Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ١٠ ٦١ سُورَةُ الرّعَدِ وهو - على ما قال جمعٌ - في الأصل اسمُ فاعل، من سَرَبَ، إذا ذهب في سَرْبه، أي: طريقه، ويكون بمعنى: تصرف كيف شاء، قال الشاعر(١): وتُقرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبٍ سَربتٍ وكنتِ غيرَ سَروب أنّی وقال الآخر(٢): ونحن خلَعْنَا قيْدَه فهو سارِبُ وكلُّ أناسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِھم أي: فهو متصرِّفٌ كيف شاء، لا يُدفع عن جهة، يفتخر بعزة قومه. فما ذكره الحبر لازم معناه، وقرينتُه وقوعه في مقابلة ((مستخفٍ))، والظاهرُ من كلام بعضهم أنَّه حقيقةٌ في الظاهر. ورفع ((سواء)) على أنَّه خبرٌ مقدم، و((من)) مبتدأ مؤشّر. ولم يثنّ الخبرَ؛ لأنَّه في الأصل مصدرٌ، وهو الآن بمعنى مستوٍ، ولم يجئ تثنيتُه في أشهر اللغات، وحكى أبو زيد: هما سواآن. و((منكم)) حالٌ من الضمير المُستتر فيه، لا في ((أسرَّ) و((جهر)) لأنَّ ما في حيِّز الصلة والصفة لا يتقدَّم على الموصول والموصوف. وجوَّز أبو حيان(٣) كون ((سواء)» مبتدأ؛ لوصفه بـ ((منكم))، وما بعده الخبرُ. وكذا أعرب سيبويه(٤) قولَ العرب: سواءٌ عليه الخير والشرُّ. وقولُ ابنِ عطية(٥): إنَّ سيبويه ضعَّفَ ذلك بأنه ابتداءٌ بنكرة، لا يصحُّ. (١) هو قيس بن الخَطيم، والبيت في ديوانه ص٥٥، ولسان العرب (سرب). ويروى أيضاً: سریت، بالياء. (٢) وهو الأخنس بن شهاب التغلبي، شاعر جاهلي قديم، والبيت في إصلاح المنطق ص٢٢٥، والمفضلیات ص٢٠٨، وصدره فيها : أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص٣٧٨: يعني بالفحل هاهنا السيد. يقول: كل أناس غيرنا لم يتركوا رئيسهم وسيدهم أن يفارقهم ويبعد عنهم، خشية عليه من القتل، ونحن لعزِّنا لا يجترئ أحد على سيدنا وإن كان وحده بعيداً عنا. (٣) في البحر ٣٧٠/٥. (٤) الكتاب ٢٤/٢ - ٢٦. (٥) في المحرر الوجيز ٢٩٩/٣. سُورَةُ الرَّعْدِ ٦٢ الآية : ١٠ و((سارب)) عطف على ((من)) كأنه قيل: سواءٌ منكم إنسانٌ هو مستخفٍ وآخرُ ساربٌ. والنكتة في زيادة ((هو)) في الأول أنَّه الدالُّ على كمال العلم، فناسب زيادةً تحقيق، وهو النكتة في حذف الموصوف عن ((سارب)) أيضاً، والوجهُ في تقديم (أسرَّ) وإعماله في صريح القول على ((جهر به))(١) وإعماله في ضميره. وجوِّز أن يكون على ((مستخفٍ))، واستُشكل بأنَّ سواء يقتضي ذكرَ شيئين، فإذا كان ((سارب)» معطوفاً على جزء الصلة أو الصفة، لا يكون هناك إلَّ شيءٍ واحد، ولا يجيء هذا على الأول؛ لأنَّ المعنى ما علمت. وأجيب بأنَّ (من)) عبارة عن الاثنين كما في قوله: نكنْ مثلَ مَنْ یا ذئبُ يَصْطحِبانٍ(٢) تعشَّ فإِنْ عاهدْتَني لا تَخونُني فكأنَّه قيل: سواءٌ منكم اثنان، مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار. قال في ((الكشف)): وعلى الوجهين ((من)) موصوفةٌ لا موصولة، فيحمل الأوليان أيضاً(٣) على ذلك؛ ليتوافق الكلُّ، وإيثارُها على الموصولة دلالةٌ على أنَّ المقصودَ الوصفُ، فإنَّ ذلك متعلّق العلم. وأمَّا لو قيل: سواءٌ الذي