Indexed OCR Text

Pages 121-140

الآية : ٢٠
١٢١
سُوَرَّةُ الرَّعْدِ
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ بما ذُكر من المذكِّرات، فيقفُ على ما بينهما من التفاوت
والتنائي ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴾﴾ أي: العقولُ الخالصة المبرَّأة من متابعة الإِلفِ
ومعارضةِ الوهم، فاللبُّ أخصُّ من العقل، وهو الذي ذهب إليه الراغبُ(١)، وقيل:
هما مترادفان، والقصدُ بما ذكر دفعُ ما يُتوهّم من أن الكفار عقلاءُ مع أنهم غيرُ
متذكِّرين، ولو نُزِّلوا منزلةَ المجانين حسُنَ ذلك.
والآيةُ (٢) على ما رُوي عن ابن عباس رضيًّا في حمزةَ رَُّهُ وأبي جهل، وقيل:
في عمر رُه وأبي جهل، وقيل: في عمار بن ياسر رظُبه وأبي جهل، وقد أشرنا
إلى وجه اتِّصالها بما قبلَها، والعلامةُ الطَّيبي بعد أن قرَّر وجهَ الاتصال بأن (أَفَمَنْ
يَعْلُ) عطفٌ على جملة (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا)، والهمزةَ مقحمةٌ بين المعطوف والمعطوف
عليه، وذَكَر من معنى الآية على ذلك ما ذَكَر، قال: ثم إنك إذا أمعنتَ النظرَ
وجدتَها متصلةً بفاتحة السورة، يعني بقوله تعالى: (وَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَبِّكَ الْحَقُّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) وهو كما ترى.
﴿الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بما عَقدُوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبيَّته تعالى حين
قالوا: بلى، أو بما عَهِدَ الله تعالى عليهم في كتبه من الأحكام، فالمرادُ بهم
ما يشمَلُ جميعَ الأمم. وإضافةُ العهد إلى الاسم الجليل من باب إضافةِ المصدر
إلى مفعوله على الوجه الأول، ومن باب إضافةِ المصدرِ إلى فاعله على الثاني، وإذا
أُريد بالعهد ما عَقَده الله تعالى عليهم يوم قال سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِبَّكُمْ﴾
[الأعراف: ١٧٢] كانت الإضافة مطلقاً من باب إضافةِ المصدر إلى الفاعل، وهو
الظاهر كما في ((البحر))(٣). وحُكي حملُ العهد على عهد (أَلَسْتُ) عن قتادة، وحملُه
على ما عُهِد في الكتب عن بعضهم، ونُقل عن السدِّي حملُه على ما عُهد إليهم في
القرآن، وعن القفَّال حملُه على ما في جِبِلَّتهم وعقولهم من دلائل التوحيد
والنبوَّات، إلى غير ذلك، واستُظهر حملُه على العموم.
(١) مفردات ألفاظ القرآن: (لب).
(٢) في هامش الأصل: ((أفمن يعلم)) إلخ. اهـ. منه. وهي في هامش (م) كذلك بزيادة: هي، في
أولها .
(٣) البحر المحيط ٣٨٥/٥.

سُورَةُ الرَّعَلِ
١٢٢
الآية : ٢٠
®﴾ ما وثَّقوا من المواثيق بين الله تعالى وبينهم من الإيمان
﴿وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَقَ
به تعالى، والأحكام، والنذور، وما بينهم وبين العباد، كالعقود وما ضاهاها، وهو
تعميمٌ بعد تخصيص، وفيه تأكيدٌ للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل.
وقال أبو حيان(١): الظاهرُ أن هذه الجملةَ تأكيدٌ للتي قبلها؛ لأن العهدَ هو
الميثاق، ويلزمُ من إيفاء العهدِ انتفاءُ نقضِه، وقال ابنُ عطية (٢): المرادُ بالجملة
الأولى: يوفُون بجميع عهودِ الله تعالى، وهي أوامره ونواهيه التي وصَّى الله تعالى
بها عبيدَه، ويدخلُ في ذلك التزامُ (٣) جميع الفروض، وتجنُّبُ جميع المعاصي،
والمراد بالجملة الثانية أنهم إذا عقَدوا في طاعة الله تعالى عهداً لم ينقضوه. اهـ.
وعليه فحديثُ التعميم بعد التخصيص لا يتأتَى كما لا يخفى.
وقد تقدَّم الله سبحانه إلى عبادِهِ في نقض الميثاق ونَهَى عنه في بضعٍ وعشرين
آيةً من كتابه، کما رُوي عن قتادة.
ومن أعظم المواثيق - على ما قال ابنُ العربيّ(٤) - أن لا يَسأل العبدُ سوى مولاه
جلَّ شأنه. وفي قصة أبي حمزة الخُراساني ما يشهَدُ لعِظَم شأنه؛ فقد عاهَدَ رَبَّه أن
لا يسأل أحداً سواه، فاتفَقَ أن وقع في بئرٍ، فلم يسأل أحداً من الناس المارِّين عليه
إخراجَه منها، حتى جاء من أخرجَه بغير سؤال، ولم يَرَ مَنْ أخرجَه، فهتَفَ به
هاتفٌ: كيف رأيتَ ثمرة التوكُّل؟ فينبغي الاقتداءُ به في الوفاء بالعهد، على ما قال
أيضاً. وقد أنكر ابنُ الجوزيّ(٥) فعلَ هذا الرجل، وبيَّن خطأه، وأن التوكُّلَ لا ينافي
الاستغاثةَ في تلك الحال، وذكر أن سفيانَ الثوريَّ وغيرَه قالوا: لو أن إنساناً جاع
فلم يسأل حتى ماتَ دخلَ النارَ، ولا يُنكَر أن يكون الله تعالى قد لطَفَ بأبي حمزةَ
الجاهل، نعم لا ينبغي الاستغاثةُ بغير الله تعالى على النحوِ الذي يفعلُه الناس اليوم
مع أهل القبور الذين يتخيَّلون فيهم ما يتخيَّلون، فآهاً ثم آهاً مما يفعلون.
(١) البحر المحيط ٣٨٥/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٠٩/٣.
(٣) قوله: التزام، من (م).
(٤) أحكام القرآن ١٠٩٩/٣.
(٥) تلبيس إبليس ص٢٩٤ - ٢٩٥، وصفوة الصفوة ١/ ٢٦ - ٢٨.

