Indexed OCR Text
Pages 421-440
الآية : ١٦ ٤٢١ سُورَةُ الِحْرُ بذلك أنَّهم لا عُذرَ لهم بالتكذيب من عدم سماع ووعي، ووصولٍ إلى القلوب، وفهم كما فَهِمَ غيرُهم من المصدِّقين؛ لأنَّ ذلك كان حاصلاً لهم، وليس بهم إلا العنادُ والإصرارُ لا غير (١). اهـ. فليتأمَّل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم إنَّه تعالى لمَّا ذَكَر حال منكري النبوَّة وكانت مفرَّعةً على التوحيد ذكر دلائلَهُ السماويَّةَ والأرضيَّةَ فقال عزَّ قائلاً: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ إلخ، وإلى هذا ذهب الإمام(٢) وغيره في وجه الربط. وقال ابن عطية: إنَّه سبحانه لما ذكر أنَّهم لو رَأَوا الآيةَ المطلوبة في السماء لعاندوا وبَقُوا على ما هم فيه من الضلال، عَقَّب ذلك بهذه الآية، كأنَّه جل شأنه قال: وإنَّ في السماء لَعِيراً منصوبةً غيرَ هذه المذكورة، وكفرُهم بها وإعراضُهم عنها إصرارٌ منهم وعتوٌّ (٣). اهـ. والظاهرُ أنَّ الجعلَ بمعنى الخَلْقِ والإبداعِ، فالجارُّ والمجرور متعلِّقٌ به، وجُوِّز أنْ يكونَ بمعنى التصيير فهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه مفعولٌ ثانٍ له، و((بروجاً» مفعوله الأول. والبروجُ جمع بُرْجٍ، وهو لغةً: القصرُ والحصن. وبذلك فسَّره هنا عطيّة. فقد أخرج عنه ابنُ أبي حاتم أنَّه قال: جعلنا قصوراً في السماء فيها الحرسُ، وأخرج عن أبي صالح أنَّ المرادَ بالبروج الكواكبُ العظام(٤)، وفي ((البحر)) عنه: الكواكبُ السيّارة(٥)، وروى غيرُ واحدٍ عن مجاهد وقتادة أنَّها الكواكبُ من غيرِ قیدٍ. وروي عن ابن عباس تفسيرُ ذلك بالبروج الاثني عشر المشهورة، وهي سنَّةٌ شمالية، ثلاثة ربيعيَّة وثلاثةٌ صيفيَّةٌ، وأوَّلُها الحَمَلُ، وستَّةٌ جنوبيَّةٌ، ثلاثةٌ خريفيَّةٌ وثلاثةٌ شتائيّة، وأوَّلُها الميزان، وطولُ كلِّ برجٍ عندهم ((ل)) درجة وعرضُه ((قف)) درجة، (ص) منها في جهة الشمال، ومثلُها فيّ جهة الجنوب، وكأنَّها إنما سمِّيَت بذلك؛ لأنَّها (١) الانتصاف ٣٨٨/٢. (٢) مفاتيح الغيب ١٦٨/١٩. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٤/٣. (٤) عزا السيوطيُّ في الدر المنثور ٤/ ٩٥ الأثرين لابن أبي حاتم. (٥) البحر المحيط ٤٤٩/٥. سُورَةُ الِجْرُ ٤٢٢ الآية : ١٦ كالحصن أو القصر للكوكب الحالِّ فيها، وهي في الحقيقة أجزاءُ الفلك الأعظم، وهو المحدَّد المسمَّى بلسانهم الفلكُ الأطلسُ، وفلكُ الأفلاك، وبلسان الشرع بعكسه، ولهذا يُسمِّي الشيخُ الأكبر قدِّسَ سرُّه الفلكَ الأطلسَ بفَلَك البروج(١)، والمشهور تسميةُ الفلك الثامن، وهو فَلَكُ الثوابتِ به لاعتبارهم الانقسام فيه، وكأنَّ ذلك لظهور ما تتعيَّن به الأجزاءُ من الصور فيه، وإنْ كان كلٌّ منها منتقلاً عما عيَّنه إلى آخَرَ منها، لثبوت الحركة الذاتية للثوابت على خلاف التوالي وإنْ لم يُثْبتها لها - لعدم الإحساس بھا ۔ قدماءُ الفلاسفة کما لم يُثبت الأكثرون حرگتها على نفسها، وأثبتها الشيخُ أبو عليٍّ ومَن تَبِعَه من المحقّقين، وقد صرَّحوا بأنَّ هذه الصُّوَرَ المسماةَ بالأسماء المعلومةِ تُؤُهِّمَت على المنطقة وما يقرب منها من الجانبين من كواكب ثابتةٍ تنظمها خطوطٌ موهومةٌ وقَعَت وقت القسمة في تلك الأقسام. ونقل ذلك في ((الكفاية))(٢) عن عامَّة المنجِّمين، وأنَّهم إنَّما توقَّعُوا لكلِّ قسم صورةً ليحصلَ التفهيم والتعليم، بأنْ يقال: الدَّبَران مثلاً عينُ الأسد. وتعَقَّب ذلك بقوله: وهذا ليس بسديدٍ عندي؛ لأنَّ تلك الصُّورَ لو كانت وهميَّةً لم يكن لها أثرٌ في أمثالها من العالم السفلي، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، فقد قال بَطْلِيمُوس في ((الثمرة))(٣): الصُّور التي في عالم التركيب مطيعةٌ للصُّوَر الفلكيةِ، إذ هي في ذواتها على تلك الصور، فأدركَتها الأوهامُ على ما هي عليه، وفيه بحث. ثم هذه البروجُ مختلفةُ الآثار والخواصِّ، بل لكلِّ جزءٍ من كلّ منها - وإنْ كان أقلّ من عاشرة بل أقلَّ الأقلِّ - آثارٌ تخالف آثارَ الجزءِ الآخر، وكلُّ ذلك آثارٌ حكمة الله تعالی وقدرته عزَّ وجلَّ. وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سرُّه في بعض كتبه أنَّ آثارَ النجومِ وأحكامها مفاضةٌ عليها من تلك البروج المعتبرة في المحدد. وفي الفصل الثالث من الباب الحادي والسبعين والثلاث مئة من فتوحاته مامنه: إنَّ الله تعالى قسم الفلكَ الأطلسَ اثني عشر قِسْماً، سمَّاها بروجاً، وأسكنَ (١) الفتوحات المكية ٢/ ٤٣٧. (٢) كفاية التعليم في صناعة التنجيم، فارسي، للإمام ظهير الدين أبي المحامد محمد بن مسعود بن الزكي الغزنوي. كشف الظنون ١٤٩٧/٢ . (٣) الثمرة في أحكام النجوم. كشف الظنون ١/ ٥٢٤. الآية : ١٦ ٤٢٣ سُورَةُ الِجْ كلَّ برج منها مَلَكاً، وهؤلاء الملائكة أئمة العالم، وجعَلَ لكلِّ منهم ثلاثين خزانة،َ تحتوي كلٍّ منها على علومِ شتَّى يهبون منها للنازل بهم قدر ما تُعطيه رُتْبَتُه، وهي الخزائنُ التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآيِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ تَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وتُسمَّى عند أهل التعاليم بدرجات الفلك، والنازلون بها هم الجواري، والمنازلُ وعيوقاتها من الثوابت والعلوم الحاصلة من تلك الخزائن الإلهيّة هي ما يظهرُ في عالم(١) الأركان من التأثيرات، بل ما يظهرُ في مُقَّر فلك الثوابت إلى الأرض (٢). إلى آخِرِ ما قال، وقد أطال قُدِّسَ سره الكلام في هذا الباب، وهو بمعزل عن اعتقاد المحدِّثين نقلةِ الدين عليهم الرحمة. ثم إنَّ في اختلاف خواصٌ البروج حسبما تشهدُ به التجربة مع ما اتَّفق عليه الجمهورُ من بساطة السماء أدلَّ دليلٍ على وجود الصانع المختار جلَّ جلاله. ﴿وَزَيَّنَهَا﴾ أي: السماء بما فيها من الكواكب السيّارات وغيرها، وهي كثيرةٌ لا يَعلمُ عدَدها إلا الله تعالى. نعم المرصودُ منها ألفٌ ونَيِّف وعشرون، ورتّبوها على ستِّ مراتب وسمَّوها أقداراً متزايدة سُدُساً حتى كان قطرُ ما في القَدْر الأوَّل سنَّةَ أمثالِ ما في القدر السادس، وجعلوا كلَّ قدرٍ على ثلاث مراتب، وما دون السادس لم يُثْبتوه في المراتب، بل إنْ كان كقطعة السحاب يُسمونه سحابيًّا وإلا فمظلماً. وذكر في ((الكفاية)) أنَّ ما كان منها في القدر الأوَّل فَجِرمُه مئةٌ وسنَّةٌ وخمسون مرَّةً ونصفُ عشر الأرض. وجاء في بعض الآثار أنْ أصغرَ النجوم كالجبل العظيم. واستظهر أبو حيَّان عود الضمير للبروج، لأنَّها المحدَّث عنها والأقرب في اللفظ(٣). والجمهور على ما ذكرنا حذراً من انتشار الضمائر. ﴿لِلنَّظِرِينَ ﴾﴾ أي: بأبصارهم إليها، كما قاله بعضُهم؛ لأنَّه المناسب (١) في (م): عام. (٢) الفتوحات ٤٣٣/٣-٤٣٤. (٣) البحر المحيط ٤٤٩/٥. سُوَةُ الِجْر ٤٢٤ الآيتان : ١٧-١٨ للتزيين، وجُوِّز أنْ يُرادَ بالتزيين ترتيبُها على نظام بديع مستتبعاً للآثار الحسنة، فيُراد بالناظرين المتفكِّرون المستدلُّون بذلك على قُدرة مُّقَدِّرها وحكمةِ مدبِّرها جلَّ شأنه. ، مطرودٍ عن الخيرات، ويُطلَق الرجمُ على ١٧ ﴿وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ رَّجِيمٍ الرمي بالرِّجام وهي الحجارة، فالمرادُ بالرجيم المرميّ بالنجوم، ويُطلَق أيضاً على الإهلاك والقتل الشنيع. والمرادُ بحفظها من الشيطان إما منعه عن التعرُّض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة، فالاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ متَّصِلٌ. وإما المنعُ عن دخولها والاختلاط مع أهلها على نحو الاختلاط مع أهل الأرض، فهو حينئذٍ منقطعٌ. وعلى التقديرَين محلُّ ((مَن)) النصبُ على الاستثناء، وجوَّز أبو البقاء(١) والحوفي كونَه في محلِّ جرِّ على أنَّه بدلٌ من ((كلِّ شيطانٍ)) بدل بعضٍ من كلّ، واستغنى عن الضمير الرابط بـ ((إلا)). واعتُرِضَ بأنَّه يشترط في البدليَّةِ أنْ تكونَ في كلامٍ غير موجبٍ، وهذا الكلام مثبت. ودُفع بأنَّه في تأويل المنفي، أي: لم نمكِّن منها كلَّ شيطانٍ، أو نحوه، وأُورِدَ أنَّ تأويل المثبت في غير ((أَبَى)) ومتصرفاته غيرُ مقيسٍ ولا حسن، فلا يقال: مات القومُ إلا زيدٌ، بمعنى: لم يعيشوا، ولعلَّ القائل بالبدليَّة لا يُسلِّم ذلك، وقد أوَّلوا بالمنفي قوله تعالى: ((فشربوا منه إلا قليل))(٢) [البقرة: ٢٤٩]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((العالَمُ هلكى إلا العالمون)) الخبر(٣)، وغير ذلك مما ليس فيه ((أَبَى)) ولا شيء من متصرَّفاته، لكن الإنصاف ضَعْفُ هذه البدليَّة، كما لا يخفى. وجوَّز أبو البقاء أيضاً أنْ يكون في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبرُ جملة قوله (١) ينظر الإملاء ٤٢١/٣. (٢) وهي قراءة ابن مسعود والأعمش وأبي، كما في البحر ٢٦٦/٢، وتقدَّمت في موضعها. (٣) حديث موضوع، وقد تقدم الكلام عليه ٢/ ٢٨٢. الآية : ١٨ ٤٢٥ سـ وذَكَر أنَّ الفاء من أجل أنَّ ((مَن)) موصولٌ أو تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُ, شِهَابٌ مُچِينٌ ١٨ شرطٌ(١). والاستراقُ: افتعالٌ من السرقة، وهو أخذُ الشيء بخُفْيةٍ، شُبّه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْتَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] والمرادُ بالسمع المسموع. والشهابُ - على ما قال الراغب - الشعلةُ الساطعةُ من النار الموقَدةِ ومن العارض في الجوّ (٢)، ويُطلَقُ على الكوكب؛ لبريقه كشعلة النار، وأصلُه من الشُّهبةُ، وهي: بياضٌ مختلِطُ بسوادٍ، وليست البياض الصافي كما يغلطُ فيه العامَّة فيقولون: فرسٌ أشھبُ للقرطاسي. والمراد بـ ((مبينٌ)) ظاهرٌ أمرُه للمبصرين، ومعنى ((أتْبَعَه)): تَبِعَه، عند الأخفش نحو: رَدَفْتُه وأَردَقْتُه، فليسَت الهمزةُ فيه للتعدية(٣)، وقيل: ((أَتْبَعَه)) أخصُّ من تَّبِعَه لِمَا قال الجوهريُّ: تَبعتُ القومَ تبعاً وتَبَاعَةً - بالفتح - إذا مشيتَ خلفهم، أو: مرُّوا بك فمضيتَ معهم، وأَتْبَعْتُ القومَ - على أَفْعَلْتُ - إذا كانوا قد سبقوك فلحقتَهم (٤). واستحسَنَ الفرقَ بينهما الشهابُ(٥). ولمَّا كان الإتباع محتملاً للإهلاك وغيره اختلف العلماءُ في ذلك فحكى القرطبي عن ابن عباس أنَّ الشهاب يجرحُ ويحرقُ ولا يقتلُ، وعن الحسن وطائفة أنَّه يقتل، وادَّعى أنَّ الأوَّل أصحُّ (٦)، ونقل غيرُ واحدٍ عن ابن عباس ◌ِ﴿ًّا أنَّه قال: إنَّ الشياطين يركبُ بعضُهم على بعضٍ (٧) إلى السماء الدنيا يسترقون السمعَ من الملائكة عليهم السلام، فَيُرْمَون بالكواكب، فلا تُخطِئُ أبداً، فمنهم من تقتلُه ومنهم (١) الإملاء ٤٢١/٣-٤٢٢. (٢) مفردات الراغب (شهب). (٣) حاشية الشهاب ٢٨٨/٥. (٤) الصحاح (تبع). (٥) في حاشيته ٢٨٨/٥. (٦) تفسير القرطبي ١٨٩/١٢. (٧) في (م): بعضهم بعضاً. سُورَةُ الِهم ٤٢٦ الآية : ١٨ من تحرقُ وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله تعالى، ومنهم مَن تَخبِلُه فيصيرُ غولاً فيضلُّ الناس في البراري. ومما لا يعوَّلُ عليه ما يُروى مِن أنَّ منهم مَن يقعُ في البحر فيكونُ تمساحاً. ومن