Indexed OCR Text

Pages 281-300

الآية : ٢٧
٢٨١
سُورَةُ إبرَاهِيمٌ
أوَّلُ الآفات وعنوانُ المخافات ورأسُ الشقاوات، فخبتُه أظهرُ من أنْ يخفَى، وليس
له حجّةٌ ولا ثباتٌ ولا قوَّةٌ، بل هو داحضٌ غيرُ ثابت. اهـ. وهو كلامٌ حسنٌ لكن
فيه مخالفةٌ لظواهر كثيرٍ من الآثار، فتأمَّل.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّاتِ﴾ الذي ثبت عندهم وتمگَّن في قلوبهم،
وهو الكلمةُ الطيبة التي ذُكِرَت صفتُها العجيبة، والظاهرُ أنَّ الجارَّ متعلِّقٌ بـ ((يُثَبِّثُ))
وكذا قوله سبحانه: ﴿فِ الْيَّةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يُثبِّتُهم بالبقاء على ذلك مدَّةً حياتهم
فلا يَزِلُّون (١) إذا قُيِّضَ لهم مَن يفتنهم ويُحاول زلَلَهم عنه كما جرى لأصحاب
الأخدود(٢) ولجرجيس وشمسون، وكما جرى لبلال وكثيرٍ من أصحاب
رسولِ الله ◌ِ﴾﴾﴾ و
﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ أي: بعد الموت، وذلك في القبر الذي هو أوَّلُ منزلٍ من
منازل الآخرةِ، وفي مواقف القيامة، فلا يتلعثَمون إذا سُئلوا عن مُعتقدهم هناك
ولا تُدهشُهم الأهوالُ.
وأخرج ابنُ أبي شيبة عن البراء بن عازب أنَّه قال في الآية: التثبيتُ في الحياة
الدنيا إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر قالا له: مَن ربُّك؟ قال: ربِّي الله، قالا:
وما دينُك؟ قال: ديني الإسلام، قالا(٣): ومَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمدٌ وَّةِ(٤).
وعلى هذا فالمرادُ من ((الآخرة)) يوم القيامة.
وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) وابنُ مردويه عن أبي سعيد الخدري قال:
سمعتُ رسول الله وَّه يقول في هذه الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ﴾ إلخ: ((في الآخرةِ:
القَبْر))(٥). وعلى هذا فالمرادُ بـ ((الحياة الدنيا)) مدَّة الحياة، وإلى ذلك ذهب جمهورُ
(١) في (م): يزالون.
(٢) سيأتي ذكر قصتهم وتخريجها عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلَ أَعْحَبُ اٌلْأُخْدُودِ ﴾ من سورة
البروج.
(٣) في الأصل و(م): قال، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة.
(٤) المصنف لابن أبي شيبة ٣٧٧/٣، وأخرجه بنحوه مرفوعًا أحمد (١٨٥٧٥)، ومسلم
(٢٨٧١).
(٥) المعجم الأوسط (٥٥٧٤)، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٧٩/٤، قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٤/٧: فيه عطية العوفي وهو ضعيف.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٢٨٢
الآية : ٢٧
العلماء واختاره الطبريُ(١). نعم اختار بعضُهم أنَّ ((الحياة الدنيا)) مدة حياتهم،
و((الآخرة)) يوم القيامة والعَرْض؛ وكأنَّ الداعي لذلك عمومُ ((الذين آمنوا)) وشمولهم
المؤمني الأُمم السابقة مع عدم عمومٍ سؤالِ القبر.
وجوِّز تعلُّق الجارِّ الأول بـ ((آمنوا)) على معنى: آمنوا بالتوحيد الخالص،
فوخَّدوه ونزَّهوه عمَّا لا يليقُ بجنابه سبحانه، وكذا جوِّز تعلَّق الجارِّ الثاني
بـ ((الثابت)).
ومن الناس مَن زَعَم أنَّ التثبيت في الدنيا الفتحُ والنصرُ، وفي الآخرة الجنةُ
والثوابُ، ولا يخفَى أنَّ هذا مما لا يكادُ يُقال، وأمرُ تعلُّقِ الجارّين ما قدَّمنا، وهذا
عند بعضهم مثالُ إيتاء الشجرةِ أُكُلَها كلَّ حين.
﴿وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ﴾ أي: يخلق فيهم الضلالَ عن الحقِّ الذي نَّبَّت المؤمنين
عليه حسب إرادتهم واختيارهم الناشئ عن سوء استعدادهم، والمرادُ بهم الكفرةُ
بدليل مقابلتهم بـ ((الذين آمنوا)) ووَصَفهم بالظلم إمّا باعتبار وضعهم للشيء في غير
موضعه، وإمَّا باعتبار ◌ُلمهم لأنفسهم، حيث بدَّلوا فطرةَ الله تعالى التي فَطَر الناسَ
عليها، فلم يهتدوا إلى القول الثابت، أو حيث قلَّدوا أهلَ الضلال وأعرضُوا عن
البينات الواضحةِ، وإضلالُهم - على ما قيل - في الدنيا أنَّهم لا يثبتون في مواقف
الفتنِ وتَزِلُّ أقدامُهم أول شيءٍ، وهم في الآخرة أضلُّ وأزلُ.
وأخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم والبيهقيُّ من حديث ابن عباس ظِّمًا أنَّ الكافر
إذا حضَرَه الموتُ تنزلُ عليه الملائكةُ عليهم السلام يضربون وجْهَه ودُبُرَه، فإذا دخل
قبرَه أُقعِدَ فقيل له: مَن ربُّك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساهُ الله تعالى ذكرَ ذلك،
وإذا قيل له: مَن الرسولُ الذي بُعِثَ إليكم؟ لم يهتدِ له ولم يرجع إليهم شيئاً، فذلك
قوله تعالى: (وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَ)(٢).
٢٧
﴾ من تَثْبيت بعضٍ وإضلالِ بعضٍ آخرين حسبما تُوجبُه
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
(١) في تفسيره ١٣/ ٦٦٧.
(٢) تفسير الطبري ٦٦٧/١٣ - ٦٦٨، وعذاب القبر للبيهقي ص٣١، وعزاه لابن أبي حاتم
السيوطي في الدر المنثور ٧٩/٤.