أسرَّ القول والذي جهر به، فإن أريد الجنسُ من باب: ولقد أمُرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّني(٤) (١) في (م): جهره. (٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٣٢٩/٢، والكتاب ٤١٦/٢، والكامل ٤٧٣/١ . وجاء في (م) والكتاب: تعال. (٣) ليست في الأصل. (٤) صدر بيت لرجل من بني سَلول، كما ذكر ذلك سيبويه في الكتاب ٢٤/٣، والبغدادي في الخزانة ٣٥٧/١ - ٣٥٨، ونسبه الأصمعي في الأصمعيات ص١٢٦ إلى شَمِر بن عمرو الحنفي، أحد شعراء بني حنيفة باليمامة، وجاء عنده: مررت، بدل: أمر. وعجز البيت: فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني وأورده أيضاً المبرد في الكامل ٢/ ٩٨٣ ولم ينسبه، وجاء عجز البيت عنده: فأجوز ثمَّ أقول لا يعنيني الآية : ١٠ ٦٣ سُؤَدَّةُ الرَّحْدِ فهو والأول سواءٌ، لكنَّ الأول نصٌّ. وإن أريد المعهود حقيقةً أو تقديراً، لزم إيهامُ خلاف المقصود لما مرَّ. وقيل: في الكلام موصولٌ محذوف، والتقدير: ومن هو ساربٌ، كقول أبي فراس(١): فليتَ الَّذي بيني وبينكَ عامرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خَرابُ وقول حسان : وَيَمْدُخُه وَيَنْصرُهُ سَواءٍ(٢) أمَنْ يهْجُو رَسُولَ الله مِنكُمْ وهو ضعيفٌ جدّاً؛ لما فيه من حذف الموصول مع صدر الصلة، وقد ادَّعى الزمخشريُّ أنَّ أحد الحذفَيْن سائغٌ، لكنَّ اجتماعَهما منكرٌ من المنكرات، بخلاف البيتين(٣) . وقال أبو حيان(٤): إنَّ حذف ((من)) هنا - وإن كان للعلم به - لا يجوز عند البصريين، ويجوز عند الكوفيين. وزعم بعضُهم أنَّ المقصود استواءُ الحالتين، سواءٌ كانتا لواحدٍ أو لاثنين، والمعنى: سواءٌ استخفاؤه وسروبُه بالنسبة إلى علم الله تعالى، فلا حاجة إلى توجيه الآية بما مرَّ، وكذا حال ما تقدَّمه، فعبّر بأسلوبين والمقصودُ واحد. وتُعقِّب بأنه لا تساعده العربية؛ لأنَّ ((من)) لا تكون مصدرية، ولا سابكَ في الكلام. وزعم ابن عطية(٥) جوازَ أن تكون الآيةُ متضمِّنةً ثلاثة أصناف: فالذي يسرُّ طرف، والذي يجهر طرف مضادٌّ للأول، والثالث متلوِّن يعصي بالليل مستخفياً ويظهر البراءة بالنهار. وهو كما ترى. ومن الغريب ما نُقل عن الأخفش وقُطرب(٦) (١) ديوانه ص٢٤ . (٢) البيت في ديوانه ص٦٤. وفيه: فمن، بدل: أمن. (٣) ينظر الانتصاف بحاشية الكشاف ٣٥١/٢. (٤) البحر ٣٧٠/٥. (٥) في المحرر الوجيز ٣٠٠/٣. (٦) ينظر البحر ٣٧٠/٥. ٠٠ سُورَةُالرَّعْدِ ٦٤ الآية : ١١ تفسير المستخفي بالظاهر، فإنَّه وإن كان موجوداً في كلامهم بهذا المعنى، لكن يمنع عنه في الآية ما يمنع، ثمَّ إنَّ في بيان علمه تعالى بما ذكر بعد بيان شمول علمه سبحانه الأشياءَ كلَّها ما لا يخفى من الاعتناء بذلك. إِلَهُ﴾ الضمير راجع إلى من تقدَّم ممن أسرَّ بالقول وجهر به إلى آخره، باعتبار تأويله بالمذكور وإجرائه مجرى اسم الإشارة، وكذا المذكورة بعده. ﴿مُعَقِّبَتٌ﴾ ملائكةٌ تَعْتقب في حفظه وكلاءته. جمع: مُعقِّبة، من عقّب مبالغةً في عَقِبه، إذ جاء على عقبه، وأصله من العَقِب وهو مؤخّر الرِّجل، ثم تجوّز به