الآية : ٢١
١٢٣
سُوَرَّةُ الرَّعْلِ
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَّرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ الظاهرُ العموم في كلِّ ما أمر الله تعالى
به في كتابه وعلى لسان نبيِّه ◌َ ﴿، وقال الحسن: المراد صلةُ الرسولِ وَّه بالإيمان
به، ورُوي نحوه عن ابن جُبير، وقال قتادة: المراد صلةُ الأرحام، وقيل: صلةُ
الإيمان بالعمل، وقيل: صلةُ قرابة الإسلام بإنشاء السلام، وعيادة المرضى،
وشهودِ الجنائز، ومراعاة حقِّ الجيران والرُّفقاء والخدم. ومَنْ ذهب إلى العموم
أدخل في ذلك الأنبياء عليهم السلام، ووَضْلُهم أن يؤمن بهم جميعاً، ولا يفرِّقَ بين
أحد منهم، والناسَ على اختلافِ طبقاتهم، ووَضْلُهم بمراعاة حقوقهم، بل سائرَ
الحيوانات، ووَضْلُها بمراعاة ما يُطلب في حقِّها وجوباً أو ندباً.
وعن الفضيل بن عياض أنَّ جماعةً دخلوا عليه بمكة، فقال: من أين أنتُم؟
قالوا: من أهل خراسان (١)، قال: اتقوا الله تعالى وكونوا من حيث شئتُم، واعلموا
أنَّ العبدَ لو أحسَنَ الإحسانَ كلَّه وكانت له دجاجةٌ فأساء إليها لم يكن محسناً.
ومفعولُ (أَمَرَ) محذوفٌ، والتقدير: ما أمرَهم الله به، و(أَن يُوصَلَ) بدلٌ من
الضمير المجرورِ، أي: ما أُمَرَ الله بوصلِهِ.
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: وعيدَه سبحانه، والظاهرُ أن المراد به مطلقاً، وقيل:
المرادُ وعيدُه تعالى على قَطْع ما أُمروا بوصله. ﴿وَخَافُونَ سُوْءَ لَلِسَابٍ
[الرعد: ٢١] فيحاسبون أنفسَهم قبل أن يُحاسَبوا، وهذا من قَبِيل ذِكْر الخاصِّ قبل
العامِّ؛ للاهتمام، والخشيةُ والخوفُ؛ قيل: بمعنى، وفي ((فروق)) العسكري(٢) أن
الخوف يتعلَّق بالمكروه ومُنزِلِهِ، تقول: خفتُ زيداً، وخفتُ المرضَ، والخشيةُ
تتعلَّق بالمُنزِل دون المكروه نفسِه، ولذا قال سبحانه: ((يخشون)) أولاً، و((يخافون»
ثانياً، وعليه فلا يكون اعتبارُ الوعيد في محلِّه، لكنَّ هذا غيرُ مسلَّم؛ لقوله تعالى:
﴿خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] و﴿لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وفرَّق
الراغبُ(٣) بينهما، فقال: الخشيةُ: خوفٌ يَشُوبُه تعظيمٌ، وأكثرُ ما يكون ذلك عن
(١) جاء في هامش (م) ما نصه: كأنهم تعرفوا إليه بأنهم من منشئه، فأجاب بأن الجامع التقوى
لا المولد، وقيل: كأنهم افتخروا بأنهم من خراسان، والأول أولى. اهـ. منه.
(٢) الفروق في اللغة ص٤٢٦.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن: (خشي).

سُؤَدَّةُ الرَّحْدِ
١٢٤
الآية : ٢٢
عِلْم، ولذلك خُصَّ العلماءُ بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾
[فاطر: ٢٨]. وقال بعضُهم: الخشيةُ: أشدُّ الخوفِ؛ لأنها مأخوذةٌ من قولهم: شجرةٌ
خَشِيَّة أي: يابسة، ولذا خُصَّت بالربِّ في هذه الآية، وفُرِّق بينهما أيضاً بأن الخشيةَ
تكونُ من عِظَم المخشيِّ، وإن كان الخاشي قويًّا، والخوفُ من ضعفِ الخائف،
وإن كان المَخُوفُ أمراً يسيراً، يدلُّ على ذلك أن تقاليبَ الخاء والشين والياء تدلُّ
على الغفلة، وفيه تدبُّر.
والحقُّ أن مثل هذه الفروق أغلبيٍّ لا كليٍّ وضعيٍّ، ولذا لم يفرِّق كثيرٌ بينهما،
نعم اختار الإمام(١) أن المراد من ((يخشون ربهم)) أنهم يخافونَه خوفَ مهابةٍ
وجلالة، زاعماً أنه لولا ذلك يلزَمُ التكرار، وفيه ما فيه.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كلِّ ما تكرهُهُ النفسُ من المصائبِ المالية والبدنية،
وما يخالفُه هوى النفس، كالانتقام ونحوه، ويدخُلُ فيما ذُكر التكاليف ﴿أَبْتِغَاءُ وَجْهٍ
رَبِهِمْ﴾ طلباً لرضاه تعالى من غير أن ينظروا إلى جانب الخلق رياءً أو سمعةً،
ولا إلى جانبٍ أنفسِهم زينةً وعُجْباً، وقيل: المرادُ طالبين ذلك، فنصب ((ابتغاء))
على الحالية، وعلى الأول هو منصوبٌ على أنه مفعولٌ له، والكلامُ في مثل الوجه
منسوباً إليه تعالى شهيرٌ.
وفي ((البحر))(٢): أن الظاهرَ منه هنا جهةُ الله تعالى، أي: الجهةَ التي تُقصَدُ عنه
سبحانه بالحسنات ليقَعَ عليها المثوبةُ، كما يقال: خرج زيدٌ لوجهِ كذا، وفيه
أيضاً (٣) أنه جاءت الصلةُ هنا بلفظ الماضي، وفيما تقدَّم بلفظ المضارع على سبيل
التفتُّن في الفصاحة؛ لأن المبتدأ في معنى اسم الشرط، والماضي كالمضارع في
اسم الشرط، فكذلك فيما أشبَهَه، ولذا قال النحويون: إذا وقع الماضي صلةً أو
صفةً لنكرةٍ عامةٍ احتَمَلَ أن يُراد به المُضِيُّ، وأن يُراد به الاستقبالُ، فمن الأول:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ومن الثاني: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ
تَقْدِرُواْ عَتِهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ويظهر أيضاً أن اختصاصَ هذه الصلةِ بالماضي وما تقدَّم
(١) تفسير الرازي ١٩/ ٤٢.
(٢) البحر المحيط ٣٨٦/٥.
(٣) البحر المحيط ٣٨٥/٥.