الآية : ٢٨
٢٨٣
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
مشيئته التابعةُ للحكم البالغة المقتضية لذلك، وفي إظهار الاسم الجليل في
الموضعين من الفخامة وتربيةِ المهابة ما لا یخفی، مع ما فیہ ۔ کما قيل - من
الإيذان بالتفاوت في مبادي التثبيت والإضلال، فإنَّ مبدأ صدورٍ كلٍّ منهما عنه
سبحانه وتعالى من صفاته العُلا غير ما هو مبدأ صدورِ الآخر، وفي ظاهر الآية من
الردِّ على المعتزلة ما فيها.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ُ تَعجيبٌ لرسول اللهِ وَّهِ أو لكلِّ أحدٍ مما صنَعَ الكفرةُ من الأباطيل،
أي: ألم تنظر ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَلَهِ﴾ أي: شُكرَ نعمتِهِ تعالى الواجب عليهم،
ووَضعوا موضعَه ﴿كُفْرَا﴾ عظيماً وغَمْظًا لها، فالكلامُ علی تقدیر مضافٍ حُذف
وأُقيمَ المضافُ إليه مقامَه، وهو المفعول الثاني، و((كفرًا)) المفعولُ الأوَّلُ، وتوهّم
بعضُهم عكس ذلك.
وقد لا يحتاجُ إلى تقديرٍ على معنى أنَّهم بدَّلوا النعمةَ نفسَها كفرًا؛ لأنَّهم
لمَّا كفروها سُلبوها، فبقوا مسلوبيها موصوفین بالكفر، وقد ذكر هذا کالأول
الزمخشريُ(١)، والوجهان كما في ((الكشف)» - خلافاً لما قرَّره الطيبي وتابعه
عليه غيرُه - مثَّفقان في أنَّ التبديل ها هنا تغييرٌ في الذات، إلا أنَّه واقعٌ بين
الشكر والكفر، أو بين النعمة نفسها والكفر، والمرادُ بهم أهلُ مكة، فإنَّ الله
سبحانه أسكنَهم حَرَمَه، وجعَلَهم قُوَّامَ بيته، وأكرمهم بمحمد بَِّ، فكفروا
نعمةَ الله تعالى بدل ما ألزمهم من الشكر العظيم، أو أصابَهم الله تعالى بالنعمة
والسعةِ لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمتَه سبحانه، فضَرَبهم جلَّ جلاله بالقحطِ
سبعَ سنينَ، وقُتلوا وأُسروا يومَ بدر، فحصل لهم الكفر بدلَ النعمة، وبقيَ ذلك
طوقًا في أعناقهم.
وأخرج الحاكمُ وصحَّحه وابنُ جرير والطبرانيُّ وغيرُهم من طرقٍ عن عليٍّ
كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال في هؤلاء المبدِّلين: هما الأفجران من قريش: بنو أميةً
وبنو المغيرة؛ فأمَّا بنو المغيرة فقَطَعَ الله تعالى دابرَهم يوم بدر، وأما بنو أميةَ فَمُتِّعوا
إلی حین(٢).
(١) الكشاف ٣٧٧/٢.
(٢) المستدرك ٢/ ٣٥٢، وتفسير الطبري ٦٧٠/١٣، والطبراني في الأوسط (٧٧٦).

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٢٨٤
الآية : ٢٩
وأخرج البخاريُّ في ((تاريخه)) وابنُ المنذر وغيرُهما عن عمر رقُه مثل
ذلك(١). وجاء في رواية كما في ((جامع الأصول)): ((هم والله كفارُ قريش))(٢).
أخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ًّا أنَّه قال: هم جبلةُ بنُ الأيهم والذين
أَّبعوه من العرب، فلحقوا بالروم(٣). ولعلَّه رَهُ لا يُريد أنَّها نزلَت في جبلةَ ومَن
معه؛ لأنَّ قصتهم كانت في خلافة عمرَ رَظُه، وإنَّما يُريد أنَّها تخصُّ مَن فَعَلَ فِعْلَ
جبلةَ إلى يوم القيامة.
﴿وَأَحَلُوا﴾ أي: أَنزَلُوا ﴿قَوَمَهُمْ﴾ بدعوتهم إياهم لما هم فيه من الضلال، ولم
يتعرَّض لحلولهم لدلالة الإحلال عليه، إذ هو فرعُ الحلول كما قالوا في قوله
تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]. ﴿دَارَ
الْبَوَارِ
أي: الهلاك، مِنْ بار يُبُور بَوَارًا وبَوْرًا، قال الشاعر:
٢٨
فلم أرَ مثلَهِمْ أبطالَ حَرْبٍ غداةَ الحرب إذ خِيفَ البَوارُ(٤)
وأصلُه - كما قال الراغبُ - فرطُ الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدِّي إلى
الفساد كما قيل: كَسَد حتى فَسَد، عبَّر به عن الهلاك(٥).
وجَهَنََّ﴾ عطفُ بيان للدار، وفي الإبهام ثم البيان ما لا يخفَى من التهويل،
وأَعربه الحوفيُّ وأبو البقاء بدلًا منها(٦).
وقوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: يُقاسون حرَّها، حالٌ من الدار، أو من
((جهنم))، أو من ((قومهم))، أو استئنافٌ لبيان كيفيَّةِ الحلولِ، وجوَّز أبو البقاء كون
(جهنم)) منصوبًا على الاشتغال، أي: يصلون جهَّمَ يصلونها، وإليه ذهب ابنُ
(١) التاريخ الكبير ٣/ ٣٧٣ بنحوه، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٨٤/٤،
وأخرجه أيضًا الطبري ١٣/ ٦٦٩ .
(٢) جامع الأصول ٢/ ٢٠٤، وهي رواية عن علي ظه، وأخرجها عنه النسائي في الكبرى
(١١٢٠٣)، والطبري ٦٧١/١٣، والبيهقي في الدلائل ٩٥/٣.
(٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥.
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٣٦/٣ - ١٣٧.
(٥) مفردات ألفاظ القرآن (بور).
(٦) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٠٥/٣ .

الآية : ٣٠
٢٨٥
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
عطية(١)، فالمرادُ بالإحلال حينئذ تعريضُهم للهلاك بالقتل والأَسْر، وأُيِّد بما روَى
عطاء أنَّ الآية نزلَت في قتلَى بدر(٢)، وبقراءة ابن أبي عبلة: ((جهنمُ)) بالرفع على
الابتداء، ويحتملُ أن يكونَ ((جهنم)) على هذه القراءة خبرَ مبتدأ محذوفٍ، واختاره
أبو حيان(٣) معلِّلاً بأنَّ النصب على الاشتغال مرجوحٌ من حيث إنَّه لم يتقدّم
ما يُرجِّحه ولا ما يجعله مساويًا، وجمهورُ القراء على النصب، ولم يكونوا
ليقرؤوا بغير الراجح أو المساوي، إذ: زيدٌ ضربتُه، بالرفع أرجحُ من: زيدًا
ضربتُه، فلذلك كان ارتفاعُه على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ في تلك القراءة راجحًا.
وأنت تعلم أنَّ قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) يرجح التفسير
السابق.
﴾ على حذف المخصوصِ بالذمِّ، أي: بئس القرار هي،
٢٩٠
أي: جهنمُ، أو بئس القرارُ قرارُهم فيها، وفيه بيانُ أنَّ حلولَهم وَصَلْيهم على وجه
الدوام والاستمرار.
﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ
﴿وَجَعَلُواْ﴾ عطفٌ على ((أَحلُّوا)) أو ما عطف عليه داخلٌ معه في حيِّز الصلة
وحكم التعجيب، أي: جعلوا في اعتقادهم وحكمهم ﴿لِلِّ﴾ الفردِ الصمد الذي
ليس كمثله شيءٌ وهو الواحدُ القهار ﴿أَنْدَادًا﴾ أمثالًا في التسمية، أو في العبادة،
وقال الراغب: نِدُّ الشيءٍ: مشاركُه في جوهره، وذلك ضربٌ من المماثلة، فإنَّ
المِثْلَ يقال في أيِّ مشاركةٍ كانت، فكلُّ نِدٍّ مِثلٌ، وليس كلُّ مِثلِ ندَّا (٤). ولعلَّ
المعوّل عليه هنا ما أشرنا إليه.
﴿لَيُضِلُواْ﴾ قومَهم الذين يُشايعونهم حسبما ضلُّوا ﴿عَن سَبِهِ﴾ القويم الذي هو
التوحيدُ، وقيل: مقتضَى ظاهر النظم الكريم أن يذكر كفرانَهم نعمةَ الله تعالى، ثم
كفرانَهم بذاته سبحانه باتِّخاذ الأنداد، ثم إضلالَهم لقومهم المؤدِّي إلى إحلالهم دار
البوار، ولعلَّ تغييرَ الترتيب لتثنية التعجيب وتكريره والإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدٍ من هذه
(١) المحرر الوجيز ٣٣٨/٣.
(٢) أخرجه الطبري ١٣ / ٦٧٦ .
(٣) البحر المحيط ٤٢٤/٥، وفيه قراءة ابن أبي عبلة.
(٤) مفردات ألفاظ القرآن (ندَّ).