عن كون الفعل بغير فاصلٍ ومهلةٍ كأنَّ أحدَهم يطأ عَقِب الآخر، فالتفعيل للتكثير فهو إمّا في الفاعل أو في الفعل، لا للتعدية؛ لأنَّ ثلاثيَّهُ متعدٍّ بنفسه، ويجوز أن يكون إطلاق المعقِّبات على الملائكة عليهم السلام باعتبار أنَّهم يعقبون أقوالَ الشخص وأفعالَه، أي: يتبعونها ويحفظونها بالكتابة. وقال الزمخشريُّ(١): إنَّ أصله معتقبات، فهو من باب الافتعال، فأدغمت التاء في القاف كقوله تعالى: ﴿وَبََّ اٌلْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] أي: المعتذرون. وتُعقِّب بأنَّه وهم فاحش، فإنَّ التاء لا تُدغم في القاف من كلمة أو كلمتين، وقد نصَّ الصرفيون على أنَّ القاف والكاف كلٌّ منهما يدغم (٢) في الآخر، ولا يدغمان في غيرهما . والتاء في معقِّبة؛ للمبالغة، كتاء نسَّابة؛ لأنَّ الملائكةَ عليهم السلام غيرُ مؤنَّتين، وقيل: هي للتأنيث، بمعنى أنَّ معقِّبة صفةُ جماعة منهم، فمعنى معقِّبات: جماعاتٌ كلُّ جماعة منها معقِّبة. وليس معقِّبة جمعُ معقِّب، وذكر الطبريُّ(٣) أنَّه جمعُه، وشبَّه ذلك برجل ورجال ورجالات، وهو كما ترى، لكن أوَّله أبو حيان(٤) بأنَّه أراد بقوله: جمع معقّب. أنَّه (١) في الكشاف ٣٥٢/٢. (٢) قبلها في الأصل و(م): لا، ولعله سبق قلم من المصنف رحمه الله. والمثبت من البحر ٣٧١/٥، والدر المصون ٢٧/٧، وحاشية الشهاب ٥/ ٢٢٥ ومنه نقل المصنف. (٣) في تفسيره ١٣/ ٤٥٦. (٤) في البحر ٣٧١/٥. الآية : ١١ ٦٥ سُوَّةُ الرَّحَدِ أُطلق من حيثُ الاستعمالُ على جمع معقِّب، وإن كان أصله أنْ يطلق على مؤنث معقِّب، فصار مثل: الواردة، للجماعة الذين يردون، وإن كان أصله أن يطلق على مؤنَّث وارد، وتشبيه ذلك بما ذُكر من حيثُ المعنى لا من حيثُ صناعةُ النحو، فبيَّن أنَّ معقِّبة من حيثُ أُريد به الجمع، كرجال من حيثُ وُضع للجمع، وأنَّ معقِّبات من حيثُ استُعمل جمعاً لمعقِّبة المستعمل في الجمع، كرجالات الذي هو جمع رجال. وقرأ أُبيِّ وإبراهيم: ((معاقيب))(١)، وهو جمع - كما قال الزمخشريُّ(٢) - جمع معقّب أو معقِّبة، بتشديد القاف فيهما، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير. وقال ابن جنيٌّ: إِنَّه تكسير مُعْقِب، كمُطْعِم ومطاعيم، ومُقْدِم ومقاديم، كأنَّه جمع على مَعاقِبة، ثمَّ حذفت الهاء من الجمع وعوِّضت الياء عنها. ولعلَّه الأظهرُ(٣). وقرئ: ((معتقبات))(٤) من اعتقب. ﴿مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقعَ صفة لمعقِّبات، أو حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً له، فالمعنى: أنَّ المعقِّباتِ محيطةٌ بجميع جوانبه. أو هو متعلِّق بـ ((معقِّبات))، و((من)) لابتداء الغاية، فالمعنى: أنَّ المعقِّبات تحفظ ما قدَّم وأخّر من الأعمال. أي: تحفظ جميع أعماله. وجوّز أن يكون متعلّقاً بقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾، والجملة صفة ((معقِّبات))، أو حالٌ من الضمير في الظرف. وقرأ أبيٍّ: ((مِنْ بين يَدَيْه ورقيبٌ مِنْ خَلْفه))(٥)، وابنُ عباس: ((ورقباءُ مِنْ خَلْفه))، وروى مجاهدٌ عنه أنَّه قرأ: ((له معقِّباتٌ مِنْ خلفه ورقيبٌ مِنْ بين يَدَيْه يحفظُونَه))(٦). (١) القراءات الشاذة ص٦٦ ونسبها لزياد بن أبي سفيان، والمحتسب ٣٥٥/١ ونسبها لعبيد الله بن زياد، ونسبها لأُبيّ وإبراهيم أبو حيان في البحر ٣٧٢/٥. (٢) في الكشاف ٣٥٢/٢. (٣) المحتسب ٣٥٥/١، وينظر البحر المحيط ٣٧٢/٥، والدر المصون ٢٨/٧، وحاشية الشهاب ٢٢٥/٥. (٤) البحر ٥/ ٣٧٢، (٥) الطبري ١٣/ ٤٥٩، والبحر ٣٧٢/٥. (٦) البحر ٣٧٢/٥، قال أبو حيان بعد ذكر هذه القراءات: وينبغي حمل هذه القراءات على ". التفسير، لا أنها قرآن؛ لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. سُورَةُ الرَّعْدِ ٦٦ الآية : ١١ ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ متعلِّقٌ بما عنده، و((من)) للسببية، أي: يحفظونه من المضارِّ بسبب أمر الله تعالى لهم بذلك، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ عليّاً كرَّم الله تعالى وجهه وابنَ ، قرؤوا: ((بأمر الله)) عباس ﴿يًّا وزيدَ بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة بالباء(١)، وهي ظاهرة في السببية. وجوز أن يتعلَّق بذلك أيضاً، لكن على معنى: يحفظونه من بأسه تعالى متى أذنب، بالاستمهال أو الاستغفار له، أي: يحفظونه باستدعائهم من الله تعالى أن يمهلَه ويؤخِّرَ عقابه؛ ليتوب أو يطلبون من الله تعالى أن يغفر له ولا يعذبه أصلاً، وقال في ((البحر))(٢): إنَّ معنى الكلام يصير على هذا الوجه إلى التضمين، أي: يدعون له بالحفظ من نقمات الله تعالى. وقال الفرَّاء(٣) وجماعة: في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: له معقِّباتٌ من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. وروي هذا عن مجاهد والنخعي وابن جُريج. فيكون ((من أمر الله)) متعلِّقاً بمحذوف وقع صفة لـ ((معقِّبات))، أي: كائنة من أمره تعالى. وقيل: إنَّه لا يحتاج في هذا المعنى إلى دعوى تقديم وتأخير، بأن يقال: إنَّه سبحانه وصف المعقِّبات بثلاث صفاتٍ: إحداها: كونُها كائنةً من بين يديه ومن خلفه. وثانيتها: كونُها حافظةً له. وثالثتها : كونُها كائنةً من أمره سبحانه. وإن جُعل ((من بين يديه)) متعلِّقاً بـ ((يحفظونه)) يكون هناك صفتان، الجملةُ والجارُّ والمجرور. وتقديمُ الوصف بالجملة على الوصف به سائغ شائع في الفصيح، وكأنَّ الوصف بالجملة الدالّة على الديمومة في الحفظ؛ لكونه آكدُ، قُدِّم على الوصف الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم، وابنُ جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس: أنَّ المرادَ (١) المحتسب ٣٥٥/١، والبحر ٣٧٢/٥. (٢) ٣٧٢/٥. (٣) في معاني القرآن ٢/ ٦٠. الآية : ١١ ٦٧ سِوَرَّةُ الرَّعَلِ بالمعقِّبات الحرسُ الذين يتَّخذهم الأمراء لحفظهم من القتل ونحوه (١). ورُوي مثله عن عكرمة. ومعنى ((يحفظونه من أمر الله)) أنَّهم يحفظونه من قضاء الله تعالى وقدره، ويدفعون عنه ذلك في توقُّمه؛ لجهله بالله تعالى. ويجوز أن يكون من باب الاستعارة التهكّمية، على حدٍّ ما اشتهر