الآية : ٢٢
١٢٥
سُورَةُ الرَّحْدِ
بالمضارع، أنَّ ما تقدَّم قُصِدَ به الاستصحابُ والالتباس، وأما هذه فقد قُصِد بها
تقدُّمُها على ذلك؛ لأنَّ حصول تلك الصِّلات إنما هي مرتَّبة على حصول الصبر
وتقدُّمِهِ عليها، ولذا لم يأتِ صلةٌ في القرآن إلا بصيغةِ الماضي؛ إذ هو شرطٌ في
حدوث التكاليف وإيقاعها .
وفي ((إرشاد العقل السليم))(١): حيث كان الصبر مَلاكَ الأمر في كلِّ ما ذُكر من
الصِّلات السابقة واللاحقة أُورد بصيغة الماضي؛ اعتناءً بشأنه، ودلالةً على وجوب
تحقُّقه؛ فإنَّ ذلك مما لا بدَّ منه إما في نفس الصِّلات، كما فيما عدا الأولى
والرابعة والخامسة، أو في إظهار أحكامها، كما في الصلات الثلاث المذكورات؛
فإنها وإن استغنت عن الصَّبر في أنفسِها حيث لا مشقَّةً على النفس في الاعتراف
بالربوبيَّة والخشية والخوف، لكنَّ إظهارَ أحكامها والجريَ على موجبها غيرُ خالٍ
عن الاحتياج إليه. وهو لا يخلو عن شيء، والأَولى - على ما قيل - الاقتصارُ في
التعليل على الاعتناءِ بشأنه.
وعطف قوله سبحانه: ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ وكذا ما بعدَه على ذلك - على ما نصَّ
عليه غيرُ واحد - من باب عطفِ الخاصِّ على العامِّ، والمرادُ بـ (الصَّلَوةَ)؛ قيل:
الصلاةُ المفروضة، وقيل: مطلقاً، وهو أَولى. ومعنى إقامتها: إتمامُ أركانها
وهياتها .
﴿وَنَفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ﴾ بعضَ ما أعطيناهم، وهو الذي وجَبَ عليهم إنفاقهُ،
كالزكاة، وما يُنفقُ على العيال والمماليك، أو ما يشمَلُ ذلك، والذي نُدب ﴿سِرًا﴾
حيث يحسُنُ السِّرُّ، كما في إنفاق من لا يُعرف بالمال إذا خشي التهمةَ في الإظهار،
أو من عُرِفَ به لكن لو أظهرَه ربما داخَلَه الرياءُ والخُيَلاء، وكما في الإعطاء لمن
تمنعُهُ المروءةُ من الأخذِ ظاهراً. ﴿وَعَلَائِيَّةٌ﴾ حيث تحسُنُ العلانيةُ، كما إذا كان
الأمرُ خلاف ما ذُكر.
وقال بعضُهم: إن الأولَ مخصوصٌ بالتطوُّع، والثاني بأداء الواجب، وعن
الحسن أن كلا الأمرين في الزكاة المفروضة، فإن لم يُتَّهم بتركِ أداء الزكاة فالأَولى
(١) تفسير أبي السعود ١٧/٥.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٢٦
الآية : ٢٢
أداؤُها سرًّا، وإلا فالأولى أداؤُها علانيةً. وقيل: السرُّ: ما يؤدِّيه بنفسه، والعلانيةُ:
ما يؤدِّيه إلى الإمام، والأولى الحملُ على العموم، ولعلَّ تقديمَ السرِّ للإشارة إلى
فضلٍ صدقته، وجاء في الصَّحيح عدُّ المتصدِّق سرًّا من الذين يُظلَّهم الله تعالى في
ظِلُّه يومَ القيامةِ(١).
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّبِئَةَ﴾ أي: يدفعون الشرَّ بالخير، ويُجازون الإساءةَ
بالإحسان، على ما أخرجَه ابنُ جريرٍ عن ابن زيد(٢)، وعن ابن جُبير: يردُّون
معروفاً على من يُسيء إليهم. فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمَا﴾
[الفرقان: ٦٣] وقال الحسن: إذا حُرِموا أَعطَوا، وإذا ◌ُلموا عَفَوا، وإذا قُطِعوا
وَصَلوا. وقيل: يُتْبِعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها. وفي الحديث: أن مَّعاذاً قال:
أوصني يا رسول الله؟ قال: ((إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السر
بالسر، والعلانية بالعلانية)»(٣). وعن ابن كَيْسان: يدفعون بالتوبةِ معرَّةَ الذنب.
وقيل: بلا إله إلا الله شِرْكَهم، وقيل: بالصدقةِ العذابَ. وقيل: إذا رأوا منكراً
أَمَروا بتغييره، وقيل وقيل، ويُفهِمُ صنيعُ بعضهم (٤) اختيارَ الأول، فهم كما قيل:
يَجْزُون من ظُلم أهل الظلم مغفرةً ومن إساءةِ أهلِ السُّوء إحساناً(٥)
وهذا بخلاف خُلُق بعضٍ الجهلة:
سريعاً وإن لا يُبْدَ بالظُلم يَظْلمِ (٦)
جريء متی يُظْلَم یعاقِبْ بظلمه
وقال في ((الكشف)): الأظهر التعميمُ، أي: يدرؤون بالجميل السيئَ، سواء كان
(١) صحيح البخاري (٦٦٠)، وصحيح مسلم (١٠٣١)، وسلف ٤٦٦/٣.
(٢) تفسير الطبري ١٣/ ٥١٠.
(٣) أخرجه هناد في الزهد (١٠٧٢)، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٣٧٤)، والبيهقي في شعب
الإيمان (٥٤٨).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١٨/٤: رواه الطبراني، وأبو سلمة لم يدرك معاذاً، ورجاله
ثقات.
(٤) في (م): بعض المحققين.
(٥) البيت لقُرَيط بن أُنَيف العنبري، وهو من قصيدة في الحماسة ٣١/١ بشرح المرزوقي،
والخزانة ٧/ ٤٤١ .
(٦) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص٢٤.

الآية : ٢٢
١٢٧
سُورَةُ الرّعَلِ
لأذاهم أو لا، مخصوصاً بهم أو لا، طاعةً أو معصية، مكرُمةً أو منقصة. ولعل
الأمرَ كما قال.
وتقديمُ المجرور على المنصوب؛ لإظهار كمال العناية بالحسنة.
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المنعوتون بالنعوتِ الجليلة والمَلَكات الجميلة، وليس المرادُ
بهم أناساً بأعيانهم، وإن كانت الآيةُ نازلةً - على ما قيل - في الأنصار. واسمُ
الإشارة مبتدأٌ، خبرُه الجملةُ الظرفية، أعني قولَه سبحانه: ﴿لَمْ عُقْبَ الذَّارِ
٢٢
أي: عاقبةَ الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآلُ أمرٍ أهلها، وهي الجنة، فتعريفُ
(الذَّارٍ) للعهد، والعاقبة المطلقةُ تفسَّر بذلك، وفُسِّرت به في قوله تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وفسَّرها الزمخشريُّ(١) أيضاً بالجنة، إلا أنه قال: لأنَّها
التي أرادَ الله تعالى أن تكون عاقبةَ الدنيا ومرجِعَ أهلِها، وفيه - على ما قيل -
شائبةُ اعتزال.
وجُوِّز أن يُراد بـ (الذَّارِ) الآخرة، أي: لهم العُقْبِى الحسنةُ في الدار الآخرة.
وقيل: الجارُّ والمجرور خبرُ اسم الإشارة، و(عُقْبِىَ) فاعلُ الاستقرار، وأيّاً
ما كان فليس فيه قصرٌ حتى يَرِدَ أنَّ بعضَ ما في حيِّزِ الصِّلة ليس من العزائم التي
يخلُّ إخلالُها بالوصول إلى حُسْن العاقبة.
وقال بعضهم: إنَّ المراد: مالُ أولئك الجنة من غير تخلَّلٍ بدخول النار،
فلا بأس لو قيل بالقصر، ولا يلزَمُ عدمُ دخولِ الفاسق المعذّبِ الجنةَ، والقول: إنه
موصوفٌ بتلك الصفات في الجملة كما ترى. والجملةُ خبرٌ للموصولات المتعاطفة
إن رُفعت بالابتداء، أو استئنافٌ نحويٌّ أو بيانيٌّ في جواب: ما بالُ الموصوفين
بهذه الصفات؟ إن جعلت الموصولات المتعاطفة صفاتٍ لـ ((أولي الألباب)) على
طريقة المدح، من غير أن يقصد أن يكون للصِّلات المذكورةِ مدخلٌ في التذكُّر،
والأول أوجهُ؛ لما في ((الكشف)) من رعاية التقابُلِ بين الطائفتين، وحُسْنِ العطفِ
في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ) وجَرْبِهما على استئناف الوصف للعالِمِ ومَنْ هو
کاعمی.
(١) الكشاف ٣٥٨/٢.

سُؤَدَّةُ الرَّحْلِ
١٢٨
الآية : ٢٣
وقوله سبحانه: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ((عقبى الدار)) كما قال الزجَّاجِ(١)، بدلُ
كلٍّ من كلّ، وجوَّز أبو البقاء(٢) وغيرُه أن يكون مبتدأَ خبرُه قوله تعالى: ﴿يَدْخُونَ﴾،
وتُعقِّب بأنه بعيدٌ عن المقام، والأولى أن يكون خبر (٣) مبتدأٍ محذوفٍ كما ذكر في
((البحر))(٤)، ورُدَّ بأنه لا وجهَ له؛ لأن الجملةَ بيانٌ لـ ((عقبى الدار))، فهو مناسبٌ
للمقام. والعدن: الإقامة والاستقرار، يقال: عدن بمكان كذا: إذا استقرَّ، ومنه
المعدِنُ لمستقرِّ الجواهر، أي: جنات يقيمون فيها، وأخرج غيرُ واحدٍ عن ابن
مسعود أنه قال: (جنات عدن)»: بُطنان الجنة، أي: وسطها، ورُوي نحو ذلك عن
الضخَّاك، إلا أنه قال: هي مدينة وسط الجنة، فيها الأنبياءُ والشهداء وأئمّة الهدى،
وجاء فيها غيرُ ذلك من الأخبار، ومتى أُريد منها مكانٌ مخصوصٌ من الجنة كان
البدلُ بدلَ بعضٍ من کلّ.
وقرأ النخَعيُّ: ((جنة)) بالإفراد، ورُوي عن ابن كثير وأبي عمرو: ((يُدخَلونها))
مبنيّاً للمفعول(٥).
﴿وَمَنْ صَلَعَ مِنْ ءَابَِّهِمْ﴾ جمع أبوي كلِّ واحد منهم، فكأنه قيل: من آبائهم
وأمهاتهم ﴿وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرَِِّّهِمْ﴾، وهو - كما قال أبو البقاء(٦) - عطفٌ على المرفوع في
(يدخلونها))، وإنما ساغ ذلك مع عدم التأكيد؛ للفصل بالضمير الآخر، وجُوِّزَ أن
يكون مفعولاً معه. واعتُرض بأن واو المعيَّة لا تدخلُ إلا على المتبوع. ورُوَّ بأن
هذا إنما ذُكر في ((مع))، لا في الواو، وفيه نظر.
والمعنى: أنه يلحَقُ بهم مَنْ صلح من أهليهم، وإن لم يبلُغْ مبلَغَ فضلهم؛ تبعاً
لهم؛ تعظيماً لشأنهم. أخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن جُبير قال: يدخُلُ
(١) معاني القرآن ١٤٧/٣.
(٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٨٢/٣ -٣٨٣.
(٣) ليست في (م).
(٤) البحر المحيط ٣٨٦/٥.
(٥) البحر ٣٨٦/٥ - ٣٨٧، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو هذه من الشواذ، والمشهور عنهما كسائر
القراء.
(٦) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٨٣/٣.

