Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ٢٨
١٤١
سُوَّةُ الرّعْلِ
أي:" بكلامه المعجِزِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِهِ، وهو المرويُّ
عن مقاتل، وإطلاقُ الذِّكر على ذلك شائعٌ في الذِّكر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ
◌ُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] و﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وسببُ
اطمئنانِ قلوبهم بذلك؛ علمُهم أَنْ لا آيةَ أعظمُ منه، ومن ذلك لا يقترحون الآيات
التي يقترحُها غيرُهم، والعدولُ إلى صيغة المضارع لإفادةِ دوام الاطمئنان وتجدُّدِه
حسب تجدُّد المنزَلِ من الذِّكر.
دون غيره من الأمور التي
﴿أَ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وحدَه ﴿تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ
تميلُ إليها النفوسُ الدنيويَّات، وإذا أريدَ سائرُ المعجزات فالقصرُ من حيث إنها
ليست في إفادة الطمأنينة بالنسبة إلى مَنْ لم يشاهدها بمثابةِ القرآن المجيد؛ فإنه
معجزةٌ باقيةٌ إلى يوم القيامة يشاهدُها كلُّ أحدٍ وتطمئنُ به القلوبُ كافةً، وفيه إشعارٌ
بأن الكَفَرة لا قلوبَ لهم، وأفئدتُهم هواءٌ حيث لم يطمئنُّوا به ولم يعدُّوه آيةً، وهو
أظهرُ الآياتِ وأبهَرُها، وقيل: في الكلام مضافٌ مقدَّر، أي: تطمئنُّ قلوبُهُم بذِكْر
رحمته تعالى ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته تعالى، كقوله تعالى:
تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] وهذا مناسبٌ على ما في ((الكشف))
للإنابة إليه تعالى، والمصدرُ عليه مضافٌ إلى الفاعل، وقيل: المرادُ بذِكْر الله دلائلهُ
سبحانه الدالَّةُ على وحدانيته عزَّ وجلَّ والاطمئنان عن قلقِ الشكِّ والتردُّد، وهذا
مناسب لذِكْر الكفر ووقوعه في مقابلته، وقيل: المراد بذِكْره تعالى أُنساً به وتبثُّلاً
إليه سبحانه، فالمرادُ بالهداية دوامُها واستمرارُها. قيل: وهذا مناسبٌ أيضاً حديثَ
الكفر؛ لأنَّ الكَفَرة إذا ذُكر الله تعالى وحدَه اشمأزَّتْ قلوبهم، والمصدرُ على
القولين مضافٌ إلى المفعول. والوجهُ الأولُ أشدُّ ملاءمةً للنظم، لاسيَّما لقوله
تعالى: ((لولا أُنزِل عليه آية من ربِّه))، والمصدرُ فيه بمعنى المفعول.
ومن الغريب ما نُقل في ((تفسير الخازن))(١) أن هذا في الحَلِفِ بالله، وذلك أنَّ
المؤمن إذا حُلِفَ له بالله تعالى سكّنَ قلبُه، وروى نحوَ ذلك أبو الشيخ عن السدِّي؛
فإِنَّ الحملَ عليه هنا مما لا يُناسب المقام، وأما ما رُوي عن أنس من أنه وَِّ قال
لأصحابه حين نزلت هذه الآية: ((هل تدرونَ ما معنى ذلك))؟ قالوا: الله ورسولُه
(١) ٢٠/٣.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٤٢
الآية : ٢٨
أعلم. قال: ((من أحبَّ الله ورسولَه، وأحبَّ أصحابي)»(١). ومثلُه ما رُوي عن عليّ
كرَّم الله تعالى وجهَهُ من أنه عليه الصلاة والسلام قال حين نزلت: ((ذاك من
أحبَّ الله ورسوله، وأحبَّ أهل بيتي صادقاً غيرَ كاذب، وأحبَّ المؤمنين شاهداً
وغائباً))(٢). فليس المرادُ منه تفسير المراد بذكر الله، بل بيان أن الموصوفين بما ذُكر
مَنْ أحبَّ الله تعالى ورسولَه بَّه، إلخ، وهو كذلك؛ إذ لا يكادُ يتحقَّقُ الانفكاكُ بين
هاتيك الصفات، فليتأمَّل .
ولا تنافيَ بين هذه الآيةِ على سائر الأوجُه وقولِهِ تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] لأنَّ المراد هناك: وَجِلَت من هيبتِه تعالى واستعظامِه جلَّت
عظمته.
وذكر الإمامُ(٣) في بيان اطمئنان القلب بذكره تعالى وجوهاً، فقال: إن
الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثِّر لا يتأثَّر، ومتأثّر لا يؤثِّر، وموجودٌ يؤثّر ويتأثَّر،
فالأول: هو الله تعالى. والثاني: هو الجسمُ؛ فإنه ليس له خاصيةٌ إلا القَبول للآثار
المتنافية، والصفات المختلفة. والثالث: الموجودات الروحانيةُ؛ فإنها إذا توجَّهت
إلى الحضرة الإلهية صارت قابلةً للآثار الفائضة عليها منها، وإذا توجَّهت إلى أعلام
الأجسام اشتاقت إلى التصرُّف فيها؛ لأنَّ عالَمَ الأرواح مدبّرٌ لعالَم الأجسام؛ فإذا
عرف هذا فالقلبُ كلَّما توجَّه إلى مطالعة عالم الأجسام حصَلَ فيه الاضطرابُ
والقلقُ، والميلُ الشديد إلى الاستيلاء عليه والتصرُّف فيه، وإذا توجّه إلى مطالعة
الحضرة الإلهية، وحصلت فيه الأنوارُ الصَّمَدية فهناك يكون ساكناً مطمئتّاً، وأيضاً
إن القلب كلَّما وصل إلى شيءٍ فإنه يطلبُ الانتقالَ منه إلى أمرٍ آخر أشرف منه؛ لأنه
لا سعادةَ في عالم الجسم إلا وفوقها مرتبةٌ أخرى، أما إذا انتهى إلى الاستسعاد
بالمعارف الإلهية والأنوار القُدسية ثبَتَ واستقرَّ، فلم يقدر على الانتقال من ذلك
ألبَّةَ؛ لأنه ليس هناك درجةٌ أخرى في السعادة أعلى منه وأكملُ، وأيضاً إن الإكسير
إذا وقعت ذرَّةٌ منه على الجسم النُّحاسي انقلب ذهباً باقياً على ممرِّ الدهور، صابراً
(١) أخرجه أبو الشيخ فيما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨.
(٢) أخرجه ابن مردويه فيما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨.
(٣) تفسير الرازي ٤٩/١٩.