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٢٨٦
الآية : ٣٠
الهَنَات يقضي منه العجب، ولو سيقَ النظمُ على نَسَقِ الوجود لَربَّما فُهِم التعجيبُ
من المجموع، وله نظائر في الكتاب الجليل.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو ورُويس عن يعقوب: ((لَيَضِلُّوا)) بفتح الياء(١)، والظاهرُ
أنَّ اللام في القراءتين مثلها في قوله تعالى: ﴿فَالْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُنَ لَهُمْ
عَدُوًّا وَحَزًَّا﴾ [القصص: ٨]، وذلك أنَّه لمّا كان الإضلال أو الضلال نتيجةً للجعل
المذكور شُبِّه بالغرض والعلَّة الباعثة، فاستُعمل له حرفُه على سبيل الاستعارة
التبعية، قاله غيرُ واحد. وقيل عليه: إنَّ كونَ الضلال نتيجةً للجعل الله سبحانه أندادًا
غير ظاهر، إذ هو مَّحدٌ معه أو لازمٌ لا ينفكُّ عنه، إلا أنْ يُراد الحكم به أو دوامُه.
وردًّ بأنَّهم مشركون لا يعتقدون أنَّه ضلالٌ، بل يزعمون أنَّه اهتداءٌ، فقد ترتّب
على اعتقادهم ضدُّه، على أنَّ المراد بالنتيجة ما يترتَّب على الشيء أعمُّ من أنْ
یکون من لوازمه أولًا ، وفيه تأمُّل.
﴿قُلْ﴾ لأولئك الضالين(٢) المتعجّب منهم: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بما أنتم عليه من
الشهوات التي من جملتها تبديلُ نعمة الله تعالى كفرًا، واستتباع الناس في الضلال،
وجعل ذلك متمتّعًا به تشبيهًا له بالمُشتَهيات المعروفة لتلذَّذهم به كتلذَّذهم بها، وفي
التعبير بالأمر - كما قال الزمخشري(٣) - إيذانٌ بأنَّهم لانغماسهم بالتمتُّع بما هم
عليه، وأنَّهم لا يعرفون غيرَه ولا يُريدونه، مأمورونَ به، قد أَمرَهم آمرٌ مطاعٌ
لا يَسَعُهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمرًا دونَه، وهو آمر الشهوة؛ وعلى هذا
يكونُ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾﴾ جوابَ شرطٍ ينسحب عليه الكلام
على ما أشار إليه بقوله، والمعنى: إنْ دُمتُم على ما أنتم عليه من الامتثال لآمر
الشهوة، فإنَّ مصيرَكم إلى النار، ويجوز أنْ يكون الأمرُ مجازًا عن التخلية
والخذلان، وأنَّ ذلك الآمر مُتَسخِّطُ إلى غاية، ومثالُه أنْ ترى الرجل قد عزم على
أمرٍ، وعندك أنَّ ذلك الأمرَ خطأً، وأنَّه يؤدِّي إلى ضرر عظيم، فتبالغُ في نصحه
واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تَرَ منه إلا الإباء والتصميم، حردتَ عليه وقلتَ: أنت
٠
(١) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٩/٢.
(٢) في (م): الضلال.
(٣) الكشاف ٣٧٨/٢.

الآية : ٣١
٢٨٧
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
وشأنك، فافعل ما شئتَ، فلا تريدُ بهذا حقيقةً الأمر، ولكنَّك كأنك تقول: فإذ قد
أبيتَ قبولَ النصيحة فأنت أهلٌ ليقالَ لك: افعل ما شئتَ وتُبعث عليه، ليتبيَّنَ لك إذا
فعلت صحةً رأي الناصح وفساد رأيك. انتهى.
قال صاحب ((الكشف)»: إنَّ الوجهين مشتركان في إفادة التهديد، لكنَّ الأداء
إليه مختلفٌ، والأوَّل نظيرُ ما إذا أطاعَ أحد عبيدِك بعضَ من تنقم طريقتَه، فتقول:
أَطِعْ فلانًا، وهذا صحيحٌ، صَدَرَ من المنقوم أمرٌ ومن العبد طاعةٌ، أو كان منه
موافقةٌ لبعض ما يهواه، والقسم الأخير هو ما نحنُ فيه، والثاني ظاهر. انتهى.
وظاهر هذا أن التهديدَ على الوجهين مفهومٌ من صيغة الأمر، ويُفهم من كلام
بعضِ الأجلَّة أنَّ ذلك على الوجه الأول من الشرطية، وعلى الثاني من الأمر،
وما في حيِّز الفاء تعليلٌ له، ولعلَّ النظر الدقيق قاضٍ بما أفتَى به ظاهرُ ما في
((الکشف)».
وذكر غيرُ واحدٍ أنَّ هذا كقول الطبيب لمريضٍ يأمرُه بالاحتماء فلا يحتمي: كُلْ
ما تريد، فإنَّ مصيرَك إلى الموت. فإنَّ المقصودَ - كما قال صاحبُ ((الفرائد)) -
التهديدُ ليرتدعَ ویقبلَ ما يقول.
وجعل الطيبي ما قُرِّر في المثال هو المراد من قول الزمخشري: إنَّ في ((تمتَّعوا))
إيذانًا بأنَّهم لانغماسهم إلخ. وأنت تعلم أنَّه ظاهرٌ في الوجه الثاني، فافهم.
والمصيرُ مصدر ((صار» التامَّة بمعنى ((رَجَع))، وهو اسمُ ((إنَّ))، و((إلى النار)) في
موضع الخبر، ولا ينبغي أنْ يقال: إنَّه متعلُّقٌ بـ ((مصير)) وهو من ((صار)) بمعنى
انتقل، ولذا عُدِّي بـ ((إلى))؛ لأنَّه يدعو إلى القول بحذف خبر ((إنَّ)، وحذفُه في مثل
هذا التركيب قليلٌ، والكثيرُ فيما إذا كان الاسمُ نكرةً والخبرُ جارًا ومجرورًا.
والحوفي جوَّز هذا التعلَّق، فالخبرُ عنده محذوف، أي: فإنَّ مصيركم إلى النار واقعٌ
أو كائنٌ لا محالة.
ثم إنَّه تعالى لمَّا هذَّد الكفار وأشارَ إلى انهماكهم في اللَّذة الفانيةِ أمر نبيَّه وَلمه
أنْ يأمرَ خُلَّص عباده بالعبادة البدنية والمالية، فقال سبحانه:
﴿قُل لِمِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، وخصَّهم بالإضافة إليه تعالى؛ رَفْعًا لهم وتشريفًا