الآية : ٢٣
١٢٩
سُورَةُ الرَّعْلِ
الرجل الجنةَ، فيقول .. أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ فيقال: لم يعملوا مثلَ
عملك، فيقول: كنتُّ أعملٌ لي ولهم، ثم قرأ الآية(١).
وفُسِر ((من صلح» بمن آمن، وهو المرويُّ عن مجاهد، ورُوي ذلك عن ابن
عباس ﴿، وفسَّر ذلك الزجاجُ(٢) بِمَنْ آمنَ وعمل صالحاً، وذكر أنه تعالى بيَّن
بذلك أن الأنساب لا تنفعُ إذا لم يكن معها أعمالٌ صالحة، بل الآباءُ والأزواجُ
والذرية لا يدخلون الجنةَ إلا بالأعمال الصالحة.
وردَّ عليه الواحدي (٣) فقال: الصحيحُ ما رُوي عن ابن عباس؛ لأن الله تعالى
جعل من ثوابٍ المطيع سرورَه بحضورٍ أهله معه في الجنة، وذلك يدلُّ على أنهم
يدخلونَها كرامةً للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، فلو دخلوها بأعمالهم، لم يكن
في ذلك كرامةٌ للمطيع، ولا فائدة في الوعد به؛ إذ كل مَنْ كان مصلحاً في عمله
يدخُلُ الجنة.
وضعَّف ذلك الإمامُ(٤) بأن المقصودَ بشارةُ المطيع بكلِّ ما يزيدُه سروراً وبهجةً،
فإذا بشّر الله تعالى المكلَّف بأنه إذا دخل الجنةَ يحضُرُ معه أهلُه يعظُم سرورُه،
وتقوى بهجتُه. ويقال: إن من أعظم سرورِهم أن يجتمعوا، فيتذاكروا أحوالَهم في
الدنيا، ثم يشكرون اللهَ تعالى على الخَلَاص منها، ولذلك حكى سبحانه عن بعضٍ
بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُكْرَبِينَ﴾
أهلِ الجنة أنه يقول: ﴿يَّتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
[يس: ٢٦-٢٧].
وعلى هذا لا تكونُ الآيةُ دليلاً على أن الدرجةَ تعلو بالشفاعة. ومنهم من
استدلَّ بها على ذلك على المعنى الأول لها.
وتُعقّب بأنها أيضاً لا دلالةَ لها على ما ذُكر. وأُجيب بأنه إذا جاز أن تعلوَ
بمجرَّد التبعيَّة للكاملين في الإيمان؛ تعظيماً لشأنهم، فالعلوُّ بشفاعتهم معلومٌ
بالطريق الأولى.
(١) ليس في مطبوع تفسير ابن أبي حاتم، وأورده السيوطي في الدر ٤/ ٥٧.
(٢) معاني القرآن ٣/ ١٤٧ .
(٣) انظر الوسيط ١٤/٣.
(٤) تفسير الرازي ٤٤/١٩ - ٤٥.

سُؤَةُ الرَّحْدِ
١٣٠
الآية : ٢٣
وقال بعضُهم: إنهم لمَّا كانوا بصلاحهم مستحقِّين لدخول الجنة، كان جعلُهم
في درجتهم مقتضَى طلبِهم، وشفاعتُهم لهم بمقتضى الإضافة.
والحقُّ أن الآيةَ لا تصلُحُ دليلاً على ذلك، خصوصاً إذا كانت الواو بمعنى
(مع))، فتأمَّل، والظاهر أنه لا تمييزَ بين زوجةٍ وزوجةٍ، وبذلك صرَّح الإمام (١)، ثم
قال: ولعلَّ الأولى مَنْ مات عنها، أو ماتت عنه. وما رُوي عن سَوْدَة أنها لمَّا همَّ
رسولُ الله ◌َ بطلاقها قالت: دَعْني يا رسولَ الله أُحشرُ في جملة نسائك(٢).
کالدليل على ما ذُكر.
واختُلف في المرأة ذاتِ الأزواج إذا كانوا قد ماتُوا عنها: فقيل: هي في الجنةِ
لآخرِ أزواجها، ويؤيِّده كونُ أمهاتِ المؤمنين زوجاتُهُ وَّ فيها، من كونِ أكثرهنَّ كنَّ
قد تزوَّجن قبلُ بغيره عليه الصلاة والسلام. وقيل: هي لأولِ أزواجها، كامرأةٍ
أخبرَها ثقةٌ أن زوجَها قد مات، ووقع في قلبها صدقُه، فتزوَّجت بعد انقضاء
عدَّتها، ثم ظهرت حياتُه؛ فإنها تكونُ له. وتُعقِّب بأن هذا ليس من هذا القَبِيل، بل
هو يُشبه ما لو ماتَ رجلٌ، وأخبر معصومٌ كالنبيِّ بموته، فتزوَّجت امرأتُه بعد انقضاء
العِدَّة، ثم أحياه الله تعالى، وقد قالوا في ذلك: إن زوجتَه لزوجها الثاني. وقيل:
إن الزوجةَ تُخيَّرُ يومَ القيامة بين أزواجها، فمن كان منهم أحسَنَهم خُلُقاً معها كانت
له، وارتضاه جمعٌ.
وقرأ ابنُ أبي عَبْلة: ((صلُح)) بضمِّ اللام، والفتحُ أفصح، وعيسى الثقفيُّ:
((ذريَّتِهم)) بالتوحيد(٣).
﴿وَالْعَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَنِهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ
من أبواب المنازل.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن أنس بن مالك أنه قرأ الآيةً حتى خَتَمها، ثم قال: إنَّ
المؤمن لفي خيمةٍ من دُرَّةٍ مجوَّفة، ليس فيها جِذْعٌ ولا وصل، طولُها في الهواء
(١) تفسير الرازي ٤٥/١٩.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٧٥ من حديث عائشة ﴿ثنا، وخبر تخيير سودة وجَعْلٍ
يومها لعائشة عند أحمد (٢٤٨٥٩)، والبخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (١٤٦٣) عن عائشة
(٣) البحر المحيط ٣٨٧/٥.

