Indexed OCR Text
Pages 321-340
الآية : ٣٧ ٣٢١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ الآتي: ((ليقيموا)) إلخ، ولا يخفى أنَّ الإسكان له حقيقةٌ ولأولاده مجاز، فمَن لم يجوِّز الجمع بين الحقيقةِ والمجاز يرتكبُ لذلك عمومَ المجاز، وهذا الإسكانُ بعدما كان بينه عليه السلام وبينَ أهله ما كان، وذلك أنَّ هاجَرَ أمَّ إسماعيلَ كانت أَمَةً مِن القِبْطِ لسارةً، فوَهَبْها مِن إبراهيم عليه السلام، فلما ولدت له إسماعيلَ غارَت فلم تُقَارَّهُ على كونه معها، فأخرَجَها وابنَها إلى أرض مكة فوضَعَهما عند البيت عند دوحةٍ فوق زمزم في أعلا المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحدٌ وليس بها ماءٌ، ووَضَع عندهما جِرابًا فيه تمرٌ، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قَفيَ منطلقًا، فتبعَتْهُ هاجرُ فقالت: يا إبراهيم أين تذهبُ وتتركُنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيسٌ ولا شيءً. قالت له ذلك مرارًا، وجَعَلَ لا يلتفتُ إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟! قال: نعم (١)، قالت: إذن لا يُضيّعُنا. ثم رجعَت. وانطلق عليه السلام حتى إذا كان عند الثنيَّة حيث لا يرَوْنَه، استقبلَ بوجهه البيتَ، وكان إذ ذاك مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيولُ فتأخذ عن يمينه وشماله، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: ((ربِّ إني أسكنت)) إلى: ((لعلهم یشکرون». ثم إنها جعلَت تُرضِعُ ابنَها وتشربُ ممَّا في السقاء حتى إذا نَفَدَ عطِشَت وعطِشَ ابنُها، وجعلت تنظرُ إليه يَتَلَبَّط(٢)، فانطلقَت كراهيةَ أنْ تنظرَ إليه، فوجَدَت الصفا أقربَ جبلٍ يليها، فقامت عليه، ثم استقبلَت الوادي تنظرُ هل تَرَى أحدًا، فلم تَرَ، فَهَبَطَت حتى إذا بلغَت الوادي رفعَت طرفَ دِرعها، ثم سعَت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوَزَتْه، ثم أَتَت المروةَ فقامت عليها ونَظَرت هل ترى أحدًا فلم تَرَ، ففعلَت ذلك سبعَ مرَّاتٍ، ولذلك سَعَى الناسُ بينهما سبعًا (٣)، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صُه، تريدُ نفسَها، ثم تَسمَّعَت فسمِعَت أيضًا فقالت: قد (١) في هامش (م): وبهذا يبطل استدلال بعض غلاة المتصوفة بالآية على أنَّه يجوز للإنسان أن يضع ولده وعياله في أرض مضيعة: اتكالًا . اهـ منه. (٢) قال ابن حجر في الفتح ٦/ ٤٠١: يتمرَّغ ويضرب بنفسه الأرض. (٣) أخرج البخاري في صحيحه ضمن الحديث (٣٣٦٤) عن ابن عباس أنه قال: قال النبي ت : «فذلك سعيُّ الناس بينهما)). سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٢٢ الآية : ٣٧ أسمعْتَ إن كان عندك غَواتٌ، فإذا هي بالمَلَك عند موضع زَمزَم، فبحث بعَقِهِ حتى ظهر الماء، فجعلَت تُحوِّضُه وتغرف منه في سقائها وهو يفور، فشربَت وأرضعَت ولدَها، وقال لها المَلَك: لا تخافي الضيعةَ فإنَّ ها هنا بيتَ الله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنَّ الله سبحانه لا يُضيعُ أهلَه. ثم إنَّه مرَّت بهما رُفقة من جُرْهُم، فرأوا طائرًا عائفًا(١) فقالوا: لا طيرَ إلا على الماء، فبَعثُوا رسولَهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأمّ إسماعيلَ عنده، فقالوا: أشركينا في مائك نُشركك في ألباننا؟ ففَعَلَت، فلمَّا أدرك إسماعيلُ عليه السلام زوَّجوه امرأةً منهم (٢)، وتمامُ القصة في كتب السير. ﴿بوادٍ غيرِ ذِى نَرع﴾ وهو وادي مكة شرَّفها الله تعالى، ووصفه بذلك دون غیر مزروع؛ للمبالغة، لأنَّ المعنى: ليس صالحًا للزرع، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عَوٍَ﴾ [الزمر: ٢٨] وكان ذلك لحَجَريَّته. قال ابنُ عطية: وإنما لم يَصفْه عليه السلام بالخلوِّ عن الماء مع أنَّه حاله(٣) إذ ذاك؛ لأنَّه كان علمَ أنَّ الله تعالى لا يُضيعُ إسماعيل عليه السلام وأُمَّه في ذلك الوادي، وأنَّه سبحانه يَرزقُهما الماء، فنظر عليه السلام النظر البعيد (٤). وقال أبو حيان بعدَ نقله: وقد يُقال: إنَّ انتفاء كونه ذا زرعٍ مستلزمٌ لانتفاء الماء، إذ لا يمكن أنْ يُوجدَ زرعٌ إلا حيث الماء، فنفَى ما يَتسبَّبُ عن الماء، وهو الزرع، لانتفاء سببه وهو الماء(٥). اهـ. وقال بعضهم: إنَّ طلب الماء لم يكن مهمًّا له عليه السلام لما أنَّ الوادي مظنةٌ السيول، والمحتاج للماء يَدَّخِر منها ما يكفيه، وكان المهمُّ له طلبَ الثمرات، (١) قال ابن حجر في الفتح ٤٠٣/٦: هو الذي يحوم على الماء ويتردد ولا يمضي عنه. (٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس ، وجاء في البخاري: فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم، بدل قوله: فقالوا: أشركينا ... ففعلت. (٣) في الأصل: خال، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز. (٤) المحرر الوجيز ٣٤١/٣. (٥) البحر المحيط ٢٣٧/٥. الآية : ٣٧ ٣٢٣ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ فوصف ذلك بكونه غيرَ صالح للزرع بياناً لكمال الافتقار إلى المسؤول. فتأمَّل. ﴿عِنْدَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ ظرف لـ ((أسكنتُ)) كقولك: صلَّيت بمكةَ عند الركن. وزَعَمَ أبو البقاء أنَّه صفةُ ((وادٍ)) أو بدل منه(١)، واختارَ بعضُ الأجلَّة الأَوَّلَ، إذ المقصودُ إظهارُ كونِ ذلك الإسكان مع فقدان مباديه لمحض التقرُّب إلى الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم، كما يُنبئ عنه التعرُّض لعنوان الحرمة المؤذِن بعزَّة الملتَجَأ وعصمتِهِ عن المكاره، فإنَّهم قالوا: معنى كونِ البيت محرَّمًا أنَّ الله تعالى حرَّم التعرُّض له والتهاونَ به، أو أنَّه لم يزل ممنعًا عزيزًا يهابه كلُّ(٢) الجبابرة في كلِّ عصرٍ، أو لأنَّه منع منه الطوفان فلم يَستولِ عليه، ولذا سمِّي: عتيقًا، على ما قيل(٣)، وأَبعَدَ مَن قال: إنَّه سمِّي محرَّمًا؛ لأنَّ الزائرين يُحرِّمون على أنفسهم عند زيارته أشياءَ كانت حلالًا عليهم، وسمَّاه عليه السلام بيتًا باعتبار ما كان، فإنَّه كان مبنيًّا قبل، وقيل: باعتبار ما سيكون بعدُ، وهو ينزعُ إلى اعتبار عنوان الحرمة كذلك. ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي: لأنْ يقيموا، فاللام جارَّةٌ، والفعل منصوبٌ بـ ((أَنْ)) مضمرة بعدها، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((أَسكنتُ)) المذكور، وتكريرُ النداء وتوسيطُه؛ لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة فإنَّها عمادُ الدين، ولذا خصّها بالذكر من بين سائر شعائره، والمعنى على ما يقتضيه كلامُ غيرٍ واحدٍ على الحصر، أي: ما أسكنتُهم بهذا الوادي البلْقَع الخالي من كلِّ مُرتَفَقٍ ومُرتزق إلا ليقيموا الصلاةَ عند بيتك المحرَّم، ويَعمُرُوه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبَّداتك، مُتَبرِّكين بالبقعة التي شرَّقْتَها على البقاع، مُستَسْعدين بجوارك الكريم، مُتُقرِّبين إليك بالعكوف عند بيتك والطوافٍ به والركوع والسجودِ حولَه، مُستنزلين رحمتك التي آثَرْتَ بها سكّانَ حَرَمك. وهذا الحصر - على ما ذكروا - مستفادٌ من السياق، فإنَّه عليه السلام لما قال: (بوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ)) نَفَى أنْ يكونَ إسكانُهم للزراعة، ولمَّا قال: ((عندَ بيتك المحرَّم)) أثْبتَ أنَّه مكانُ عَبَادةٍ، فلمَّا قال: ((ليقيموا)) أثبتَ أنَّ الإقامة عنده عبادةٌ، وقد نَفَى (١) الإملاء ٤١٠/٣. (٢) ليس في (م). (٣) في هامش (م): وقيل: العتيق: مقابل الجديد. اهـ. منه. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٢٤ الآية : ٣٧ كونها للكسب، فجاء الحصرُ مع ما في ((ربنا)) من الإشارة إلى أنَّ ذلك هو المقصود. وعن مالك أنَّ التعليل يُفيد الحصرَ، فقد استدلَّ بقوله تعالى: ﴿لِّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] على حرمة أكلها(١). وفي ((الكشف)) أنَّ استفادة الحصر من تقدير محذوفٍ مؤخّرٍ يتعلَّق به الجارّ والمجرور، أي: ليقوموا أَسكنتهم هذا الإسكان، أخبر أوَّلًا أنَّه أسگنَهم بوادٍ قَفْرٍ، فأدمجَ فيه حاجتهم إلى الوافدين، وذكر وجه الإيثار، لشرف الجوارِ بقوله: ((عند بيتك المحرَّم)»، ثم صرَّح ثانيًا بأنَّه إنَّما آثر ذلك ليعمُرُوا حَرَمَك المحرَّم، وبنى عليه الدعاء الآتي، ومن الدليل على أنَّه غيرُ متعلِّق بالمذكور تخلُّلُ ((ربَّنا)) ثانيًا بين الفعل ومتعلَّقه، وهذا بَيِّنٌ، ولا وجهَ لاستفادة ذلك من تكرير ((ربَّنا)) إلا مِن هذا الوجه. اهـ. واختار بعضُهم ما ذكرناه أوَّلًا في وجه الاستفادة، وقال: إنَّه معنَّى لطيفٌ، ولا يُنافيه الفصل بالنداء؛ لأنَّه اعتراضٌ لتأكيد الأول وتذکیره، فهو کالمنبّه عليه، فلا حاجةً إلى تعلُّق الجارِّ بمحذوفٍ مؤخّرٍ واستفادةِ الحصر من ذلك، وهو الذي ينبغي أنْ يُعوَّل عليه، وبجَعْلِ النداء مؤكِّدًا للأوَّل يندفعُ ما قيل: إنَّ النداء له صدرُ الكلام فلا يتعلَّق ما بعده بما قبله، فلابدَّ من تقدير متعلَّق، ووجْهُ الاندفاع ظاهرٌ. وقيل: اللامُ لام الأمر، والفعلُ مجزومٌ بها، والمرادُ هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة، كأنَّه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أنْ يُوفِّقهم لها، ولا يخفَى بُعده، وأَبعدُ منه ما قاله أبو الفرج ابنُ الجوزي: إنَّ اللام متعلِّقةٌ بقوله: ((واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نعبدَ الأصنام))(٢). وفي قوله: ((ليقيموا)) بضمير الجمع على ما في ((البحر)) دلالة على أنَّ الله تعالى أعلَمه بأنَّ ولدَه إسماعيل عليه السلام سيعقب هنالك ويكونُ ** (٣) له نسل . ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾ أي: أفئدةً من أفئدتهم ﴿تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تُسرع إليهم شوقًا وودادًا، فـ (من)) للتبعيض، ولذا قيل: لو قال عليه السلام: أفئدةَ الناس، لازدحمَتْ عليهم فارسُ والرومُ، وهو مبنيٌّ على الظاهر من إجابة دعائه (١) الموطأ ٤٩٧/٢، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٧٢/٥. (٢) زاد المسير ٣٦٧/٤، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٣٢/٥. (٣) البحر المحيط ٤٣٢/٥. الآية : ٣٧ ٣٢٥ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ عليه السلام، وكونِ الجمع المضاف يُفيد الاستغراق. وروي عن ابن جبير أنَّه قال: لو قال عليه السلام: أفئدةَ الناس، لحَجَّت البيتَ اليهود والنصارى. وتعقِّب بأنَّه غيرُ مناسبٍ للمقام، إذ المسؤول توجيهُ القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهُها إلى البيت للحجِّ، وإلا لقيل: تهوي إليه، فإنَّه عينُ الدعاء بالبلدية قد حُكي بعبارة أخرى. اهـ. وأنت تعلم أنَّه لا منافاةَ بين الشرطيّة في المرويّ وكون المسؤول توجيهَ القلوب إليهم للمساكنة معهم، وقد جاء نحو تلك الشرطيّة عن ابن عباس ومجاهد كما في ((الدر المنثور)) وغيره(١)، على أنَّ بعضهم جعل هذا دعاءً بتوجيه القلوب إلى البيت، فقد أخرج ابنُ أبي شيبة وابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن الحكم قال: سألتُ عكرمةَ وطاوسًا وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية ((فاجعل)) .. إلى آخره، فقالوا: البيت تَهوي إليه قلوبُهم: يأتونه (٢). وفي لفظٍ قالوا: هواهم إلى مكة: أنْ يحجُّوا(٣). نعم هو خلافُ الظاهر. وجوّز أنْ تكون ((من)) للابتداء كما في قولك: القلب منه سقيم، تريدُ قلبَه، فكأنَّه قيل: أفئدةَ ناسٍ، واعترضَه أبو حيان بأنَّه لا يظهرُ كونُها للابتداء، لأنَّه لا فعلَ هنا يُبْتَدَأُ فيه لغايةٍ ينتهي إليها، إذ لا يصحُّ ابتداءُ جعل أفئدة من الناس(٤). وتعقبه بعضُ الأجلَّة بقوله: وفيه بحثٌ، فإنَّ فعل الهويِّ للأفئدة يُبتَدأُ به لغايةٍ ينتهي إليها، ألا يرى إلى قوله: ((إليهم)). وفيه تأمُّل. اهـ. وكأنَّ فيه إشارةً إلى ما قيل: من أنَّ الابتداء في (مِن)) الابتدائية إنما هو من متعلّقها لا مطلقاً، وإن جعلناها متعلِّقةً بـ ((تهوي)) لا يظهرُ لتأخيره ولتوسيط الجارِّ فائدةٌ . (١) الدر المنثور ٨٧/٤، وأخرجه الطبري ٧٠٠/١٣، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٩٦). (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١١١/٤، وتفسير الطبري ٦٩٩/١٣، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٨٧/٤. (٣) الطبري ٦٩٩/١٣، والجعديات (٢٤٩)، والدر المنثور ٤ / ٨٧. (٤) البحر المحيط ٤٣٢/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٢٦ الآية : ٣٧ وذكر مولانا الشهابُ في توجيه الابتداء وترجيحِهِ على التبعيض كلامًا لا يخلو عن بحثٍ، فقال: اعلم أنَّه قال في ((الإيضاح)): إنَّه قد يكونُ القصدُ إلى الابتداء دونَ أنْ يقصد انتهاء مخصوص إذا كان المعنَى لا يقتضي إلا المبتدأ منه، كـ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وزيدٌ أفضلُ من عمرٍو. وقد قيل: إنَّ جميع معاني ((مِن)) دائرةٌ على الابتداء، والتبعيضُ هنا لا يظهرُ فيه فائدةٌ كما في قوله: ﴿وَهَنَ اٌلْعَظُمُ مِنِى﴾ [مريم: ٤] فإنَّ كون قلب الشخص وعظمه بعضًا منه معنّى مكشوف غير مقصودٍ بالإفادة، فلذا جعلت للابتداء، والظرفُ مستقرٌّ للتفخيم، كأنَّ ميلَ القلب نَشَأ من جملته، مع أنَّ ميلَ جملة كلِّ شخصٍ من جهة قلبه، كما أنَّ سقم قلبِ العاشق نَشَأ منه، مع أنَّه إذا صَلُح صَلُح البدَنُ كلُّه، وإلى هذا نَحَا المحقِّقون من شرَّاح (((الكشاف))، لكنَّه معنّى غامضٌ، فتدبّره(١). والأفئدةُ مفعولٌ أوَّل لـ ((اجعل))، وهو جمعُ: فؤادٍ، وفسَّروه على ما في ((البحر) وغيره بالقلب، لكنْ يقال له(٢): فؤاد، إذا اعتُبر فيه معنى التفوُّد، أي: التوقُّد، يقال: فأدْتُ اللحمَ، أي: شويتُه، ولحمٌ فئيدٌ، أي: مشويٌّ، وقيل: الأفئدة هنا: القِطَعُ من الناس، بلغة قريش، وإليه ذهب ابنُ بحر. والمفعولُ الثاني جملة (تهوي))، وأصلُ الهويِّ: الهبوط بسرعةٍ، وفي كلام بعضهم السرعةُ، وكان حقُّه أنْ يُعدَّی باللام كما في قوله: حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الوليدِ لها طارَتْ وفي كفِّه مِن رِيْشها بِتَكُ(٣) وإنما عُدِّي بـ ((إلى)) لتضمينه معنى الميل كما في قوله: ما مؤمنُ الجنِّ كأنجاسها (٤) تَهويْ إلى مكةً تبغي الهدَی (١) حاشية الشهاب ٢٧٣/٥. (٢) ليس في الأصل. (٣) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في شرح ديوانه ص١٧٥، واللسان (كفف)، ووقع في (م): تبك، بدل: بتك. وبتك: قطع، واحدها: بتكة، شرح ثعلب. (٤) البيت من هواتف الجانٌّ، هُتف به لسواد بن قارب ﴿ه، وأخرج قصة إسلامه مع الشِّعر أبو نعيم في الدلائل (٦٢)، وذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب ٢٩٥/٤، وابن كثير في البداية والنهاية ٥٦٣/٣ وما بعد، وابن حجر في الإصابة ٢٩٤/٤، وعجز البيت يُروى بعدَّة روايات متقاربة، ينظر البداية والنهاية. وأصل القصة أخرجها البخاري (٣٨٦٦). الآية : ٣٧ ٣٢٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ولما كان ما تقدَّم كالمبادي لإجابة دعائه عليه السلام وإعطاء مسؤوله جاء بالفاء في قوله: ((فاجعل)) إلى آخره. وقرأ هشام: ((أَفْئِيدَة) بياءٍ بعد الهمزةِ، نصَّ عليه الحُلواني عنه (١)، وخُرِّج ذلك على الإشباع كما في قوله : أعوذُ بالله مِن العَقْرابِ الشائلاتِ عُقَدَ الأذنابِ(٢) ولمَّا كان ذلك لا يكونُ إلا في ضرورة الشعر عند بعضهم قالوا: إنَّ هشامًا قرأ بتسهيل الهمزة كالياء، فعبَّر عنها الراوي بالياء، فظنَّ مَن أخطأ فهمه أنَّها بياءٍ بعد الهمزة، والمرادُ بياء عوضًا من الهمزة. وتعقّب ذلك الحافظُ أبو عمرو الداني: بأنَّ النقَلَةَ عن هشام كانوا مِن أعلم الناس بالقراءة ووجوهها، فهم أجلُّ مِن أنْ يُعتَقدَ فيهم مثل ذلك(٣). وقرئ: ((آفدة)) على وَزْن: ضاربة(٤)، وفيه احتمالان: أحدهما: أنْ يكون قُدِّمَت فيه الهمزةُ على الفاء فاجتمع همزتان(٥)، ثانيتُهما ساكنةٌ فقُلبت ألفًا، فوزْنُه: أَعْفِلة، كما قيل في ((أَدْوُر)) جمع (دار))، قُلِبَت فيه الواوُ المضمومةُ همزةً، ثم قُدِّمت وقُلبت ألفًا فصار: آدُر. وثانيهما: إنَّه اسم فاعلٍ من: أَفِدَ يأَفَدُ، بمعنى: قَرُبَ وَدَنا، ويكون بمعنى عَجِلَ وهو صفةٌ لمحذوف، أي: جماعة أو جماعات آفِدة. وقرئ: ((أَفِدة)) بفتح الهمزة من غير مدٍّ، وكسر الفاء بعدها دال(٦)، وهو إمَّا صفة (١) التيسير ص ١٣٥، والنشر ٢٩٩/٢. (٢) البيت في الجمل للفراهيدي ص٢٤٤، وضرائر الشعر ص٣٣، ورسالة الملائكة ص٢١٣، والمغني ص٤٨٧، واللسان (سبسب)، وتاج العروس (عقرب)، واللباب ٣٩٧/١١ دون نسبة. (٣) ينظر النشر ٢٩٩/٢ - ٣٠٠. (٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٩ لابن كثير، وهي في الكشاف ٢/ ٣٨٠، والبحر المحيط ٤٣٢/٥، وحاشية الشهاب ٢٧٣/٥، والكلام الآتي منه أيضًا. (٥) قبلها في الأصل: فيه. (٦) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٩ لعيسى بن عمر، وهي في الكشاف ٢/ ٣٨٠، والبحر المحيط ٥/ ٤٣٢. سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٣٢٨ الآية : ٣٧ من أَفِد بوزن: خشنة، فيكونُ بمعنى آفدة في القراءة الأُخرَى، أو أصلُه أفئدة، فتُقْلَت حركةُ الهمزة إلى ما قبلها ثم طُرِحَت، وهو وجهٌ مشهورٌ عند الصرفيين والقرَّاء. قال الأوَّلون: إذا تحرَّكت الهمزةُ بعد ساكنٍ صحيح تبقى، أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف، ولا يجوزُ جعلُها