سُوَدَقُ ابْرَاهِيمٌ
٢٨٨
الآية : ٣١
وتنبيهًا على أنَّهم المقيمون لوظائف العبودية المُوفون بحقوقها، وتَرَك العطفَ بين
الأمرَين؛ للإيذان بتباينِ حالهما تهديدًا وغيرَه.
ومقولُ القول على ما ذهب إليه المبرّد والأخفش والمازني محذوف دلَّ عليه
(يقيموا)(١) أي: قل لهم: أقيموا الصلاة وأنفقوا.
﴿يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ﴾ والفعل المذكور مجزومٌ على أنَّه جوابُ
((قل)) عندهم. وأُوردَ أنَّه لا يلزم من قوله عليه الصلاة والسلام: أقيموا وأنفقوا، أنْ
يفعلوا .
وردَّ بأنَّ المقولَ لهم الخُلَّصُ، وهم متى أُمِرُوا امتثلوا، ومن هنا قالوا: إنَّ في
ذلك إيذانًا بكمال مطاوعتهم وغايةٍ مسارعتهم إلى الامتثال، ويشدُّ عَضُدَ ذلك حذفُ
المقول؛ لما فيه من إيهام أنَّهم يفعلون من غير أمر، على أنَّ مبنى الإيراد على أنَّه
يشترط في السببية التامَّة، وقد منع.
وجعل ابنُ عطية ((قل)) بمعنى: بلِّغ وأدّ الشريعة، والجزم في جواب ذلك(٢).
وهو قريبٌ مما تقدَّم.
وحُكي عن أبي عليٍّ وعُزيَ للمبرِّد(٣) أنَّ الجزم في جواب الأمر المقول
المحذوف.
وتعقّبه أبو البقاء بأنَّه فاسدٌ لوجهَين: الأوَّل: أنَّ جواب الشرط لا بدَّ أنْ يُخالف
فعلَ الشرط إمَّا في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فإذا اتَّحدا لا يصحُّ، كقولك:
قم تقم، إذ التقدير هنا: إن يقيموا يقيموا. والثاني: أنَّ الأمر المقدَّر للمواجهة،
والفعل المذكور على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدًا (٤)، وقيل عليه:
إنَّ الوجه الأوَّل قريب، وأمَّا الثاني فليس بشيء؛ لأنَّه يجوز أنْ تقول: قل لعبدك
أطعني يُطعْك، وإنْ كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال.
(١) الدر المصون ١٠٥/٧، وحاشية الشهاب ٢٦٧/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٩/٣، والبحر المحيط ٤٢٦/٥.
(٣) المقتضب ٨٤/٢.
(٤) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٠٦/٣ - ٤٠٧.

الآية : ٣١
٢٨٩
سُورَةُ إبرَاهِيمٌ
وعن أبي عليٍّ وجماعة أنَّ ((يقيموا)) خبرٌ في معنى الأمر، وهو مقولُ القول(١).
ورُدَّ بحذف النون، وهي في مثل ذلك لا تحذف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَلْ أَذْكُ
عَلَ تِزَقْ نُجِيكُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿نُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١٠-١١] إذ المرادُ منه: آمنوا،
والقولُ بأنَّه لمَّا كان بمعنى الأمر بُني على حذف النون كما بُني الاسمُ المتمكّن في
النداء على الضَّمِّ في نحو: يا زيدُ، لمَّا شُبِّه بـ: قَبْلُ وبَعْدُ، وما لم يُبْنَ إنما لُوحِظَ
فيه لفظُه = مما لا يكاد يُلتَفَتُ إليه.
وذهب الكسائي والزجاج(٢) وجماعةٌ إلى أنَّه مقولُ القول، وهو مجزومٌ بلام
أمرٍ مقدَّرة، أي: لِيُقيموا ويُنفقوا، على حدٍّ قول الأعشى:
محمدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمرٍ تَبالا(٣)
وأنت تعلم أنَّ إضمار الجازم أضعفُ من إضمار الجارِّ إلا أنَّ تقدُّم ((قل)) نائبٌ
منابه، كما أنَّ كثرةَ الاستعمال في أمر المخاطَب ينوبُ منابَ ذلك، والشيء إذا كثر
في موضعٍ أو تأكدت الدلالة عليه جاز حذفُه، منه حذفُ الجارِّ من ((أنَّى)) إذا كانت
بمعنى: مِن أين، وبما ذكرنا من النيابة فارَقَ ما هنا ما في البيت، فلا يضرُّنا
تصریحهم فيه بكون الحذف ضرورة.
وعن ابن مالك أنَّه جعل حذفَ هذه اللام على أضرب: قليل وكثير ومتوسِّط،
فالكثيرُ أنْ يكون قبله قولٌ بصيغة الأمر كما في الآية، والمتوسِّط ما تقدَّمه قولٌ غير
أمرٍ كقوله :
قلتُ لبوَّابٍ لديه دارُها
تِيذَنْ فإِنِّي حَمْؤُها وجارُها(٤)
(١) العسكريات ص٤٩ - ٥٠.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ١٦٢/٣ - ١٦٣، والبحر المحيط ٤٢٦/٥.
(٣) قال البغدادي في الخزانة ١٤/٩: البيت لا يعرف قائله، وقال بعض فضلاء العجم: هو
للأعشى، ونسبه ابن هشام في شرح شذور الذهب ص ٢٧٥ لأبي طالب عمِّ النبيِّ وَّهِ. قال
الشهاب في حاشيته ٢٦٨/٥: أراد: لتفدٍ، فحذف لام الأمر، والتَّبَال هو: سوء العاقبة،
وأصله وَبَال، فتاؤه مبدلة عن واو.
(٤) الرجز في المغني ص٢٩٨، وخزانة الأدب ١٣/٩ دون نسبة، ونسبه العيني في هامش
الخزانة ٤٤٤/٤ لمنصور بن مرثد. قال ابن هشام: تِيذَنْ: أي: لتأذَنْ، فحذف اللام وكسر
حرف المضارعة.

سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
٢٩٠
الآية : ٣١
والقليلُ ما سوى ذلك. وظاهرُ كلام ((الكشف)) اختيارُ هذا الوجه، حيث قال
المدقق فيه: والمعنَى على هذا أظهرُ، لكثرة ما يلزم من الإضمار، وأنَّ تقييد
الجواب بقوله تعالى: (مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى) إلى (وَلَا خِلَلُّ) ليس فيه كثيرُ طائلٍ،
إنما المناسب تقییدُ الأمر به.
وقال ابنُ عطية: ويظهر أنَّ مقولَ القول (اللَّهُ الَّذِى) إلخ(١)، ولا يخفى ما في
ذلك من التفكيك، على أنَّه لا يصحُّ حينئذٍ أنْ يكون ((يقيموا)) مجزومًا في جواب
الأمر؛ لأنَّ قول: ((الله الذي)) إلخ لا يستدعي إقامةَ الصلاةِ والإنفاقَ إلا بتقديرٍ بعيدٍ
جدًّا.
هذا، والمرادُ بالصلاة قيل: ما يعمُّ كلَّ صلاةٍ فرضًا كانت أو تطوُّعًا، وعن ابن
عباس تفسيرها بالصلاة المفروضة، وفسَّر الإنفاقَ بزكاة الأموال. ولا يخفَى عليك
أنَّ زكاة المال إنَّما فُرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر، وأنَّ هذه
السورةَ كلَّها مكيةٌ عند الجمهور، إلا آيتين(٢) ليست هذه الآيةُ إحداهما عند بعضٍ،
ثمَّ إن لم يكن هذا المأمور به في الآية مأمورًا به من قبلُ فالأمر ظاهرٌ، وإن كان
مأمورًا به فالأمرُ للدوام، فتحقَّق ذلك ولا تَغْفُل.
﴿سِنَّاً وَعَلَانِيَةٌ﴾ منتصبان على المصدرية لكن من الأمر المقدَّر، أو من
الفعل المذكور على ما ذهب إليه الكسائي ومَن معه على ما قيل، والأصلُ: إنفاقَ
سرِّ وإنفاقَ علانيةٍ، فحذف المضاف وأُقيمَ المضافُ إليه مقامَه فانتصب انتصابَه.
ويجوز أنْ يكون الأصلُ: إنفاقًا سرًّا وإنفاقًا علانيةً، فحذف الموصوفَ وأُقِيمَت
صفته مقامه.
وجوِّز أنْ يكونا منتصبين على الحالية إما على التأويل بالمشتق، أو على تقدير
مضافٍ، أي: مُسرِّين ومُعلنين، أو ذوي سرِّ وعلانيةٍ، أو على الظرفية، أي: في
سرِّ وعلانية.
وقد تقدَّم الكلامُ في حكم نفقة السرِّ ونفقة العلانية(٣).
(١) المحرر الوجيز ٣٣٩/٣.
(٢) في (م): والآيتين.
(٣) ص ١٢٥ من هذا الجزء.

الآية : ٣١
٢٩١
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فيبتاعُ المقصِّرُ ما يتلافى به تقصيره، أو يفتدي
به نفسَه، والمقصودُ - كما قال بعض المحقّقين - نَفْيُ عقد المعاوضة بالمرَّة،
وتخصيصُ البيع بالذكر للإيجاز مع المبالغة في نَفْي العقدِ، إذ انتفاءُ البيع يستلزمُ
انتفاءَ الشراء على أبلغ وجه، وانتفاؤه ربما يُتصوَّر مع تحقّق الإيجاب من البائع.
انتھی .
وقيل: إنَّ البيع كما يُستعمَل في إعطاء المثمَن وأَخذِ الثمن، وهو المعنى
الشائع، يُستعمَل في إعطاء الثمن وأخذ المثمَن، وهو معنى الشراء؛ وعلى هذا جاء
قوله وَلّى: ((لا يبيعنَّ أحدُكم على بَيْعِ أخيه)»(١)، ولا مانعَ من إرادة المعنَبَيْن هنا،
فإنْ قلنا بجواز استعمال المشتَرَك في معنَيه مطلقًا كما قال به الشافعية، أو في النفي
كما قال به ابنُ الهمام فذاك، وإلا احتجنا إلى ارتكاب عموم المجاز، فكأنَّه قيل:
لا معاوضةً فیه.
﴿وَلَا خِلَلُ ﴾﴾ أي: مخالَّة، فهو كما قال أبو عبيدة(٢) وغيرُه: مصدرُ خالَلْتُه
كالخِلال، وقال الأخفش: هو جمعُ: خليل(٣) كأخِلَاء وأَخِلَّة، والمراد واحدٌ، وهو
نَفْيُ أنْ يكون هناك خليلٌ يُنتفع به، بأنْ يشفعَ له أو يُسامحه بما يفتدي به.
ويحتمل أنْ يكون المعنى: مِن قبل أنْ يأتيَ يومٌ لا انتفاعَ فيه لما لهجوا بتعاطيه
من البيع والمخالَّة، ولا انتفاعَ بذلك، وإنَّما الانتفاعُ والارتفاقُ فيه بالإنفاق لوجه الله
تعالی.
فعلى الأوَّل المنفيُّ البيعُ والخلالُ في الآخرة، وعلى هذا المراد نَفْيُ البيع
والخلال اللذَيْن كانا في الدنيا، بمعنى نَفْي الانتفاع بهما، و((فيه)) ظرفٌ للانتفاع
المقدَّرِ حسبما أشرنا إليه، ولا يُشكل ما هنا مع قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيضم
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلَّ الْمُنَّفِينَ﴾ [الزمر: ٦٧] حيث أَثْبتَ فيه المخالَّة وعدمَ العداوةِ
(١) أخرجه أحمد (٤٧٢٢)، والبخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢) من حديث عبد الله بن
عمر
(٢) مجاز القرآن ٣٤١/١.
(٣) الذي في معاني القرآن ٥٩٩/٢، ومجمع البيان ٢٢١/١٣، والبحر المحيط ٤٢٧/٥،
وحاشية الشهاب ٢٦٨/٥: الخلال جمع ◌ُلَّة.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٢٩٢
الآية : ٣١
بين المثَّقين؛ لأنَّ المراد هنا على ما قيل نَفْيُ المخالَّة النافعة بذاتها في تدارك
ما فات، ولم يذكر في تلك الآية أنَّ المتقين يَتَدارك بعضُهم لبعض ما فات.
وقيل في التوفيق بين الآيتين: إنَّ المراد: لا مخالَّة بسبب مَيل الطبع ورغبةٍ
النفس، وتلك المخالَّة الواقعةُ بين المتقين في الله تعالى، مع أنَّ الاستثناء من
الإثبات لا يلزمُه النفي، وإنْ سلمَ لزومه فنَفْيُ العداوة لا يلزمُ منه المخالَّة، وهو
كما ترى. ومثلُه ما قيل: إنَّ الإثباتَ والنفيَ بحسَب المواطن.
والظرفُ على ما استظهره غيرُ واحدٍ متعلِّقٌ بالأمر المقدَّر، وعلَّقه بالفعل
المذكور مَن رأى رَأْيَ الكِسائي ومَن معه، بل وبعضُ مَن رأى غيرَ ذلك إلا أنَّه
لا يخلُو عن شيءٍ.
وتذكيرُ إتيان ذلك اليوم على ما في ((إرشاد العقل السليم)) لتأكيد مضمونِ الأمر
من حيث إنَّ كلَّا مِن فقدان الشفاعة وما يُتدارك به التقصير معاوضةً وتبرُّعًا،
وانقطاع آثار البيع والخلالِ الواقعَين في الدنيا، وعدم الانتفاع بهما = مِن أَقوى
الدواعي إلى الإتيان بما تَبقَى عوائدُه وتدومُ فوائدُه من الإنفاق في سبيل الله تعالى،
أو من حيث إنَّ ادِّخار المال وترك إنفاقه إنَّما يقعُ غالبًا للتجارات والمُهاداة، فحيث
لا يمكن ذلك في الآخرة، فلا وجْهَ لادِّخاره إلى وقت الموت. وتخصيصُ أمرٍ
الإنفاق بذلك التأكيدِ لميل النفوس إلى المال، وكونها مجبولةً على حُبِّه والضِّنَّةِ به.
وفيه أنَّه لا يَبعدُ أنْ يكون تأكيدًا لمضمون الأمر بإقامة الصلاة أيضًا، من حيث إنَّ
تركها كثيرًا ما يكون للاشتغال بالبياعات والمخاللات كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
رَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمُوا أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾(١) [الجمعة: ١١]. وأنت تعلمُ بُعدَه لفظًا بناءً على تعلّق
(سرًّا وعلانيةً)) بالأمر بالإنفاق، ثم إنَّ ما ذكر من الوجهين في الآية هو الذي ذكره
بعض المحقّقين.
واقتصر الزمخشريُّ(٢) فيها على الوجه الثاني، وكلامه في تقريره ظاهرٌ في أنَّ
فائدةَ التقييد الحثُّ على الإنفاق حسبما بيَّنه في ((الكشف))، وفيه في تقرير الحاصل
(١) تفسير أبي السعود ٥/ ٤٧.
(٢) الکشاف ٣٧٨/٢ - ٣٧٩.