الآية : ٢٤
١٣١
سُوَرَّةُ الرَّعَلِ
ستُّون ميلاً، في كلِّ زاويةٍ منها أهلٌ ومال، لها أربعةُ آلاف مِصْراع من ذهب، يقوم
على كلِّ بابٍ منها سبعون ألفاً من الملائكة، مع كلِّ ملكٍ هديّةٌ من الرحمن ليس مع
صاحبه مثلُها، لا يَصِلون إليه إلا بإذن، بينه وبينهم حجاب(١)، ورُوي عن ابن
عباس ما هو أعظمُ من ذلك.
وقال أبو بكر الأصمّ(٢): أريد: من كلِّ بابٍ من أبواب البِرِّ، كباب الصلاة،
وباب الزكاة، وباب الصبر، وقيل: من أبواب الفتوح والتحف. قيل: فعلى هذا
المرادُ بالباب النوع، و((من)) للتعليل، والمعنى: يدخلون لإتحافهم بأنواع التحف،
وتُعقّب بأن في كونِ الباب بمعنى النوع كالبابَةِ نظراً؛ فإن ظاهرَ كلام ((الأساس)»(٣)
وغيرِه يقتضي أن يكون مجازاً، أو كنايةً عما ذُكر؛ لأن الدار التي لها أبوابٌ إذا
أتاهم الجُّ الغفيرُ يدخلونها من كلِّ بابٍ، فأريدَ به دخولُ الأرزاق الكثيرةِ عليهم،
وأنها تأتيهم من كلِّ جهةٍ، وتعدُّد الجهات يُشعر بتعدُّد المأتِيَّات؛ فإن لكلِّ جهة
تُحفة.
﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قائلين ذلك، وهو بشارةٌ بدوام السلامة، فالجملةُ مقولٌ
لقولٍ محذوف واقع حالاً من فاعل ((يدخلون)). وجُوِّزَ كونُها حالاً من غير تقديرٍ،
أي: مسلمين، وهي في الأصل فعليّة، أي: يسلِّمون سلاماً.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرْثٌ﴾ متعلّقٌ - كما قال أبو البقاء(٤) - بما تعلَّقَ به ((عليكم))،
أو به نفسِهِ؛ لأنَّه نائبٌ عن متعلّقه، ومنَعَ هذا - كما قال السيوطيُّ - السَّفاقسيُّ،
وقال: لا وجهَ له، والصحيحُ أنه متعلِّقٌ بما تعلَّق به ((عليكم))، وجوَّز الزمخشريُّ
تعلُّقَه بـ ((سلام)) على معنى: نسلِّم عليكم، ونكرمُكم بصبركم؛ ومنعه أبو البقاء (٤) بأنَّ
فيه الفصلَ بين المصدر ومعموله بالأجنبيِّ وهو الخبرُ، ووجَّه ذلك في «الدرِّ
المصون)»(٥) بأن المنع إنما هو في المصدر المؤوّل بحرفٍ مصدريٍّ، وهذا ليس منه،
(١) ليس في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم، وأورده السيوطي في الدر ٤/ ٥٧.
(٢) تحرف في (م) إلى: أبو الأصم. والتصحيح من تفسير الرازي ٤٥/١٩.
(٣) الأساس (بوب).
(٤) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٨٣/٣.
(٥) الدر المصون ٤٥/٧.

سُورَةُ الرَّحَدِ
١٣٢
الآية : ٢٤
مع أنَّ الرضيَّ(١) جوّز ذلك مع التأويل أيضاً، وقال: لا أراه مانعاً؛ لأن كلَّ مؤوَّل
بشيء لا يثبُتُ له جميع أحكامه، وجوَّز لهذه العلَّةِ العلّامةُ الثاني تقديمَ معمولٍ
المصدر المؤوَّل بـ ((أنْ)) والفعل عليه في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُ بِمَا رَأَفَةٌ﴾
( [النور: ٢] وقال في ((الكشف)): إنَّ ((عليكم)) نظراً إلى الأصل غيرُ أجنبيٍّ، فلذلك جاز
أن يُفصل به، على أن الزمخشريَّ لم يصرِّح بأنه معمولُه، بل من مقتضاه، ولذا قال:
أي: نسلِّم إلخ(٢)، فدلَّ على أنَّ التعلُّق معنويٌّ يُقدَّر ما يناسبه، ولو جُعل معمولاً
للظرف المستقرُّ، أعني ((عليكم))، فيكون متعلِّقاً معنى بـ ((سلام)) ضرورةً، لكان وجهاً
خالياً من التكلُّف، وجعلَه أبو حيان(٣) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، و((ما)) مصدريةٌ، والباء
سببيةٌ أو بدليةٌ، أي: هذا الثوابُ الجزيلُ بسبب صبركم في الدنيا على المشاقِّ، أو
بَدَله. وعن أبي عمران: بما صبرتُم على دينكم. وعن الحسن: عن فضول الدنيا.
وعن محمد بن النَّضر: على الفقر. والتعميمُ أولى، وتخصيصُ الصبر بالذِّكر من بين
الصِّلات السابقة؛ لما أنه ملاكُ الأمر، والأمرُ المعتنى به كما علمت.
، أي: فنعم عاقبةُ الدنيا الجنة، وقيل: المراد بالدارِ
﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾
الآخرةُ، وقال بعضُهم: المراد أنهم عُقبوا الجنةَ من جهنم، قال ابنُ عطية (٤): وهذا
مبنيٌّ على ما ورد من أنَّ كلَّ رجل من أهل الجنة قد كان له مقعدٌ من النار،
فصرفَه الله تعالى عنه إلى النعيم، فيُعْرَضُ عليه ويقال له: هذا مقعدُكَ من النار
أبدلَكَ الله تعالى منه الجنة(٥) بإيمانك وصبرٍك(٦).
وقرأ ابن يعمر: ((فنَعِم)) بفتح النون وكسر العين، وذلك هو الأصل، وابنُ
وثَّاب: ((فَتَعْم)) بفتح النون وسكون العين، وتخفيفُ فَعِلَ لغةُ تميم (٧)، وجاء فيها -
(١) شرح الرضي ٤٠٦/٣.
(٢) الکشاف ٣٥٨/٢.
(٣) البحر المحيط ٣٨٧/٥.
(٤) المحرر الوجيز ٣١٠/٣.
(٥) في الأصل و(م): بالجنة، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٦) أخرجه أحمد (١٢٢٧١)، والبخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) من حديث أنس بن مالك،
وليس فيه التقييد بالإيمان والصبر.
(٧) البحر المحيط ٣٨٧/٥، والدر المصون ٤٥/٧، وجاء في مطبوع القراءات الشاذة ص ٦٦ :
=

الآية : ٢٤
١٣٣
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
كما في ((الصحاح))(١) -: ((نِعِم)) بكسر النون وإتباع العين لها، وأشهرُ استعمالاتها
ما علیه الجمهور.
وأخرج ابنُ جرير(٢): عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبيُّ ◌َّ﴾ يأتي قبور
الشهداء على رأس كلِّ حولٍ، فيقول: (((سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبّْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الَّارِ))، وكذا
کان یفعلُ أبو بکر، وعمر، وعثمان
٠
وتمسَّك بعضُهم بالآية على أن الملَكَ أفضلُ من البشر، فقال: إنه سبحانه ختَمَ
مراتب سعاداتِ البشر بدخولِ الملائكة عليهم على سبيل التحيَّةِ والإكرام، والتعظيم
والسلام، فكانوا أجلَّ مرتبةً من البشر لمَّا كان دخولُهم عليهم لأجل السلام والتحيةِ
موجباً علوَّ درجاتهم، وشرفَ مراتبهم، ولا شكَّ أن من عاد من سفرٍه إلى بيته، فإذا
قيل في معرض كمالٍ مرتبته: إنه يزورُه الأمير والوزير والقاضي والمفتي، دلَّ على
أن درجة المزور أقلُّ وأدنى من درجات الزائرين، فكذا هاهنا، وهو من الرَّكاكة
بمكان .
ولم لا يجوزُ أن يكون ما هنا نظيرُ ما إذا أتى السلطانُ بشخصٍ من عمَّاله
الممتازين عندَه قد أطاعه في أوامره ونواهيه إلى محلٌّ كرامته، ثم بعد أن أنزلَه
المنزلَ اللائقَ به أرسل خدَمَه إليه بالهدايا والتحف، والبشارة بما يسرُّه؟ فهل إذا
قيل: إن فلاناً قد أحلَّه السلطانُ محلّ كرامته، ودارَ حكومته، وأنزلَهُ المنزلَ اللائقَ
به، وأرسل خدَمَه إليه بما يسرُّه، كان ذلك دليلاً على أن أولئك الخدمَ أعلى درجةً
منه؟ لا أظنُّك تقول ذلك.
نعم جاء في بعض الأخبار ما يؤيِّد بظاهره ما تقدَّم؛ فقد أخرج أحمد،
والبزَّار، وابنُ حبان، والحاكم وصحَّحه، وجماعةٌ عن عبد الله بن عمرو قال: قال
رسول الله وَله: ((أولُ مَنْ يدخل الجنةَ منْ خَلْق الله تعالى فقراءُ المهاجرين، الذين
تُسَدُّ بهم الثُّغور، وتُتَّقى بهم المكاره، ويموتُ أحدُهم وحاجتُه في صدره لا يستطيع
لها قضاءً، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيُّوهم، فتقول
= فنِعِم، وعزاها لابن وثَّب، وهي القراءة التي سيذكرها المصنف بعدها.
(١) مادة: (نعم).
(٢) تفسير الطبري ٥١٣/١٣، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في المصنَّف (٦٧١٦).