بَيْنَ بَيْن؛ لما فيه من شبه التقاء الساكنَين، وقال صاحب ((النشر)) من الآخرين: الهمزةُ المتحركة بعد حرفٍ صحيح ساكنٍ كـ : مسؤولًا وأفئدة وقرآن وظمآن، فيها وجهٌ واحدٌ وهو النقلُ، وحُكي فيه وجهٌ ثانٍ وهو بَيْنَ بَيْن، وهو ضعيفٌ جدًّا، وكذا قال غيرُه منهم(١)، فما قيل: إنَّ الوجه إخراجُها بَیْنَ بَیْنِ، لیس بالوجه. وقرأت أمُّ الهيثم: ((أفوٍدة)) بالواو المكسورة بدل الهمزة، قال صاحب ((اللوامح)): وهو جمعُ: وَقْد، والقراءة حسنة، لكنِّي لا أعرفُ هذه المرأة، بل ذکرها أبو حاتم(٢). اهـ. وقال أبو حيان(٣): يحتمل أنَّه أبدل الهمزةَ في فؤاد، ثم جُمع وأُقرِّت الواو في الجمع إقرارَها في المفرد، أو هو جَمع وَفْد كما قال صاحب ((اللوامح)) وقُلب، إذ الأصلُ: أوفدة، وجَمْعُ فَعْل على أَفْعِلَة شاذٌّ، نحو نجد وأنجدة، ووَهْي وأَوهية، وأمُّ الهيثم: امرأةٌ نُقِل عنها شيءٌ من لغات العرب. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿هَا: ((إفادَة)) على وزن إمَارَة (٤)، ويظهرُ أنَّ الهمزة بدلٌ من الواو المكسورة كما قالوا: إشَاح في وشاح، فالوزن: فِعالة، أي: فاجعل ذوي وِفادة، ويجوزُ أنْ يكونَ مصدر أَفاد إفادةً، أي: ذوي إفادة، وهم الناس الذين يُفيدون ويُنْتَفَع بهم. وقرأ مسلمةُ بنُ عبد الله: (تُهوَى، بضمِّ التاء مبنيًّا للمفعول(٥)، من أهوى المنقول بهمزة التعدية من هَوِي اللازم، كأنه قيل: يسرع(٦) بها إليهم. (١) ينظر النشر ٤٠٨/١ و٤٣٣، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٧٣/٥. (٢) البحر المحيط ٤٣٢/٥. (٣) البحر المحيط ٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣. (٤) البحر المحيط ٤٣٣/٥. (٥) المحتسب ٣٦٤/١، والبحر المحيط ٤٣٣/٥. (٦) في الأصل: تسرع، والمثبت من (م) والبحر المحيط. الآية : ٣٧ ٣٢٩ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وجماعة من أهله ومجاهد: ((تَھوی)» مضارع هَوي (١)، بمعنى: أحبَّ، وعدِّي بـ: ((إلى))؛ لما تقدَّم. ﴿وَأَرْزُقْهُمْ﴾ أي: ذرِّيَّتي الذين أسكنتُهم هناك، وجوّز أن يريدَهم والذين ينحازون إليهم من الناس، وإنما لم يخصَّ عليه السلام الدعاء بالمؤمنين منهم كما في قوله: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الَْخِ﴾ [البقرة: ١٢٦] اكتفاءً - على ما قيل - بذكر إقامة الصلاة. ﴿مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ من أنواعها، بأن تجعلَ بقربهم قُرَى يحصلُ فيها ذلك، أو تُجَبَى إليهم من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كلا الأمرين، حتى إنَّه يجتمعُ في مكة المكرمةَ البواكير (٢) والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعيَّة والصيفيَّة والخريفيَّة في یومٍ واحد. أخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن محمد بنِ مسلم الطائفي أنَّ الطائف كانت من أرض فلسطينَ، فلمَّا دعا إبراهيمُ عليه السلام بهذه الدعوة رَفَعها الله تعالى ووَضَعها حيث وضعها رزقًا للحرم(٣). وفي رواية: أنَّ جبريل عليه السلام اقتلعها فجاء وطافَ بها حولَ البيت سبعًا، ولذا سُمِّيت الطائف ثم وَضَعها قريبَ مكة(٤). وروي نحو ذلك عن ابن عباس ﴿. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الزهري أنَّ الله تعالى نَقَل قريةً من قُرَى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام(٥). والظاهر أنَّ إبراهيمَ عليه السلام لم يكن مقصودُه من هذا الدعاءِ نقلَ أرضٍ مُنبتةٍ من فلسطينَ أو قريةٍ من قُرَى الشام، وإنَّما مقصودُه عليه السلام أنْ يرزقَهم سبحانه من الثمرات، وهو لا يتوقَّف على النقل، فليُنْظَر ما وجهُ الحكمة فيه، وأنا لستُ على يقينٍ من صحَّته ولا أُنكر - والعياذ بالله تعالى - أنَّ الله جلَّ وعلا على كلِّ شيءٍ قديرٍ، وأنه سبحانه يفعلُ ما يشاء ويحكم ما يريد. (١) المحتسب ٣٦٤/١، والبحر ٤٣٣/٥. (٢) في الأصل: البوكير، والمثبت من (م) والبحر المحيط ٤٣٣/٥. (٣) الطبري ٧٠١/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٣٠/١. (٤) البحر المحيط ٤٣٣/٥. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٠/١. سُورَةُ إبرَاهِيمَ ٣٣٠ الآية : ٣٨ ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ تلك النعمةَ بإقامة الصلاة وأداء سائر مراسم العبوديَّة، ٧ واستدلَّ به على أنَّ تحصيلَ منافع الدنيا إنما هي ليُستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات، ولا يخفى ما في دعائه عليه السلام من مراعاة حسنِ الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعَرْض الحاجة واستنزال الرحمة واستجلاب الرأفة، ولذا مَنَّ عليه بحُسن القَبول وإعطاء المسؤول، ولا بِذْعَ في ذلك من خليل الرحمن عليه السلام. ﴿رَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ﴾ من الحاجات وغيرها، وأخرج ابنُ أبي حاتم عن إبراهيمَ النخعي أنَّ مرادَه (١) عليه السلام ما نُخفي من حبٍّ إسماعيلَ وأُمِّه، وما نُعلنُ لسارةَ من الجفاء لهما(٢). وقيل: ما نُخفي من الوَجْد لما وقَعَ بيننا من الفرقة، وما نعلنُ من البكاء والدعاء، وقيل: ما نُخفي من كآبة الافتراق، وما نعلن مما جَرَى بيننا وبين هاجرَ عند الوداع من قولها: إلى مَن تَكِلُنا؟ وقولي لها: إلى الله تعالى. و((ما)) في جميع هذه الأقوال موصولةٌ، والعائدُ محذوف، والظاهرُ العموم، وهو المختار. والمرادُ بـ ((ما نُخفي)) على ما قيل ما يقابل ((ما نعلن)) سواء تعلَّقَ به الإخفاءُ أو لا ، أي: تعلم ما نُظهرُه وما لا نظهرُه، فإنَّ علمه تعالى متعلِّقٌ بما لا يخطر بباله عليه السلام من الأحوال الخفيَّة، وتقديمُ ((ما نُخفي)) على ((ما نُعلنُ)) لتحقيق المساواة بينهما في تعلُّق العلم على أبلغ وجهٍ، فكأنَّ تعلُّقه بما يُخفي أقدمُ منه بما يُعلن، أو لأنَّ مرتبةَ السرِّ والخفاء متقدِّمةٌ على مرتبة العَلَن، إذ ما مِن شيءٍ يُعلَن إلا وهو قبل ذلك خفيٌّ، فتعلَّقُ علمه تعالى بحالته الأولى أقدمُ من تعلَّقه بحالته الثانية. وجعل بعضُهم ((ما)) مصدريةً، والتقديمُ والتأخيرُ؛ لتحقيق المساواة أيضاً، ومن هنا قيل: أي: تعلمُ سرَّنا كما تعلم علننا. والمقصودُ من فحوى كلامه عليه السلام أنَّ إظهار هذه الحاجاتِ وما هو من مباديها وتَتمَّاتها ليس لكونها غيرَ معلومةٍ لك، بل إنَّما هو لإظهار العبودية، (١) في الأصل: أنه مرادة. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٤/ ٨٧ عن ابن عباس الآية : ٣٨ ٣٣١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ والتخشُّع لعظمتك، والتذلَّل لعزَّتك، وعَرْض الافتقار لما عندك، والاستعجال لنيل أياديك. وقيل: أراد عليه السلام أنَّك أعلمُ بأحوالنا ومصالحنا وأرحمُ بنا من أنفسنا فلا حاجةَ لنا إلى الطلب، لكنْ ندعوك لإظهار العبوديّة .. إلى آخره، وقد أشار السهروردي إلى أنَّ ظهورَ الحال يُغني عن السؤال بقوله: عليلٌ ومَن أشكو إليه عليلُ ويَمنعُني الشكوى إلى الناس أنَّني عليمٌ بما أشكوه قبل أقولُ(١) ويَمنعُني الشكوى إلى الله أنَّه وتكريرُ النداء؛ للمبالغة في الضراعة والابتهال، وضميرُ الجماعة - كما قال بعضُ المحقّقين - لأنَّ المراد ليس مجرَّدَ علمه تعالى بما يُخفي وما يُعلن، بل بجميع خفايا الملك والملكوت، وقد حقَّقه عليه السلام بقوله على وجه الاعتراض: ﴿وَمَا ج﴾ لما أنَّ عِلْمَه تعالى ذاتيٍّ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلومٌ دون معلوم. وقال أبو حيَّان: لا يظهرُ تفاوتٌ بين إضافة ((ربَّ)) إلى ياء المتكلِّم وبين إضافته إلى جمع المتكلِّم (٢). اهـ. ومما نقلنا يُعلَم وجهُ إضافة ((ربَّ)) هنا إلى ضمير الجمع، ولا أدري ماذا أراد أبو حيان بكلامه هذا، وما يرد عليه أظهرُ مِن أنْ يخفَى، وإنما قال عليه السلام: ((وما يخفَى)) إلى آخره، دون أن يقول: ويعلم ما في السماوات والأرض؛ تحقيقاً لما عناه بقوله: ((تعلمُ ما نُخفي)) من أنَّ علمه تعالى بذلك ليس على وجهٍ يكونُ فيه شائبةُ خفاءٍ بالنسبة إلى علمه تعالى، كما يكون ذلك بالنسبة إلى علوم المخلوقات. وكلمةُ (في)) متعلِّقة بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((شيء)) أي: لشيءٍ كائنٍ فيهما أعمُّ من أنْ يكونَ ذلك على وجه الاستقرار فيهما، أو على وجه الجزئيَّة منهما، وجوِّز أنْ تتعلَّق بـ ((یخفی) وهو كما ترى. (١) البيتان للأمير تميم بن المعز كما في زهر الآداب ١/ ٤٣٤ بنحوهما، وهما بتمامهما في حاشية الشهاب ٢٧٣/٥ -٢٧٤ دون نسبة. (٢) البحر المحيط ٤٣٣/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٣٢ الآية : ٣٩ وتقديمُ ((الأرض)) على ((السماء)) مع توسيط ((لا)) بينهما باعتبار القُرب والبعد مِنَّا المستعدَّين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا. والمراد من ((السماء) ما يشمل السماوات كلَّها، ولو أُريد من ((الأرض)» جهةُ السفل، ومن ((السماء)» جهةُ العلوِّ كما قيل، جاز(١). والالتفاتُ من الخطاب إلى الاسم الجليل؛ للإشعار بعلَّة الحكم والإيذان بعمومه؛ لأنَّه ليس بشأنٍ يختصُّ به أو بمَنْ يتعلَّق به، بل شاملٌ لجميع الأشياء، فالمناسبُ ذكرُه تعالى بعنوانٍ مُصَحِّح لمبدئيَّة الكُلِّ. وعن الجبَّائي أنَّ هذا من كلام الله تعالى شأنه واردٌ بطريق الاعتراض لتصديقه عليه السلام كقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والأكثرون على الأوَّل. و((مِن)) على الوجْهَين؛ للاستغراق. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ﴾ أي: مع كِبَرِ سِنَّي ويأسي عن الولد، فـ (على) بمعنى ((مع)) كما في قوله: إِنِّي على ما تَرَيْن من کِبَرِي أَعرفُ مِن أينَ تُؤكلُ الكتفُ(٢) والجارُّ والمجرور في موضع الحال، والتقييد بذلك؛ استعظاماً للنعمة وإظهاراً لشكرها، ويصحُّ جعل ((على)) بمعناها الأصلي، والاستعلاء مجازيٌّ كما في (البحر))(٣)، ومعنى استعلائه على الكِبَر أنَّه وَصَل غايتَه، فكأنَّه تجاوَزَه وعلا ظهرَه، كما يقال: على رأس السنة، وفيه من المبالغة ما لا يخفَى. وقال بعضُهم: لو كانت للاستعلاء لكان الأنسبُ جَعْلِ الكِبَر مستعلياً عليه، كما في قولهم: عليَّ دَيْنٌ، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَتْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] بل الكبر أولى بالاستعلاء منهما حيث يَظهرُ أثرهُ في الرأس: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] نعم يُمكن أنْ تَجري على حقيقتها بجعلها متعلِّقةً بالتمكّن والاستمرار، أي: متمكِّناً (١) في هامش (م): قيل: وهو أوفق بإفراد السماء. اهـ منه. (٢) كتاب الأمثال ص ١٠٠، وفصل المقال ص ١٤٢، وتفسير الرازي ١٣٨/١٩، والبحر المحيط ٠٤٣٤/٥ (٣) البحر المحيط ٤٣٤/٥. الآية : ٣٩ ٣٣٣ سُودَةُ إبرَاهِيمٌ مستمرًّا على الكبر، وهو الأنسبُ لإظهار ما في الهيئة من الآية حيث لم يكُن في أَوَّل الكبر. اهـ. وفيه غفلةٌ عمَّا ذكرنا. ﴿إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقُّ﴾ روي عن ابن عباس ◌ِ﴿ّ أنَّهِ وُهِبَ له إسماعيل وهو ابنُ تسع وتسعين سنة، ووُهِبَ له إسحاق وهو ابنُ مئةٍ واثنتي عشرةَ سنة، وفي روايةٍ أَّه ولد له إسماعيل لأربع وستِّين، وإسحاق لسبعين، وعن ابن جبير: لم يُولد لإبراهيم عليه السلام إلا بعد مئةٍ وسبعَ عشرةَ سنة. ﴿إِنَّ رَبِ﴾ ومالكَ أمري ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَِّ ﴾﴾ أي: لَمِجِيْبُه، فالسمع بمعنى القَبول، والإجابةُ مجازٌ كما في: ((سمع الله لمن حمده))(١)، وقولهم: سمع المَلِكُ كلامَه: إذا اعتدَّ به وقَبِلَه، وهو فَعيلٌ من أمثلة المبالغة، وأَعمَلَه سيبويه(٢) وخالفَ في ذلك جمهورَ البصريِّين، وخالفَ الكوفيُّون فيه(٣) وفي إعمال سائر أمثلتها، وهو - إذا قلنا بجواز عملِهِ - مضافٌ لمفعولِهِ إِنْ أُريدَ به المستقبل، وقيل: إِنَّه غيرُ عاملٍ؛ لأنَّه قصد به الماضي أو الاستمرار. وجوَّز الزمخشريُّ أنْ يكونَ مضافاً لفاعله المجازيِّ، فالأصلُ: سميعٌ دعاؤُه، بجعل الدعاءِ نفسِه سامعاً، والمراد أنَّ المدعوَّ - وهو الله تعالى - سامعٌ(٤). وتعقّبه أبو حيَّان بأنَّه بعيدٌ؛ لاستلزامه أنْ يكونَ من باب الصفة المشبَّهة، وهو متعدٍّ، ولا يجوزُ ذلك إلا عند الفارسيِّ حيث لا يكونُ لَبْسٌ، نحو: زيدٌ ظالم العبيد، إذا عُلِمَ أنَّ له عبيداً ظالمين، وها هنا فيه إلباس؛ لظهور أنَّه من إضافة المثال للمفعول(٥). انتهى، وهو كلامٌ متينٌ. والقولُ بأنَّ اللَّبْسَ منتفٍ، لأنَّ المعنَى على الإسناد المجازيِّ، كلامٌ واهٍ؛ لأنَّ المجاز خلاف الظاهر، فاللَّبس فيه أشدُّ .. (١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس بن مالك وتقدم ٣١٧/٢. (٢) الكتاب ١/ ١١٠، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٣٤/٥. (٣) في الأصل: في ذلك، والمثبت من (م) والبحر المحيط ٤٣٤/٥. (٤) الكشاف ٣٨١/٢، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٧٤/٥. (٥) البحر المحيط ٤٣٤/٥، وكلام الفارسي منه. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٣٤ الآية : ٤٠ ومثلُه القول بأنَّ عدم اللَّبس إنَّما يُشترط في إضافته إلى فاعله على القطع، وهذا كما قال بعضُ الأجلَّة مع كونه من تَتَمَّة الحمد والشكر، لما فيه من وَصْفه تعالى بأنَّ قبولَ الدعاء عادتُه سبحانه المستمرَّةُ تعليلٌ على طريق التذييل للهبة المذكورة، وفيه إيذانٌ بتضاعف النعمةِ فيها حيث وقعَت بعد الدعاء بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فاقترنَت الهبةُ بقَبول الدعوة. وذكر بعضُهم أنَّ موقع قوله: ((الحمد لله)) وتذييله موقع الاعتراض بين أدعيته عليه السلام في هذا المكانِ تأكيداً للطلب بتذكير ما عَهِدَ من الإجابة، يتوسَّل إليه سبحانه بسابق نعمته تعالى في شأنه، كأنَّه عليه السلام يقول: اللهمَّ استجب دعائي في حقِّ ذرّيَّتي في هذا المقام، فإِنَّك لم تزل سميعَ الدعاء، وقد دعوتُك على الكبر أنْ تهَبَ لي ولداً فأجبتَ دعائي ووهبتَ (١) لي إسماعيل وإسحاق، ولا يخفى أنَّ إسحاق عليه السلام لم يكن مولوداً عند دعائه عليه السلام السابق، فالوجهُ أنْ لا يجعل ذلك اعتراضاً، بل يحمل على أنَّ الله تعالى حكى جُملاً مما قاله إبراهيم عليه السلام في أحايينَ مختلفةٍ تشتركُ كلُّها فيما سيقَ له الكلامُ من كونه عليه السلام على الإيمان والعمل الصالح وطلب ذلك لذرِّيَّته وأنَّ ولده الحقيقيَّ من تَبِعَه على ذلك، فَتَرَك العنادَ والكفرَ، وقد ذكر هذا صاحبُ ((الكشف». ومما يعضدُه ما أخرجه ابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إلخ: قال هذا بعد ذلك بحين(٢) . ووحَّد عليه السلام الضميرَ في ((رب)) وإنْ كان عقيب ذكر الولَدين؛ لما أنَّ نعمة الهبةِ فائضةٌ عليه عليه السلام خاصَّةً، وهما من النعم لا مِن المُنعَم عليهم. ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ﴾ معدِّلاً لها، فهو مجازٌ من: أقمتُ العودَ: إذا قَوَّمْتَه، فأراد(٣) بهذا الدعاء الديمومةَ على ذلك، وجوَّز بعضُهم أنْ يكون المعنى مواظباً عليها، وبعضُ عظماء العلماء أخذَ الأمرَين في تفسير ذلك على أنَّ الثاني قيدٌ (١) في (م): وهبت. والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي ٥/ ٢٧٤ . (٢) عزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٤/ ٨٧. (٣) في (م): وأراد. الآية : ٤٠ ٣٣٥ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ للأوَّل، مأخوذٌ من صيغة الاسم والعدول عن الفعل، كما أنَّ الأوَّل مأخوذٌ من موضوعه على ما قيل، فلا يلزمُ استعمالُ اللفظِ في معنَين مجازيَّيْن. وتوحيدُ ضمير المتكلِّم مع شمول دعوته عليه السلام لذرِّيَّته أيضاً حيث قال: ﴿وَمِن ذُرِيَّتِى﴾ للإشعار بأنَّه المقتدى في ذلك، وذرِّيَّته أتباعٌ له (١)، فإنَّ ذِكرَهم بطريق الاستطراد، ((ومِن)) للتبعيض، والعطفُ كما قال أبو البقاء على مفعول ((اجعل)) الأول، أي: ومِن ذَرِّيَتي مقيمَ الصلاة(٢). وفي ((الحواشي الشهابيَّة)): أنَّ الجارّ والمجرور في الحقيقة صفةٌ للمعطوف على ذلك، أي: وبعضاً مِن ذرِّيَّتي، ولولا هذا التقديرُ كان ركيكاً (٣)، وإنَّما خصَّ عليه السلام هذا الدعاء ببعض ذرِّيَّته؛ لعلمه من جهته تعالى أنَّ بعضاً منهم لا يكونُ مقيمَ الصلاة، بأنْ يكونَ كافراً أو مؤمناً لا يصلِّي. وجوِّز أنْ يكونَ عَلِمَ من استقرائه عادةَ الله تعالى في الأمم الماضيةِ أنْ يكونَ في ذرِّيَّتْه مَن لا يُقيمُها، وهذا كقوله: ﴿وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّقِنَّآ أُمَُّ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٣٥)﴾ ظاهرُه: دعائي هذا المتعلّق بجَعْلي وجَعْل بعضٍ ذرِّيَّتي مقيمي الصلاة، ولذلك جيء بضمير الجماعة، وقيل: الدعاء بمعنى العبادة، أي: تقبَّل عبادتي. وتعقّب بأنَّ الأنسبَ أنْ يُقال فيه: دعاءنا حينئذ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وهبيرة عن حفص: ((دعائي)) بياء ساكنة في الوصل (٤)، وفي رواية البزِّيِّ عن ابن كثير أنَّه يصلُ ويقفُ بياء(٥)، وقال قنبل: إنَّه يشمُّ الياء في الوصل ولا يُثبتُها ويقفُ عليها بالألف(٦). (١) في الأصل: تبع، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥٤/٥. (٢) الإملاء ٤١١/٣. (٣) حاشية الشهاب ٢٧٤/٥. (٤) التيسير ص ١٣٥، والنشر ٣٠١/٢ وهي قراءة ورش وأبي جعفر، وقراءة هبيرة عن حفص في جامع البيان للداني ٢٣٥/٢، ومجمع البيان ٢٢٥/١٣، وهي خلاف