الآية : ٢٩
١٤٣
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
على الذَّوبان الحاصل بالنار، فإكسيرُ نور الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلِيَه
جوهراً باقياً صافياً نورانياً لا يقبلُ التغيُّر والتبدُّل، ولهذه الأوجه قال سبحانه:
((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)). اهـ.
والأولى أن يقال: إنَّ سبب الطمأنينةِ نورٌ يُفيضه الله تعالى على قلب المؤمن
بسبب ذِكْره، فيُذهِبُ ما فيه من القلق والوحشة ونحو ذلك، وللمناقشة فيما ذُكر
مجال، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة ما يُشبه ذلك.
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بدلٌ من ((القلوب)) أي: قلوب الذين آمنوا،
والأظهرُ أنه بدلُ الكلِّ؛ لأن القلوبَ في الأول قلوبُ المؤمنين المطمئنِّين، وكذلك
لو عُمِّم القلبُ على معنى أنَّ قلوب هؤلاء الأجلَّاء كلُّ القلوب؛ لأنَّ الكفار أفئدتُهم
هواء، وأما الحملُ على بدلِ البعض ليُعمَّم القلب من غير الملاحظة المذكورة
واستنباطِ هذا المعنى من البدل فبعيدٌ، وأما احتمالُه لبدل الاشتمال، وإن استحسنه
الطيبي، فكلا.
أو مبتدأٌ، خبرُه الجملةُ الدعائية على التأويل، أعني: قوله سبحانه: ﴿طُوبَى
لَهُمْ﴾ أي: يقال لهم ذلك، أو لا حاجةً إلى التأويل، والجملةُ خبريةٌ، أو خبرُ
مبتدأ مضمَرٍ، أو نصب على المدح، فـ ((طوبى لهم)) حالٌ مقدَّرة، والعاملُ فيها
الفعلان.
وقال بعضُ المحقّقين: لعلَّ الأشبه وجهٌ آخر: وهو أن يتمَّ الكلامُ عند قوله
تعالى: ((من أناب))، ثم قيل: ((الذين آمنوا وتطمئنُّ قلوبهم)) في مقابلة ((ويقول الذين
كفروا لولا أُنزل)»، وقولُه سبحانه: ((ألا بذِكْر الله) جملةُ اعتراضيةٌ تفيدُ: كيف
لا تطمئنُّ قلوبُهم به، ولا اطمئنانَ للقلب بغيره؟! وقولُه عزَّ وجل: ((الذين آمنوا))
بدلٌ من الأول. وفيه إشارةٌ إلى أن ذِكْر الله أفضلُ الأعمال الصالحة، بل هو كلُّها،
و((طوبى لهم)) خبرُ الأول، فيتُّ التقابُلُ بين القرينتين: ((يقول الذين كفروا)) و((الذين
آمنوا وتطمئنُّ»، وبين جُزْئي التذييل: ((يضلُّ من يشاء ويهدي إليه من أناب)).
ومن الناس من زعم أن الموصولَ الأول مبتدأٌ، والموصول الثاني خبرُه،
و((ألا بذكر الله)) اعتراضٌ، و((طوبى لهم)) دعاءٌ، وهو كما ترى. و((طوبى)): قيل:
مصدرٌ من طاب؛ كبُشْرى وزُلْفى، والواو منقلبةٌ من الياء، كمُؤْسِر ومُؤْقِن.

سُورَةُ الرَّحْمِ
١٤٤
الآية : ٢٩
وقرأْ مَكْوَزَةُ الأعرابيُّ: ((طِيْبَى)) ليسلم الياء(١)، وقال أبو الحسن الهنائي: هي
جمع ◌ِطِيْبة، كما قالوا في كِيْسة: كُوْسى. وتعقَّبه أبو حيان(٢) بأن فِعْلى ليست من
أبنية الجموع، فلعله أراد أنه اسمُ جمع.
وعلى الأول فلهم في المعنى المراد عبارات: فأخرج ابنُ جرير(٣) وغيرُه عن
ابن عباس أن المعنى: فرحٌ وقرَّة عينٍ لهم، وعن الضخَّاك: غِيْطة لهم، وعن قتادة:
حُسْنى لهم، وفي روايةٍ أخرى عنه: أصابوا خيراً، وعن النَّخَعيِّ: خيرٌ كثير لهم،
وفي رواية أخرى عنه: كرامةٌ لهم، وعن سُمَيط بن عَجْلان(٤): دوامُ الخير لهم.
ويرجعُ ذلك إلى معنى: العيش الطيِّب لهم.
وفي رواية عن ابن عباس وابن جُبَير أن ((طوبى)) اسمٌ للجنة بالحبشيَّة، وقيل:
بالهنديَّة، وقال القرطبيُّ(٥): الصحيحُ أنها عَلَم لشجرةٍ في الجنة؛ فقد أخرج أحمدُ،
وابنُ جرير، وابنُ أبي حاتم، وابنُ حبَّان، والطبرانيُّ، والبيهقيُّ في ((البعث
والنشور))، وصحَّحه السُّهيليُّ وغيرُه عن عُثْبة بن عَبْد قال: جاء أعرابيٍّ إلى
رسول الله وَ﴿، فقال: يا رسول الله، أفي الجنة فاكهةٌ؟ قال: ((نعم، فيها شجرةٌ
تُدْعى طوبى، هي نطاقُ الفردوس)). قال: أيُّ شجرٍ أرضنا تُشْبه؟ قال: ((ليس تُشْبه
شيئاً من شجرٍ أرضك، ولكن أتيتَ الشام»؟ قال: لا. قال: ((فإنها تُشْبه شجرةً
بالشام تُدعى: الجَوْزة، تنبُتُّ على ساق واحدٍ، ثم ينتشر أعلاها)). قال: ما عِظَمُ
أصلها؟ قال: ((لو ارتحلتَ جَذَعةً من إبلِ أهلك ما أحطتَ بأصلها حتى تنكسر
(١) القراءات الشاذة ص٦٧، والكشاف ٣٥٩/٢، والبحر ٣٩٠/٥، والدر المصون ٤٩/٧،
وتحرف مكوزة في البحر إلى: بكرة.
(٢) البحر المحيط ٣٨٩/٥.
(٣) تفسير الطبري ٥٢١/٣.
(٤) كذا في الأصل و(م)، وصوابه: شميط، بالشين المعجمة، نص على ذلك ابن ماكولا في
الإكمال، وقيل فيه: سميط، بالسين.
وهو أبو عبيد الله البصري، التيمي، العابد، روى عن مؤذن بني عدي، وروى عنه الصَّغْق بن
حَزْن. الثقات لابن حبان ٦/ ٤٥١، والمؤتلف والمختلف للدارقطني ١٢٤٧/٣، والإكمال
٣٦١/٤.
(٥) تفسير القرطبي ٦٨/١٢.

الآية : ٢٩
١٤٥
سُوَّةُ الرَّعْدِ
تَرْقُوتاها هرماً)). قال: فهل فيها عنبٌ؟ قال: ((نعم)). قال: ما عِظَم العنقودِ منه؟
قال: ((مسيرةُ شهرٍ للغراب الأبقع))(١).
والأخبارُ المصرِّحة بأنها شجرةٌ في الجنة منتشرةٌ جداً. وحينئذٍ فلا كلام في
جواز الابتداء بها، وإن كانت نكرةً، فمسوِّغ الابتداءِ بها ما ذهب إليه سيبويه(٢) من
أنه ذهَبَ بها مذهبَ الدعاء، كقولهم: سلامٌ عليك. إلا أنه ذهب ابنُ مالك إلى أنه
التَزَم فيها الرفعَ على الابتداء، وردًّ عليه بأن عيسى الثقفيَّ قرأ: ((وحسنَ مَآب))
بالنصب(٣)، وخرَّج ذلك ثعلبٌ على أنه معطوفٌ على ((طوبى))، وأنها في موضع
نصبٍ، وهي عنده مصدرٌ معمولٌ لمقدَّر، أي: طاب، واللامُ للبيان كما في:
سُقيا له، ومنهم من قدَّر: جعَلَ طوبى لهم. وقال صاحب ((اللوامح)): إن التقدير:
يا طوبى لهم، ويا حسن مآب، فـ ((حسن)) معطوفٌ على المنادى، وهو مضافٌ
للضمير، واللامُ مقحمةٌ كما في قوله:
يا بؤسَ للجهل ضرَّاراً لأقوام(٤)
ولذلك سقط التنوينُ من بؤس، وكأنه قيل: يا طوباهم، ويا حسنَ مآبهم، أي:
ما أطيَيَهم وأحسنَ مآبهم، كما تقول: يا طِيْبَها ليلةً، أي: ما أطيَبَها ليلةً. ولا يخفى
ما فيه من التكلُّف.
وأجاب السفاقسيُّ عن ابن مالك بأنه يجوز نصبُ ((حسن)) بمقدَّر، أي: ورزَفَهم
حسنَ مآب، وهو بعيدٌ.
وقُرئ: (حُسْنَ مآبٌ)) بفتح النون ورفع («مآب)»(٥)، وخُرِّج ذلك على أن ((حسن))
(١) مسند أحمد (١٧٦٤٢)، وتفسير الطبري ٥٢٨/١٣، وصحيح ابن حبان (٦٤٥٠)، والمعجم
الكبير للطبراني ١٧/ (٣١٣)، والبعث والنشور (٣٠٠)، وتصحيح السهيلي له في التعريف
والإعلام ص٨٤.
(٢) الكتاب ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٣) البحر المحيط ٣٩٠/٥.
(٤) عجز بيت للنابغة الذبياني، وصدره كما في ديوانه ص١٠٥ :
(٥) البحر المحيط ٣٩٠/٥.
قالت بنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ

سُورَةُ الرَّعَلِ
١٤٦
الآية : ٣٠
فعلٌ ماض أصلُه حَسُنَ، نُقلت ضمةُ السين إلى الحاء، ومثلُه جائزٌ في فعله إذا كان
للمدح أو الذمِّ، كما قالوا :
حُسْنَ ذا أدبا(١)
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإرسال العظيم الشأنِ المصحوبِ بالمعجزة الباهرة،
ويجوزُ أن يراد: مثل إرسال الرسل قبلَكَ ﴿أَزْسَلْتَكَ فِ أُمَّةٍ﴾، فيكون قد شبَّه
إرسالَهِ وَلِهِ بإرسال مَنْ قبله، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْر؛ لدلالة قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾
أي: مضت ﴿مِن قَبْلِهَا أُمُّمٌ﴾ كثيرةٌ قد أُرسل إليهم رسلٌ عليهم، ورُوي هذا عن
الحسن، وقيل: الكاف متعلِّقة بالمعنى الذي في قوله تعالى: (قُلْ إِنَ اللّهَ يُضِلُّ مَن
يَشَاءُ) إلخ، أي: كما أنفَذْنا ذلك أرسلناك، ونُقل نحوُه عن الحوفي.
وقال ابنُ عطية (٢): الذي يظهر أنَّ المعنى: كما أجرَينا العادةَ في الأمم السابقة
بأن نُضِلَّ ونَهدي بوحي لا بالآيات المقترحةِ، كذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة
وأرسلناك إليهم بوحي لا بالآيات المقترحة، فنُضلُّ مَنْ نشاء ونهدي من أناب.
وقال أبو البقاء(٣): التقديرُ: الأمر كذلك. والحَسَنُ ما قدَّمناه وما رُوي عن
الحَسَن.
و((في)) بمعنى ((إلى))، كما في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوَأْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ [إبراهيم:
٩] وقيل: هي على ظاهرها، وفيها إشارةٌ إلى أنه من جملتهم، وناشئٌ بينَهم،
ولا تكون بمعنى ((إلى))؛ إذ لا حاجةً لبيان من أُرسل إليهم، وفيه نظرٌ ظاهر. وهي
متعلِّقة بالفعل المذكور، وقولُ الزمخشريِّ(٤) في معنى الآية: يعني: أرسلناك(٥)
إرسالاً له شأنٌ وفضلٌ على الإرسالات، ثم فسَّر كيف أرسلَه بقوله: ((إلى أمةٍ قد
خَلَتْ من قبلها أمم))، أي: أرسلناك في أمة قد تقدَّمها أممٌ كثيرةٌ، فهي آخرُ الأمم،
وأنت خاتمُ الأنبياءِ = لم يُرِدْ به أنها لا تتعلَّق بالمذكور، بل أراد أن المُشار إليه
(١) جزء من بيت لسهم بن حنظلة الغنوي، كما في الأصمعيات ص٥٦، وسلف ٦/ ١٣٤.
(٢) المحرر الوجيز ٣١٢/٣.
(٣) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٨٥/٣.
(٤) الكشاف ٣٥٩/٢.
(٥) في الأصل و(م): أرسلنا. والمثبت من الكشاف.

الآية : ٣٠
١٤٧
سُورَةُ الرَّعَدِ
المبهَمَ لمَّا كان ما بعدَه تفخيماً، كان بيانُه بصِلَة ذلك الفعل حتى يزول الإبهامُ،
ويجوزُ أن يريد ذلك، فيقدّر: أرسلناك ثانياً، ويكون قولُه: أي: أرسلناك في أمة،
إظهاراً للمحذوف أيضاً، لا بياناً لحاصل الآية، وهو الذي آثَرَه العلامةُ الطّيبي.
والتعلُّق بالمذكور هو الظاهر.
وجملة ((قد خلت)) إلخ في موضع الصِّفة لـ ((أمة))، وفائدةُ الوصف بذلك: قيل:
ما أشار إليه الزمخشريُّ. واعتُرض بأنه لا يلزم من تقدُّم أمم كثيرة قبلُ أن لا يكون
أمةٌ يُرسَل إليها بعدُ حتى يلزَمَ أن يكون ◌َّ خاتم الأنبياء عليهم السلام، وبحثَ فيه
الشهابُ(١) بأن المراد بكون إرساله عليه الصلاة والسلام عجيباً أن رسالَتَه أعظمُ من
كلِّ رسالة، فهي جامعةٌ لكلِّ ما يحتاج إليه، فيلزم أن لا نسخَ؛ إذ النسخُ إنما يكون
للتكميل، والكامل أتمَّ كمالٍ غيرُ محتاج لتكميل، كما قال تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]
ولَعَمري إن الاعتراضَ قويٌّ، والبحث في غاية الضَّعف؛ إذ لا يلزمُ من كون
إرساله وَ﴿ عجيباً ما ادَّعاه، ولو سلَّمنا ذلك لا يلزمُ منه أيضاً كونُه عليه الصلاة
والسلام خاتماً؛ إذ بِعثةُ مقرِّر دينه الكامل - كما بُعث كثيرٌ من أنبياء بني إسرائيل
لتقرير دين موسى عليه السلام - لا يأبى ما ذُكر من جامعية رسالته عليه الصلاة
والسلام، ولزومٍ عدم النسخ لذلك كما لا يخفى، ولعلَّه لهذا اختار بعضُهم ما رُوي
عن الحسن، وقَال منَبِّهاً على فائدة الوصف: يعني مثلَ إرسال الرسل قبلَكَ أرسلناك
إلى أممٍ تقدَّمتها أممٌ أُرسلوا إليهم، فليس بِدْعِ إرسالُك إليها .
﴿لِتَتْلُوا﴾ لتقرأ ﴿عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: الكتابَ العظيمَ الشأن، ويُشعر
بهذا الوصف ذِكْر الموصول غيرَ جارٍ على موصوف، وإسنادُ الفعل في صلته إلى
ضمير العَظَمة، وكذا الإيصال إلى المخاطَب المعظّم بدليل سابِقِه على ما سمعتَ
أولاً. وتقديمُ المجرورِ على المنصوب من قَبِيل الإبهام ثم البيان، كما في قوله
تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] وفيه ما لا يخفى من ترقّب النفس إلى
ما سيرد، وحُسْن قَبولها له عند ورودِه عليها. وضميرُ الجمع للأمة باعتبار معناها،
كما رُوعي في ضمير ((خلت)) لفظُها.
(١) حاشية الشهاب ٢٣٨/٥.