الآية : ٣١
٢٩٣
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
أنَّ قولَه تعالى: (لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا ◌ِخِلَلُ) أي: لا انتفاعَ بهما، كنايةً عن الانتفاع
بما يُقابلهما، وهو ما أُنفِقَ لوجه الله تعالى، فهو حٍّ على الإنفاق لوجهه سبحانه،
كأنَّه قيل: لينفقوا له من قَبل أنْ يأتيَ يومٌ ينتفعُ فيه بإنفاقهم المنفقون له، ولا ينفعُ
الندمُ لمن أَمسكَ. والعدول إلى ما في النَّظم الجليل ليفيدَ الحصر، وأنَّ ذلك وحده
هو المنتَفَعُ به، وليفيدَ المضادَّةَ بين ما ينفعُ عاجليًّا وما ينفعُ آجليًّا، وذَكَرَ في آية
البقرة ﴿مِّن قَبْلٍ أَنْ يَأْتَِ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَ خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] أنَّ المعنَى: من قبل
أنْ يأتيَ يومٌ لا تقدرون فيه على تدارُك ما فاتكم من الإنفاق؛ لأنَّه لا بيعَ حتى
تبتاعوا ما تُنفقونه، ولا خُلَّة حتى يُسامحَكم أَخِلَاؤكم به(١).
وبيَّن المدفِّقُ وجْهَ اختصاص كلٍّ من المعنيين بموضعه مع صحّة
جَرَيانهما جميعًا في كلِّ من الموضعَين، بأنَّ الأوَّل خطابٌ عامٌّ، فكان الحثُّ فيه
على الإنفاق مطلقًا وتصوير أنَّ الإنفاق نفسَه هو المطلوب، فليُغْتَنم قبل أنْ يأتيَ
يومٌ يفوتُ فيه ولا يُدركه الطالبُ، هو الموافقَ لمقتضَى المقام، وأنَّ الثاني لمَّا
اختصَّ بالخُلَّص كان الموافقُ للمقام تحريضَهم على ما هم عليه من الإنفاق
ليدوموا عليه، فقيل: دوموا عليه وتمسَّكوا به تَغْتَبطوا يوم لا ينفعُ إلا مَن دام
عليه، ولو قيل: دوموا عليه قبل أن يفوتكم ولا تدركوه، لم يكن بتلك الوكادةٍ؛
لأنَّ الأول بالحثِّ على طلب أصلِ الفعل أشبه، والثاني بطلب الدوام، فتفطّن
له. اهـ. ولا يخلو عن دغدغة.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب: ((لا بيعَ فيه ولا خلالَ)) بفتح الاسمَين(٢)
تنصيصًا على استغراق النفي، ودلالةُ الرفع على ذلك باعتبار خطابي هو على ما قيل
وقوعُه في جواب: هل فيه بيعٌ أو خلالٌ؟
ثم إنَّه لمَّا ذكر سبحانه أحوالَ الكافرين لنعمه، وأمرَ المؤمنين بإقامة مراسم
الطاعة شكرًا لها، شرعَ جلَّ وعلا في تفصيل ما يستوجب على كافَّة الأنام المثابرة
على الشكر والطاعة من النِّعم العظام والمِنَن الجسام، حثًّا للمؤمنين عليها، وتقريعًا
(١) الكشاف ٣٨٤/١.
(٢) التيسير ص ٨٢، والنشر ٢١١/٢.

سُورَةُ إبرَاهِيمٌ
٢٩٤
الآية : ٣٢
للكفرة المخلِّين أتمَّ إخلال بها، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ﴾ إلخ، وهذا أَولَى مما قيل: إنَّه تعالى لمَّا أطال الكلام في وصف أحوال
السعداء والأشقياء، وكان حصولُ السعادة بمعرفة الله تعالى وصفاته، والشقاوة
بالجهل بذلك، خَتَم الوصف بالدلائل الدالّة على وجوده - جلَّ شأنه - وكمال علمه
وقدرتِه فقال سبحانه ما قال، لظهور اعتبارِ المذكورات في حيِّز الصلة نِعَمًا
لا دلائل.
والاسمُ الجليل مبتدأٌ والموصول خبره، ولا يخفى ما في الكلام من تربيةٍ
المهابة والدلالة على قوَّة السلطان، والمرادُ: خلَقَ السماوات وما فيها من الأجرام
العلويَّة، والأرضَ وما فيها من أنواع المخلوقات.
﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: السحاب ﴿مَآءُ﴾ أي: نوعًا منه، وهو المطر،
وسُمِّي السحابُ سماءً لعلوِّه، وكلُّ ما علاك سماءٌ، وقيل: المرادُ بالسماء الفلك
المعلوم، فإنَّ المطر منه يتبدَّى إلى السحاب ومِن السحاب إلى الأرض، وعليه
الكثير من المحدِّثين لظواهر الأخبار.
واستبعدَ ذلك الإمامُ لأنَّ الإنسان ربَّما كان واقفًا على قُلَّة جبلٍ عالٍ ويَرَى
السحاب أسفلَ منه، فإذا نَزَل رآه ماطرًا. ثمَّ قال: وإذا كان هذا أمرًا مشاهداً
بالبصر كان النزاعُ فيه باطلًا(١). وأوَّلَ بعضُهم الظواهر لذلك بأنَّ معنى نزول المطر
من السماء نزولُهُ بأسبابٍ ناشئةٍ منها .
وأيًّا ما كان فـ ((مِن)) ابتدائيةٌ وهي متعلِّقةٌ بـ ((أنزل)) وتقديم المجرور على
المنصوب إما باعتبار كونه مبتدأً لنزوله، أو لتشريفه كما في قولك: أعطاه السلطان
مِن خزائنه مالًا، أو لما مرَّ غيرَ مرَّة مِن التشويق إلى المؤخَّر.
﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء ﴿مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ تعيشون به، وهو
بمعنى المرزوق مرادًا به المعنى اللغوي، وهو كلُّ ما ينتفع به، فيشمل المطعومَ
والملبوس، ونصبُه على أنَّه مفعول ((أخرج)، و((مِن الثمرات)) بيانٌ له فهو في موضع
الحال منه، وتقدُّم ((مِن)) البيانية على ما تُبيِّنُه قد أجازه الكثيرُ من النحاة، وقد مرَّ
(١) تفسير الرازي ١٢٦/١٩.

الآية : ٣٢
٢٩٥
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
الكلام في ذلك(١). واستظهر أبو حيان المانع لذلك كون ((مِن)) للتبعيض، والجارُّ
والمجرور في موضع الحال، و((رزقًا)) مفعول ((أخرج)) أيضًا(٢).
وجوِّز أنْ تكون ((من)) بمعنى بعض، مفعول ((أخرج))، و((رزقًا)) بمعنى مرزوقًا حالًا
منه، فهو بيانٌ للمراد من بعض الثمرات؛ لأنَّ منها ما يُنتفَع به فهو رزقٌ، ومنها ما ليس
كذلك. ويجوز أنْ يكون («رزقًا)) باقيًا على مصدريته، ونصبُه على أنَّه مفعول له، أي:
أخرج به ذلك لأجل الرزقِ والانتفاع به، أو مفعول مطلق لـ ((أخرج)) لأنَّ: أخرج بعض
الثمرات، في معنى: رَزَق، فيكون في معنى: قعدتُ جلوسًا، على المشهور، وقيل:
(من) زائدة، ولا يَرَى جوازَ ذلك هنا إلا الأخفش(٣)، و((لكم)) صفة لـ («رزقًا)) إنْ أُريد
به المرزوق، ومفعول به إنْ أُريد به المصدر، كأنَّه قيل: رزقًا إياكم، والباء للسببية.
ومعنى كون الإخراج بسببه أنَّ الله تعالى أَودَع فيه قوَّةً مؤثّرةً بإذنه في ذلك،
حسبما جرَت به حكمتُه الباهرة، مع غناه الذاتي سبحانه عن الاحتياج إليه في
الإخراج، وهذا هو رأيُ السلف الذي رَجَع إليه الأشعريُّ كما حُقِّق في موضعه(٤)،
وزَعَم مَن زعمِ أنَّ المراد: أخرجَ عنده، والتزموا هذا التأويل في ألوفٍ من
المواضع، وضلَّلوا القائلين بأنَّ الله تعالى أودَعَ في بعض الأشياء قوَّةً مؤثّرة في
شيءٍ ما، حتى قالوا: إِنَّهم إلى الكفر أقربُ منهم إلى الإيمان. وأولئكَ عندي أقربُ
إلى الجنون وسفاهة الرأي.
و((الثمرات)) يُراد بها ما يُراد من جمع الكثرة؛ لأنَّ صِيَغَ الجموع يتعاوَرُ بعضُها
موضعَ بعض، أو لأنَّه أُريدَ بالمفرد جماعةُ الثمرة التي في قولك: أكلتُ ثمرةَ بستان
فلان. وقد تقدَّم(٥) لك ما ينفعُك تذكُّره في هذا المقام، فتذكَّر.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن، بأنْ أَقدرَكم على صنعتها واستعمالها
بما أَلْهِمَكم كيفيَّةَ ذلك، وقيل: بأنْ جعلَها لا ترسُب في الماء. ﴿لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ﴾
(١) ص٢٥٨ من هذا الجزء.
(٢) ينظر البحر المحيط ٤٢٧/٥ .
(٣) معاني القرآن ١/ ٢٧٢، والبحر المحيط ٤٢٧/٥.
(٤) ينظر ٣٤٦/٤.
(٥) ٢/ ٢٢.