الناس مَن طعن - كما قال الإمام(١) - في أمر هذا الاستراق والرمي من وجوه. أحدها: أنَّ انقضاضَ الكواكب مذكورٌ في كتب قدماء الفلاسفة، وذكروا فيه أنَّ الأرض إذا سَخَنَت بالشمس ارتفَعَ منها بخارٌ يابسٌ، فإذا بلَغَ كرة النار التي دون الفلك احترقَ بها، فتلك الشعلةُ هي الشهاب، وقد يبقَى زماناً مشتعلاً إذا كان كثيفاً، وربما حميت الأدخنةُ في برد الهواء للتعاقب فانضغَطَت مشتعلةً، وجاء أيضاً في شعر الجاهلية كما قال بشر بن أبي حازم: يَنْقَضُ خَلْفَهما انقضَاضَ الكوكبِ(٢) والعَيْرُ يلحقها الغبار وجَحْشُها وقال أوس بن حجر: نَفْعٌ يثُورُ تَخالُه ◌ُنُبا (٣) وانقضَّ کالدِّرِّيءٍ يَتبعُه إلى غير ذلك. وثانيها: أنَّ هؤلاء الشياطين كيف يجوز فيهم أنْ يُشاهدوا ألوفاً من جنسهم يسترقون السمعَ فيحترقون، ثم إنَّهم مع ذلك يعودون لصنيعهم، فإنَّ مَن له أدنى عقلٍ إذا رأى هلاك أبناءِ جنسه من تعاطي شيءٍ مراراً، امتنع منه. وثالثها: أنْ يقال: إنَّ ثخنَ السماء خمس مئة عام، فهؤلاء الشياطين إنْ نفَذُوا في جِرمها وخرقوها، فهو باطلٌ لنفي أنْ يكون لها فُطورٌ على ما قال سبحانه: ﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] وإنْ كانوا لا ينفُذُون فكيف يمكنُهم سماع أسرارِ الملائكة عليهم السلام مع هذا البعد العظيم؟ !. (١) مفاتيح الغيب ٦١/٣٠. (٢) الديوان ص٨١، وتأويل مشكل القرآن ص٣٣٣، والمعاني الكبير ٧٣٩/٢. (٣) الديوان ص٣، وتأويل مشكل القرآن ص٣٣٣-٣٣٤، والمعاني الكبير ٧٣٩/٢، والحيوان ٢٧٤/٦، وتهذيب اللغة ٥٨/١٤، واللسان (درأ)، الدريء: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان. تخالُه ◌ُنُبًا: يريد تخاله فسطاطاً مضروباً. ينظر تهذيب اللغة واللسان. الآية : ١٨ ٤٢٧ سُورَةُ الِىِ جْر ورابعها: أنَّ الملائكةَ عليهم السلام إنَّما اطّلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنَّهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنَّهم تلقَّفوها بالوحي، وعلى التقديرَين لِمَ لَمْ يسكُتُوا عن ذكرها حتى لا تتمكَّنَ الشياطينُ من الوقوف عليها؟. وخامسها: أنَّ الشياطينَ مخلوقون من النار، والنارُ لا تحرق النارَ، بل تقوِّيها فكيف يُعقَل زجرُهم بهذه الشهب؟ . وسادسُها: أنَّكم قلتم: إنَّ هذا القذفَ لأجل النبؤَّة، فَلِمَ دامَ بعد وفاة النبيِّ ◌َّ؟ . وسابعها: أنَّ هذه الشهبَ إنما تحدث بقُرْب الأرضِ بدليل أنَّا نُشاهدُ حركاتها، ولو كانَت قريبةً من الفلك لَمَا شاهدناها، كما لم نشاهد حركاتِ الأفلاكِ والكواكب، وإذا ثَبَت أنَّها تَحدُثُ بالقرب من الأرض فكيف يقال: إنَّها تمنعُ الشياطينَ من الوصول إلى الفلك؟ . وثامنها: أنَّ هؤلاء الشياطينَ لو كان يمكنهم أنْ ينقلوا أخبارَ الملائكة عليهم السلام عن المغيبات إلى الكهنة، فَلِمَ لم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوصَّلوا بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟. وتاسعها: لِمَ لم يمنعهم الله تعالى من الصعود ابتداءً حتى لا يحتاج في دَفْعهم إلى هذه الشهب. وقال بعضهم: أيضاً: إنَّ السماع إنَّما يُفيدهم إذا عرفوا لغةً الملائكةِ، فِلِمَ لم يجعلهم الله سبحانه جاهلين بلغتهم؛ لئلا يُفيدَهم السماع شيئاً، وأيضاً إن انقطع الهواء دون مُقعَّر فلك القمرِ لم يحدث هناك صوتٌ، إذ هو مِن تَموُّج الهواء، والمفروض عدمه، وإنْ لم ينقطع كان دونَ ذلك أصواتٌ هائلةٌ من تَموُّج الهواء بحركة الأجرام العظيمة، وهي تمنعُ من سماع أصواتِ الملائكة عليهم السلام في محاوراتهم، ولا يكادُ يُظَنُّ أنَّ أصواتَهم في المحاورات تغلبُ هاتيك الأصوات لتسمع معها، وأيضاً ليس في السماء الدنيا إلا القمر، ولا نراه يرمى به، وسائرُ السيّارات فوقُ ﴿كُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] والثوابتُ في الفَلَك الثامن، والرمي بشيءٍ من ذلك يستدعي خرقَ السماء وتشقُّقَها ليصلَ الشهابُ إلى الشيطانِ، وهو مما لا يكاد يقال. سُورَةُ الإِجْر ٤٢٨ الآية : ١٨ وأجاب الإمامُ(١) عن الأوَّل أولاً: بأنَّ الشهبَ لم تكن موجودة قبل البعثة، وهذا قولُ ابنِ عباس، فقد رُوي عنه أنَّه قال: كان الجنُّ يصعَدون إلى السماء فيستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أشياءَ من عند أنفسهم، فلما بُعثَ النبيُّ ◌َّهِ مُنعوا مقاعدَهم، ولم يكن النجوم يُرَمى بها قبلَ ذلك، فقال لهم إبليسُ: ما هذا إلا لأمرٍ حدَثَ. الخبر(٢). وروي عن أُبَيِّ بنِ كعب أَّه قال: لم يرمَ بنجم منذ رُفِعَ عيسى عليه السلام، حتى بُعثَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِرُمَيَ بها، فرَأَت قريشٌ ما لم تَرَ قبلُ، فجعلوا يُسيِّبون أنعامَهم، ويعتقون رقابَهم، يظنُّون أنَّه الفناء، فبَلَغ ذلك كبيرَهم فقال: لِمَ تفعلون؟ فقالوا: رُمي بالنجوم. فقال: اعتبروا، فإنْ تكُن نجومٌ معروفةٌ فهو وقتُ فناء الناس، وإلا فهو أمرٌ حدثٌ، فنظروا فإذا هي لا تعرف، فأخبروه، فقال: في الأمر مهلةٌ، وهذا عند ظهور نبيٌّ (٣). الخبر. وكُتُب الأوائل قد توالَت عليها التحريفاتُ، فلعلَّ المتأخِّرين ألحقُوا هذه المسألةَ بها؛ طعناً في هذه المعجزةٍ، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم. وثانياً - وهو الحقُّ - بأنّها كانت موجودة قبل البعثة لأسباب أُخَر، ولا نُنكر ذلك إلا أنَّه لا يُنافي أنَّها بعد البعثةِ قد تُوجدُ بسببٍ دفع الشياطين وزجرهم. يُروى أنَّه قيل للزهري: أكانَ يُرمَى في الجاهلية؟ قال: نعم. قيل: أفرأيت قولَه تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلِسَّمْعُ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٩] قال: غُلِّظَ وشُدِّد أمرُها حين بُعثَ النبيُّ (٤) وَِّ، وعلى نحو هذا يُخرَّج ما رُوي عن ابن عباس وأبيٍّ ◌ُّ إِنْ صحَّ. (١) مفاتيح الغيب ٦١/٣٠. (٢) أخرجه الترمذي (٣٣٢٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٢)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٣) في هامش (م): يروى أنه أول مَن فزع للرمي بالنجوم هذا الحيُّ من ثقيف، وأنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج، وكان أدهى العرب فقال لهم نحو ما ذكر في هذا الخبر. اهـ منه. وأخرج هذا الأثر ابن سعد في الطبقات ١٦٣/١. (٤) أخرجه أحمد (١٨٨٢)، والترمذي (٣٢٢٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. الآية : ١٨ ٤٢٩ سُورَةَ الحجم وعن الثاني: بأنَّه إذا جاء القَدَرُ عمي البصرُ، فإذا قضَى الله تعالى على طائفةٍ منهم الحرقَ؛ لطغيانهم وضلالهم، قَيَّض لها من الدواعي ما تُقدِم معه على الفعل المفضي إلى الهلاك. وعن الثالث: بأنَّ البعدَ بين الأرض والسماء خمس مئة عام، فأما ثخنُ الفلك فإنَّه لا يكون عظيماً. وعن الرابع: بأنَّه روي عن الزهريِّ، عن علي بن الحسين بن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، عن ابن عباس قال: بينا النبيُّ ◌َّهِ جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رُميَ بنجم فاستنار، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما كنتُم تقولون في الجاهلية إذا حدَثَ مثلَ هذا؟» قالوا: كنّا نقول: يولد عظيمٌ أو يموتُ عظيمٌ، قال عليه الصلاة والسلام: ((فإنَّها لا تُرمَى لموتٍ أحدٍ ولا لحياتِهِ، ولكنَّ ربَّنا تعالى إذا قَضَى الأمرَ في السماء سبَّحَت حملةُ العرشِ، ثم سبَّح أهلُ السماء، وسَبَّح أهلُ كلِّ سماءٍ حتى يَنتهي التسبيحُ إلى هذه السماء، ويَستخبرُ أهلُ السماء حملةَ العرش ماذا قال ربكم؟ فَيُخبرونهم، ولا يزالُ يَنتهي الخبرُ إلى هذه السماء، فيتخطفه الجنُّ، فَيُرمَون، فما جاؤوا به فهو حقٌّ، ولكنَّهم يَزِيدُون فيه))(١). وعن الخامس: بأنَّ النار قد تكونُ أقوى من نارٍ أخرى، فالأقوى تُبطلُ ما دونَها . وعن السادس: بأنَّه إنَّما دامَ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام أَخْبَرَ ببطلان الكهانة(٢)، فلو لم يدُم هذا القذفُ لعادَت الكهانةُ، وذلك يقدَحُ في خبر الرسولِ مَّهـ عن بطلانها . وعن السابع: بأنَّ البعدَ على مذهبنا غيرُ مانع من السماع، فلعلَّه سبحانه وتعالى أَجَرَى عادتَه بأنَّهم إذا وَقَفُوا في تلك المواضع سمعُوا كلامَ الملائكة عليهم السلام. وعن الثامن: بأنَّه لعلَّ الله تعالى أَقْدَرَهم على استماع الغيوبِ من الملائكة وأعجزَهم عن إيصال أسرارِ المؤمنين إلى الكفار. وعن التاسع: بأنَّه عزَّ وجل يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريد. (١) أخرجه أحمد (١٨٨٢) و(١٨٨٣)، ومسلم (٢٢٢٩). (٢) أخرجه البخاري (٣٢١٠)، ومسلم (٢٢٢٨) من حديث عائشة هذا الجزء. جا. وسيأتي ص٤٣٢ من سُوْرَةَ الِهم ٤٣٠ الآية : ١٨ وبهذا يُجابُ عن الأول فيما قيل. وأُجيبَ عن الثاني: بأنَّا نختارُ انقطاعَ الهواء، والسماعُ عندنا بخَلْقِ الله تعالى، ولا يتوقَّفُ على وجود الهواء وتموُّجه، وقد يختارُ عدم الانقطاع، ويقال: إنَّه تعالى شأنه قادرٌ على منع الهواء من التموُّج بحركة هاتيك الأجرام، وكذا هو سبحانه قادرٌ على إسماعهم - مع هاتيك الأصوات الهائلةِ - السرَّ وأخفَى. وعن الثالث: بأنَّ كونَ الثوابتِ في الفَلَك الثامن هو الذي ذَهَب إليه الفلاسفة، واحتجُّوا عليه بأنَّ بعضَها فيه، فيجبُ أنْ يكونَ كلُّها كذلك. أما الأول؛ فلأنَّ الثوابتَ التي تكونُ قريبةً من المنطقةِ تنكسِفُ بالسيَّارات، فوجَبَ أنْ تكونَ الثوابتُ المنكسِفَةُ فوق السيّارات الكاسفة. وأما الثاني؛ فلأنَّها بأسرها متحركة حركةً واحدةً بطيئةً في كلِّ مئة سنة أو أقل على الخلافِ درجةً، فلا بدَّ أنْ تكونَ مركوزةً في كرةٍ واحدةٍ، وهو احتجاجٌ ضعيفٌ، لأنَّه لا يلزمُ من كون بعضِ الثوابتِ فوقَ السيّارات كون كلّها هناك، لأنَّه لا يبعدُ وجودُ كرةٍ تحت كرة القمرِ، وتكونُ في البطء مساويةً لكرة الثوابت، وتكونُ الكواكبُ المركوزةُ فيما يُقارب القطْبَين مركوزةً في هذه الكرة السُّفلية، إذ لا يبعدُ وجودُ كرتَين مختلفَتَين بالصِّغَر والكِبَر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا لا يمتنعُ أنْ تكونَ هذه النجومُ في السماء الدنيا . وقد ذكر الجلالُ السيوطي وغيرُه أنَّه جاء في بعض الآثار أنَّ الكواكبَ معلّقةٌ بسلاسل من نور بأيدي ملائكةٍ في السماء الدنيا يُسيِّرونها حيث شاء الله تعالى وكيف شاء(١)، إلا أنَّ في صحة ذلك ما فيه. على أنَّ ما ذُكِرَ في السؤال من أنَّ ذلك يستلزمُ الخرقَ وهو مما لا يكادُ يقال، إما أنْ يكونَ مبنيًّا على القول بامتناع الخرقِ والالتئام على الفَلَك المحدَّد وغيره، وقد تقرَّر فسادُ ذلك وحقِّق إمكانُ الخرق والالتئام بما لا مزيدَ عليه في غير كتابٍ من كتب الكلام. (١) الأثر في الوسيط ٤٢٨/٤ عن الكلبي وعطاء. الآية : ١٨ ٤٣١ سُورَةُ الِجْ وإما أنْ يكونَ مبنيًّا على مجرَّد الاستبعاد، فهو مما لا يفيدُ شيئاً؛ لأنَّ أكثرَ الممكنات مستبعدَةٌ، وهي واقعةٌ، ولا أظنُّك في مِريةٍ من ذلك، بل قد يقال: نحن لا نلتزمُ أنَّ الكوكبَ نفسَه يتبعُ الشيطان فيحرقَه، والشهابُ ليس نصًّا