سُورَةُ الرَّعْلِ
١٤٨
الآية : ٣٠
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ أي: بالبليغ الرحمة، الذي أحاطت بهم نعمتُه،
ووَسِعَت كلَّ شيءٍ رحمتُه، فلم يشكروا نعمَه سبحانه، لا سيّما ما أنعم به عليهم
بإرسالك إليهم، وإنزالِ القرآن الذي هو مدارُ المنافع الدينيةِ والدنيوية عليهم، بل
قابلوا رحمته ونعمه بالكفر، ومقتضى العقلِ عکسُ ذلك.
وكان الظاهر: بنا، إلا أنه التُفِتَ إلى الظاهر، وأُوثِرَ هذا الاسمُ الدالُّ على
المبالغة في الرحمة للإشارة إلى أن الإرسال ناشئٌ منها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَّآ
أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وضميرُ الجمع للأمة أيضاً، والجملةُ في
موضع الحال من فاعل ((أرسلنا))، لا من ضمير ((عليهم))؛ إذ الإرسالُ ليس للتلاوة
عليهم حالَ كفرهم، ومنهم مَنْ جوَّز ذلك، والتلاوةُ عليهم حالَ الكفرِ ليقفوا على
إعجازه، فيصدِّقوا به؛ لعلمهم بأفانينِ البلاغة، ولا ينافي تلاوته عليهم بعد
إسلامهم.
وجُوِّز في الجملة أن تكون مستأنفةً، والضمير حسبما علمتَ، وقيل: إنه يعودُ
على الذين قالوا: لولا أُنزل عليه آيةٌ من ربِّه، وقيل: يعودُ على (أُمة)) وعلى ((أمم))،
ويكون في الآية تسليةٌ له وَلِهِ .
وعن قتادة، وابن جُرَيج، ومقاتل أن الآيةَ نزلت في مشركي مكة لمَّا رأوا کتابَ
الصُّلح يوم الحُدَيبية، وقد كتَبَ فيه عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهَهُ: بسم الله الرحمن
الرحيم فقال سُهَيل بن عَمرو: ما نعرِفُ الرحمنَ إلا مُسَيلمةَ. وقيل: سمِعَ أبو جهلٍ
قولَ رسول الله وَلي: ((يا الله، يا رحمن))، فقال: إن محمداً ينهانا عن عبادة الآلهة
ـا أنه لمَّا قيل لكفَّار قريش: اسجدوا
وهو يدعو إلهين. فنزلت. وعن ابن عباس
للرحمن، قالوا: وما الرحمنُ؟ فنزلت(١). وضُعِّف كلُّ ذلك بأنه غيرُ مناسبٍ؛ لأنه
يقتضي أنهم يكفرون بهذا الاسم وإطلاقِهِ عليه سبحانه وتعالى، والظاهرُ أنَّ
کفرهم بمسمَّاه.
﴿قُلْ﴾ حين كفروا به سبحانه ولم يوحِّدوه ﴿هُوَ﴾ أي: الرحمنُ الذي كفرتُم به
﴿رَبِ﴾ خالقي ومتولّي أمري، ومُبلغي إلى مراتب الكمال. وإيرادُ هذا قبل قوله
(١) انظر تفسير البغوي ١٩/٣، وتفسير القرطبي ١٢ / ٦٩ - ٧٠.

الآية : ٣٠
١٤٩
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ أي: لا مستحقَّ للعبادة سواه، تنبيهٌ على أن استحقاقَ
العبادة منوطٌ بالرُّبوبية، والجملةُ داخلة في حيِّز القول، وهي خبرٌ بعد خبرٍ عند
بعض، وقال بعضٌ آخر: إنه تعالى بعد أن نَعَى على الكفَرَة حالَهم وعَكْسهم مقتضى
العقل، أمرَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام أن يُنبِّههم على خاصَّة نفسه، ووظيفته من
الشكر، ومآلِ أمره؛ تأنيباً لهم، فقال: قل هو ربِّي الذي أرسلَني إليكم، وأيَّدني
بما أيَّدني، ولا ربَّ لي سواه.
﴿عَلَيْهِ﴾ لا على أحدٍ سواه ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري، لا سيَّما في النُّضْرة
أي: مرجعي، فيُثيبُني على مصابرتكم
علیکم ﴿وَإِلَيْهِ﴾ خاصّة ﴿مَنَاپٍ
ومجاهدتكم. وقوله سبحانه: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) اعتراضٌ أَّد به اختصاصَ التوّل
عليه سبحانه، وتفويضَ الأمور عاجلاً وآجلاً إليه، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿أَّعْ مَآ أُوحِىَ
إِلَّكَ مِن رَّيْكَْ لَآَ إِلَهَ إِلَّ هُوّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]. اهـ. وإلى القول
بالاعتراض ذهب صاحبُ ((الكشف)» وحمَلَ على ذلك كلامَ «الكشاف)»(١) حيث ذکر
بعد: ((هو ربي)): الواحدُ المتعالي عن الشركاء، فقال: جعلَه فائدةَ الاعتراض
بـ ((لا إله إلا هو))، أي: هذا البليغُ الرَّحمة، و((لا إله إلا هو))، فهو بليغُ الانتقام
كما هو بليغُ الرحمة، يرحمني وينتقمُ لي منكم، وهو تمهيدٌ أيضاً لقوله: ((عليه
توكلتُ)) ولم يُجعل خبراً بعد خبر؛ إذ ليس المقصودُ الإخبار بأنه تعالى متوحِّدٌ
بالإلهية، بل المقصودُ أن المتوحِّد بها ربِّي، وذلك يفيدُه الاعتراض، وأما أنَّ
المفهوم من كلامه أنه حالٌ، ولذلك أُجري مجرى الوصف فكلًا، إلا أن يُجعل
حالاً مؤكِّدةً، ولا يُغاير الاعتراضَ إذاً كثيرَ مغايرة، لكن الأول أَمْلَأُ بالفائدة. اهـ.
ولا يخفى ما في توجيه كلام ((الكشاف)) بذلك من الخفاء، وفي كون المقصود
أن المتوحِّد بالإلهية ربي، دون الإخبارِ بأنه تعالى متوحِّدٌ بها - على ما قيل - تأمُّلٌ.
ولعلَّ مبناه أن ما أثبته أوفقُ بالغرض الذي يُشير كلامُه إلى اعتباره مساقاً للآية، وفيه
من المبالغة في وصفه تعالى بالتوخُّد ما لا يخفى.
نعم، قيل: للقول بالاعتراض وجهٌ وأنَّه حينئذٍ لا يبعد أن يقال: إنَّه تعالى بعد
أن ذكر إرساله وَل إليهم، وأنَّ حالَهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة، ولا يقابلون
(١) الكشاف ٢/ ٣٦٠.

سُورَةُ الرَّعْدِ
١٥٠
الآية : ٣٠
رحمته بالشكر فیؤمنوا به ویوحّدوه، أمرَه بالإخبار بتخصیص توگُّله واعتمادِه على
ذلك البليغِ الرحمةِ، ورجوعِه في سائر أموره إليه، إيماءً إلى أن إصرارَهم على
الكفر لا يَضَرُّه شيئاً، وأن له عليه الصلاة والسلام عاقبةً محمودةً، وأنه سبحانه
سينصُرُه عليهم، وفي ذلك من تسفيهِ رأيهم في الإصرار على الكفر، واستنهاضِهم
إلى اتِّباعه ما فيه، إلا أنه عزَّ شأنُه أمرَهَ أن يقول أولاً: ((هو ربي)) توطئةً لذلك،
وجيء بـ ((لا إله إلا هو)) اعتراضاً للتأكيد.
والذي يميلُ إليه الطبعُ بعد التأمُّل وملاحظةِ الأسلوب القولُ بالاعتراض، ثم
لا يخفى أن حمل ((وإليه متاب)) على: إليه رجوعي في سائر أموري، خلافُ
الظاهر، وأنه على ذلك يكونُ كالتأكيد لما قبله، وقال شيخُ الإسلام في
(تفسيره))(١): أي: إليه توبتي، كقوله تعالى: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾ [غافر: ٥٥] أُمر
عليه الصلاة والسلام بذلك إبانةً لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى، وأنها
صفةُ الأنبياء، وبعثاً للكَفَرة على الرجوع عمَّا هم عليه بأبلغ وجهٍ وألطفِهِ؛ فإنه
عليه الصلاة والسلام حيث أُمر بها وهو منزَّه عن شائبة اقتراف ما يُوجِبُها من
الذنب وإن قلَّ، فتوبتُهم وهم عاكفون على أنواع الكفرِ والمعاصي مما لا بدَّ منه
أصلاً. اهـ.
وفيه أن هذا إنما يصلُحُ باعثاً للإقلاع عن الذنب على أبلغِ وجهٍ وألطفه لو كان
الكلامُ مع غير الكَفَرة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولعلَّ ذلك ظاهرٌ عند
المنصف، وقال العلّامةُ البيضاويُّ في ذلك(٢): أي: إليه مرجعي ومرجعُكم، وكأنه
أراد أيضاً: فيرحمُني وينتقِمُ منكم، والانتقامُ من الرحمن أشدُّ كما قيلَ، أعوذُ بالله
تعالى من غَضَب الحليم.
وتُعقِّب بأنه إنما يتمُّ لو كان المضافُ إليه المحذوفُ ضميرَ المتكلِّم ومعه غيرُه،
أي: متابُنا؛ إذ يكون حينئذٍ مرجعي ومرجعُكم تفصيلاً لذلك، ولا يكاد يقول به
أحدٌ مع قوله بكسر الباء؛ فإنه يقتضي أن يكون المحذوفُ الياءَ، على أن ذلك
الضميرَ لا يناسبُ ما قبلَه، ولعلَّ العلّامةَ اعتبرَ أنَّ في الآية اكتفاءً على ما قيل،
(١) تفسير أبي السعود ٢١/٥.
(٢) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٣٩/٥.