سُورَةُ ابْرَاهِيمَ
٢٩٦
الآية : ٣٣
حيث توجّهتُم ﴿بِأَمْرِفٌ﴾ بمشيئته التي نِيْطَ بها(١) كلُّ شيءٍ، وتخصيصُه بالذكر - على
ما ذكره بعضُ المحقّقين - للتنصيص على أنَّ ذلك ليس بمزاولة الأعمال واستعمال
الآلات كما يَتراءَى من ظاهر الحال، ويندرج في تسخير الفلك - كما في ((البحر)) -
تسخيره(٢)، وکذا تسخيرُ الرياح.
®﴾ جعلها معدَّةً لانتفاعكم حيث تشربون منها،
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ
وتتَّخذون جداولَ تسقون بها زروعَكم وجئَّاتِكم وما أشبه ذلك، هذا إذا أُريد
بـ ((الأنهار)) المياه العظيمة الجارية في المجاري المخصوصة، وأما إذا أُريد بها نفسُ
المجاري فتسخيرُها تيسيرُها لهم لتجريَ فيها المياه.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ﴾ أي: دائمَين في الحركة لا يفتران إلى
انقضاء عُمُر الدنيا.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ((العظمة)) عن ابن عباس ظًا قال: الشمسُ
بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرَت بالليل في
فلكها تحت الأرض حتى تطلعَ من مشرقها، وكذلك القمر(٣). والقولُ بجريانهما إذا
غربا تحت الأرض مرويٌّ أيضًا عن الحسن البصري، وهو الذي يشهد له العقل
السليم، وللأَخباريِّين غير ذلك، وظاهر الآية إثباتُ الحركة لهما أنفسِهما .
(١) في (م): بها نيط.
(٢) في هامش (م): فيه استخدام، فلا تغفل. اهـ منه. والاستخدام: هو أن يُذكر لفظّ له
معنيان، فيراد أحدهما ثم يراد بالضمير الراجع إلى ذلك اللفظ معناه الآخر، أو يراد بأحد
ضميريه أحدُ معنييه، ثم بالآخر معناه الآخر، فالأول كقوله:
إذا نزل السماءُ بأرض قومٍ رَعيناه وإن كانوا غِضابا
أراد بالسماء: الغيث، وبالضمير الراجع إليه من: رعيناه: النبت، والسماء يطلق عليهما .
والثاني كقوله :
فَسَقَى الغَضَى والساكنيه وإِنْ هُمُ شَبُّوهُ بَيْنَ جوانحي وضلوعي
أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى (الغضى) وهو المجرور في (الساكنيه): المكانَ،
وبالآخر، وهو منصوب في (شبُّوه): النار، أي: أوقدوا بين جوانحي نار الغضى، يعني نار
الهوى التي تشبه نار الغضى. التعريفات للجرجاني ص٣٣.
(٣) العظمة (٦٣٤)، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥.

الآية : ٣٣
٢٩٧
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
والفلاسفةُ يثبتون لهما حركتَين يسمُّون إحداهما الحركة الأُولَى، وهي الحركة
اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لهما بقسر المحدَّد لِفِلكَيهما، والأُخرَى
الحركة الثانية، وهي الحركة على توالي البروج من المغرب إلى المشرق الحاصلة
لهما بحركة فلكيهما حركةً ذاتيةً، ولا يُثبتون لهما حركةً في ثخن الفلك على نحو
حركة السمكة في الماء، لصلابة الفلك وعدم قبوله الخرقَ أصلاً عندهم.
وأثبتَ الشيخُ الأكبر قدِّسَ سرُّه في ((فتوحاته)) (١) حركتهما على ذلك النحو،
والفلكُ عنده مثل الماء والهواء.
وذكر بعض الأخباريِّين أنَّهما وسائر الكواكب معلَّقة بسلاسلَ مِن نورٍ بأيدي
ملائكة، يُسيِّرونَها كيف شاء الله تعالى وحيث شاء سبحانه، والأفلاك ساكنةٌ عند
هذا البعض، وكذا عند الشيخ قدِّس سرُّه على ما يقتضيه ظاهر كلامه، والأخبارُ في
هذا الباب ليست بحيث تسدُّ ثغرَ الخصم، وذَكَر النسفيُّ أنَّه ليس فيها ما يعوَّل عليه.
وكلامُ الفلاسفة ما لم يكن فيه مصادمةٌ لما تحقَّق عن المُخبر الصادق وَيه
مما لا بأس به.
وفسَّر بعضُهم ((دائبين)) بمجدَّين تعبَيْن، وهو على التشبيه والاستعارة. وأصلُ
الدأب: العادةُ المستمرَّة، ونصبُ الاسم على الحال، وتسخيرُ هذَين الكوكَبَين
العظيمَين جعلُهما منيرَين مُصلحَين ما نِيطَ بهما صلاحُه من المكوّنات، ولَعمري
أنَّ الله سبحانه جعلَهما أَجدَى مِن تفاريق العصا. وفي كتاب ((المشارع
والمطارحات))(٢) للشيخ شهاب الدين السهروردي قتيل حلب: أنَّ تأثيرَ الشمس
والقمر أظهرُ الآثار السماوية، وتأثيرُ الشمس أظهرُ من تأثير القمرِ، وأظهرُ الآثار
بعد الشعاع التسخينُ الحاصل منه، ولولا ذلك ما كان كونٌ ولا فساد ولا استحالة،
ولا ليلٌ ولا نهارٌ، ولا فصول ولا مزاج ولا حيوانات ولا غيرُها. وأطال الكلامَ
في بيان ذلك وما يتعلَّق به، ولا ضررَ عندي في اعتقاد أنَّهما مؤثِّران بإذن الله تعالى
كسائر الأسباب عند السلف الصالح.
(١) الفتوحات المكية ٥٤٨/٣ وما بعدها.
(٢) المطارحات في المنطق والحكمة لابن أبي الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي
الحكيم المقتول سنة (٥٨٧هـ). كشف الظنون ١٧١٣/٢، وهدية العارفين ٥٢١/٢.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٢٩٨
الآية : ٣٣
يتعاقبان لسُباتكم ومعاشكم، وأَرجعَ بعضُ
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَاَلنَّهَارَ
المحقّقين التسخيرَ في المواضع الأربعة إلى معنى التصريف، وأصلُه سياقةُ الشيء
إلى الغرض المختصِّ به قهرًا، وذكر أنَّ في التعبير عن ذلك به من الإشعار بما في
ذلك من صعوبة المأخذ، وعِزَّة المنال، والدلالة على عِظَم السلطان وشدَّة المحال
ما لا يخفى، والظاهرُ أنَّه في المعنى المراد به هنا مجازٌ في تلك المواضع جميعًا.
ونقل أبو حيان(١) عن المتكلِّمين أنَّه مجازٌ في الأخير منها قال: لأنَّ الليل والنهار
عَرَضان، والأعراضُ لا تسخّر، وفيه قصور.
وفي إبراز كلٍّ من هذه النعم في جملة مستقلةٍ تنويهٌ لشأنها، وتنبيهٌ على رفعة
مكانها، وتنصيصٌ على كون كُلِّ نعمةً جليلة مستوجبةً للشكر.
وتأخيرُ تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدَّم من الأمور مع ما بينه وبَیْن
خلق السماوات من المناسبة الظاهرة، قيل: لاستتباع ذكرِها لذكر الأرض،
المستدعي لذكر إنزالِ الماء منها إليها، الموجبٍ لذكر إخراج الرزق الذي من جملته
ما يحصُلُ بواسطةِ الفُلكِ والأنهار، أو للتفادي عن توقُّم كونِ الكلِّ - أعني خَلْقَ
السماوات والأرض وتسخيرَ الشمس والقمر - نعمةً واحدةً، وقد تقدَّم نظيرُه آنفًا .
وقد ذكر بعضُهم في وجه ذكر هذه المتعاطفات على هذا الأسلوب: أنَّه بدأ
بخلق السماوات والأرض، لأنَّهما أصلان يتفرَّع عليهما سائرُ ما يُذكر بعدُ، وثنَّى
بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به لشدَّةٍ تعلُّق النفوس بالرزق، فيكونُ
تقديمه من قَبيل تعجيل المسرَّةِ.
ولما كان الانتفاعُ بما ينبُتُّ من الأرض إنما يكمُّلُ بوجود الفُلْكِ الجواري في
البحر، وذلك لأنَّه تعالى خصَّ كلَّ طَرَفٍ من أطراف الأرض بنوعٍ من ذلك،
وبالنقل يكثُرُ الربحُ = ذَكَر سبحانه تسخيرَ الفلك التي يُنقَل عليها، واقتصر عليها
اعتناءً بشأنها .
ولما ذكر أمْرَ الثمرات وما به يكمُّلُ الانتفاع بها من حيث النقلُ ذَكَرَ تسخيرَ
الأنهار العذبة التي يشربُ منها الناس في سائر الأحيان، إتمامًا لأمر الرزق، وذَكَرَ
(١) البحر المحيط ٤٢٨/٥.