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٣٤
الآية : ٢٥
الملائكة: ربَّنا، نحن سكّانُ سمائك، وخِيرتُك مِنْ خَلْقك، أفتأمرُنا أن نأتي هؤلاء
فنسلِّمَ عليهم؟ فيقول الله تعالى: إن هؤلاء عبادٌ لي، كانوا يعبدوني ولا يشركون بي
شيئاً، وتُسدُّ بهم الثغور، وتثَّقى بهم المكاره، ويموتُ أحدُهم وحاجتُه في صدره
لا يستطيع لها قضاءً. فتأتيهم الملائكةُ عند ذلك، فيدخلون عليهم من كلِّ بابٍ:
سلامٌ عليكم بما صبرتُم فنعمى عقبى الدار))(١).
ومن أنصَفَ ظهرَ له أن هذا لا يدلُّ على أنَّ الملائكةَ مطلقاً أفضلُ من البشر
مطلقاً كما لا يخفى، وذكر الإمام الرازيُّ (٢) في تفسير الآية على الوجه المرويِّ عن
الأصمِّ في تفسير دخول الملائكة من كلِّ بابٍ: أنَّ الملائكةَ طوائفُ: منهم
روحانيون، ومنهم كروبيون، فالعبد إذا راضَ نفسه بأنواع الرياضات؛ کالصَّبر،
والشكر، والمراقبة، والمحاسبة، ولكلٍّ مرتبة من هذه المراتب جوهرٌ قدسيٍّ،
وروح علويٌّ، مختصٌّ بتلك الصفة مزيدَ اختصاص، فعند الموت أشرقت تلك
الجواهرُ القدسيَّة تجلَّت فيها من كلِّ روح من الأرواح السماوية ما يناسبُها من
الصفات المخصوصة، فيفيضُ عليها من ملائكة الصَّبر كمالات مخصوصة نفسانيّة
لا تظهرُ إلا في مقام الصَّبر، ومن ملائكة الشكر كمالات روحانية لا تتجلَّى إلا في
مقام الشكر، وهكذا القولُ في جميع المراتب. اهـ.
وتعقّبه أبو حيان(٣) بأنه كلامٌ فلسفيٍّ، لا تفهمُه العربُ، ولا جاءت به الأنبياء
عليهم السلام، فهو مطروحٌ لا يلتفتُ إليه المسلمون. وأنتَ تعلم أن مثلَ هذا كلامُ
كثيرٍ من الصوفيّة.
﴿وَالَّذِيْنَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الَهِ﴾ أُريد بهم من يقابلُ الأوَّلين ويعاندُهم
بالاتِّصاف بنقائض أوصافهم ﴿مِنْ بَعْدٍ مِثَقِهِ﴾ الاعتراف به، قيل: المراد بالعهد
قوله سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وبالميثاق ما هو اسمُ آلةٍ، أعني
ما يوثَقُ به الشيء، وأُريدَ به الاعترافُ بقول: (بٌَ). وقد يُسمَّى العهدُ من الطرفين
(١) مسند أحمد (٦٥٧٠)، ومسند البزار (٢٤٥٧)، وصحيح ابن حبان (٧٤٢١)، والمستدرك
للحاکم ٧١/٢-٧٢.
(٢) تفسير الرازي ٤٥/١٩.
(٣) البحر المحيط ٣٨٧/٥.

الآية : ٢٥
١٣٥
سُوَرَّةُ الرَّعْدِ
ميثاقاً؛ لتوثيقه بين المتعاهدين، وفسَّر الإمامُ(١) عهدَ الله تعالى بما ألزمه عبادَه
بواسطةِ الدلائل العقلية؛ لأن ذلك أوكَدُ كلِّ عهدٍ وكلِّ أَيمان؛ إذ الأيمان إنما تُفيد
التوكيدَ بواسطةِ الدلائل الدالّة على أنها توجبُ الوفاءَ بمقتضاها، ثم قال: والمرادُ
من نقضها أن لا ينظُرَ المرءُ فيها، فلا يمكنُه حينئذٍ العملُ بموجبها، أو بأن ينظُرَ
ويعلم صحَّتها، ثم يعاندَ، فلا يعمَلُ بعلمه، أو بأن ينظُرَ في الشُّبه فلا يعتقد الحقَّ،
والمراد بقوله سبحانه: ((من بعد ميثاقه)) من بعد أن أوثَقَ إليه تلك الأدلَّة وأحكامَها؛
لأنه لا شيء أقوى مما دلَّ الله تعالى على وجوبه في أنه ينفع فعلُه ويضرُّ تركُه.
وأَورد أنه إذا كان العهدُ لا يكون إلا بالميثاق فما فائدةُ: ((من بعد ميثاقه»؟
وأجاب بأنه لا يمتنعُ أن يكون المراد مفارقةً من تمكَّن من معرفته بالحلف لمن لم
يتمكّن، أو لا يمتنع أن يكون المرادُ الأدلةَ المؤكِّدةَ؛ لأنه يقال: قد تؤكد إليك
بدلائل أخرى سواء كانت عقليةً أو سمعية. اهـ.
ولا يخفى أنه إذا أُريد بالعهد ذلك القولُ، وبالميثاق الاعترافُ به، لم يحتَجْ
إلى القيل والقال. وحمَلَ بعضُهم العهدَ هنا على سائر ما وصَّى الله تعالى به عبادَه،
كالعهد فيما سبق، والميثاق على الإقرار والقَبول.
والآيةُ - كما رُوي عن مقاتل - نزلت في أهل الكتاب.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَن يُؤُصَلَ﴾ من الإيمان بجميع الأنبياء عليهم السلام
المجتمعين على الحقِّ حيث يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، ومن حقوق الأرحام،
وموالاة المؤمنين، وغير ذلك.
وإنما لم يتعرَّض - كما قال بعضُ المحقّقين - لنفي الخشية والخوف عنهم
صريحاً؛ لدلالة النقض والقطع على ذلك. وأما عدمُ التعرُّض لنفي الصبر المذكورِ
فلأنه إنما اعتُبر تحقُّقه في ضمن الحسنات المعدودة ليقَعْنَ معتدًّا بهنَّ، فلا وجهَ
لنفيه عمَّن بينه وبين الحسنات بُعْدُ المشرقين، لا سيما بعدَ تقييدِهِ بكونه ابتغاءَ وجهِهِ
تعالى، كما لا وجه لنفي الصلاة والإنفاق بناءً على أن المراد منه إعطاءُ الزكاة ممَّن
لا يحوم حولَ الإيمان بالله تعالى، فضلاً عن فروع الشرائع، وإن أُريد بالإنفاق
(١) تفسير الرازي ٤٦/١٩.