الآية : ٣١
١٥١
سُورَةُ الرّعَلِ
أي: متابي ومتابُكم، أو أن الكلام دالٌّ عليه التزاماً، وهذا أَولى على ما قيل،
فتأمل.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾ أي: قرآناً ما، والمرادُ به المعنى اللغويُّ، وهو اسمُ ((أنَّ)،
والخبرُ قولُه تعالى شأنه: ﴿سُِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾، وجوابُ ((لو)) محذوفٌ؛ لانسياقٍ
الکلام إليه، كما في قوله:
فأُقسمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه سواكَ ولكن لم نجدْ لكَ مدفعاً (١)
والمقصود إما بيانُ عِظَم شأن القرآن (٢)، وفسادِ رأي الكَفَرة حيث لم يَقْدُروا
قدرَه، ولم يعدُّوه من قَبِيل الآيات، واقترحوا غيرَه، وإما بيانُ غلوِّهم في المكابرة
والعِناد، وتماديهم في الضلالة والفساد.
والمعنى على الأول: لو أن كتاباً سُيِّرت بإنزاله أو بتلاوته الجبالُ، وزُعزِعت
عن مقارِّها، كما فُعل ذلك بالُور لموسى عليه السلام ﴿أَوَ قُطِّعَتْ بِهِ اُلْأَرْضُ﴾ أي:
شُقِّقت وجُعلت أنهاراً وعيوناً، كما فُعِل بالحَجَر حين ضربه موسى عليه السلام
بعصاهُ، أو جُعلت قطعاً متصدِّعةً، ﴿أَوْ كُلُمَّ بِهِ الْمَوْنُّ﴾ أي: كلَّم أحدٌ به الموتى بأَنْ
أحياهم بقراءته، فتكلَّم معهم بعدُ، وذلك كما وقع الإحياءُ لعيسى عليه السلام،
لكان ذلك هذا القرآن؛ لكونه الغايةَ القُصوى في الانطواء على عجائب آثارٍ قدرة الله
تعالى وهيبتِه عزَّ وجل، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا
مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْبَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] قاله بعضُ المحقّقين.
وقيل: في التعليل: لكونه الغايةَ في الإعجاز، والنهايةَ في التذكير والإنذار.
وتُعقِّب بأنه لا مدخلَ للإعجاز في هذه الآثار، والتذكيرُ والإنذارُ مختصَّان بالعقلاء،
مع أنه لا علاقةَ لذلك بتكليم الموتى، واعتبارُ فيضِ العقول إليها مخلٌّ بالمبالغة
المقصودة، وبُحث فيه بأن ما ذُكر أولاً من مزيد الانطواء على عجائب آثار قدرة الله
تعالى أمرٌ يرجعُ إلى الهَيبة، وهي أيضاً مما لا يترتَّب عليها تكليمُ الموتى(٣)، بل
(١) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٢٤٢ .
(٢) بعدها في (م): العظيم.
(٣) اضطربت العبارة في الأصل، والمثبت من (م).

سُوَرَّةُ الرَّحْدِ
١٥٢
الآية : ٣١
لعلَّها مانعةٌ من ذلك؛ لأنها حيث اقتضت تزعزُعَ الجبال، وتقطّعَ الأرض، فلأَنْ
تقتضي موتَ الأحياء دون إحياء الأموات الذي يكون التکلیمُ بعده من بابٍ أَولی،
وفيه نظر .
والباء في المواضع الثلاثة للسببيَّة، وجُوِّز في الثالث منها أن تكون صلةً
ما عندَها. وتقديمُ المجرور فيها على المرفوع لقصد الإيهام(١)، ثم التفسيرُ لزيادة
التقريرِ على ما مرَّ غير مرَّة، و((أو)) في الموضعين لمنع الخُلُوِّ، لا الجمع، والتذكير
في ((كُلُّم)) لتغليب المذكّر من الموتى على غيره.
واقتراحُهم وإن كان متعلِّقاً بمجرَّد ظهور مثل هذه الأفاعيل العجيبة على
يده وَّي، لا بظهورها بواسطة القرآن، لكنَّ ذلك حيث كان مبنيًّا على عدم اشتماله
في زعمهم على الخوارق نِيْطَ ظهورُها به؛ مبالغةً في شأن اشتماله عليه، وأنه حقيقٌ
بأن يكون مصدراً لكلِّ خارقٍ، وإبانةً لركاكةٍ رأيهم في شأنه الرفيع، كأنه قيل: لو
أنَّ ظهورَ أمثالٍ ما اقترحوه من مقتضيات الحكمة لكان مظهرُها هذا القرآن الذي لم
يعدُّوه آيةً، وفيه من تفخيم شأنه العزيز، ووصفهم بركاكةٍ العقل ما لا يخفى. كذا
حقَّقه بعضُ الأجلَّة، وهو من الحُسْن بمكان.
وعلى الثاني: لو أن قرآناً فُعلت به هذه الأفاعيلُ العجيبةُ لما آمنوا به، كقوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْمَوْقَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، والكلامُ
على ما استظهره الشهابُ(٢) على التقديرين حقيقةٌ على سبيل الفَرض، كقوله:
ولو طار ذو حافرٍ قبلَها لطارت ولكنَّه لم يطِرْ(٣)
وجعلُه على الأول تمثيلاً كالآية المذكورة هناك - على ما قال - لا وجهَ له،
وتمثيلُ الزمخشريِّ(٤) بها لبيان أن القرآن يقتضي غايةَ الخشية، وصنيعُ كثيرٍ من
المحقّقين ظاهرٌ في ترجيح التقدير الأول.
(١) في (م): الإبهام.
(٢) حاشية الشهاب ٢٣٩/٥.
(٣) البيت لأُبيِّ بن ربيعة، وهو من أبيات الحماسة ٥٥٦/٢ بشرح المرزوقي.
(٤) الكشاف ٣٦٠/٢.

الآية : ٣١
١٥٣
سُؤَّةُ الرّعَلِ
وفي ((الكشف)): لو تأمَّلت في هذه السورة الكريمة حقَّ التأمل وجدتَ بناءً
الكلام فيها على حقِّيَّةٍ(١) الكتاب المجيد، واشتماله على ما فيه صلاحُ الدارين،
وأن السعيد كلَّ السعيد مَنْ تمسَّك بحبله، والشقيَّ كلَّ الشقيِّ من أعرض عنه إلى
هواه، حيث قال تعالى أولاً: ﴿وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١]، ثم
تعجَّب من إنكارهم ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ﴾
[الرعد: ٧]، ثم قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْمَنِّ﴾ فأثبتَ حقيَّته بالحجَّة، ثم قال جلَّ
وعلا: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ﴾ [الرعد: ١٧]، وهو مَثَلٌ للحقِّ الذي هو القرآن ومَن
انتفع به، على ما فسَّره المحقّقون. ثم صرَّح تعالى بنتيجة ذلك كلِّه بالبرهان النيِّر
في قوله سبحانه: ﴿أَفَعَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكَ اَلَْقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ [الرعد: ١٩] ثم
أعاد جلَّ شأنُه قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الرعد: ٢٧] دلالةٌ على إنكارهم أولَ
ما أتاهم، وبعد رصانةٍ علمهم بحقِّيَّته فهم متمادون في الإنكار، ثم كرَّ إلى بيان
الحقِّيَّة فيما نحنُ فيه، وبالَغَ المبالغةَ التي ليس بعدها، سواء جُعل داخلاً في حيِّز
القول، أو جُعل ابتداءً كلام منه تعالى تذييلاً، وهو الأبلغُ؛ ليكون مقصوداً بذاته
في الإفادة المذكورة، مؤكّداً لمجموع ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ﴾
[الرعد: ٣٠] من تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل عليه، وشدَّة إنكارهم
وتصميمهم، لا علاوة في أن لم يبقَ إلا التوُّل والصبر على مجاهدتكم؛ إذ
لا وراءَ هذا القرآن حتى أجيءَ به لتُسلموا، ثم فخَّمه ونعى عليهم مكابرتَهم بقوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمَا عَرَبِّأْ﴾ [الرعد: ٣٧] وأيَّد حقِّيَّةَ الكتاب فيمن أُنزل عليه
في خاتمة السورة بقوله جلَّ وعلا: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [الرعد: ٤٣] إلى قوله سبحانه:
﴿عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣] تنبيهاً على أنه مع ظهور أمره في إفادة الحقائق
العرفانيَّة، والخلائق الإيمانيَّة، لا يَعلم حقيقةً ما فيه إلا من تفرَّد به وبإنزاله تبارك
وتعالى. اهـ.
وفي سبب النزول - وستعلمُه قريباً إن شاء الله تعالى - ما يؤيِّد الثاني، والظاهرُ -
على ما حقَّقه وأشرنا إليه أولاً - أنَّ الآية على الأول متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ﴾ [الرعد: ٧]، وهي على الثاني متعلّقة بقوله سبحانه:
(١) في الأصل: حقيقة، والمثبت من (م).