في الكوكب؛ لِمَا علمتَ ما قيل في معناه، وإنْ قيل: إنَّه بنفسه ينقضُ ويَرمي الشيطانَ ثم يعودُ إلى مكانه لظاهر إطلاق الرجومٍ على النجوم، وقولهم: رُمي بالنجم، مثلاً. وكذا لا نلتزمُ القول بأنَّه ينفصلُ عن الكوكب شعلةٌ كالقبسِ الذي يُؤخَذ من النار فيُرْمَى بها، كما قاله غيرُ واحد، لنحتاجَ في الجواب عن السؤال بما تقدَّم، إذ يجوزُ أنْ يقال: إنَّه يؤثِّر حيث كان بإذن الله تعالى هذه الشعلة المسماة بالشهاب ويحرقُ بها مَن شاء الله تعالى من الشياطين. وإطلاقُ الرجوم على النجوم وقولهم: رمي بالنجم، يحتملُ أنْ يكونَ مبنيًّا على الظاهر للرائي كما في قوله تعالى في الشمس: ﴿تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]. وقال الإمام(١): إنَّ هذه الشهبَ ليسَت هي الثوابت المركوزة في الفلك، وإلا لظهر نقصانٌ كثيرٌ في أعدادها، مع أنَّه لم يوجد نقصان أصلاً. وأيضاً إنَّ في جعلها رجوماً ما يُوجب النقصانَ في زينة السماء، بل هي جنسٌ آخرُ غيرُها، يُحدِثُها الله تعالى ويجعلُها رجوماً للشياطين، ولا يأباه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنَا بِمَصَطِيِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلْشَّيَطِينِ﴾ [الملك: ٥] حيث أفادَ أنَّ تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها؛ لأنَّا نقول: كلُّ نيِّرٍ يحصُل في الجوِّ العالي فهو مصباحٌ لأهل الأرض، إلا أنَّ المصابيح منها باقيةٌ على وجه الدهر آمنةٌ من التغيُّر والفساد، ومنها ما لا یکونُ کذلك، والشھبُ من هذا القسم. وحينئذٍ یزول الإشكال. انتهى. والجرحُ والتعديلُ بين القولَين مفوَّضان إلى شهاب ذهنك الثاقب، وفي أجوبته السابقة رحمه الله تعالى ما لا يخفَى ضعفُه، وكذا شاهدةٌ عليه بقلَّة الاطّلاع على الأخبار الصحيحة المشهورة، ألا ترى قولَه في الجواب عن ثالث الأسئلة التسعة: إِنَّ البعد بين السماء والأرض خمس مئة عام، وأمّا ثِخَنُ الفلك فإنَّه لا يكونُ عظيماً، فإنَّه مخالفٌ لما نطقَت به الشريعةُ وهَذَت به الفلسفة، أما مخالفتُه للأوَّل؛ (١) مفاتيح الغيب ١٢١/٢٦. سُورَةُ الِجْ ٤٣٢ الآية : ١٨ فلأنَّه قد صحَّ أنَّ سَمْكَ كلِّ سماءٍ خمس مئة عام، كما صحَّ أنَّ بين السماء والأرض(١) كذلك. وأما مخالفتُه للثاني؛ فلأنَّه لم يقل أحدٌ من الفلاسفة: إنَّ بين السماء والأرض هذه المسافة التي ذكرها، والأفلاكُ عندَهم مختلفةٌ في الفِّخَن، وقد بيَّنوا ثِخَنَ كلِّ بالفراسخ حسبما ذكر في كتب الأجرام والأبعاد، وذكروا في ثخن المحدَّد ما يشهد بمزيد عظمة الله جلَّ جلاله، لكن لا مستندَ لهم قطعيّ في ذلك، بل إنَّ قولهم: لا فضل في الفلكيَّات مع كونه أشبه شيء بالخطابيَّات ◌ُعگِّرُ عليه. وقوله في الجواب عن السادس: إنَّه إنما دامَ؛ لئلا يقدح انقطاعُه في خبر الرسول ﴿ عن بُطلان الكهانة، فإنَّه مستلزمٌ للدور، إذ الظاهرُ أنَّه عليه الصلاة والسلام إنَّما أخبر بذلك لعلمه بدوام القذفِ المانع من تحقّق ما تتوقّف عليه الكهانة . وفي قوله في الجواب عن الخامس: إنَّ النار قد تكونُ أقوى من نارٍ أخرى فتبطلها، ظاهرٌ في أنَّ الشياطين نارٌ صِرْفة، وليس كذلك، بل الحقُّ أنَّهم يغلبُ عليهم العنصرُ الناريُّ، وقد حصل لهم بالتركيب ولو مع غَلبة هذا العنصرِ ما ليس للنار الصِّرفة، وهو ظاهر. هذا، ثم اعلم أنَّه يجوز أنْ يكونَ استراقُ السمع من الملائكة الذين عند السماء، لا من الملائكة الذين بين كلِّ سماءٍ وسماء، ليجيءَ حديثُ الثخنِ واستبعاد السماع معه، ويشهدُ لهذا ما رواه البخاريُّ عن عروةَ بنِ الزبير عن عائشةً ﴿ قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقولُ: ((إنَّ الملائكةَ تنزلُ في العَنَان - وهو السَّحابُ - فَتَذْكُرُ الأمرَ قُضِيَ في السماء، فَتَستَرِقُ الشياطينُ السمعَ فتسمَعُهُ، فتوحيه إلى الكُهَّان، فيكذِبُون مع الكلمة مئةَ كَذبةٍ مِن عند أنفسِهم)»(٢). ولا يُنافيه ما رواه أيضاً عن عكرمة أنَّه قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: إنَّ النبيَّ وَّ قال: ((إذا قَضَى اللهَ تعالى الأمرَ في السماء ضَرَبَت الملائكةُ أجنحتَها (١) أخرجه الترمذيُّ (٣٢٩٨) من حديث أبي هريرة ◌ُه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨٦/١: رجاله رجال الصحيح. (٢) صحيح البخاري (٣٢١٠)، وأخرجه مسلم (٢٢٢٨). الآية : ١٨ ٤٣٣ خُضْعاناً لقوله سبحانه، كأنَّه سِلْسِلةٌ على صَفْوان، فإذا فُزِّع عن قُلُوبهم قَالُوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ، فيسمَعَها مُستَرِقُ السَّمْع)) الخبر(١)، إذ ليس فيه أكثر من سماع المستَرقِ الكلمةَ بعد قولِ الملائكة عليهم السلام بعضهم لبعض. وعدمُ منافاة هذا لذاك ظاهرٌ عند مَن ألقى السَّمعَ وهو شهيد، وأنَّه ليس في الآيات ما هو نصٌّ في أنَّ ما نراه من الشُّهب لا يكونُ إلا لرَمْي شيطانٍ يسترقُ، بل غايةُ ما فيها أنَّه إذا استرقَ شيطانٌ أَتْبَعَهُ شهابٌ ورمي بنجمٍ، وأينَ هذا من ذاك؟ نعم في خبر الزهريِّ ما يحتاجُ معه إلى تأمُّل، وعلى هذا فيجوزُ أنْ يكونَ حدوث بعضٍ ما نراه من الشُّهب لتصاعد البخار حسبما تقدَّم عن الفلاسفة، وكذا يجوزُ أنْ يكونَ صعودُ الشياطين للاستراق في كلِّ سنةٍ مثلاً مرَّةً، ولا يخفَى نفعُ هذا في الجواب عن السؤال الثاني. ومن الناس مَن أجابَ عنه بأنَّه لا يبعدُ أنْ يكونَ المسترقونَ صنفاً من الشياطين، تقتضي ذواتُهم التصاعدَ نظيرَ تصاعد الأبخرةِ، بل يجوزُ أنْ يكونَ أولئك الشياطينُ أبخرةً تعلَّقَت بها أنفسٌ خبيثةٌ على نحو ما ذكر الفلاسفة من أنَّه قد يتعلَّقُ بذوات الأذناب نفسٌ فتغيبُ وتطلعُ بنفسها. وفيه بحثٌ. ونقل الإمام(٢) عن الجبَّائي أنَّه قال في الجواب عن ذلك: إنَّ الحالةَ التي تعتريهم ليس لها موضعٌ معيَّنٌ، وإلا لم يذهبوا إليه، وإنَّما يُمنَعون من المصير إلى مواضعِ الملائكةِ، ومواضعها مختلفةٌ، فربَّما صاروا على موضعهم فتُصيبهم الشهبُ، وربَّما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا يُصيبهم شيءٌ، فلمَّا هلكوا في بعض الأوقات وسَلِمُوا في بعضها جاز أنْ يصيروا إلى موضعٍ يغلبُ على ظنونهم أنَّها لا تُصيبُهم فيه، كما يجوزُ فيمَن يسلك البحر أنْ يسلكه في موضع یغلب على ظنّه حصول النجاة فيه. وتعقَّبه بقوله: ولقائلٍ أنْ يقول: إنَّهم إِنْ صَعِدُوا فإمَّا أنْ يصلوا إلى مواضع (١) صحيح البخاري (٤٧٠١) و(٤٨٠٠). (٢) مفاتيح الغيب ٢٦/ ١٢١. سُورَةُ الِحُ ٤٣٤ الآية : ١٨ الملائكة، أو إلى غيرها، فإنْ وصلُوا إلى الأول احترقوا، وإن إلى الثاني لم يَظفّروا بمقصودٍ أصلاً، فعلى كلا التقديرَين المقصودُ غيرُ حاصل، فإذا حصلت هذه التجربة وثَبَت بالاستقراء أنَّ الفوزَ بالمقصود مُحالٌ(١) وَجَب أنْ يَمتنِعُوا، وهذا بخلاف حال المسافر في البحر، فإنَّ الغالب على المسافرين فيه الفوزُ بالمقصود، ثم قال: فالأقرب في الجواب أنْ نقولَ: هذه الواقعةُ إنما تتفقُ في الندرة، فلعلَّها لا تشتهرُ بسبب كونها نادرةً فيما بين الشياطين. اهـ. وأنت تعلمُ أنَّ هذا لا يكادُ يتمُّ إلا مع القول بأنَّه ليس كلُّ ما نراه من الشهب يحرقُ به الشياطين، والأمر مع هذا القولِ سهلٌ كما لا يخفى. وذكر البيضاوي أنَّ استراقَ السمع خطفتُهم اليسيرة من قُطَّان السماوات لِمَا بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال مِن أوضاع الكواكب وحركاتها(٢). وذَكَر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] أنَّ السمعَ مشروط بمشاركتهم في صفات الذات وقبول فَيَضان الحقِّ والانتقاش بالصورة الملكوتيةِ، ونفوسُهم خبيئةٌ ظلمانيةٌ شريرةٌ بالذات لا تَقبل ذلك(٣). ولا يخفى ما فيه. فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ الاستراق يقتضي مناسبةَ الجوهر، والسمع التامّ يقتضي المشاركةَ المذكورةَ، وهو لا يتمشّى على أصول الشرع، وفي أنَّ تلقيهم يكونُ من الأوضاع الفلكيَّةِ، وهو مخالفٌ لصريح النَّظْم والأحاديث، مع أنَّه يقتضي أنْ يكونَ قُطَّان السماء بمعنى الكواكب وشمول ((مَن)) شياطين الإنس من المنجمین، وهو كما ترى. وذَكَر هو وغيرُه عن ابن عباس ﴿ّ أنَّ الشياطين كانوا لا يُحجَبُون عن السماوات، فلمَّا وُلد عيسى عليه السلام مُنِعُوا من ثلاث سماوات، ولمَّا وُلد النبيُّ ◌ََّ مُنِعُوا من السموات كلِّها (٤)، اهـ. (١) في (م): محقق، والمثبت من الأصل ومفاتيح الغيب ١٢١/٢٦ . (٢) تفسير البيضاوي (بهامش حاشية الشهاب) ٢٨٧/٥. (٣) تفسير البيضاوي (بهامش حاشية الشهاب) ٢٨/٧. (٤) تفسير البيضاوي (بهامش حاشية الشهاب) ٢٨٧/٥. الآية : ١٩ ٤٣٥ لاَ الِحِجْر ومن الناس من ذهب أخذاً ببعض الظواهر إلى أنَّ المنعَ عند البعثة، والله تعالى أعلم. بَقيَ ها هنا إشكالٌ ذكره الإمامُ مع جوابه فقال: ولقائل أن يقول: إذا جوَّزتم في الجملة أنْ يصعد الشيطانُ إلى السماء ويَسمع أخبارَ الغيوب من الملائكة عليهم السلام ثم يلقيها إلى الكهنة، وَجَب أنْ يخرجَ الإخبارُ عن المغیبات عن كونه معجزاً دالًّا على الصدق؛ لأنَّ كلَّ غيبٍ يُخبرُ عنه الرسولُ عليه الصلاة والسلام يقومُ فيه هذا الاحتمال، ولا يقال: إنَّ الله تعالى أَخبرَ أنَّهم عجزوا عن ذلك بعد مولده وَه لأنَّا نقول: هذا العجزُ(١) لا يمكنُ إثباتُه إلا بعدَ القطع بكونه عليه الصلاة والسلام رسولاً، وبكون القرآن حقًّا، والقطعُ بهذا لا يمكنُ إلا بواسطة المعجِز، وكونُ الإخبار عن الغيوب معجزاً لا يثبتُ إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذٍ يلزم الدور، وهو محال. ويمكنُ أنْ يُجاب عنه بأنَّا نثبت كونَه وَلّه رسولاً بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بثبوت ذلك نقطعُ بأنَّ الله تعالى أَعْجَزَ الشياطينَ عن تلقُّف الغيبِ بهذا الطريق، وعند ذلك يصيرُ الإخبار عن الغيوب معجزاً، ولا يلزمُ الدور(٢). اهـ فتدبَّر، والله سبحانه وليُّ التوفيق وبيده أَزِمَّةُ التحقيق. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا﴾ بسطناها، قال الحسن: أخذ الله تعالى طينةً فقال لها: انبسطي، فانبسطَت. وعن قتادة أنَّه قال: ذُكِرَ لنا أنَّ أمَّ القُرى مكةُ، ومنها دُحَيَت الأرضُ وبُسطَت. وعن ابن عباس أنَّه قال: بسطناها على وجه الماء. وقيل: يحتمل أنْ يكونَ المرادُ: جعلناها ممتدةً في الجهات الثلاث الطولِ والعرضِ والعمقِ، والظاهرُ أنَّ المرادَ بسطُها وتوسعتُها ليحصل بها الانتفاعُ لمن حلَّها، ولا يلزمُ من ذلك نَفْي كرويتها، لِمَا أنَّ الكرةَ العظيمةَ لعظمها تُرى كالسطح المستوي. ونصب ((الأرض)) على الحذف على شريطة التفسير، وهو في مثل ذلك أرجحُ من الرفع على الابتداء، للعطف على الجملة الفعلية، أعني قولَه تعالى: (وَلَقَّدْ (١) في الأصل و(م): المعجز، والمثبت من مفاتيح الغيب، والكلام منه. (٢) مفاتيح الغيب ١٦٩/١٩ - ١٧٠. سُورَةُ الِجم ٤٣٦ الآية : ١٩ جَعَلْنَا) إلخ، وليوافق ما بعدَه أعني قوله سبحانه: ﴿وَلْقَبَّنَا فِيهَا رَوَسِىَ﴾ أي: جبالاً ثوابتَ، جمع راسية جمع راسٍ، على ما قيل. وقد بيَّن حكمةَ إلقاء ذلك فيها في قوله سبحانه: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسَِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قال ابن عباس: إنَّ الله تعالى لما بَسَط الأرضَ على الماء مالَت كالسفينة فأرساها بالجبال الثقال؛ لئلا تميلَ بأهلها، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك(١). وزعم بعضُهم(٢) أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ أنَّه تعالى فعلَ ذلك لتكونَ الجبالُ دالَّةً على طرق الأرض ونواحيها، فلا تميدُ الناسُ عن الجادَّة المستقيمةِ، ولا يقعون في الضلال، ثم قال: وهذا الوجهُ ظاهرُ الاحتمال. وأنت تعلم أنَّه لا يسوغ الذهاب إليه مع وجود أخبارٍ تأباه كالجبال. ﴿وَّنَا فِيَا﴾ أي: في الأرض، وهي إما شاملةٌ للجبال؛ لأنَّها تُعدُّ منها، أو خاصَّةٌ بغيرها؛ لأنَّ أكثرَ النباتِ وأحسنَه في ذلك. وجوِّز أنْ يكونَ الضميرُ للجبال والأرض بتأويل المذكورات مثلاً، أو للأرض بمعنى ما يقابل السماء بطريق الاستخدام، وعوده على الرواسي؛ لقربها، وحملُ الإنبات على إخراج المعادن بعیدٌ. أي: مقدَّر بمقدار معيَّن تقتضيه الحكمةُ، فهو مجازٌ ١٩ ﴿مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونِ مستعمَلٌ في لازم معناه، أو كنايةٌ، أو مِن كلِّ شيءٍ مستحسَنِ متناسبٍ، من قولهم: كلامٌ موزون، وأنشد المرتضَى في ((درره)) لهذا المعنى قولَ عمر بن أبي ربيعة: وَحديثٍ أَلَذَّه وهو ممَّا تَشْتهيه النفوسُ يُوزَنُ وَزْنا (٣) (١) في الآية (٣) من سورة الرعد. (٢) وقع في حاشية (م): هو الإمام الرازي. اهـ منه. وكلامه في تفسيره ١٧١/١٩ . (٣) كذا في حاشية الشهاب ٢٨٨/٥ والكلام منه، ولم نقف عليه في ديوان عمر بن أبي ربيعة، ثم إن المرتضى في أماليه (درره) ١٤/١ نسبه لمالك بن أسامة بن خارجة الفزاري، وكذلك نُسب لمالك في البيان والتبيين ١٤٧/١، والشعر والشعراء ٢٨٢/٢، ومجالس ثعلب ص٥٣١، والأغاني ٢٣٦/١٧، وتاريخ بغداد ٢١٤/١٢، وفصل المقال شرح كتاب الأمثال ٥/١، وتاريخ دمشق ٤٣٩/٤٥ و٣٥٨/٥٦، وسمط اللآلي شرح أمالي القالي ١٦/١، ولسان العرب (لحن). الآية : ٢٠ ٤٣٧ سُورَةُ الِىِّعْرُ وقد شاع استعمالُ ذلك في كلام العجم والمولّدِين، فيقولون: قوامٌ موزون، أي: متناسبٌ معتدِلٌ. أو: ما لَه قدرٌ واعتبارٌ عند الناس في أبواب النعمة والمنفعة، وقال ابنُ زيد: المرادُ ما يوزن حقيقةً كالذهب والفضّة وغيرهما. و(مِن)) كما في ((البحر)) للتبعيض(١)، وقال الأخفش(٢): هي زائدة، أي: كلّ شيءٍ. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِشَ﴾ ما تعيشون به من المطاعم والمشاربِ والملابس وغيرها مما يتعلَّق به البقاء، وهو بياء صريحة. وقرأ الأعرجُ وخارجةُ عن نافع بالهمز، قال ابنُ عطية(٣): والوجهُ تركُه؛ لأنَّ الياءَ في ذلك عينُ الكلمة، والقياسُ في مثله أنْ لا يُبدلَ همزةً، وإنما يُبدل إذا كان زائداً، كياء شمائل وخبائث، ولكن لمَّا كان الياءُ هنا مشابهاً للياء هناك في وقوعه بعد مَدَّةٍ زائدةٍ في الجمع، عُومل معاملتَه على خلاف القياس. عطف على (معايش))، أي: وجعلنا لكم مَن لستُم ﴿وَمَنْ لَّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ ﴾﴾ برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدوابِّ وما أشبهها، على طريقة التغليب كما قال الفراء(٤) وغيرُه. وذكّرهم بهذا العنوانِ؛ لردٌّ حسبان بعض الجهلة أنَّهم يُرتَزَقون منهم، أو لتحقيق أنَّ الله تعالى يرزقُهم وإياهم مع ما في ذلك من عظيم الامتنان. ويجوزُ عطفه على محلِّ ((لكم))، وجوَّز الكوفيون ويونسُ والأخفشُ وصحَّحه أبو حيان العطفَ على الضمير المجرور(٥)، وإنْ لم يُعَد الجارُّ، والمعنى على التقديرَين سواء، أي: وجعلنا لكم معايشَ ولمن لستُم له برازقين. (١) البحر المحيط ٤٥٠/٥. (٢) ينظر معاني القرآن له ١/ ٢٧٢، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٥٠/٥. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٥/٣، وقراءة الأعرج وخارجة السابقة فيه، وفي البحر المحيط ٤٥٠/٥. (٤) ينظر معاني القرآن له ٨٦/٢، والبحر المحيط ٤٥٠/٥. (٥) البحر المحيط ٤٥١/٥، وقول يونس والأخفش فيه. سُورَةُ الِجْر ٤٣٨ الآية : ٢١ وقال الزجاج(١): إنَّ (مَن)) في محلٌّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ والتقدير: وأَعَشْنَا مَن لستُم ... إلخ، أي: أمماً غيرَكم؛ لأنَّ المعنى أعشناكم، وقيل: إنَّه في محلٌ رفعٍ على الابتداء، وخبرُه محذوفٌ لدلالة المعنى عليه، أي: ومَن لستُم له برازقين جعلنا له فيها معايش، وهو خلافُ الظاهر. وقال أبو حيان: لا بأسَ به، فقد أجازوا: ضربتُ زيداً وعمرٌو، بالرفع على الابتداء، أي: وعمرٌو ضربتُه، فحذف الخبر؛ لدلالة ما قبله عليه(٢). وأخرج ابن المنذر وغيرهُ عن مجاهد أنَّ المراد بـ ((مَن لستُم)) إلخ الدوابُ والأنعام(٣)، وعن منصور: الوحش، وعن بعضهم: ذاك والطير. فـ((مَن)) على هذه الأقوال لِمَا لا يعقل. ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ﴾ ((إنْ)) نافية و((مِن)) مزيدةٌ للتأكيد، و((شيءٍ)) في محلِّ الرفع على الابتداء، أي: ما شيءٌ من الأشياء الممكنةِ، فيدخل فيها ما ذُكِرَ دخولاً أوليًّا، والاقتصارُ عليه قصورٌ. وزعم ابنُ جريج وغيرُه أنَّ الشيءَ هنا المطرُ خاصَّة. ﴿إِلَّا عِنْدَنَا خَِّئُهُ﴾ الظرف خبرٌ للمبتدأ، و((خزائنُه)) مرتفعٌ به على أنَّه فاعلُه لاعتماده، أو مبتدأٌ، والظرفُ خبرُه، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول، والخزائنُ جمع خزانة ولا تُفْتَح، وهي: اسمٌ للمكان الذي يُحفَظ فيه نفائسُ الأموال لا غير، غَلَبت - على ما قيل - في العرف على ما الملوك والسلاطين من خَزائن أرزاقٍ الناس، شُبِّهت مقدوراتُه تعالى الفائقة(٤) للحصر المندرجةُ تحت قدرته، الشاملةُ في كونها مستورةً عن علوم(٥) العالمين ومصونةً عن وصول أيديهم مع وفور رغبتهم فيها، وكونها متهيِّئة متأتيةً لإيجاده وتكوينه، بحيث متى تعلَّقَت الإرادةُ بوجودها وُجِدَت بلا تأخّرٍ = بنفائس الأموال المخزونة في الخزائن السلطانية، فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية. قاله غير واحد. (١) ينظر معاني القرآن له ١٧٧/٣، والبحر المحيط ٤٥١/٥ والكلام منه. (٢) البحر المحيط ٤٥١/٥ . (٣) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٩٥/٤، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٧. (٤) في (م): الغائبة. (٥) في الأصل: عيون، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥/ ٧٢. الآية : ٢١ ٤٣٩ سُورَةُ الحِجر وجوّز أنْ يكونَ قد شُبِّه اقتدارُه تعالى على كلِّ شيءٍ وإيجادُه لِمَا يشاء بالخزائن المودَعةِ فيها الأشياء المعدَّة لأَنْ يخرجَ منها ما شاء، فذكر ذلك على سبيل الاستعارة التمثيليَّة، والمرادُ: ما مِن شيءٍ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه. وقيل: الأنسبُ أنَّه مَثَلٌ لعلمه تعالى بكلِّ معلوم، ووجهه - على ما قيل - أنَّه يبقى ((شيء)) على عمومه؛ لشموله الواجب والممكن، بخلاف القدرة، ولأنَّ ((عند)) أنسبُ بالعلم؛ لأنَّ المقدور ليس عنده إلا بعد الوجود. وتُعقّب بأنَّ كون المقدوراتِ في خزائن القدرة ليس باعتبار الوجودِ الخارجيِّ بل الوجود العلمي. وقال قومٌ: الخزائنُ على حقيقتها، وهي الأماكن التي تُحفَظ فيها الأشياءُ وأنَّ للريح مكاناً وللمطر مكاناً، ولكلِّ مكانٍ حَفَظةٌ من الملائكة عليهم السلام، ولا يخفَى أَنَّه لا يمكن مع تعميم الشيء. ﴿وَمَا نُنَزِلُهُ:﴾ أي: ما نُوجِدُ وما نكوِّنُ شيئاً من تلك الأشياء مُلتبساً بشيء من الأشياء ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾﴾ أي: إلّا ملتبساً بمقدارٍ معيَّنٍ تقتضيه الحكمةُ وتستدعيه المشيئةُ التابعةُ لها من بين المقدورات الغير المتناهية، فإنَّ تخصيصَ كلِّ شيءٍ بصفةٍ معيَّنة وقَدْرٍ معيَّنٍ ووقتٍ محدودٍ دون ما عدا ذلك مع استواء الكلِّ في الإمكان(١) وصحةٍ تعلُّق القدرة به لا بدَّ له من حكمةٍ تقتضي اختصاصَ كلٌّ من ذلك بما اختصَّ به، وهذا لبيان سرِّ عدم تكوُّن الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في الخزائن، وهو إمَّا عطفٌ على مقدَّر، أي: ننزِّله، وما ننزّله إلا بقدرٍ إلى آخره، أو حالٌ مما سبق، أي: عندنا خزائنُ كلِّ شيءٍ، والحال أنَّا ما نُنزِّله إلا بقدرٍ إلى آخره. فالأوَّل لبيان سعةِ القدرة، والثاني لبيان بالغ الحكمة. قاله مولانا شيخ الإسلام(٢). وقرأ الأعمشُ: ((وما نرسله إلا)) إلى آخره، وهي على ما في ((البحر)) قراءةُ تَفسير؛ لمخالفتها لسواد المصحف(٣)، والأَوْلَى في التفسير ما ذكرنا، وإنَّما عبّر عن إيجاد ذلك وإنشائه بالتنزيل لِمَا أنَّه بطريق التفضُّل من العالم العلويِّ إلى العالم السفليِّ. (١) في الأصل و(م): الأشكال، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧٢/٥ والكلام منه. (٢) أبو السعود في تفسيره ٧٢/٥. (٣) البحر المحيط ٤٥١/٥. سُودَةُ الِحْم ٤٤٠ الآية : ٢٢ وقيل: لِمَا أنَّ فيه إخراج الشيء مما تميلُ إليه ذاتُه من العدم إلى ما لا تميلُ إليه ذاتُه من الوجود، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ [الزمر: ٦] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. وكأنَّ مَن حمل الشيءَ على المطر غرَّه ظاهرُ التنزيل، فارتكب خلافَ ظاهره جدًّا، وكأنَّه لمَّا كان ذلك بطريق التدريج عبَّر عنه بالتنزيل، وجيء بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. واستدلَّ بعضُ القائلين بشيئيَّةِ المعدوم على ذلك بهذه الآية، وقد بيَّن وجهَهُ والجوابَ عنه الإمامُ (١)، ونحن مع القائلين بالشيئيَّة. ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ﴾ عطف على ((جَعَلنا لكم فيها معايشَ)) وما بينهما اعتراضٌ لتحقيق ما سبَقَ وترشيحِ ما لَحِقَ. واللواقح جمع لاقِح، بمعنى: حامل، يقال: ناقةٌ لاقِحٌ، أي: حاملٌ، ووَصْفُ الرياحِ بذلك على التشبيه البليغ، شُبِّهت الريحُ التي بالسحاب الماطرِ بالناقة الحامل؛ لأنَّها حاملةٌ لذلك السحاب أو للماء الذي فيه. وقال الفرَّاء: إنَّها جمعُ لاقح على النسب كـ : لابن وتامر، أي: ذات لقاح وحمل(٢)، وذهب إليه الراغب (٣)، ويقال لضدِّها: ريحٌ عقيم، وقال أبو عبيدة: (لواقح)) أي: مَلاقِح جمع مُلْقِحة كالطوائح في قوله: لِيُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومةٍ ومُخْتَبٌ مما تُطيح الطّوائحُ(٤) أي: المطاوح، جمع مُطيحَة، وهو مِن ألقَحَ الفحلُ الناقةَ: إذا ألقَى ماءَه فيها لتحمل. والمرادُ مُلقِحات السحاب أو الشجر، فيكونُ قد استُعير اللَّقح لصَبِّ المطر في السحاب أو الشجر، وإسنادُه إليها على الأوَّل حقيقةٌ وعلى الثاني مجازٌ، إذ المُلقي في الشجر السحابُ لا الريحُ. (١) في مفاتيح الغيب ١٩/ ١٧٥ . (٢) ينظر معاني القرآن ٨٧/٢، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٨٩/٥. (٣) مفردات الراغب (لقح). (٤) مجاز القرآن ٣٤٩/١ ونَسَب البيت فيه لنهشل، وتقدم ٣٦٩/٥.