سُورَةُ الرَّحْمِ
١٣٦
الآية : ٢٥
ما يشمل ذلك وغيرَه فنفيُه مندرجٌ تحت قَطْع ما أمَرَ الله تعالى بوصله، بل قد يُقال
باندراج نفي الصلاة أيضاً تحت ذلك، وأما درءُ السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهرٌ
مما سبق ولَحِقَ؛ فإنَّ من يُجازي إحسانَه عزَّ وجل بنقضِ عهدِهِ سبحانه، ومخالفةٍ
الأمر، ويباشرُ الفساد حسبما يحكيه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُقْسِدُونَ فِ اْأَرْضِ﴾ بالظلم
لأنفسهم وغيرهم، وتهييج الفتن بمخالفة دعوة الحق، وإثارة الحرب على
المسلمين = كيف يُتُصوَّر منه الدرءُ المذكور؟ .
على أنه قيل: إن ذلك يُشعر بأن له دخلاً في الإفضاء إلى العقوبة التي يُنبئ
عنها قولُه سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إلخ، أي: أولئك الموصوفون بتلك القبائح
﴿سُوَّهُ
بسبب ذلك ﴿الَّعْنَةُ﴾ أي: الإبعاد من رحمة الله تعالى ﴿وَلَمْ﴾ مع ذلك.
الدَّارِ
أي: سوءُ عاقبة الدار، والمرادُ بها الدنيا، وسوءُ عاقبتها عذابُ
٢٥
جهنم، أو جهنم نفسُها، ولم يقل: سوءُ عاقبةِ الدار؛ تفادياً أن يجعلَها عاقبةً
حيثُ جعل العاقبةَ المطلقةَ هي الجنة، وجُوِّز أن يراد بـ ((الدار)) جهنم، وبسوئها
عذابُها، والأول أوجه؛ لرعايةِ التقابُل، ولأنَّ المبادر(١) إلى الفهم من الدار
الدنيا بقرينةِ السابق، ولأنها الحاضرةُ في أذهانهم، ولما ذُكر من النُّكتة السرية،
وذلك لأنَّ ترتيبَ الحكم على الموصول يُشعر بعِلِية الصِّلة له، ولا يخفى أنه
لا دخلَ له في ذلك على أكثر التفاسير؛ فإن مُجازاةَ السيئة بمثلها مأذون فيها،
ودفعُ الكلام السيِّئ بالحسن، وكذا الإعطاء عند المنع، والعفو عند الظلم،
والوصل عند القطع، ليس مما يُورِثُ تركُه تبعةً.
وأما ما اعتُبر اندراجُه تحت الصِّلة الثانية من الإخلال ببعض الحقوق المندوبة
فلا ضيرَ في ذلك؛ لأن اعتبارَه من حيث إنه من مستتبعات الإخلال بالعزائم؛
كالكفر ببعض الأنبياء عليهم السلام، وعقوقِ الوالدين، وتركٍ سائر الحقوق
الواجبة.
وقُيِّد بالأكثر؛ لأنه على الكثير مما ذكرناه في تفسيره المدخليةُ ظاهرة، وقيل:
إنه سُلِك في وصف الكَفَرة وذمِّهم، وذِكْر ما لهم في مآلهم ما لم يُسلَك في وصف
المؤمنين ومدحهم، وشَرْح ما أعدَّ لهم، وما ينتهي إليه أمرُهم، فأتي في
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل صوابه: المتبادر.

الآية : ٢٦
١٣٧
سُورَةُ الرَّحْدِ
أحدهما بموصولات متعدِّدة، وصلاتٍ متنوعة، إلى غير ذلك، ولم يُؤت بنحو ذلك
في الآخر؛ تنبيهاً على مزيد الاعتناء بشأن المؤمنين قولاً وفعلاً، وعدم الاعتناء
بشأن أضدادهم؛ فإنهم أنجاسٌ يُتمضمض من ذِكْرهم هذا، مع الجزم بأنّ مقتضى
الحال هو هذا. وقيل: إنَّ المسلكين من آثار الرحمة الواسعة، فتأمَّل.
وتكرير ((لهم))؛ للتأكيد والإيذان باختلافهما، واستقلال كلٌّ منهما في الثبوت.
﴿اللَّهُ يَسُطُ الْرِّزْقَ﴾ أي: يوسعُه ﴿لِمَنْ بَنَآءُ﴾ من عباده ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضيِّق،
وقيل: يُعطي بقَدْر الكفاية، والمراد بالرزقِ الدنيويُّ، لا ما يعمُّ الأخرويَّ؛ لأنه -
على ما قيل - غيرُ مناسب للسياق، وقال صاحب ((الكشف)): إنه شاملٌ للرزقين:
الحسيِّ والمعنويِّ، الدنيويِّ والأخرويِّ، وذَكَر في بيان ربط الآية على ذلك ما ذَكَر.
وهي - كما رُوي عن ابن عباس - نزلت في أهل مكة، ثم إنها وإن كانت كذلك
عامةٌ، وكأنها دفعٌ لما يُتوقَّم من أنه كيف يكونون(١) - مع ما هم عليه من الضلال -
فِي سَعَةٍ من الرزق، فبيَّن سبحانه أن سَعَة رزقهم ليس تكريماً لهم، كما أن تضييقَ
رزق بعض المؤمنين ليس إهانةً لهم، وإنما كلٌّ من الأمرين صادرٌ منه تعالى لحِكم
إلهَّة يعلمُها سبحانه، وربما وسَّع على الكافر إملاءً واستدراجاً له، وضيَّق على
المؤمن زيادةً لأجره.
وتقديمُ المسنَدِ إليه في مثل هذه الآية للتقوِّي فقط عند السَّكاكيّ(٢)،
والزمخشريّ(٣) يرى أنه لا مانع من أن يكون للتقوِّي والتخصيصٍ، ولذا قال:
أي: الله وحده هو يبسطُ ويقدِرُ دون غيره سبحانه.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿م: ((ويقدُر)) بضمِّ الدال حيث وقع(٤).
﴿وَفَرِحُواْ﴾ استئنافٌ ناعِ قُبْحَ أفعالهم مع ما وسَّعه عليهم. والضميرُ؛ قيل: لأهل
مكة، وإن لم يسبق ذِكْرُهم، واختاره جماعةٌ، وقال أبو حيان(٥): لـ ((الذين
(١) في الأصل: يكون، والمثبت من (م).
(٢) مفتاح العلوم ص٢٢١.
(٣) الکشاف ٣٥٩/٢.
(٤) البحر المحيط ٣٨٨/٥.
(٥) البحر المحيط ٣٨٨/٥.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٣٨
الآية : ٢٦
ينقضون))، وزعم بعضُهم أن الجملةَ معطوفةٌ على صلة ((الذين))، وفي الآية تقديمٌ
وتأخير، ومحلُّ هذا بعد ((يفسدون في الأرض))، ولا يخفى بُعْده للاختلاف عموماً
وخصوصاً، واستقبالاً ومُضِيًّا، أي: فرحوا فَرحَ أَشَرٍ وبَطَر، لا فَرَحَ سرورٍ بفضل الله
تعالی.
﴿بِالْحَيَزْةِ الذُّنْيَا﴾ أي: بما بسَطَ لهم فيها من النعيم؛ لأن فرَحَهم ليس بنفسٍ
الدنيا، فنسبةُ الفرح إليها مجازيَّةٌ، أو هناك تقديرٌ، أي: يبسُطُ الحياةَ، أو ((الحياة
الدنيا)» مجازٌ عمّا فيها.
وَمَا ◌َلْيَةُ الدُّنْيَا فِ اَلْآَخِرَةِ﴾ أي: كائنٌ في جَنْبٍ نعيمها. فالجارُّ والمجرور في
موضع الحال، وليس متعلّقاً بـ ((الحياة)) ولا بـ ((الدنيا)) كما قال أبو البقاء(١)؛
لأنهما ليسا فيها .
و ((في)) هذه معناها المقايسةُ، وهي كثيرةٌ في الكلام، كما يقال: ذنوبُ العبدِ في
رحمة الله تعالى كقطرةٍ في بحر، وهي الداخلةُ بين مفضولٍ سابقٍ وفاضلٍ لاحق،
وهي الظرفيَّةُ المجازيَّةُ؛ لأن ما يُقاس بشيء يُوضَع بجنبه .
وإسنادُ ((متاع)) في قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَتَعُ ﴾﴾ إلى (الحياة الدنيا)) يحتملُ أن
يكون مجازيًّا، ويحتملُ أن يكون حقيقيّاً، والمرادُ أنها ليست إلا شيئاً نَزْراً يتمتّع
به، كعُجالة الراكب، وزادِ الراعي يُزوّدُه أهلُه الكفَّ من التمر، أو الشيءَ من
الدقيق، أو نحوَ ذلك، والمعنى إنهم رضُوا بحظّ الدنيا معرِضين عن نعيم الآخرة،
والحالُ أنَّ ما أَشِروا (٢) به في جَنْب ما أعرضوا عنه نَزْر النفعِ سريعُ النفاد.
أخرج الترمذيُّ وصحَّحه عن عبد الله بن مسعود قال: نام رسولُ الله ◌َّ على
حصيرٍ، فقام وقد أثّرَ في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتَّخذنا لك [وطاءً]؟ فقال:
((مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ، ثم راح وترَكَها))(٣).
(١) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٨٤/٣.
(٢) الأَشَر: البَطَر. مختار الصحاح (أشر).
(٣) سنن الترمذي (٢٣٧٧)، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٧٠٩)، وابن ماجه
(٤١٠٩).