سُورَةُ الرَّعَلِ
١٥٤
الآية : ٣١
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ [الرعد: ٣٠] بياناً لتصميمهم في كفرهم وإنكارهم الآياتِ
ومَنْ أتى بها لا بذلك؛ لبعد المرمى من غير ضرورة.
وقوله تعالى: ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: له الأمرُ الذي يدور عليه فلَكُ
الأكوان وجوداً وعدماً، يفعل ما يشاءُ، ويحكم ما يريدُ حسبما تقتضيه الحكمةُ
البالغة؛ قيل: إضرابٌ عمَّا تقتضيه الشرطيَّةُ من معنى النفي، لا بحسبٍ منطوقِهِ، بل
باعتبار موجَبه ومؤدَّاه، أي: لو أنَّ قرآناً فُعل به ما ذُكر لكان ذلك هذا القرآن،
ولكن لم يفعل سبحانه، بل فعل ما عليه الشأنُ الآن؛ لأنَّ الأمرَ كلَّه له وحده،
فالإضرابُ ليس بمتوجّهٍ إلى كون الأمر لله تعالى، بل إلى ما يؤدِّي إليه ذلك من كون
الشأن على ما كان لما تقتضيه الحكمة. وقيل: إن حاصلَ الإضراب لا يكونُ تسييرَ
الجبال مع ما ذُكر (١) بقرآنٍ، بل يكون بغيره ممَّا أراده الله تعالى؛ فإنَّ الأمر له
سبحانه جميعاً، وزعم بعضُهم أنَّ الأحسن العطفُ على مقدَّرٍ، أي: ليس لك من
الأمر شيء، بل الأمرُ لله جميعاً.
ومعنى قوله سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَأْيِّئَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أفلم يعلموا، وهي(٢) .
كما قال القاسم بنُ معن(٣) - لغةُ هَوازن، وقال ابنُ الكلبيِّ: هي لغةُ حيٍّ من
النَّخَعِ(٤)، وأنشدوا على ذلك قولَ سُحَيم بن وَثيل الرِّياحي:
أقول لهم بالشّغْب إذ يأسرونني
ألم تيأسوا أني ابنُ فارس زَهْدَمِ (٥)
وقولَ رَباح بن عَدِيٌّ :
ألم ييأس الأقوامُ أنِّي أنا ابنُه
وإن كنتُ عن أرض العشيرة نائياً (٦)
(١) قوله: مع ما ذكر، لم يرد في الأصل، والمثبت من (م).
(٢) جاءت في الأصل هكذا: أفلم يعلم واو هي. والمثبت من (م).
(٣) هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الصحابيِّ الهذلي، من علماء
الكوفة بالعربية واللغة والفقه والحديث والشعر، له: النوادر، وغريب المصنف.
(ت١٧٥ هـ). بغية الوعاة ٢/ ٢٦٣.
(٤) قبيلة باليمن. القاموس (نخع).
(٥) البيت في تفسير الطبري ٥٣٥/١٣، والعقد الفريد ٢٤١/٥.
(٦) البيت في تفسير القرطبي ١٢/ ٧٣، وغير منسوب في تفسير الطبري ٥٣٦/١٣.

الآية : ٣١
١٥٥
سُؤَدَّةُ الرَّحَدِ
فإِنكارُ الفرَّاء(١) ذلك، وزعمُه أنه لم يسمع أحد من العرب يقول: يئستُ بمعنى
علمت، ليس في محلِّه، ومَنْ حِفِظَ حجةٌ على من لم يحفظ.
والظاهرُ أن استعمال اليأس في ذلك حقيقةٌ، وقيل: مجازٌ؛ لأنه متضمِّنٌ
للعلم؛ فإنَّ الآيس عن الشيء عالمٌ بأنه لا يكون، واعتُرض بأنَّ اليأسَ حينئذٍ يقتضي
حصولَ العلم بالعدم، وهو مستعملٌ في العلم بالوجود؟ وأُجيب بأنه لما تضمَّن
العلمَ بالعدم تضمَّن مطلقَ العلم، فاستُعمل فيه.
ويشهد لإرادة العلم هنا قراءةُ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وابنِ عباس،
وعليٍّ بن الحسين ﴿ه، وعكرمة، وابن أبي مُلَيكة، والجَحْدري، وأبي يزيد
المدني، وجماعةٍ: ((أفلم يتبيَّن))، من تبيَّنتُ كذا: إذا علمتَه، وهي قراءةٌ مسندةٌ
إلى رسول الله ◌َ﴾(٢)، ليست مخالفةً للسواد؛ إذ كتبوا ((ييئس)) بغير صورة
الهمزة(٣)، وأما قولُ من قال: إنما كتبه الكاتبُ وهو ناعسٌ، فسوَّى أسنان
السين، فهو قولُ زنديقٍ ملحدٍ على ما في ((البحر))(٤)، وعليه فروايةُ ذلك - كما في
((الدر المنثور))(٥) - عن ابن عباس ﴿ه غيرُ صحيحة، وزعَمَ بعضُهم أنها قراءةُ
تفسیرٍ، وليس بذاك.
والفاءُ للعطف على مقدَّر؛ أي: أَغَفِلوا عن كون الأمر جميعه لله تعالى، فلم
يعلموا ﴿أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ﴾ بتخفيف ((أنْ)) وجعل اسمها ضميرَ الشأن، والجملة
الامتناعية خبرها، و((أنْ)) وما بعدها سادٍّ مسدَّ مفعولي العلم. ﴿لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾
بإظهار أمثال تلك الآثار العظيمة، والإنكارُ على هذا متوجّهٌ إلى المعطوفين جميعاً،
(١) معاني القرآن ٢/ ٦٤.
(٢) المحرر الوجيز ٣١٣/٣، وتفسير القرطبي ٧٣/١٢، والبحر المحيط ٣٩٣/٥، والدر
المصون ٧/ ٥٣ - ٥٤.
وبيَّن أبو حيان معنى قوله: قراءة مسندة إلى رسول الله وَ له، بأنها ليست تفسيراً لقوله تعالى:
﴿أَفْلَمْ يَأَيْصَ﴾ ممن قرأ بها، وإنما أرادوا إسناد قراءتها إلى النبي ◌َّه.
(٣) جاء في هامش (م) ما نصه: إن رسم ييأس ولا تيأسوا بألف، ورسم غيرهما من
نظائرهما بدونهما، فليراجع. اهـ منه.
(٤) البحر ٣٩٣/٥.
(٥) الدر المنثور ٤ /٦٣.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٥٦
الآية : ٣١
أو أَعَلموا كونَ الأمر جميعاً لله تعالى، فلم يعلموا ما يوجبُه ذلك العلمُ مما ذُكر،
وحينئذٍ هو متوجّهٌ إلى ترتُّب المعطوف على المعطوف عليه، أي: تخلّف العلم
الثاني عن العلم الأول.
وأيًّا ما كان فالإنكارُ إنكارُ الوقوع لا الواقع، ومناطُ الإنكار ليس عدمَ علمهم
بمضمون الشرطيّة فقط، بل عدم علمهم بعدم تحقّق مقدَّمها، كأنه قيل: ألم يعلموا
أنَّ الله تعالى لو شاء هدايتَهم لهداهم، وأنه سبحانه لم يشأ ذلك، وذلك لما رُوي
عن ابن عباس ﴿ها أنَّ الكفار لما سألوا الآيات ودَّ المؤمنون أن يُظهرها الله تعالى
ليجتمعوا على الإيمان، هذا على التقدير الأول، وأما على التقدير الثاني
فالإضرابُ متوجّةٌ إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في العِناد على ما شُرح،
والمعنى: فليس لهم ذلك، بل لله تعالى الأمرُ، إن شاء أتى بما اقترحوا، وإن شاء
سبحانه لم يأتِ به، حسبما تستدعيه حكمتُهُ الباهرةُ من غير أن يكون لأحدٍ عليه جلَّ
جلاله حكمٌ واقتراح.
واليأسُ بمعنى القنوط كما هو الشائعُ في معناه، أي: ألم يعلم الذين آمنوا
حالَهم هذه، فلم يقنطوا من إيمانهم حتى وُوا ظهورَ مقترحاتهم؟ فالإنكارُ متوجِّه
إلى المعطوفين. أو: أَعلِموا ذلك فلم يقنطوا من إيمانهم؟ فهو متوجّه إلى وقوعٍ
المعطوف بعد المعطوف عليه، أي: إلى تخلُّفِ القُنوط عن العلم المذكور،
والإنكارُ على هذين التقديرين إنكارُ الواقع لا الوقوع؛ فإنَّ عدمَ قنوطهم من ذلك
مما لا مردّ له، وقولُه تعالى: ((أن لو يشاء الله)) إلى آخره مفعولٌ به لِعِلْماً محذوفٌ
وقع مفعولاً له، أي: أفلم ييأسوا من إيمان الكفار عِلْماً منهم بأنه لو يشاءُ الله لهدى
الناسَ جميعاً، وأنه لم يشأ ذلك، وقد يُجعل العلمُ في موضع الحال، أي: عالمين
بذلك، ولم يُعتبر التضمينُ؛ لبُعده، ويجوز أن يكون متعلِّقاً بـ (آمنوا)) بتقدير الباء،
أي: أفلم يقنَطِ الذين آمنوا وصدَّقوا بأنْ لو يشاءُ الله لهدى الناسَ جميعاً، على
معنى: أفلم ييأس من إيمان هؤلاء الكفرةِ المؤمنون بمضمون هذه الشرطيّة، وبعدمِ
تحقُّقها المنفهم من مكابرتهم، حسبما يحكيه كلمةُ ((لو))، فالوصفُ المذكور من
دواعي إنكار يأسَهم(١).
(١) في الأصل: رأيهم، والمثبت من (م).