الآية : ٣٤
٢٩٩
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
تسخيرَ الشمس والقمر بعدُ؛ لأنَّ الانتفاع بهما ليس بالمباشرة كالانتفاع بالفلك
والانتفاع بالأنهار، وأخَّر تسخيرَ الليل والنهار؛ لأنهما عَرَضان وما تقدَّمَهما جوهرٌ،
والعَرَضُ من حيث هو بعدَ الجوهر. اهـ. وليس بشيءٍ يعوَّل عليه.
﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ﴾ أي: أعطاكم بعضَ جميع ما سألتموه
حسبما تقتضيه مشيئته التابعةُ للحكمة والمصلحة، فـ ((مِن كلِّ) مفعولٌ ثانٍ لـ ((آتَی))،
و ((مِن)) تبعيضيةٌ، وقال بعضُ الكاملين: إنَّ ((كل)) للتكثير والتفخيم لا للإحاطة
والتعميم كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
واعترض على حمل ((مِن)) على التبعيض دون ابتداءِ الغاية بأنَّه يُفضي إلى إخلاء
لفظ ((كل)) عن فائدةٍ زائدة، لأنَّ ((ما)) نصٌّ في العموم، بل يوهم إيتاء البعض من كلِّ
فردٍ متعلّق به السؤال، ولا وجه له.
ودُفع بأنَّه بعد تسليم كون ((ما)) نصًّا في العموم، هنا عمومان، عمومُ الأفراد
وعمومُ الأصناف بمعنى: كلّ صنفٍ صنف، وهما مقصودان هنا، فالمعنى: أعطاكم
من جميع أفرادِ كلِّ صنفٍ سألتموه، فإنَّ الاحتياج بالذات إلى النوع والصنف لا لفردٍ
بخصوصه، وفسّر ((ما سألتموه)) بما مِن شأنه أنْ يُسأل لاحتياج الناس إليه، سواء سئل
بالفعل أم لم يُسأل، فلا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطرُ بالبال، وجعلوا
الاحتياجَ إلى الشيء سؤالًا له بلسان الحال، وهو من باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال
سبيلُ الجواب في رأي في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلٌ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقيل: الأصل: وآتاكم من كلِّ ما سألتموه وما لم تسألوه، فحذف الثاني لدلالة
ما أبقى على ما ألقى، و((ما)) يحتمل أن تكون موصولة، والضمير المنصوب في
(سألتموه)) عائدٌ عليها، والتقديرُ: مِن كلِّ الذي سألتموه إياه، ومنع أبو حيان جواز
أنْ يكون راجعًا إليه تعالى، ويكون العائدُ على الموصول محذوفًا مستندًا بأنَّه لو
قدر مثَّصلا لزم اتّصال ضمیرین متحدي الرتبة من دون اختلاف، وهو لا يجوز ولو
قدِّر منفصلًا حسبما تقتضيه القاعدةُ في مثل ذلك لزم حذفُ العائد المنفصل، وقد
نصُّوا على عدم جوازه(١). اهـ.
(١) البحر المحيط ٤٢٨/٥.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٣٠٠
الآية : ٣٤
وذهب بعضُهم إلى جواز كلا التقديرَين مدَّعيًا أنَّ مَنْع اتِّصال المتَحدَين رتبةً
خاصٌّ فيما إذا ذُكرا معًا، أما إذا ذُكر أحدُهما وحُذف الآخرُ فلا منع، إذ الاتصالُ
حينئذ محضُ اعتبار، وعلَّةُ المنع لا تجري فيه، وأنَّ منع حذفِ المنفصل خاصٌّ
أيضًا، فيما إذا كان الانفصال لغرضٍ معنويٌّ، كالحصر في قولك: جاء الذي إياه(١)
ضربت، إذ بالحذف حينئذٍ يفوتُ ذلك الغرضُ، أما إذا كان لغرضٍ لفظيٍّ كدفع
اجتماع المثلَين فلا منع، إذ ليس هناك غرضٌ يفوت.
ويحتمل أنْ تكون موصوفةً، والكلام في الضمير كما تقدَّم، وأنْ تكون مصدريةً
والضمير لله تعالى، والمصدر بمعنى المفعول، أي: مسؤولكم.
وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن
فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في رواية: ((مِن كلِّ) بالتنوين(٢)، أي: وآتاكم مِن
كلِّ شيءٍ ما احتجتُم إليه وسألتموه بلسان الحال، وجوِّز على هذه القراءة أنْ تكون
((ما)) نافية، والمفعول الثاني ((مِن كل)) كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوِيَّتْ مِن كُلِّ شَهْرٍ﴾
[النمل: ٢٣] والجملةُ المنفية في موضع الحال، أي: آتاكم مِن كلِّ غيرَ سائليه، وهو
إخبارٌ منه تعالى بسُبُوغ نعمته سبحانه عليهم بما لم يسألوه من النعم؛ ورُوي هذا عن
الضحاك، ولا يخفى أنَّ الوجه هو الأول لِمَا أنَّ القراءة على هذا الوجه تخالف
القراءةَ الأُولى، والأصلُ توافقُ القراءتَين وإنْ فهم منها إيتاء ما سألوه بطريق
الأولى.
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الَهِ﴾ أي: ما أنعم به عليكم كما هو الظاهر. وقال
الواحدي: إنَّ (نعمة)) هنا اسمٌ أُقيمَ مقام المصدر يقال: أنعمَ إنعامًا ونعمةً،
كما يقال: أنفقتُ إنفاقًا ونفقةً، فالنعمةُ بمعنى الإنعام ولذا لم تُجمع(٣). والمعوَّل
عليه ما أشرنا إليه من أنَّها اسمُ جنسٍٍ بمعنى المنعَم به، والمرادُ بها الجمعُ كأنه
قيل: وإنْ تعدُّوا نعم الله ﴿لَا تُخْصُوهَا﴾ وقد نصَّ بعضُهم على أنَّ المفرد يُفيد
(١) في (م): أباه.
(٢) القراءات الشاذة ص٦٨، والمحتسب ٣٦٣/١، والبحر المحيط ٤٢٨/٥، وقراءة يعقوب
ونافع خلاف المشهور عنهما .
(٣) الوسيط ٣٢/٣ - ٣٣.