) مفاتيح الغيب ٩١/٩ - ٩٢ بنحوه. (٣) تقدم ٤/ ٩٤. سُورَةُ الِحُ ٤٦٠ الآية : ٢٩ شارحه الجلال حيث قال في الهيكل الثاني: أنت لا تغفلُ عن ذاتك أبداً، وما جزءٌ من أجزاء بدنك إلا تنساه أحياناً ولا يُدرَكُ الكلُّ إلا بأجزائه، فلو كنتَ أنت هذه الجملةَ ما كان يستمرُّ شعورُك بذاتك مع نسيانها، فأنت وراء هذا البدن. وقال الجلال: فلا تكون النفسُ جسماً أصلاً؛ لأنَّ غايةَ ذلك إثباتُ أنَّ النفسَ وراء هذا البدن لا إثباتُ أنَّها مع ذلك مجرَّدَةٌ، لجواز أنْ تكونَ جسماً لطيفاً كما علمتَ. وزعم القاضي أنَّ مذهب أكثر المتكلِّمين أنَّ الروح عَرَضٌ، وأنَّها هي الحياةُ، واختاره الأستاذ أبو إسحاق ولم يبالِ بلزوم قيام العَرَض بالعَرَض. واعترض هذا الزاعم القولَ بالجسميّة، بأنَّها لو كانت جسماً لجاز عليها الحركةُ والسكونُ كسائر الأجسام، فيلزمُ أنْ تكونَ كلُّها أرواحاً، ولوجب أنْ يكون للروح روحٌ أخرى لا إلى نهاية. وفيه أنَّه إنَّما يلزمُ ما ذكر أنْ لو كان الجسم إنَّما كان روحاً لكونه جسماً، وليس فليس، فإنَّه إنَّما كان روحاً لمعنّى خصَّه الله تعالی به. وقد علمتَ أنَّ القائل بالجسميَّ يقولُ: إنَّه حيٍّ لذاته، فلا يلزمُ التسلسل، وبينه وبين الجسم عنده علاقةٌ بحسب بخار لطيفٍ يُعبَّر عنه بالروح الحيواني، وعرَّفه في ((الهياكل)) بأنَّه جسمٌ لطيفٌ بخاريٌّ يتولَّدُ من لطائف الأخلاط وينبعثُ من التجويف الأيسر من القلب، وینبثُ في البدن بعد أن یکتسبَ السلطانَ النوري من النفس الناطقة، ولولا لطفُه لما سَرَى، وهو مطيّةُ تصرُّفات النفس، ومتى انقطَعَ انقطع تصرُّفُها . وقال بعضهم: إنَّه اعتدال مزاجٍ دم القلب، والأمرُ في ذلك سهل. وذهب بعضُ المحقّقين إلى أنَّ الروح تُطلَقُ على الروح التي ذُكِرَ أنَّها جسمٌ لطيفٌ سارٍ في البدن سريانَ ماء الورد في الورد، وهو غيرُ الروح الحيواني، وعلى أمرٍ ربانيٍّ شريفٍ له إشراقٌ على ذلك الجسم اللطيف، ولعلَّ ذلك هو سببُ حياة الروح بالمعنى الأوَّل وإدراكها ونورانيتها، ويُعبّر عنه بالروح الأمري، وهو المراد من الروح في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجْ﴾ [الإسراء: ٨٥] الآية، ويطلقون كثيراً على الروح بالمعنى الأوَّل النفسَ الإنسانيَّةَ، وعليها بالمعنى الثاني النفسَ الناطقة.