Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٥ ٢٢١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ عَصَينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينا (٢) وأيامٍ لنا غُرِّ(١) طِوالٍ وأنشده الشهابُ(٣) للمعنى السابق، وأنشد لهذا قوله: وأيامنا مشهورة في عدونا(٤) وأخرج النسائيُّ وعبد الله بنُ أحمد في ((زوائد المسند)) والبيهقيُّ في ((شُعب الإيمان)) وغيرُهم عن أَبيِّ بنِ كعبٍ عن النبيِّ وَّرِ أنَّه فسَّر الأيامَ في الآية بنعم الله تعالى وآلائه(٥)، وروى ذلك ابنُ المنذر عن ابن عباس ومجاهد(٦). وجَعَل أبو حيان من ذلك بيتَ عمرو (٧)، والأظهرُ فيه ما ذكره الطبرسيُّ. وأنت تعلمُ أنَّه إنْ صحَّ الحديثُ فعليه الفتوى، لكن ذكر شيخُ الإسلام في ترجيح التفسير المرويِّ عن ابن عباس ﴿ه أوَّلاً على ما روي ثانياً بأنَّه يردُّ الثاني ما تصدَّى له عليه السلام بصدد الامتثال من التذكير بكلٌّ من السراء والضرَّاء مما جَرَى عليهم وعلى غيرهم حسبما يُتْلَى بعدُ(٨)، وهو يُبعدُ صحة الحديث، والقولُ بأنَّ النّقَم بالنسبة إلى قوم نِعَمُ بالنسبة إلى آخرين، كما قيل: مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ(٩) (١) في الأصل و(م): غرر، والمثبت من المصادر. (٢) معلقة عمرو بن كلثوم بشرح ابن كيسان ص٥٨، وشرح القصائد المشهورات ٩٨/٢، وشرح القصائد العشر ص٢٦٢، وشرح المعلقات السبع ص٩٨، وورد عند ابن كيسان: ولهم، بدل: غرّ. (٣) في حاشيته على البيضاوي ٢٥٢/٥، ولفظ عجزه فيه: عضضنا الملك فيها إن بدينا. (٤) صدر بيت عجزه: لها غررٌ معلومةٌ وحجول، والبيت من قصيدة قيل: هي للسموءل، وقيل: هي لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي. ديوان المعاني ٣٧/١، وشرح الحماسة للمرزوقي ١٢١/١، والمثل السائر ١٧٣/١، ومعاهد التنصيص ٣٨٣/١، والتذكرة السعدية ص٣٧. (٥) سنن النسائي الكبرى (١١١٩٦)، وزوائد عبد الله على المسند (٢١١٢٨)، وشعب الإيمان (٤٤١٨). (٦) الدر المنثور ٤ /٧٠. (٧) البحر المحيط ٤٠٦/٥. (٨) تفسير أبي السعود ٣٣/٥. (٩) عجز بيت للمتنبي، وصدره: بذا قَضَتِ الأيامُ ما بين أهلها، وهو في ديوانه ٣٩٩/١. سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٢٢٢ الآية : ٥ مما لا ينبغي أنْ يَلتفتَ إليه عاقلٌ في هذا المقام. نعم إنَّ قوله تعالى: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] ظاهرٌ في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمعُ فيه أقوالاً لا يستدعيه على بعضها . وزعم بعضُهم أنَّ المراد من قومه عليه السلام القِطُ، ((والظلمات والنور)) الكفر والإيمان لا غير. وقيل: قومُه عليه السلام القبطُ وبنو إسرائيل، وكان عليه السلام مبعوثاً إليهم جميعاً إلا أنَّه بُعِثَ إلى القِبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى، وأنْ لا يُشركوا به سبحانه شيئاً، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة. وقيل: هم بنو إسرائيلَ فقط، إلا أنَّ المراد من ((الظلمات والنور)) إنْ كانوا كلُّهم مؤمنين ظلماتُ ذلِّ العبودية ونورُ عزَّة الدين، وظهور أمر الله تعالى. ونحن نقول: نسأل الله تعالى أنْ يُخرجنا وأهلَ هذه الأقوال من ظلمات الجهل إلى نور العلم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في التذكير بأيَّام الله تعالى، أو في الأيام ﴿لَيَاتٍ﴾ عظيمةً أو كثيرةً دالَّةً على وحدانية الله تعالى وقُدرته وعلمه وحكمته، وهي على الأوَّل الأيامُ، ومعنى كونِ التذكير ظرفاً لها كونُه مناطاً لظهورها، وعلى الثاني كذلك أيضاً إلا أنَّ كلمةَ ((في)) تجريديَّة، أو هي عليه كل واحدةٍ من النعماء والبلاء، والمشارُ إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموعٌ. وجوِّز أنْ يُراد بالأيام فيما سبق أنفسُها المنطوية على النعم والنقم، فإذا كانت الإشارة إليها وحُملَت الآياتُ على النعماء والبلاء، فأمر الظرفية ظاهرٌ. ﴿لَكُلِّ صَبَّارٍ﴾ كثيرِ الصبر على بلائه تعالى ﴿شَكُورٍ ﴾﴾﴾ كثير الشكر لنعمائه عزَّ وجل. وقيل: المراد لكلِّ مؤمنٍ، فعلى الأول الوصفان عبارتان لمعنّيَين، وعلى هذا عبارةٌ عن معنى واحد على طريق الكناية كـ : حيّ مستوي القامةِ بادي البشرة، في الكناية عن الإنسان، والتعبيرُ عن المؤمن بذلك للإشعار بأنَّ الصبر والشكر عنوانُ المؤمن الدالّ على ما في باطنه. والمرادُ ـ على ما قيل -: لكلِّ مَن يليقُ بكمال الآية : ٦ ٢٢٣ سُورَةُ إبرَاهِيمَ الصبر والشكر، أو الإيمان ويصيرُ أمرُه إلى ذلك، لا لمن اتَّصف به بالفعل؛ لأنَّ الكلام تعليلٌ للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤذِّي إلى تلك المرتبةِ، فإنَّ من تذكَّر ما فاضَ أو نزل عليه أو على ما قبله، من النعمة والنقمة وتنبَّهَ لعاقبة الصبرِ والشكر أو الإيمان، لا يكادُ يُفارق ذلك، وتخصيصُ الآياتِ بالصبار الشكور لأنَّه المنتفع بها، لا لأنَّها خافية عن غيره، فإنَّ التبيين حاصلٌ بالنسبة إلى الكلِّ، وتقديمُ الصبر على الشكر لما أنَّ الصبر مفتاحُ الفرج المقتضي للشكر، وقيل: لأنَّه من قَبِيل التروك؛ يقال: صَبَّرتُ الدابة، إذا حبستَها بلا علفٍ، والشكر ليس كذلك فإنَّه كما قال الراغب: تَصوُّرُ النعمة وإظهارُها، قيل: وهو مقلوبُ الكَشْر، أي: الكَشْف، وقيل: أصلُه من عَينٍ شَكْرَى، أي: ممتلئةٍ، فالشكر على هذا هو الامتلاءُ من ذكر المُنعِم عليه، وهو على ثلاثة أَضرُب: شُكرُ القلب، وشُكرُ اللسان، وشكر الجوارح، وذكر أن تَوفِيَّةَ شُكرِ الله تعالى صعبةٌ، ولذلك لم يُثْنِ سبحانه بالشكر على أحدٍ من أوليائه إلا على اثنين نوح وإبراهيمَ عليهما السلام(١). وقد يكون انقسام الشكر على النعمة وعدمُ انقسام الصبر على النقمة وجهاً للتقديم والتأخير، وقيل: ذلك لتقدُّم متعلّق الصبر، أعني: البلاء، على متعلّق الشكر، أعني: النعماء. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ شروعٌ في بيان تصدِّيه عليه السلام لِمَا أُمِرَ به من التذكير للإخراج المذكور. و((إذا منصوبٌ على المفعولية عند كثيرٍ بمضمَرٍ خُوطِبَ به النبيُّ وَّه وتعليقُ الذِّكْر بالوقت مع أنَّ المقصود تذكيرُ ما وَقَع فيه من الحوادث لِمَا مرَّ غير مرة، أي: اذكر لهم وقتَ قوله عليه السلام ﴿لِقَوْمِهِ﴾ الذين أمرناه بإخراجهم من الظلمات إلى النور: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ الَّهِ﴾ تعالى الجليلة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبدأ عليه السلام بالترغيب؛ لأنَّه عند النفس أقبلُ، وهي إليه أَميَلُ، وقيل: بدأ بهذا الأمرِ لِمَا بينه وبينَ آخِرِ الكلام السابق من مَزيد الرَّبْط، ولا يخفى أنَّ هذا إنَّما هو على تقدير أنْ يكون عليه السلام مأموراً بالترغيب والترهيب، أمَّا إذا كان مأموراً بالترغيب فقط فلا سؤالَ. والظرفُ متعلِّقٌ بنفس النعمة إنْ جُعِلَت مصدراً بمعنى الإنعام، أو بمحذوفٍ وَقَع حالاً منها إِنْ جُعِلَت اسماً، أي: اذكروا إنعامَه عليكم أو نعمتَه كائنةً عليكم. (١) مفردات ألفاظ القرآن (شكر). الآية : ٦ ٢٢٤ سُدَّةُ ابْرَاهِيمَ و((إذ)) في قوله سبحانه: ﴿إِذْ أَنْجَئِكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ يجوز أنْ يتعلَّق بالنعمة أيضاً على تقدير جعلها مصدراً، أي: اذكروا إنعامَه عليكم وقتَ إنجائكم. ويجوز أنْ يتعلَّق بكلمة ((عليكم)) إذا كانت حالاً لا ظرفاً لغواً للنعمة؛ لأنَّ الظرف المستقرَّ لنيابته عن عامله يجوز أنْ يَعمل عملَه، أو هو على هذا معمولٌ لمتعلّقه، كأنَّه قيل: اذكروا نعمةَ الله تعالى مستقرَّةٌ عليكم وقتَ إنجائكم. ويجوزُ أنْ يكونَ بدلَ اشتمالٍ من ((نعمةَ الله)) مراداً بها الإنعامُ أو العطيةُ المنعَمُ بها. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أي(١): يبغونكم، من سَامَهُ خسفاً، إذا أَوْلاه ظلماً، وأَصلُ السَّوم كما قال الراغب: الذهابُ في طلب الشيء، فهو لفظٌ لمعنّى مركبٍ من الذهاب والطلب، فأُجرِي مُجرى الذهاب في قولهم: سامَت الإبلُ فهي سائمةٌ، ومجرى الطلب في قولهم: سمتُه كذا(٢). ﴿سُوّءَ الْعَذَابِ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ((يسومونكم)) والسُّوء مصدرُ ساءً يسوءُ، والمرادُ جنسُ العذاب السيِّئ، أو استعبادُهم واستعمالهم في الأعمال الشاقَّة والاستهانة بهم وغير ذلك. وفي ((أنوار التنزيل)): أنَّ المرادَ بالعذاب ها هنا غيرُ المراد به في سورة البقرة والأعراف؛ لأنَّه مفسَّرٌ بالتذبيح والتقتيل ثَمَّ، ومعطوفٌ عليه التذبيحُ المفاد بقوله تعالى: ﴿وَيُدَِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ها هنا(٣). وفيه إشارةٌ إلى وجْهِ العطف وتركه مع أنَّ القصةَ واحدة، وحاصلُ ذلك أنَّه حيث طرح الواو قصدَ تفسيرَ العذاب وبيانه، فلم يعطف؛ لما بينهما من كمال الاتِّصال، وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذابُ إنْ كان المرادُ به الجنسَ، فالتذبيحُ لكونه أشدَّ أنواعه، عُطِفَ عليه عظْفَ جبريلَ على الملائكة عليهم السلام، تنبيهاً على أنَّه لشدَّته كأنَّه ليس من ذلك الجنس، وإنْ كان المراد به غيرَه كالاستعباد(٤)، فهما متغايران، والمحلُّ محلُّ العطف. (١) قوله: أي، ليس في (م). (٢) مفردات ألفاظ القرآن (سام). (٣) تفسير البيضاوي ٥/ ٢٥٣. (٤) في الأصل: كالاستبعاد، والمثبت من (م). الآية : ٦ ٢٢٥ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ وقد جوَّز أهلُ المعاني أنْ يكونا بمعنّى في الجميع، وذُكِرَ الثاني للتفسير، وتَرْكُ العطف في السورتين ظاهرٌ، والعطفُ هنا لعدِّ التفسير - لكونه أَوفى بالمراد وأَظهرَ . بمنزلةِ المغاير، وهو وجهٌ حسنٌ أيضاً. وسببُ هذا التذبيح أنَّ فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة: إنه سيُولَد لبني إسرائيل مَن يذهبُ بملكه، فاجتهدوا في ذلك فلم يُغْنِ عنهم من قضاء الله تعالى شيئاً . وقرأ ابنُ محيصن: ((ويَذْبَحون))(١) مضارع ذَبَحَ ثلاثيّاً. وقرأ زيدُ بنُ عليّ . كذلك إلا أنَّه حذف الواو (٢). ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ﴾ أي: يُبْقُونَهنَّ في الحياة مع الذُّلِّ، ولذلك عُدَّ من جملة البلاء، أو لأنَّ إبقاءَهُنَّ دون البنين رزيَّةٌ في نفسه، كما قيل: ومِن أَعظمِ الرُّزءِ فيما أَرَى بقاءُ البنات ومَوتُ البنينا(٣) والجُمَلُ أحوالٌ من ((آل فرعون)»، أو من ضمير المخاطَبين، أو منهما جميعاً؛ لأنَّ فيها ضميرَ كلٍّ منهما، ولا اختلاف في العامل؛ لأنَّه وإنْ كان في آل فرعون (مِن)) في الظاهر، لكنَّه لفظ ((أنجاكم)) في الحقيقة، والاقتصار على الاحتمالَين الأوَّلَين هنا، وتجويز الثلاثةِ في سورة البقرة - كما فعل البيضاوي بيَّضَ الله تعالى غُرَّة أحواله - لا يظهر وَجْهُهُ . ﴿وَفِ ذَلِكُمْ﴾ أي: فيما ذكرنا من الأفعال الفظيعة ﴿بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: ابتلاءٌ منه تعالى، لا أن (٤) البلاءَ عينُ تلك الأفعال، اللهم إلا أنْ تجعلَ ((في)) تجريديَّة، فنسبتُه إلى الله تعالى إمَّا من حيث الخلقُ، وهو الظاهرُ، أو الإقدارُ والتمكين. ويجوز أنْ يكونَ المشارُ إليه الإنجاء من ذلك، والبلاء: الابتلاء بالنعمة، فإنَّه يكون بها كما يكون بالمحنة، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ [الأنبياء: ٣٥] وقال زهير: ◌ِتْنَةٌ﴾ (١) المحرر الوجيز ٣٢٥/٣، والبحر المحيط ٤٠٧/٥. (٢) البحر المحيط ٥/ ٤٠٧. (٣) ذكره الشهاب في حاشيته ٥/ ٢٥٣. (٤) في الأصل: إلا أن، وفي (م): لأن، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٨٩/٥ والكلام منه. سُورَةُ إبرَاهِيمٌ ٢٢٦ الآية : ٧ فأَبْلَاهما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو (١) جَزَى اللهُ بالإحسان ما فَعَلا بكم وهو الأنسب بصدر الآية، ويُلوِّح إليه التعرُّض لوصف الربوبية، وعلى الأوَّل يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاء، أو باعتبار أنَّ بلاء المؤمن تربيةٌ له ونفعٌ ، لا يُطاقُ حملُه، أو عظيمُ الشأن جليلُ القدر. في الحقيقة. ﴿عَظِيمٌ ) ﴿وَإِذْ نَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ داخلٌ في مقول موسى عليه السلام لا كلامٌ مبتدَأٌ، وهو معطوفٌ على نعمة الله، أي: اذكروا نعمةَ الله تعالى عليكم، واذكروا حينَ تأذَّن ربّكم، أي: آذن إيذاناً بليغاً، وأَعلَمَ إعلاماً لا يبقى معه شُبهةٌ؛ لما في صيغة التفعُّل من معنى التكلُّف المحمول في حقِّه تعالى، لاستحالةِ حقيقته عليه سبحانه على غايته التي هي الكمال، وجوز عطفه على ((إذ أنجاكم)) أي: اذكروا نعمتَه تعالى في هذَين الوقتَين، فإنَّ هذا التأذُّن أيضاً نعمةٌ من الله تعالى عليهم لِمَا فيه من الترغيب والترهيب الباعثَين إلى ما ينالون به خيرَي الدنيا والآخرة. وفي قراءة ابن مسعود: (وإذْ قال ربُّكم))(٢). ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ﴾ ما خَوَّلْتُكم من نعمةِ الإنجاء من الإهلاك(٣) وغير ذلك، وقابلتموه بالإيمان أو بالثبات عليه أو الإخلاص فيه والعمل الصالح ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: نعمةً إلى نعمة، فإنَّ زيادةَ النعمة ظاهرةٌ في سَبْق نعمةٍ أُخرى. وقيل: يُفْهَم ذلك أيضاً من لفظ الشكر، فإنَّه داٌّ على سبق النعم، فليس الزيادةُ لمجرَّد الإحداث. والظاهر - على ما قيل - أنَّ هذه الزيادة في الدنيا، وقيل: يحتمل أنْ تكونَ في الدنيا وفي الآخرة، وليس ببعيدٍ، وعن ابن عباس ﴿: لئن وخَّدتُم وأطعتُم لأزيدنَّكم في الثواب. وعن الحسن وسفيان الثوري أنَّ المعنى: لئن شكرتُم إنعامي لأزيدنَّكم من طاعتي. والكلُّ خلافُ الظاهر. وذكر الإمام(٤) أنَّ حقيقةَ الشكر الاعترافُ بنعمة المُنعِم مع تعظيمه، وبيانُ زيادة (١) والبيت في ديوانه ص١٠٩، وتقدم ٦٩/١٠. (٢) ذكرها الطبري في تفسيره ١٢/ ٦٠١، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٠٧. (٣) في (م): إهلاك. (٤) تفسير الرازي ٨٦/١٩. الآية : ٧ ٢٢٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ النعم به أنَّ النِّعمَ منها روحانيةٌ ومنها جسمانيةٌ، والشاكرُ يكون أبداً في مطالعة أقسامٍ نِعَمِ الله تعالى وأنواعٍ فضله وكرمه، وذلك يوجب تأكُّدَ محبة الله تعالى المُحسنِ عليه بذلك، ومقامُ المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يَتَرقَّى العبدُ من تلك الحالة إلى أنْ يكون حبُّه للمُنعِم شاغلاً له عن الالتفات إلى النعمة، وهذه أعلَى وأغلَى، فثبَتَ من هذا أنَّ الاشتغال بالشكر يُوجبُ زيادةَ النعم الروحانية، وكونُه موجباً لزيادة النعم الجسمانية فللاستقراء الدالٌ على أنَّ كلَّ مَن كان اشتغالُه بالشکر أکثر، کان وصولُ النعم إلیه أکثر، وهو كما ترى. ﴿وَلَپِن كَفَرٌ﴾ ذلك وغمطتُموه ولم تشکروه كما تدلُّ عليه المقابلة، وقيل: المرادُ بالكفر ما يقابلُ الإيمان، كأنَّه قيل: ولئن أشركتُم ﴿إِنَّ عَذَاِ لَشَدِيدٌ فعسى يُصيبكم منه ما يُصيبكم، ومن عادة الكرام غالباً التصريحُ بالوعد والتعريضُ بالوعيد، فما ظنُّك بأكرم الأكرمين، فلذا لم يقل سبحانه: إنَّ عذابي لكم، أو(١): لأعذِّبنَّكم كما قال جلَّ وعلا: (لَأَزِيدَنَّكُمْ). وجوِّز أنْ يكون المذكور تعليلاً للجواب المحذوف، أي: لأعذِّبنكم، وبيَّن الإمام وَجْهَ كون كفرانِ النِّعَم سبباً للعذاب أنَّه لا يحصلُ الكفرانُ إلا عند الجهل يكون تلك النعمةِ من عند(٢) الله تعالى؛ والجاهلُ بذلك جاهلٌ بالله تعالى، والجهلُ به سبحانه من أعظم أنواع العذاب(٣). والآية مما اجتمع فيها القَسَمُ والشرط، فالجواب سادٍّ مسدَّ جوابيهما، والجملةُ إمَّا مفعول لـ ((تأذَّنَ)) لأنَّ ضَربٌ من القول، أو مفعولُ قولٍ مقدَّر منصوب على الحال سادٌّ معمولُه مسدّه، أي: قائلاً: لئن شكرتم ... إلخ، وهذان مذهبان مشهوران للكوفية والبصرية في أمثال ذلك. واستدلَّ بالآية على أنَّ شكر المُنعمِ واجبٌ، وهو مما أجمعَ عليه السُّنِيُّون والمعتزلةُ إلا أنَّ الأَوَّلِينَ على وجوبه شرعاً، والآخِرِينَ على وجوبه عقلاً، وهو (١) ليس في (م). (٢) قوله: عند، ليس في (م). (٣) تفسير الرازي ٨٦/١٩. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٢٨ الآيتان : ٨-٩ مبنيٌّ على قولهم بالحُسن والقُبح العقليَّين، وقد هذَّ أركانَه أهلُ السنة، على أنَّه لو قيل به لم يكَدْ يتمُّ لهم الاستدلال بذلك في هذا المقام، كما بُيِّن في محلِّه. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لهم: ﴿إِن تَكْفُرُواْ﴾ نِعَمَه سبحانه ولم تشكروها ﴿أَنتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿وَمَنْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ من الناس، وقيل: من الخلائق ﴿جميعًا﴾ لم يتضرَّر هو سبحانه، وإنَّما يتضرَّر من يكفُر ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ﴾ عن شكركم وشكرهم ﴿حِیدُ مستوجبٌ للحمد بذاته تعالى، لكثرة ما يُوجبه من أياديه وإنْ لم يحمَدْه أحدٌ، أو محمودٌ تحمَدُه الملائكةُ عليهم السلام، بل كلُّ ذَرَّةٍ من ذرات العالم ناطقةٌ بحمده. والحمدُ حيث كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدلَّ على كماله جلَّ وعلا، وهو تعليلٌ لِمَا حُذف من جواب ((إنْ تكفروا)) كما أشرنا إليه. ثم إنَّ موسى عليه السلام بعد أنْ ذكَّرهم أوَّلاً بنعمائه تعالى عليهم صريحاً، وضمَّنه بذكر ما أصابهم من الضراء، وأمرهم ثانياً بذكر ما جَرَى منه سبحانه من الوعد بالزيادة على الشكر والوعيدٍ بالعذاب على الكفر، وحقّق لهم مضمونَ ذلك، وحذَّرهم من عند نفسه عن الكفران ثالثاً لمَّا رأى منهم ما يوجبُ ذلك = شَرَع في الترهيب بتذكير ما جَرَى على الأمم الدارجة فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَبَؤُأ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ليتدبَّروا ما أصاب كلَّ واحدٍ من حِزبَي المؤمن والكافر، فيتمَّ له عليه السلام مقصودُه منهم. وجوزِ أنْ يكون من تَتمَّة قوله عليه السلام: ((إن تكفروا)» ... إلخ على أنَّه كالبيان لِمَا أُشير إليه في الجواب من عَود ضَرَر الكفران على الكافر دونَه عزَّ وجلَّ. وقيل: هو من كلامه تعالى جيء تَتَمَّةً لقوله سبحانه: (لَيِن شَكَرْتُمْ) ... إلخ، وبياناً لشدَّة عذابه، ونَقلُ كلام موسى عليه السلام مُعترِضٌ في البين، وهو كما ترى. وقيل: هو ابتداءُ كلام منه تعالى مخاطباً به أمة محمد وَلِّ بعدَ ما ذكر إرسالَه عليه الصلاة والسلام بالقرآن، وقصَّ عليهم من قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أمته، ولعلَّ تخصيصَ تذكيرهم بما أصاب أولئك المعدودين مع قُرب غيرِهم إليهم للإشارة إلى أنَّ إهلاكَه تعالى الظالمين ونَصْرَه المؤمنين عادةٌ قديمة له سبحانه وتعالى، ومن الناس من استبعد ذلك. الآية : ٩ ٢٢٩ سُورَةُ أَبْرَاهِيمَ ﴿قَوْمِ نُوجِ﴾ بدلٌ من الموصول أو عطفُ بيان ﴿وَعَادٍ﴾ معطوفٌ على ((قوم نوح)) ﴿وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هؤلاء المذكورين، عطف على ((قومٍ نوح)) وما عطف عليه، وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراضٌ، أو الموصول مبتدأ، وهذه الجملة خبرُه، وجملةُ المبتدأ وخبرِهِ اعتراضٌ، والمعنى على الوجهين أنَّهم(١) من الكثرة بحيث لا يَعلمُ عددَهم إلا الله تعالى. ومعنى الاعتراض على الأول: ألم يأتِكم أنباءُ الجمِّ الغفير الذي لا يُحصَى كثرةً فتعتبروا بها أنَّ في ذلك لمعتبراً (٢). وعلى الثاني: هو تَرَقِّ، ومعناه: أَلَم يأتِكم نبأُ هؤلاء ومن لا يُحصَى عددهم، كأنَّه يقول: دع التفصيلَ، فإنَّه لا مطمع في الحصر، وفيه لطفٌ لإيهام الجميع بين الإجمال والتفصيل، ولذا جعَلَه الزمخشريُّ أولَ الوجهَين(٣)، وما روي عن ابن عباس ◌ًَّا أنَّه قال: بين عدنان وإسماعيلَ عليه السلام ثلاثونَ أباً لا يُعرَفون (٤)، وعن ابن مسعود ظُه أنَّه إذا قرأ هذه الآية قال: كذَبَ النسَّابون(٥). يعني أنَّهم يَدَّعون علم الأنساب، وقد نَفَى الله تعالى علمها عن العباد = أظهرُ فيه على ما قيل. ومن هنا يعلم أنَّ ترجيحَ الطيبي الوجْهَ الأوَّل بما رجَّحه به ليس في محلِّه. واعترض أبو حيان القولَ بالاعتراض بأنَّه لا يكونُ إلا بين جُزْأَين يَطلبُ أحدهما الآخر (٦)، وما ذكر ليس كذلك، ومنع بأنَّ بين المعترض بينهما ارتباطاً يطلبُ به أحدُهما الآخر، لأنَّه يجوز أنْ تكونَ الجملة الآتية حالاً بتقدير ((قد)) والاعتراضُ يقع بين الحال وصاحبها، فليس ما ذُكر مخالفاً لكلام النحاة، ولو سلّم أنَّها ليسَت بحاليَّةٍ فما ذكروه هنا على مصطلح أهلِ المعاني، وهم لا يشترطون الشرط المذكور، حتى جوَّزوا أنْ يكون الاعتراضُ في آخر الكلام، (١) في حاشية (م): إلا أن مرجع الضمير في أنهم مختلف. (٢) في الأصل: لمعتبر. (٣) قوله: أول الوجهين، ساقط من الأصل، وأثبتناه من (م)، وينظر الكشاف ٣٦٨/٢. (٤) الدر المنثور ٤/ ٧٢. (٥) تفسير الطبري ١٣/ ٦٠٤. (٦) البحر المحيط ٤٠٨/٥. سُوقُابْرَاهِيمَ ٢٣٠ الآية : ٩ كما صرَّح به ابنُ هشام في («المغني))(١)، مع أنَّ الجملةَ الآتيةَ مُفسِّرة لما في الجملة الأولى، فهي مرتبطةٌ بها معنًى، واشتراط الارتباط الإعرابي عند النحاة غيرُ مسلَّم أيضاً، فتأمَّل. وجعل أبو البقاء جملة ((لا يعلمهم إلا الله)) - على تقدير عطفِ الموصولِ على ما قبلُ - حالاً من الضمير في ((من بعدهم))، وجوّز الاستئناف، ولعلَّه أرادَ بذلك الضمير المستقر في الجارِّ والمجرور لا الضمير المجرور بالإضافة، لفقد شرط مجيء الحال منه، وجوّز على تقدير كونِ الموصول مبتدأ كونَ تلك الجملة خبراً، وكونَها حالاً والخبر قوله تعالى: ﴿جَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾(٢). والكثيرُ على أنَّه(٣) استئناف لبیان نبئهم. ﴿ِالْبَيِّنَتِ﴾ بالمعجزات الظاهرة، فبيَّن كلُّ رسولٍ منهم لأمته طريقَ الحقِّ وهداهم إليه، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ أي: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ أي: على زعمكم، وهي البيّنات التي أظهروها حُجَّةً على صحّة رسالتهم. ومرادُهم بالكفر بها الكفرُ بدلالتها على صحة رسالتهم، أو الكتب والشرائع. وحاصلُه أنهم أشاروا إلى جوابھم ھذا کأنَّهم قالوا: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيرُه إقناطاً لهم من التصديق، وهذا كما يقع في كلام المخاطبين أنَّهم يُشيرون إلى أنَّ هذا هو الجواب ثم يُقرِّرونه، أو يقرِّرونه ثم يُشيرون بأيديهم إلى أنَّ هذا هو الجواب، فضمير ((أيديهم)) و((أفواههم)) إلى الكفار. والأيدي على حقيقتها، والردُّ مجازٌ عن الإشارة، وهي تحتمل المقارنةَ والتقدُّم والتأخّر. وقال أبو صالح: المراد أنَّهم وضَعوا أيديهم على أفواههم مُشيرين بذلك للرسل عليهم السلام أن يكفُّوا ويَسكُتُوا عن كلامهم(٤). كأنَّهم قالوا: اسكُتوا فلا ينفعكم الإكثار ونحن مُصرُّون على الكفر لا نُقلع عنه: (١) ص ٥٢١. (٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٩٥/٣ بنحوه. (٣) في الأصل: أنها، والمثبت من (م). (٤) قوله: أن يكفوا ويسكتوا عن كلامهم، ليس في الأصل، وأثبتناه من (م). الآية : ٩ ٢٣١ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ فكم أنا لا أصغي وأنت تُطيل(١) فالضميران للكفار أيضاً وسائرُ ما في النظم على حقيقته. وأخرج ابنُ المنذر والطبرانيُّ والحاكم - وصحَّحه - عن ابن مسعودَظُه: أنَّ المراد أنَّهم عضُّوا أيديهم غيظاً(٢)، من شدّة نَفْرتهم من رؤية الرسل وسماع كلامهم، فالضميران أيضاً كما تقدَّم، واليدُ والفمُ على حقيقتهما، والردُّ كنايةٌ عن العضِّ، ولا يُنافي الحقيقةَ كونُ المعضوضِ الأناملَ كما في قوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظُ﴾ [آل عمران: ١١٩] فإنَّ مَن عضَّ موضعاً من(٣) اليد، يقال حقيقةً: إنَّه عضَّ اليد، وعن ابن عباس ﴿هَا أنَّ المراد أنَّهم وضعوا أيديهم على أفواههم تعجّباً مما جاء به الرسل عليه السلام، وهذا كما يضعُ من غلبه الضحك يدَه على فِيْهِ، فالضميران وسائر ما في النظم كما في القول الثاني. وجوز أنْ يرجعَ الضمير في ((أيديهم)) إلى الكفار، وفي ((أفواههم)) إلى الرسل عليهم السلام، وفيه احتمالان: الأوَّلُ: أنَّهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل عليهم السلام أن اسكُتوا . والآخر: أنَّهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل عليهم السلام منعاً لهم من الكلام. ورُوي هذا عن الحسن. والكلامُ يحتمل أنْ يكونَ حقيقةً، ويحتمل أنْ يكونَ استعارةً تمثيليَّةً بأنْ يُراد بردِّ أيدي القوم إلى أفواه الرسل عليهم السلام عدمُ قبول كلامهم واستماعه مشبِّهاً بوضع اليد على فم المتكلُّم لإسكاته. وظاهر ما في ((البحر)) يقتضي أنَّه حقيقةٌ حيث قال: إنَّ ذلك أبلغُ في الردِّ وأذهبُ في الاستطالة على الرسل عليهم السلام والنَّيل منهم، وأنْ يكونَ الضميرُ في (أيديهم)) للكفار، وضمير ((أفواههم)) للرسل عليهم السلام(٤). (١) عجز بيت لبهاء الدين زهير، وهو في ديوانه ص٢٧٩، وصدره: ويا عاذلي في لوعتي لست سامعاً (٢) المعجم الكبير (٩١١٩)، والمستدرك ٣٥١/٢، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٧٢/٣. (٣) في الأصل: في، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٥٥/٥. (٤) البحر المحيط ٤٠٨/٥ . الآية : ٩ ٢٣٢ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ والأيدي، جمع: يد، بمعنى النعمة، أي: رَدُّوا نِعَمَ الرسل عليهم السلام التي هي أجلُّ النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أُوحيَ إليهم من الشرائع والأحكام في أفواههم، ويكون ذلك مَثَلاً لردِّها وتكذيبها بأنْ يُشبِّه ردَّ الكفار ذلك بردِّ الكلام الخارج من الفم، فقيل: رَدُّوا أيديهم، أي: مواعظهم في أفواههم، والمرادُ عدمُ قبولها . وقيل: المرادُ بالأيدي النعم، والضميرُ الأوَّل للرسل عليهم السلام أيضاً لكنَّ الضميرَ الثاني للكفار على معنى: كذَّبوا ما جاؤوا به بأفواههم، أي: تكذيباً لا مستند له. و((في)) بمعنى الباء، وقد أثبتَ الفرَّاء مجيئها بمعناها، وأنشدَ: ولكنّني عن سِنْبِسٍ لستُ أرغبُ(١) وأرغبُ فيها عن لقيطٍ ورَهْطِهِ وضُعِّف حمل الأيدي على النعم بأنَّ مجيئها بمعنى ذلك قليلٌ في الاستعمال حتى أنكره بعضُ أهل اللغة، وإنْ كان الصحيحُ خلافه، والمعروف في ذلك الأيادي كما في قوله : سأَشكرُ عَمراً إنْ تراخَتْ مَنيَّتي أياديّ لم تُمنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ(٢) وبأنَّ الردَّ والأفواه يُناسب إرادةَ الجارحة، وقال أبو عبيدة: الضميران للكفار، والكلامُ ضربُ مَثَلٍ، أي: لم يؤمنوا ولم يُجيبوا، والعربُ تقول للرجل إذا سكّتَ عن الجواب وأَمسكَ: ردَّ يدَه في فِيْهِ (٣)، ومثله عن الأخفش(٤). وتعقَّبه القُتَبيُّ: بأنَّا لم نَسمَع أحداً من العرب يقول: ردَّ فلانٌ يدَه في فِيْهِ: إذا سكَتَ وتَركَ ما أُمِرَ به(٥). وفيه أنَّهما سمعا ذلك، ومَن سَمِعِ حُجَّةٌ على مَن لم يسمع. (١) معاني القرآن ٢/ ٧٠، والبيت دون نسبة في تفسير الطبري ٦٠٨/١٣، وزاد المسير ٣٤٨/٤، ولسان العرب: (ذرأ)، وجاء في هامش (م): يعني بنتاً له، ولقيط: اسم رجل، ورهطه: قبيلته، وسنبس: قبيلة أيضاً. (٢) البيت نُسب لعبد الله بن الزبير في الأغاني ٢٢٣/١٤، وخزانة الأدب ٢٦٥/٢، ولأبي الأسود الدؤلي في اللآلي في شرح أمالي القالي ١٦٦/١ . (٣) مجاز القرآن ٣٣٦/١، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٠٩/٥. (٤) كما في البحر المحيط ٤٠٩/٥. (٥) غريب القرآن ص ٢٣٠ - ٢٣١، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٠٩/٥. الآية : ٩ ٢٣٣ سُؤَدَّةُ ابْرَاهِيمٌ قال أبو حيان(١): وعلى ما ذكراه يكونُ ذلك من مجاز التمثيل، كأنَّ المُمسِك عن الجواب الساكِتَ عنه وَضَع يده على فِيْهِ. وردَّه الطبريُّ (٢) بأنَّهم قد أجابوا بالتكذيب؛ لأنَّهم قالوا: ((إنَّا كفرنا)) إلى آخره. وأُجيبَ بأنَّه يحتمل أنْ يكون مرادُ القائل أنَّهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضي الذي يقتضيه مَجيء الرسل عليهم السلام إليهم بالبيِّنات، وهو الاعتراف والتصديق. وقال ابنُ عطية: الضميران للكفار، ويحتمل أنْ يُتْجوَّزَ بـ ((الأيدي)) ويُراد منها ما يشمل أنواعَ المدافعة، والمعنى: ردُّوا جميعَ مدافعتهم في أفواههم، أي: إلى ما قالوا بأفواههم من التكذيب، وحاصلُه أنَّهم لم يجدوا ما يدفعون به كلام الرسل عليهم السلام سوى التكذيبِ المحضٍ، وعبَّر عن جميع المدافعةِ بـ ((الأيدي)) إذ هي موضعُ أشدِّ المدافعة والمُرادَّةُ(٣). وقيل: المرادُ أنَّهم جعلوا أيديهم في محلٌّ ألسنتهم على معنى أنَّهم آذَوا الرسل عليهم السلام بألسنتهم