الآية : ٢٧
١٣٩
سُورَةُ الرَّعَلِ
وقيل: معنى الآيةِ كالخبرِ: ((الدنيا مزرعةُ الآخرة))(١). يعني: كان ينبغي أن
يكون ما بسَطَ لهم في الدنيا وسيلةً إلى الآخرةِ، كمتاع تاجرٍ يبيعُه بما يهمُّه، وينفقُه
في مقاصده، لا أن يفرحوا بها ويعدُّوها مقاصد بالذَّاتَ. والأول أَولى وأنسب.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أهلُ مكةَ عبد الله بنُ أبي أميَّةَ وأصحابُه. وإيثارُ هذه
الطريقة على الإضمار مع ظهورٍ إرادتهم عَقِيبَ ذِكْر فَرَحِهم بناءً على أن ضمير
((فرحوا)) لهم؛ لذمِّهم والتسجيلِ عليهم بالكفر فيما حكى عنهم من قولهم: ﴿لَوْلَّاً
أُنْزِلَ عَلَّهِ ءَايَةٌ مِّن زَيَّةٌ﴾ فإنَّ ذلك في أقصى مراتبِ المكابرة والعناد؛ كأنَّ
ما أُنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العِظام الباهرةِ ليست عندهم بآيةٍ
حتى اقترحوا ما لا تقتضيه الحكمةُ من الآيات، كسقوطِ السماء عليهم كِسَفاً،
وسَيْر الأخشبين، وجَعْل البِطاح محارثَ ومُفْتَرَساً كالأردنّ، وإحياءِ قصيٍّ لهم،
وإلى غير ذلك.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ إضلالَه، مشيئته تابعةٌ للحكمةِ الداعية إليها، وهو
كلامٌ جارٍ مجرى التعجّب من قولهم؛ وذلك أن الآياتِ الباهرة المتكاثرة التي
أُوتِيهَا وَله لم يُؤْتَها نبيٌّ قبلَه، وكفى بالقرآن وحدَه آيَةً، فإذا جحدوها ولم يعتدُّوا
بها كان ذلك موضعاً للتعجّب والإنكار، وكان الظاهرُ أن يقال في الجواب:
ما أعظمَ عنادَكم، وما أشدَّ تصميمَكم على الكفر ونحوه، إلا أنه وُضع هذا
موضعَه للإشارة إلى أن المتعجّب منه، يقول: ((إنَّ الله يضلُّ)) إلخ، أي: إنه تعالى
يخلق فيمن يشاء الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله، ويدعه منهمِكاً فيه؛ لعلمه
بأنه لا ينجع فيه اللطفُ، ولا ينفعُه الإرشادُ؛ لسوء استعداده، كمن كان على
صفتكم من المكابرة والعناد، وشدَّةِ الشكيمةِ والغلوِّ في الفساد، فلا سبيلَ له إلى
الاهتداء ولو جاءته كلُّ آية.
﴿وَهْدِىّ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى جانبه العليّ الكبير. وقال أبو حيان(٢): أي: إلى دينه
وشرعه سبحانه هدايةً موصلةً إليه، لا دلالةً مطلقةً إلى ما يُؤْصِل؛ فإن ذلك غيرُ
(١) خبر موضوع، أورده السخاوي في المقاصد الحسنة (٤٩٧)، وقال: لم أقف عليه مع إيراد
الغزالي له في الإحياء. اهـ. وانظر تتمة كلامه.
(٢) البحر المحيط ٣٨٩/٥.

سُورَّةُ الْرّعْلِ
١٤٠
الآية : ٢٨
مختصِّ بالمهتدين، وفيه من تشريفهم ما لا يُؤْصَفُ، وقيل: الضميرُ للقرآن، أو
للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو خلافُ الظاهر جدّاً.
أي: أقبَلَ على الحقِّ، وتأمَّلَ في تضاعيف ما نزل من دلائله
﴿مَنْ أَنَبَ
الواضحة. وحقيقةُ الإنابة الرجوعُ إلى نَوْبةِ الخير، وإيثارُها في الصلة على إيراد
المشيئة كما في الصلة الأولى - على ما قال مولانا شيخُ الإسلام(١) - للتنبيه على
الداعي إلى الهداية، بل إلى مشيئتها، والإشعارِ بما دعا إلى المشيئة الأولى من
المكابرة، وفيه حثٌّ للكَفَرة على الإقلاع عمَّا هم عليه من العُتُوِّ والعناد.
وإيثارُ صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة، كما أنَّ إِيثارَ صيغة
المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة الأولى حسب استمرار
مکابرتهم.
والآيةُ صريحةٌ في مذهب أهل السنة في نسبةِ الخير والشر إليه عزَّ وجلَّ،
وأوَّلها المعتزلةُ، فقال أبو علي الجُبَّائي: المعنى: يُضِلُّ من يشاءُ عن ثوابه ورحمته
عقوبةً له على كفره، فلستم ممن يُجيبه الله تعالى إلى ما يسألُ؛ لاستحقاقكم
العذابَ والإضلال عن الثواب، ويهدي إلى جنَّته من تاب وآمَنَ، ثم قال: وبهذا
تبيَّن أن الهُدى هو الثوابُ من حيث عُلِّق بقوله تعالى: ((من أناب))، والهدى الذي
يفعلُه سبحانه بالمؤمن هو الثوابُ؛ لأنه يستحقُّه على إيمانه، وذلك يدلُّ على أنه
تعالى يضلُّ عن الثواب بالعقاب، لا عن الدِّينِ بالكفرِ على ما ذهب إليه مَنْ
خالَفَنا. اهـ. ولا يخفى ما فيه.
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بدلٌ من ((من أناب)) بدلُ كلٍّ من كلٌّ؛ فإن أُريد بالهداية الهدايةُ
المستمرَّة فالأمرُ ظاهرٌ؛ لظهورٍ كون الإيمان مؤدِّياً إليها، وإن أُريد إحداثها فالمرادُ
بالذين آمنوا: الذين صارَ أمرُهم إلى الإيمان كما قالوا في ﴿هُدَّى لِلْمُنَّقِينَ﴾
[البقرة: ٢] أي: الصائرين إلى التقوى، وإلا فالإيمانُ لا يؤدِّي إلى الهداية نفسِها،
ويجوز أن يكون عطفَ بيانٍ على ذلك، أو منصوباً على المدح، أو خبرَ مبتدأ
محذوفٍ، أي: هم الذين آمنوا ﴿وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم﴾ أي: تستقرُّ وتسكنُ ﴿يِذِكْرِ اللهِ﴾
(١) تفسير أبي السعود ٢٠/٥.