الآية : ٣١
١٥٧
سُؤَدَّةُ الرَّحْدِ
وبما أشرنا إليه ينحلُّ ما قيل: من أن تعلُّق الإيمان بمضمون الشرطيَّة
وتخصيصَه بالذِّكر يقتضي أنَّ لذلك دخلاً في اليأس من الإيمان، مع أنَّ الأمر
بالعكس؛ لأن قدرةَ الله تعالى على هداية جميع الناس يقتضي رجاءَ إيمانهم لا اليأسَ
منه، وذلك لاعتبار العلم بعدم تحقّق المضمون أيضاً.
وقال بعضُهم في الجواب عن ذلك: إن وجه تخصيصٍ الإيمان بذلك أنَّ إيمانَ
هؤلاء الكَفَرة المصمِّمين كأنه محالٌ متعلِّقٌ بما لا يكون؛ لتوقُّفه على مشيئة الله
تعالى هدايةَ جميع الناس، وذلك ما لا يكونُ بالاتفاق، وهو في معنى ما أُشير إليه.
وذكر أبو حيَّان احتمالاً آخر في الآية: وهو أن الكلامَ قد تمَّ عند قوله سبحانه:
((أفلم ييأس الذين آمنوا))، وهو تقرير، أي: قد يئسَ المؤمنون من إيمانٍ هؤلاء
المعاندين، و((أن لو يشاء)» إلخ جوابُ قسم محذوفٍ، أي: أقسمُ لو يشاءُ الله لهدى
الناسَ جميعاً، ويدلُّ على إضمار القسم وجودُ ((أن)) مع ((لو)) كقوله:
وما بالحرِّ أنتَ ولا العتيقِ(١)
أما والله أَنْ لو كنتَ حرَّا
وقوله:
فأقسمُ أَنْ لوِ التقينا وأنتمُ لكان لنا يومٌ من الشرِّ مظلمٌ(٢)
وقد ذكر سيبويه(٣) أنَّ ((أَنْ)) تأتي بعد القَسَم، وجعلَها ابنُ عصفور رابطةً للقسم
بالجملة المقسَم عليها (٤). انتهى. وفيه من التكلّف ما لا يخفى.
ومن الناس من جعل الإضرابَ مطلقاً عما تضمَّنه ((لو)) من معنى النفي، على
معنى: بل اللهُ تعالى قادرٌ على الإتيان بما اقترحوا، إلا أنَّ إرادتَه لم تتعلَّق بذلك؛
لعلمه سبحانه بأنه لا تلينُ له شكيمتُهم. ولا يخفى أنه ظاهرٌ على التقدير الثاني،
وأما على التقدير الأول فقد قيل: إنَّ إرادةَ تعظيم شأن القرآن لا تنافي الردّ على
(١) البحر المحيط ٣٩٢/٥، والبيت من شواهد ابن هشام في المغني ص٥٠.
(٢) البيت للمسيب بن علس، وهو من شواهد سيبويه في الكتاب ١٠٧/٣، وهو كذلك في
المغني ص ٥٠، وخزانة الأدب ٨٠/١٠.
(٣) الكتاب ١٠٧/٣ .
(٤) البحر المحيط ٣٩٢/٥ - ٣٩٣.