المشهور عن حفص. (٥) التيسير ص١٣٥، والنشر ٣٠١/٢ وهي قراءة يعقوب أيضاً. (٦) مجمع البيان ٢٢٥/١٣، وعنه نقل المصنّف القراءات. سُ لَهُ ابْرَاهِيم ٣٣٦ الآية : ٤١ ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ﴾ أي (١): ما فرط منِّي ممَّا أعدُّه ذنباً ﴿وَلَوَالِدََّّ﴾ أي: لأمِّي وأبي، وكانت أمُّه على ما روي عن الحسن مؤمنةً، فلا إشكال في الاستغفار لها . وأما استغفارُه لأبيه فقد قيل في الاعتذار عنه إنَّه كان قبل أنْ يَتبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله سبحانه، والله تعالى قد حَكَّى ما قاله عليه السلام في أحايينَ مختلفة، وقيل: إنَّه عليه السلام نَوَى شرطيَّةَ الإسلام والتوبة، وإليه ذهب ابن الخازن(٢). وقيل: أرادَ بوالده نوحاً عليه السلام، وقيل: أراد بوالده آدمَ وبوالدته(٣) حوَّاءَ عليهما السلام، وإليه ذهب بعضُ مَن قال بكفر أُمِّه، والوجْهُ ما تقدَّم. وقالت الشيعة: إنَّ والديه عليه السلام كانا مؤمنَين، ولذا دعا لهما، وأمَّا الكافر فأبوه، والمرادُ به عمُّه أو جدُّه لأُمِّه، واستدلُّوا على إيمان أبويه بهذه الآية، ولم يرضوا ما قيل فيها حتى القول الأولَ؛ بناءً على زعمهم أنَّ هذا الدعاءَ كان بعد الكِبَر وهِبَةِ إسماعيل وإسحاق عليهما السلام له، وقد كان تبيَّن له في ذلك الوقت عداوة أبيه الكافر لله تعالى. وقرأ الحسن بن عليٍّ ﴿يَا وأبو جعفر محمد وزيد ابنا عليٍّ وابنُ يعمر والزهريُّ والنخعيُّ: ((ولولَدَي)) بغير ألف وبفتح اللام، تثنية: ولد، يعني بهما إسماعيل وإسحاق، وأنكر عاصم الجحدريُّ هذه القراءة ونقل أنَّ في مصحف أبيٍّ: ((ولأَبوَي))، وفي بعض المصاحف: ((ولذريتي)) (٤)، وعن يحيى بنٍ يعمر: ((ولوُلْدي)) بضمِّ الواو وسكون اللام(٥)، فاحتمل أنْ يكون جمعَ ولدٍ كـ : أُسْدٍ فِي أَسَد، وَيَكون قد دعا عليه السلام لذرِّيَّته، وأنْ يكونَ لغةً في الولد كما في قول الشاعر: فليتَ زياداً كان في بطن أُمِّه وليت زياداً كان وُلْدَ حمارٍ (٦) (١) قوله: أي: ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥٤/٥. (٢) تفسير الخازن ٤/ ٥٠. (٣) في الأصل: والدته، والمثبت من(م). (٤) المحتسب ٣٦٥/١، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٣، والكشاف ٣٨٢/٢، والبحر المحيط ٤٣٤/٥. (٥) المحتسب ٣٦٥/١، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٣، والبحر المحيط ٤٣٤/٥. (٦) اللسان (ولد)، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٣، والبحر المحيط ٤٣٤/٥. الآية : ٤٢ ٣٣٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ومثل ذلك العَدَمُ والعُدْمُ، وقرأ ابنُ جبير: ((ولوالدِيْ)) بإسكان الياء(١) على الإفراد كقوله: واغفر لأبي. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً من ذرِّيَّته وغيرِهم، ومِن هنا قال الشعبي فيما رواه عنه ابنُ أبي حاتم: ما يسرُّني بنصيبي من دعوة نوحٍ وإبراهيمَ عليهما السلام للمؤمنين والمؤمنات حُمرُ النَّعَم(٢). وللإيذان باشتراكَ الكلِّ في الدعاء بالمغفرة جيء بضمير الجماعة. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾﴾ أي: يثبت ويتحقَّق، واستعمال القيام فيما ذكر إمَّا مجازٌ مرسلٌ أو استعارةٌ، ومن ذلك: قامت الحربُ والسوقُ، وجوّز أنْ يكونَ قد شبَّه الحساب برجل قائم على الاستعارة المكنيَّة، وأثبتَ له القيام على التخييل، وأنْ يكون المرادُ: يقومُ أهلُ الحساب، فحذفَ المضاف، أو أسندَ إلى الحساب ما لأهله مجازاً. وجعل ذلك العلّامة الثاني في شرح ((التلخيص)) مثل: ضَرَبَه التأديبَ، مما فيه الإسنادُ إلى السبب الغائيِّ، أي: يقومُ أهلُه لأجله. وذكر السيالكوتي إنَّه إنما قال مثله؛ لأنَّ الحساب ليس ما لأجله القيام حقيقةً، لكنَّه شبيهٌ به في ترتُّبه عليه، وفيه بحث. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ خطابٌ لكلِّ مَن تَوهَّم غفلتَه تعالى، وقيل: للنبيِّ وَ﴿ كما هو المتبادر، والمرادُ مِن النهي تثبيتُه عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه من عدم ظنٍّ أنَّ الغفلة تصدرُ منه عزَّ شأنُه كقوله تعالى: تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]، ﴿وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨١] أي: دُمْ على ذلك، وهو مجازٌ كقوله تعالى: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] وفيه إيذانٌ بكون ذلك الحسبانِ واجب الاحترازِ عنه في الغاية حتى نَهَى عنه مَن لا يُمكن تعاطيه . وجوّز أنْ يكونَ المرادُ من ذلك على طريق الكناية أو المجاز بمرتَبَتَين الوعيدِ والتهديدٍ، والمعنى: لا تحسبنَّ الله تعالى يترُكُ عقابَهم لِلُظُفِهِ وگَرمِهِ، بل هو معاقبُهم على القليل والكثير. وأنْ يكونَ ذلك استعارةً تمثيليَّة، أي: لا تحسبنَّه تعالى يُعاملُهم معاملةَ الغافل (١) المحتسب ٣٦٥/١، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٣، والبحر المحيط ٤٣٥/٥. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٨٧/٤. سُورَةُ ابْرَاهِيمَةٌ ٣٣٨ الآية : ٤٢ عمَّا يعملون، ولكن معاملة الرقيب المحاسِبِ على النقير والقِظْمير، وإلى هذه الأوجه أشار الزمخشري(١). وتُعقِّبَ الوجهُ الأولُ بأنَّه غيرُ مناسبٍ لمقام النبوَّة؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يُتُوهَّمُ منه عدمُ الدوام على ما هو عليه من عدم الحسبانِ لُيُثَّت، وفيه نظر. وفي ((الكشف)) الوجْهُ هو الأوَّل؛ لأنَّ في إطلاق الغافل عليه سبحانه - وإنْ كان على المجاز - رِكَّةً يُصانُ كلام الله تعالى عنها، وفي الكناية النظرُ إلى المجموع، فلم يَجْسُر العاقل عليه تعالى عنه، ويجوز أنْ يكون الأوَّلُ مجازاً في المرتبة الثانية بجَعْل عدم الغفلةِ مجازاً عن العلم، ثم جَعْلُه مجازاً عن الوعيد غيرُ سديدٍ؛ لعدم منافاة إرادةِ الحقيقة . والأسلم من القيل والقال ما ذكرناه أوَّلاً من كون الخطابِ لكلِّ مَن تَوهَّم غفلتَه سبحانه وتعالى فهو (٢) لغير معيَّن، وهو الذي اختاره أبو حيَّان(٣)، وعن ابن عيينة: أنَّ هذا تسليةٌ للمظلوم(٤) وتهديدٌ للظالم، فقيل له: مَن قال هذا؟ فغضب، وقال: إنَّما قاله مَن علمه. وقد نقل ذلك في ((الكشاف))(٥)، فاستظهر صاحب ((الكشف)) كونه تأييداً لكون الخطابٍ لغير مُعيَّن . وجوّز أنْ يكون جارياً على الأوجه، إذ على تقدير اختصاص الخطاب به عليه الصلاة والسلام أيضاً لا يخلو عن التسلية للطائفتين، فتأمَّل. والمرادُ بالظالمين: أهلُ مكة الذين عُدَّتْ مساويهم فيما سبق، أو جنسُ الظالمين، وهم داخلون دخولاً أوليًّا، والآيةُ على ما قال الطيبي: مردودةٌ إلى قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُواْ) و(قُل لِعِبَادِىَ)، واختارَ جعلَها تسليةً له عليه الصلاة والسلام وتهديداً للظالمين على سبيل العموم. وقرأ طلحة: ((ولا تَحْسَب)) بغير نون التوكيد(٦). (١) الكشاف ٣٨٢/٢. (٢) قوله: فهو، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٧٥/٥. (٣) البحر المحيط ٤٣٥/٥. (٤) في هامش (م): وروي نحوه عن ميمون بن مهران. ا هـ منه. (٥) ٣٨٢/٢. (٦) المحرر الوجيز ٣٤٤/٣، والبحر المحيط ٤٣٥/٥. الآية : ٤٢ ٣٣٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ﴾ يُمهلُهم متمتِّعين بالحظوظ الدنيوية ولا يُعجِّلُ عقوبتَهم، وهو استئنافٌ وقع تعليلاً للنهي السابق، أي: لا تحسبنَّ الله تعالى غافلاً عن عقوبة أعمالهم لما تَرَى من التأخير، إنما ذلك لأجل هذه الحكمة، وإيقاعُ التأخيرِ عليهم مع أنَّ المؤخّرَ إنما هو عذابُهم، قيل: لتهويل الخطْبٍ وتَفظيعِ الحال ببيان أنَّهم متوجّهون إلى العذاب مُرْصَدون لأمرٍ ما، لا أنَّهم باقون باختيارهم، وللدلالة على أنَّ حقَّهم من العذاب هو الاستئصالُ بالمرَّة، وأنْ لا يبقَى منهم في الوجود عينٌ ولا أثرٌ، وللإيذان بأنَّ المؤخّر ليس من جملة العذابٍ وعنوانه، ولو قيل: إنَّما يُؤخِّرُ عذابَهم، لَمَا فُهم ذلك. وقرأ السلميُّ والحسنُ والأعرجُ والمفضل عن عاصم ويونسُ بنُ حبيب عن أبي عمرو وغيرُهم: ((نُؤخّرهم)) بنون العظمة(١)، وفيه التفات. ﴿لِيَوْمٍ﴾ هائلٍ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ ﴾﴾ أي: ترتفعُ أبصارُ أهل الموقف، فيدخل في زُمرتهم الظالمون المعهودون دخولاً أوليًّا، أي: تبقَى مفتوحةً لا تَطِرِفُ - كما قال الراغب(٢) - مِن هَول ما يَرَونه، وفي ((البحر)): شَخَصَ البصر،: أحدَّ النظر ولم يَستقرَّ مكانه(٣)، والظاهرُ أنَّ اعتبار عدم الاستقرار لجعْلِ الصيغة مِن: شَخَصَ الرجلُ من بلده: إذا خَرَج منها، فإنَّه يلزمُه عدم القرارِ فيها، أو من: شُخِصَ بفلان: إذا وَرَد عليه ما يُقْلِقُه، كما في ((الأساس))(٤). وحمل بعضُهم الألف واللام على العهد، أي: أبصارُهم؛ لأنَّه المناسب لما بعده، والظاهرُ لِمَا (٥) روي عن قتادة، فقد أخرج عبدُ بنُ حميد وغيرُه عنه أنَّه قال في الآية: شَخَصَت(٦) فيه والله أبصارُهم فلا ترتدُّ إليهم(٧). واختار بعضُهم حَمْلَ ((أل)) على العموم، قال: لأنَّه أبلغُ في التهويل، ولا يلزم (١) القراءات الشاذة ص٦٩، والمحرر الوجيز ٣٤٥/٣، والبحر المحيط ٤٣٥/٥. (٢) مفردات الراغب (شخص). (٣) البحر المحيط ٤٢٩/٥ . (٤) أساس البلاغة (شخص). (٥) في (م): مما، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٧٥/٥. (٦) في الأصل: تشخصت، والمثبت من (م) والمصدر. (٧) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٨٨/٤، وأخرجه الطبري ٧٠٤/١٣. سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٣٤٠ الآية : ٤٣ عليه التكريرُ مع بعض الصفات الآتية، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما قيل فيه. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعينَ إلى الداعي، قاله ابنُ جبير وقتادة، وقيَّده في ((البحر)) بقوله: بذلَّةٍ واستكانةٍ كإسراع الأسيرِ والخائفِ(١). وقال الأخفشُ: مقبلين للإصغاء، وأنشد: بدجلةَ دارهم ولقد أراهم بدجلةَ مُهطعين إلى السماع (٢) وقال مجاهد: مُديْمِينَ النظرَ لا يَطرِفُون، وقال أحمدُ بنُ يحيَى: المهطع: الذي ينظرُ في ذُلِّ وخشوعٍ لا يقلع بصره (٣). وروَى ابنُ الأنباري أنَّ الإمطاع: التجميح، وهو: قبضُ الرّجلِ ما بين عينَيه(٤)، وقيل: إنَّ الإهطاعَ: مدُّ العُنُقِ، والهَطْعُ: طولُ العنق، وذكر بعضُهم أنَّ أَهْطَعَ وَطَع بمعنىٌ، وأنَّ كلَّ المعاني تدورُ على الإقبال. ﴿مُقْنِعِى رُءُوسِمْ﴾ رافعيها مع الإقبال بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفاتٍ إلى شيءٍ، قاله ابنُ عرفة والقتيبي (٥) . وأنشد الزجَّاج قولَ الشَّمَّاخِ يصِفُ إبلاً تَرْعَى أعلا الشجر: نَواجِذُهنَّ كالحَدَأ الوَقيعِ(٦) يُباكِرْنَ العِضاهَ بمُقْنَعَاتٍ وأنشدَه الجوهريُّ لكون الإقناع انعطافَ الأسنان إلى داخل الفم، يقال: فمٌ مُقْنَعٌ، أي: معطوفةٌ أسنانُهُ إلى داخلهَ، وهو الظاهر (٧). وفسَّر ابنُ عباس ◌ِّ المُقْنِعِ بالرافع رأسه أیضاً، وأنشد له قولَ زهير: (١) البحر المحيط ٤٣٥/٥. (٢) البحر المحيط ٤٣٥/٥، والبيت ليزيد بن مُفرِّغ، وهو في ديوانه ص ١١٠، وفيه: أهلها، بدل: دارهم. (٣) قال أحمد بن يحيى ثعلب في مجالسه ص٢٠: المهطع: الذي يرفع رأسه في ذلِّ. (٤) إيضاح الوقف والابتداء ص٦٦ - ٦٧، والدر المنثور ٨٨/٤. (٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٣٣، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٢٩/٥. (٦) معاني القرآن وإعرابه ١٦٦/٣، والبيت في ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني ص٢٢٠، وفيهما: يبادرن، بدل: يباكرن. (٧) الصحاح (قنع).