نحو الإيذاء بالأيدي، والذي يُطابق المقامَ وتشهد(٤) له بلاغةُ التنزيل هو الوجه الأول، ونصَّ غيرُ واحدٍ على أنَّه الوجهُ القويُّ؛ لأنَّهم لمَّا حاولوا الإنكار على الرسل عليهم السلام كلَّ الإنكار جَمَعُوا في الإنكار بين الفعل والقول، ولذا أَتَى بالفاء تنبيهاً على أنَّهم لم يمهلوا بل عقَّبوا دعوتَهم بالتكذيب وصدَّروا الجملة بـ ((إنَّ)، ويَلي ذلك على ما في ((الكشف)) الوجهُ الثاني، ولا يخفَى ما في أكثر الوجوه الباقية، فتأمَّل. ﴿وَإِنَّا لَفِى شَاءٍ﴾ عظيم ﴿مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيَّهِ﴾ من الإيمان والتوحيد، وبهذا وتفسير «ما أرسلتم به» بما ذكر أوّلاً یندفعُ ما يُتُوهّم من المنافاة بین جزمھم بالکفر وشگھم هذا . وقيل في دفع ذلك على تقدير كونٍ متعلَّقَي الكفر والشَّكّ واحداً: إنَّ الواوَ بمعنى ((أو))، أي: أحدُ الأمرين لازمٌ، وهو أنَّا كفرنا جزماً بما أرسلتُم به، فإنْ لم (١) البحر المحيط ٤٠٩/٥. (٢) تفسير الطبري ٦٠٩/١٣. (٣) المحرر الوجيز ٣٢٦/٣ ونحوه. (٤) في الأصل: ويسهد، والمثبت من (م). سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٣٤ الآية : ١٠ نجزم فلا أقلّ من أنْ نكونَ شاكِّين فيه؛ وأيًّا ما كان فلا سبيل إلى الإقرار والتصديق. وقيل: إنَّ الكفر عدمُ الإيمان عمَّن هو من شأنه، فـ ((كفرنا)) بمعنى: لم نصدٌق، وبذلك فسَّره ابنُ عباس رِّ، وذلك لا ينافي الشكَّ. وفي ((البحر)) أنَّهم بادروا أولاً إلى الكفر، وهو التكذيب المحض، ثم أخبروا أنَّهم في شكِّ، وهو التردُّد، كأنَّهم نظروا بعضَ نظر اقتضَى أن انتقلوا من التكذيب المحض إلى التردُّد، أو هما قولان من طائفتين؛ طائفة بادَرَت بالتكذيب والكفر، وأُخرى شكَّت، والشكُّ في مثل ما جاءت به الرسل عليهم السلام كفرٌ(١). وهذا أَوْلَى من قرينه. وقرأ طلحة: ((مما تَدْعونًّا))(٢) بإدغام نون الرفع في نون الضمير، كما تُدغم في نون الوقاية في نحو: ﴿أَنُمَّجُوْنِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. ﴿مُرِيبٍ ﴾﴾ أي: مُوقِع في الريبة، مِن أَرابني، بمعنى: أَوقَعَني في ريبة، أَوْ: ذي ريبة، مِنْ أَراب؛ صارَ ذا ريبة، وهي: قَلَقُ النفس وعدمُ اطمئنانها بالشيء، وهو صفة توكيدية . ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ ينساقُ إليه المقامُ، كأنَّه قيل: فماذا قالت لهم رسلُهم حين قابلوهم بما قابلوهم به؟ فأُجيبَ بأنَّهم قالوا مُنكرينَ عليهم ومتعجّبين من مقالتهم الحمقاء: ﴿أَفِ اللَّهِ شَكٌّ﴾! بتقديم الظرف وإدخالِ الهمزة عليه؛ للإيذان بأنَّ مدارَ الإنكار ليس نفسَ الشكِّ بل وقوعه فيمَن لا يكاد يُتُوهَّم فيه الشُّ أصلاً، ولولا هذا القصدُ لجاز تقديم المبتدأ، والقولُ بأنَّه ليس كذلك خطأً ؛ لأنَّ وقوعَ النكرة بعد الاستفهام مسؤٌِّ للابتداء بها، وهو ممَّا لا شكَّ فيه، وكونُ ذلك المؤشّرِ مبتدأَ غيرُ متعيِّن، بل الأرجحُ كونه فاعلاً بالظرف المعتمد على الاستفهام كما ستعلمه(٣) إن شاء الله تعالى. (١) البحر المحيط ٤٠٩/٥ . (٢) المحرر الوجيز ٣٢٧/٣، والبحر المحيط ٤٠٩/٥. (٣) في (م): ستعلم. الآية : ١٠ ٢٣٥ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ والكلامُ على تقدير مضافٍ على ما قيل، أي: أفي وحدانية الله تعالى شكِّ، بناءً على أنَّ المرسَل إليهم لم يكونوا دهريَّةً مُنكرين للصانع، بل كانوا عَبَدَةَ أصنام. وقيل: يُقدَّر: أفي (١) شأن الله، ليعمَّ الوجودَ والوحدةَ؛ لأنَّ فيهم دهريةً ومشركين. وقيل: يُقدَّر حسب المخاطَبين، وتقديرُ الشأن مطلقاً ذو شأن. وفي عدم تطبيق الجواب على كلام الكفرة بأنْ يقولوا: أَنتم في شكِّ مريبٍ من الله تعالى = مبالغةٌ في تنزيه ساحة الجلال عن شائبة الشكِّ، وتسجيلٌ عليهم بسخافة العقول، أي: أفي شأن الله - تعالی شأنه - من وجوده ووحدتهِ ووجوب الإيمان به وحده شكٌّ ما، وهو أظهرُ من كلِّ ظاهر وأَجلَى من كلِّ جَليٍّ، حتى تكونوا من قِله سبحانه في شكِّ عظيمٍ مُريب، وحيث كان مقصدُهم الأقصى الدعوةَ إلى الإيمان والتوحيد، وكان إظهارُ البيّنات وسيلةً إلى ذلك لم يتعرَّضوا للجواب عن قولهم: ((إنَّا كفرنا)) إلى آخره، واقتصروا على بيان ما هو الغايةُ القصوى، وقد يقال: إنَّهم عليهم السلام قد اقتصروا على إنكار ما ذُكر؛ لأنَّه يُعلَم منه إنكارُ وقوع الجزم بالكفر به سبحانه من باب أَولَی. ﴿فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما وما فيهما من المصنوعات على نظامٍ أنيقٍ شاهدٍ بتحقُّق ما أنتم في شكِّ منه. وفي الآية - كما قيل - إشارةٌ إلى دليلٌ التمانع. وجرُّ ((فاطر)) على أنَّه بدلٌ من الاسم الجليل، أو صفةٌ له. وحيث كان ((شكّ)) فاعلاً بالظرف وهو كالجزء من عامله لا يُعَدُّ أجنبيّاً، فليس هناك فصلٌ بين التابع والمتبوع بأجنبيٍّ وبهذا رُجِّحَت الفاعليةُ على المبتدئية؛ لأنَّ المبتدأ ليس كذلك. نعم إلى الابتدائية ذهب أبو حيان(٢)، وقال: إنَّه لا يضرُّ الفصل بين الموصوف وصفتِهِ بمثل هذا المبتدأ، فيجوز أنْ تقول: في الدار زيدٌ الحسنةِ، وإنْ كان أصل التركيب: في الدار الحسنة زيدٌ. وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿هَا: ((فاطرَ))(٣) نصباً على المدح. (١) في (م): في. (٢) البحر المحيط ٤٠٩/٥ . (٣) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٤٠٩/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٣٦ الآية : ١٠ ثم إنه بعد أنْ أُشيرَ إلى الدليل الدالٌّ على تحقَّق ما هم في شكِّ منه، نَّه على عِظَمِ كرمه ورحمتِهِ تعالى فقيل: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أي: إلى الإيمان بإرساله إيّانا لا أنَّا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا، كما يُوهم قولكم: ((مما تدعوننا إليه)). ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ بسببه، فالمدعو إليه غيرُ المغفرة. وتقديرُ الإيمان لقرينة ما سبق. ويحتمل أنْ يكونَ المدعو إليه المغفرةَ، لا لأنَّ اللام بمعنى ((إلى))، فإنَّه من ضِيقِ العَطَن(١)، بل لأنَّ معنى الاختصاص ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاقٌ (٢) الموقع، فكأنَّه قيل: يدعوكم إلى المغفرة لأجلها لا لغرض آخر. وحقيقتُه أنَّ الأغراضَ غاياتٌ مقصودةٌ تُفيدُ معنى الانتهاء وزيادة، قاله في ((الكشف))، وهذا نظيرُ قوله: دعوتُ لِمَا نابني مِسْوَراً فلبَّى فلبَّيْ يَدَيْ مِسوَرِ (٣) ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: بعضها، وهو ما عدا المظالم وحقوقِ العباد على ما قيل، وهو مبنيٌّ على أنَّ الإسلام إِنما يرفعُ ما هو من حقوق الله تعالى الخالصة له دون غيره، والذي صحَّحه المحدِّثون في شرح ما صحَّ من قوله وَله: ((إنَّ الإسلامَ يَهدِمُ ما قبلَه)) (٤) أنَّه يرفع ما قبلَه مطلقاً حتى المظالم وحقوق العباد، وأيّد ذلك بظاهر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] بدون ((مِن))، ومِن هنا ذَهَب أبو عبيدة(٥) والأخفش(٦) إلى زيادة ((مِن)) فيما هي فيه، وجمهورُ البصريين لا يجوِّزون زيادتها في الموجب، ولا إذا جَرت المعرفة كما هنا، فلا يتأتَّى التوفيقُ بذلك بين الآيتين، وجعَلَها الزجَّاج للبيان، ويحصل به التوفيق. (١) يضرب المثل في المنع وضيق الخُلُق، فيقال: فلان ضيِّق العَطَن، والعطن: موضع مَبَارِك الإبل حول الماء. فصل المقال ص٤٣١. (٢) الحاقُّ: الوسط. وحاقُّ كلِّ شيء: وسطه. (٣) الكتاب ٣٥٢/١، وسر صناعة الإعراب ٧٤٧/٢، والمغني ص٧٥٣، وخزانة الأدب ٩٣/٢، قال البغدادي: هذا البيت من الأبيات الخمسين التي لا يعرف لها قائل. ونسبه السيوطي في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١٠ لأعرابي من بني أسد. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧٨٢٧)، ومسلم (١٢١) عن عمرو بن العاص لته، ولفظ أحمد: (یجبُّ))، بدل: ((یهدم)). (٥) مجاز القرآن ٣٣٦/١. (٦) ينظر معاني القرآن ٢٧٢/١ - ٢٧٣، والبحر المحيط ٤٠٩/٥، وحاشية الشهاب ٢٥٧/٥. الآية : ١٠ ٢٣٧ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ وقيل: هي للبدل، أي: ليغفر لكم بدل ذنوبكم، ونُسب للواحدي. وجوِّز أيضاً أنْ تكون للتبعيض ويُراد من البعض الجميع توسُّعاً. وردّ الإمام(١) الأول بأنَّ (مِن)) لا تأتي للبدل، والثاني بأنَّه عين ما نُقل عن أبي عُبيدة والأخفش، وهو منكرٌ عند سيبويه والجمهور، وفيه نظر ظاهر، ولو قال: إنَّ استعمال البعض في الجميع مسلَّم، وأمَّا استعمال ((مِن)) التبعيضية في ذلك فغيرُ مسلّم، لكان أَولَى. وفي ((البحر)): يصحُّ التبعيضُ، ويُراد بالبعض ما كان قبلَ الإسلام، وذلك لا يُنافي الحديث، وتكونُ الآية وعداً بغفران ما تقدَّم لا بغفران ما يستأنف، ويكون ذاك مسكوتاً عنه باقياً تحت المشيئة في الآية والحديث(٢). ونُقل عن الأصمِّ القول بالتبعيض أيضاً على معنى: إنَّكم إذا آمنُم يَغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر، وأمَّا الصغائر فلا حاجةً إلى غفرانها؛ لأنَّها في نفسها مغفورةٌ . واستَظْيَبَ ذلك الطيبي قال: والذي يقتضيه المقامُ هذا؛ لأنَّ الدعوةَ عامةٌ لقوله سبحانه: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِنْ ذُنُوبِكُمْ) كأنَّه قيل: أيُّها الشاُّون الملوَّنون بأوضار الشركِ والمعاصي إنَّ الله تعالى يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أجناس(٣) أنجاسِ الذنوب، فلا وجْهَ للتخصيص، أي: بحقوق الله تعالى الخالصة له، وقد ورد: ﴿إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. و((ما)) للعموم سيَّما في الشرط، ومقامُ الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسطّ لا قبضٌ، والكفار إذا أسلموا إنَّما اهتمامُهم في الشرك ونحوه لا في الصغائر، ويُؤْيِّده ما روي أنَّ أهل مكة قالوا: يزعم محمدٌ أنَّ مَن عبد الأوثان وقتل النفس التي حرّم الله تعالى لم يُغفر له، فکیف ولم نهاچِر وعبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرَّم الله تعالى؟! فنزلت: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ (١) تفسير الرازي ١٩/ ٩٤. (٢) البحر المحيط ٤٠٩/٥. (٣) في (م): أخباث. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٣٨ الآية : ١٠ أَشْرَفُوا عَلَّ أَنْفُسِهِمْ﴾(١) الآية [الزمر: ٥٣]، وقصةُ وَحْشِيٍّ مشهورةٌ (٢)، وجرح ذلك القاضي، فقال: إنَّ الأصمَّ قد أَبعدَ في هذا التأويل؛ لأنَّ الكفار صغائرهم کكبائرهم في أنَّها لا تغفر، وإنَّما تكون الصغيرةُ مغفورةً من الموحّدين من حيث إنهم يزيد ثوابهم على عقابها، وأمَّا مَن لا ثوابَ له أصلاً فلا يكون شيءٌ من ذنوبِهِ صغيراً، ولا يكون شيءٌ منها مغفوراً، ثم قال: وفي ذلك وجهٌ آخر، وهو أنَّ الكافر قد يَنسَى بعضَ ذنوبه في حال توبته وإيمانه، فلا يكون المغفور إلا ما ذكره وتاب منه. اهـ. ولو سمع الأصمُّ هذا التوجيه لأخذ ثأرَه من القاضي، فإنَّه لَعمري توجيهٌ غیرُ وجيهٍ؛ ولو أنَّ أحداً سخّم وجهَ القاضي لسخَّمتُ وجهَه. وقال الزمخشري: إنَّ الاستقراء في الكافرين أنْ يأتي ((من ذنوبكم))، وفي المؤمنين ((ذنوبكم)) وكان ذلك للتفرقة بين الخطابَين، ولئلا يُسوَّى في الميعاد بين الفريقَين(٣). وحاصلُه على ما في ((الكشف)) أن ليس مغفرة بعض الذنوب للدلالة على أنَّ بعضاً آخر لا يُغفر، فإنَّه من قبيل دلالة مفهوم اللقب، ولا اعتداد به، کیف وللتخصيص فائدةٌ أخرى هي التفرقة بين الخطابَين