سُؤَادَةُ الرَّحْدِ
١٥٨
الآية : ٣١
المقترحين، وأُيِّد جانبُ الردِّ بما أخرجه ابنُ أبي شيبة، وابنُ المنذر، وغيرُهما عن
الشَّعبيِّ قال: قالت قريش لرسول الله وَّ: إن كنتَ نبيّاً كما تزعمُ فباعِدْ جَبَلَي مكةً
أخشبَيْها هذين مسيرةَ أربعة أيام أو خمسة؛ فإنها ضيِّقةٌ، حتى نزرعَ فيها ونرعى،
وابعثْ لنا آباءنا من الموتى حتى يُكلِّمونا ويُخبرونا أنك نبيٌّ، أو احملنا إلى الشام،
أو إلى اليمن، أو إلى الحِيْرة حتى نذهبَ ونجيء في ليلة كما زعمتَ أنكَ فعلتَه.
فنزلت هذه الآية(١).
وأخرج ابنُ جريرٍ وأبو الشيخ عن ابن عباس أنهم قالوا: سَيِّر بالقرآن الجبالَ،
قَطّعْ بالقرآن الأرضَ، أَخرجْ به موتانا. فنزلت(٢). وعلى هذا لا حاجةً إلى الاعتذار
في إسناد الأفاعيل المذكورة إلى القرآن كما احتيجَ إليه فيما تقدَّم. وعلى خبر
الشعبيِّ يُراد من تقطيع الأرض قطعُها بالسير.
ويشهدُ لتفسيره بما قدَّمنا أولاً ما أخرجه أبو نُعيم في ((الدلائل)) وغيرُه من
حديث الزُّبير بن العوَّام، أنه لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
صاح رسولُ اللهِ وَلِ على أبيٍ قُبَيس: ((يا آلَ عبدٍ مَنَاف، إني نذير)) فجاءته عليه
الصلاة والسلام قريش، فحذّرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبيٌّ يُوحى إليك،
وأنَّ سليمان سُخِّر له الريحُ والجبال، وأن موسى سُخِّر له البحر، وأن عيسى كان
يُحيي الموتى، فادعُ الله تعالى أن يُسيِّر عنَّا هذه الجبال، ويُفجّر لنا الأرضَ أنهاراً،
فنتخذ محارِثَ، فنزرعَ ونأكلَ، وإلا فادعُ الله تعالى أن يُحيي لنا موتانا، فنكلِّمهم
ويكلِّمونا، وإلا فادعُ الله تعالى أن يجعل هذه الصخرةَ التي تحتك ذهباً، فننحِتَ
منها وتُغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعمُ أنك كهيئتهم .. الخبر. وفيه:
فنزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] إلى
تمامٍ ثلاث آيات، ونزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُزْءَانًا﴾ الآية(٣) .
(١) المصنف لابن أبي شيبة ٣٠١/١٤-٣٠٢.
(٢) تفسير الطبري ٥٣٣/١٣.
(٣) الدر المنثور ٦٢/٤-٦٣، ولم نقف عليه في مطبوع الدلائل، وأخرجه أيضاً أبو يعلى في
مسنده (٦٧٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٨٥: رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن
عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء، وكلاهما وثق، وضعفهما الجمهور.

الآية : ٣١
١٥٩
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
هذا، وعن الفرَّاء(١) أن جواب ((لو)) مقدَّم، وهو قولُه تعالى: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ
بِالرَّحْمَنْ) وما بينهما اعتراضٌ(٢)، وهو - كما قيل - مبنيٌّ على جوازٍ تقديم جواب
الشرط عليه، ومن النحويين مَنْ يراه، ولا يخفى أنَّ في اللفظ نَبْوةً عن ذلك؛ لكون
تلك الجملةِ اسميَّةً مقترنةً بالواو، ولذا أشار السَّمينُ(٣) إلى أن مرادَه أن تلك الجملةَ
دليلُ الجواب، والتقديرُ: ولو أن قرآناً فُعِل به كذا وكذا لكفروا بالرحمن. وأنتَ
تعلم أنه لا فرق بين هذا وتقدير: لَمَا آمنوا، في المعنى. وجُوِّز جعل ((لو)) وصليةً،
ولا جوابَ لها، والجملةُ حاليَّة، أو معطوفةٌ على مقدَّر.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكة على ما رُوي عن مُقاتل ﴿تُصِيبُهُم بِمَا
صَنَعُواْ﴾ أي: بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه، وإبهامُه، إما لقصد تهويلِه أو
استهجانِهِ، وهو تصريحٌ بما أَشعر به بناءُ الحكم على الموصول من عِلِّيَّة الصِّلة له،
مع ما في صيغة الصُّنع من الإيذان برسوخهم في ذلك. ﴿قَارِعَةٌ﴾ من القرع،
وأصلُه: ضربُ شيءٍ بشيءٍ بقوَّة، ومنه قولُه:
ولما قَرَعنا النَّبْعَ بالنَّبْع بعضَه:
ببعضٍ أَبَت عِيدانُه أن تَكَسَّرا(٤)
والمرادُ بها الرَّزيَّة التي تقرعُ قلبَ صاحبها، وهي هنا: ما كان يُصيبهم من
أنواع البلايا والمصائب، من القتل والأسر، والنَّهب والسَّلب.
وتقديمُ المجرور على الفاعل لما مرَّ غير مرَّةٍ من إرادة التفسير إثرَ الإبهام؛
لزيادة التقرير والإحكام، مع ما فيه من بيانِ أنَّ مدار الإصابة من جهتهم آثر ذي
أثیر.
﴿أَوَ تَحُّ﴾ تلك القارعةُ ﴿قَرِيبًا﴾ مكاناً قريباً ﴿مِّن دَارِهِمْ﴾ فيفزعون منها،
(١) معاني القرآن ٦٣/٢ .
(٢) قوله: وما بينهما اعتراض، لم يرد في الأصل، والمثبت من (م).
(٣) الدر المصون ٥١/٧ .
(٤) نسبه البغدادي في الخزانة ١٧١/٣ للنابغة الجعدي من قصيدة طويلة أنشدها بين يدي
النبي ◌َ﴾، وهو في ديوانه ص٧١، ونسبه صاحب الحماسة ١٥٥/١ بشرح المرزوقي إلى
زفر بن الحارث الكلابي.
قال المرزوقي: النبع: خير الأشجار التي يتخذ منها القِسِيُّ وأصلبها .

سُورَّةُ الرَّعَلِ
١٦٠
الآية : ٣١
ويتطايرُ إليهم شرَرُها، شبَّه القارعةَ بالعدوِّ المتوجِّه إليهم، فأسند إليها الإصابةَ تارةً
والحلولَ أخرى، ففيه استعارةٌ بالكناية، وتخييلٌ وترشيح.
﴿َّ بَأِىَ وَعْدُ الَّهِ﴾ أي: موتُهم، أو القيامةُ؛ فإنَّ كلَّ منهما وعدٌ محتوم لا مردًّ
له، وفيه دلالةٌ على أن ما يُصيبهم حينئذٍ من العذاب أشدُّ، ثم حقَّقَ ذلك بقوله
سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ ﴾﴾ أي: الوعد، كالميلاد والميثاق بمعنى
الولادة والتَّوثقة، ولعلَّ المراد به ما يندرجُ تحتَه الوعدُ الذي نُسب إليه الإتيانُ لا هو
فقط، قال القاضي: وهذه الآيةُ تدلُّ على بطلان من يجوِّز الخُلفَ على الله تعالى
في ميعادِهِ، وهي وإن كانت واردةً في حقِّ الكفار إلا أن العبرةَ بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب، وعمومُه يتناول كلَّ وعيدٍ ورد في حقِّ الفسَّاق، وأجاب
الإمامُ(١) بأنَّ الخُلْف غير، وتخصيص العموم غير، ونحنُ لا نقول بالخلف، ولكن
نخصِّصُ عمومات الوعيد بالآيات الدالّة على العفو.
وأنتَ تعلم أن المشهورَ في الجواب أن آيات الوعد مطلقةٌ، وآيات الوعيد وإن
وردت مطلقةً لكنها مقيدةٌ، حُذف قيدُها لمزيد التخويف، ومنشأ الأمرين عِظَمُ
الرحمة، ونهايةُ الكرم، والفرقُ بين الوعد والوعيد أظهَرُ من أن يذكر. نعم قد يُطلق
الوعد على ما هو وعيدٌ في نفس الأمر لنكتةٍ، وليتأمَّل فيما هنا على الوجه الذي
تقرّر.
وعن ابن عباس ﴿ أن المراد بالقارعة السَّرايا التي كان رسولُ اللهِوَله يبعثُها،
وكانوا بين غارةٍ، واختطاف، وتخويفٍ بالهجوم عليهم في دارهم، فالإصابةُ
والحلول حينئذٍ من أحوالهم، وجُوِّز على هذا أن يكون قوله تعالى: ((أو تحل))
خطاباً لرسول الله ﴿* مراداً به حلولُ الحُدَيبية، والمرادُ بوعد الله تعالى ما وعَدَ به
من فتح مكة، وعزا ذلك الطبريُّ(٢) إلى ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ورُوي عن
مُقاتل، وعِكْرمة. وذهب ابنُ عطية(٣) إلى أن المرادَ بـ ((الذين كفروا)) كفار قريش
والعرب، وفسَّر القارعةَ بما ينزلُ بهم من سرايا رسول الله ﴾. وعن الحسن وابنٍ
(١) تفسير الرازي ٥٤/١٩.
(٢) تفسير الطبري ١٣/ ٥٤٠ - ٥٤٢.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٣/٣.