بالتصريح بمغفرة الكلِّ، وإبقاءُ البعض في حقِّ الكفرة مسكوتاً عنه لئلا يتَّكلوا على الإيمان. وفيه أيضاً أنَّ هذا معنىَّ حسنٌ لا تكلُّفَ فيه. واعترض ابنُّ الكمال بأنَّ حديث التفرقة إنَّما يتم لو لم يجئ خطابٌ على العموم، وقد جاء كذلك في سورة الأنفال في قوله سبحانه: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: ٣٨]. وأُجيبَ بأنَّ هذا غيرُ وارد، إذ المرادُ التفرقةُ فيما ذكر فيه صيغة: ((ويغفر ذنوبكم)) لا مطلقُ ما كان بمعناه، ولذا أسنَدَ الأمرَ إلى الاستقراء، ومثلُ الزمخشري لا يخفى عليه ما أُورد، ولا يلزم رعاية هذه النكتةِ في جميع المواد. (١) أخرجه الطبري ٢٢٤/٢٠، وذكره الواحدي في أسباب ص٣٨٩، عن ابن عباس ظه. (٢) أخرجها الطبراني في المعجم الكبير ١٩٧/١١، والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٤٠) من حديث ابن عباس (٣) الكشاف ٣٦٩/٢. الآية : ١٠ ٢٣٩ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ وذكر البيضاوي في وجه التفرقة بين الخطابَين ما حاصلُه: لعلَّ المعنى في ذلك أنَّها لما ترتَّبَت المغفرةُ في خطاب الكفرة على الإيمان، لَزِم فيه ((مِن)) التبعيضية لإخراج المظالم؛ لأنَّها غيرُ مغفورةٍ، وأمَّا في خطاب المؤمنين فلما ترتَّبَت على الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها المظالم، لَمْ يحتَجْ إلى (مِن)) لإخراجها؛ لأنَّها خرجَت بما رُبِّبَت عليه (١). وهو مبنيٌّ على خلاف ما صحَّحه المحدَّثون، ويُنافيه ما ذكره في تفسير (مِن ذنوبكم)) في سورة نوح عليه السلام؛ ومع ذا أُورد عليه قوله تعالى: ﴿يَقَّوْمِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينُّ ﴿ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿ يَغْفِرْ لَكُ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٢-٤] حيث ذُكرت ((من)) مع ترتيب المغفرة على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده ((اتقوا))، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُمْ عَلَى تِجَزَقْ﴾ الآية [الصف: ١٠] لعدم ذكر ((من)) مع ترتُّبها على الإيمان. والجواب بأنَّه لا ضيرَ، إذ يكفي ترتّب(٢) ذلك على الإيمان في بعض المواد، فيحمل مثله على أنَّ القصد إلى ترتيبه عليه وحدَه بقرينة ذلك البعض، وما ذكر معه يحمل على الأمر به بعد الإيمان أدنَى من أنْ يقال فيه: ليس بشيء، وبالجملة توجيهُ الزمخشريِّ أوجهُ مما ذكره البيضاوي، فتأمَّل وتذكَّر. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ إلى وقتٍ سمَّاه الله تعالى وجعلَه منتهى أعماركم على تقدير الإيمان ولا يعاجلكم بعذاب الاستئصال، وعن ابن عباس ◌ًا: يُمتِّعكم في الدنيا باللذَّات والطَيِّبات إلى الموت، ولا يلزم مما ذكر القولُ بتعدُّد الأجل كما يزعمه المعتزلة، وقد مرَّ تحقيقُ ذلك(٣) . ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما سبق آنفاً ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْنَا﴾ من غير فضل يُؤْهِّلكم لما تَدَّعُون من الرسالة، والزمخشريُّ تهالك في مذهبه حتى اعتقد أنَّ الكفار كانوا يعتقدون تفضيلَ المَلَك(٤) . (١) تفسير البيضاوي ٢٥٧/٥، وحاشية الشهاب ٢٥٧/٥. (٢) في (م): ترتيب. (٣) ٢٩/٥ وما بعدها. (٤) الانتصاف ٣٦٩/٢ - ٣٧٠. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٤٠ الآية : ١٠ ﴿تُرِيدُونَ﴾ صفةٌ ثانية لـ ((بشر)) حملاً على المعنى كقوله تعالى: ﴿أَبَشَرٌ مَّدُونَا﴾. [التغابن: ٦] أو كلامٌ مستأنفٌ، أي: تريدون بما أنتم عليه من الدعوة والإرشاد ﴿أَن تَصُدُّونَا﴾ بما تدعونا إليه من التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ عمَّا استمرَّ على عبادته آباؤنا من غير شيءٍ يوجبه. وقرأ طلحة: ((أن تصدونًا)) بتشديد النون(١)، وخُرِّج على جَعْل ((أنْ)) مخفّفةٌ من الثقيلة وتقدير فاصل بينها وبين الفعل، أي: أنَّه قد تصدونا، وقد جاء مثل ذلك في قوله : قبلَ أَنْ يُسألوا بأَعظَمِ سُؤْلِ(٢) علموا أَنْ يؤْمَّلونَ فجادوا والأَولَى أنْ يُخرَّج على أنَّ ((أنْ)) هي الثنائيَّة التي تنصب المضارع، لكنَّها لم تعمل، كما قيل في قوله تعالى: ((لمن أراد أن يتمُّ الرضاعة)) [البقرة: ٢٣٣] في قراءة الرفع(٣)، حملاً لها على أُختها ((ما)) المصدرية، كما عملت ((ما)) حملاً عليها فيما ذكره بعضهم في قوله: أَنْ تقرآنٍ على أسماءَ وَيْحَكُما منِّي السلام وأنْ لا تُشعرا أحداً (٤) ﴿فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ أي: إنْ لم يكن الأمرُ كما قلنا بل كنتم رسلاً من قِبَلِهِ تعالى كما تدَّعون، فأتونا بما يدلُّ على صحة ما تدَّعونه من الرسالة حتى نتركَ ما لم نَزَل نعبدُه أباً عن جدِّ، أو على فضلكم واستحقاقكم لتلك المرتبة. قال ابن عطية(٥): إنَّهم استبعدوا إرسال البشر فأرادوا حُجَّة عليه، وقيل: بل إِنَّهم اعتقدوا مُحاليَّته وذهبوا مذهبَ البراهمة (٦)، وطلبوا الحُجَّة على جهة التعجيز، أي: بعثُكم محالٌ وإلا فأتوا بسلطانٍ مبين، أي: إنَّكم لا تفعلون ذلك أبداً. وهو (١) البحر المحيط ٤١٠/٥. (٢) شرح ابن عقيل ٣٨٨/١، وأوضح المسالك ص١٨٧، وشرح قطر الندى ص٢٦١. (٣) البحر المحيط ٢١٣/٢، وشرح المفصل ١٤٣/٨، ونسباها لمجاهد. (٤) الخصائص ٣٩٠/١، ومغني اللبيب ص٤٦، وشرح شواهد المغني للسيوطي ١/ ١٠٠، وخزانة الأدب ٤٢٠/٨. (٥) المحرر الوجيز ٣٢٨/٣. (٦) البراهمة: قبيلة بالهند من ولد برهمي ملك من ملوكهم القدماء، ولهم علامة ينفردون بها وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة، وهم يقولون بالتوحيد على نحو قولنا إلا أنهم أنكروا النبواتِ. الفِصَل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ٦٩ .