في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. فهو مستعارٌ لضدٍّه، وحقيقتُه لا يحفظونه. وعلى ذلك يخرَّج قولُ بعضهم: إنَّ المراد لا يحفظونه، لا على أنَّ هناك نفياً مقدَّراً كما يُتوهّم. والأكثرون على أنَّ المرادَ بالمعقِّبات الملائكةُ، وفي الصحيح: ((يتعاقَبُ فيكم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنَّهار، ويجتمعون في صَلاة الصُّبحِ وصَلاة العصرِ))(٢) وذكروا أنَّ مع العبد غيرَ الملائكة الكرام الكاتبين ملائكةً حفظةً، فقد أخرج أبو داود، وابن المنذر، وابن أبي الدنيا، وغيرُهم، عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه قال: لكلِّ عبدٍ حفظةٌ يحفظونه، لا يخرُّ عليه حائطٌ، أو يتردَّى في بئر، أو تُصيبُه دابَّةٌ، حتى إذا جاء القدَرُ الذي قُدِّر له، خلت عنه الحفظةُ، فأصابَه ما شاء الله تعالى أن يُصيبَه(٣) . وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا، والطبرانيُّ، والصابونيُّ(٤)، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّل: ((وُكِّل بالمؤمن ثلاث مئة وستُّون مَلَكاً، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك للبصر سبعةُ أملاكٍ يذبُّون عنه كما يُذَبُّ عن قصعةِ العسل من الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كلِّ سهلٍ وجبلٍ، كلَّهم باسطٌ يديه فاغرٌ فاه، وما لو وُكِّل العبدُ فيه إلى نفسِه طرفة عينٍ لاختطفَتْه الشياطينُ))(٥). (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٢٩/٧ - ٢٢٣٠، وتفسير ابن جرير ٤٦٠/١٣. (٢) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، وهو عند أحمد (٧٤٩١) من حديث أبي هريرة ـ (٣) أخرجه أبو داود في القدر كما في الدر المنثور ٤٨/٤. (٤) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن، أبو عثمان، النيسابوري، المفسِّر، المحدِّث، توفي سنة (٤٤٩هـ). ((سير أعلام النبلاء، ٤٠/١٨. (٥) الطبراني في الكبير (٧٧٠٤)، وفيه: ((وكل بالمؤمن تسعون ومئة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك النفر تسعة أملاك يذبون عنه كما يُذَّب عن قصعة العسل ... )). وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤٨/٤، ومنه نقل المؤلف. سُوَرَّةُ الرَّعَدِ ٦٨ الآية : ١١ وأخرج ابنُ جرير(١)، عن كِنانة العَدَويّ(٢) قال: دخل عثمانُ تَظُه على رسول الله وَّ﴿ فقال: يا رسولَ الله، أخبرني عن العبدِ، كم معه من مَلَك؟ فقال: ((مَلَكٌ عن يمينِكَ على حسناتِك، وهو أميرٌ(٣) على الذي على الشمال، إذا عملتَ حسَنةً، كُتبتْ عِشْراً، فإذا عملتَ سيئةً، قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أأكتبُ؟ قال: لا، لعلَّه يستغفرُ الله تعالى ويتوبُ. فإذا قال ثلاثاً، قال: نعم، اكتُب أراحنا الله تعالى منه، فبئسَ القرينُ، ما أقلَّ مراقبتَه لله سبحانه، وأقلَّ استحياءَه منه تعالى(٤)، يقولُ الله جلَّ وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ومَلَكان من بين يديك، ومَلَكان من خلفك، يقول الله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ ◌َلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ) ومَلَك قابضٌ على ناصيتِكَ، فإذا تواضعتَ لله تعالى رفعكَ، وإذا تجبَّرتَ على الله تعالى قصمَكَ(٥)، ومَلَك قائمٌ على فيك، لا يَدَعُ أن تدخلَ الحيةُ فيه، ومَلَكان على عينِكَ، فهؤلاء عشرَةُ أملاكٍ ينزلون على كلِّ بني آدم في النهار وينزل مثلُهم في الليل)) (٦). والأخبار في هذا البابٍ كثيرةٌ. واستُشكل أمر الحفظ بأنَّ المقدَّرَ لا بدَّ من أن يكون، وغيرَ المقدَّرِ لا يكون أبداً، فالحفظُ من أيِّ شيء؟. وأُجيب بأنَّ من القضاء والقدر ما هو معلَّقٌ فيكون الحفظ منه، ولهذا حَسُن تعاطي الأسباب، وإلَّا فمثل ذلك واردٌ فيها، بأن يقال: إنَّ الأمر الذي نُريد أن نتعاطاه إمَّا أن يكون مقدَّراً وجودُه فلا بدَّ أن يكون، أو مقدَّراً عدمُه فلابدَّ أن لا يكون، فما الفائدةُ في تعاطيه والتَّشبُّثِ بأسبابه؟. وتُعقِّب هذا بأنَّ ما ذكر (١) في تفسيره ١٣/ ٤٥٧. (٢) هو كنانة بن نُعيم العدوي، أبو بكر البصري، تابعي ثقة، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة. طبقات ابن سعد ٢٢٧/٧، وتهذيب الكمال ٢٢٧/٢٤. (٣) جاءت عند الطبري: وهو أمين، وهي كذلك في الدر المنثور ٤٨/٤، وجاءت في بعض طبعات تفسير ابن كثير: آمر. (٤) قوله: منه تعالى، ليس في الأصل، وجاءت عند الطبري: منَّا . (٥) جاء بعدها في المصادر: ((وملكان على شفتيك، ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي». (٦) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال: حديث غريب جداً. الآية : ١١ ٦٩ سُوَّةُ الرَّحْلِ إنَّما حسن منَّا؛ لجهلنا بأنَّ ما نطلبه من المعلَّق أو من غيرِهِ، والمسألةُ المستشكلة ليست كذلك، وأنت تعلم أنَّ الله تعالى جعل في المحسوساتِ أسباباً محسوسةً، وربط بها مسبّياتِها حسبما تقضيه حكمتُه الباهرة، ولو شاء لأوجدَ المُسبّبات من غير أسباب؛ لغناه - جلَّ شأنه - الذاتي، ولا مانع من أن يجعل الأمور الغير المحسوسة أسباباً يربط بها المُسببات كذلك، وحينئذ يقال: إنَّه - جلَّت عظمتُه - جعل أولئك الحفظَة أسباباً للحفظ، كما جعل في المحسوس - نحوَ الجَفْن للعين - سبباً لحفظها، مع أنَّه ليس سبباً إلَّا للحفظ ممَّا لم يبرم من قضائه وقدره جلَّ جلالُه، والوقوفُ على الحِكَم بأعيانِها ممَّا لم نُكلَّف به، والعلمُ بأنَّ أفعالَه تعالى لا تخلو عن الحِكَم والمصالحِ على الإجمال ممَّا يكفي المؤمن. ويقال نحوُ هذا في أمر الكرام الكاتبين، فهم موجودون بالنصِّ، وقد جعلهم الله تعالى حَفَظةً لأعمال العبدِ، كاتبين لها، ونحن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمُهم ولا مدادُهم وما قرطاسُهم وكيف كتابتهم وأين محلُّهم وما حكمةُ ذلك؟ مع أنَّ علمَه تعالى كافٍ في الثواب والعقاب عليها، وكذا تذكُّر الإنسان لها وعلمُه بها يومَ القيامة كافٍ في دفع ما عسى أن يختلجَ في صدره عند معاينةِ ما يترتَّبُ عليها. ومن الناس من خاضَ في بيان الحكمة، وهو أسهلُ من بيان ما معها . وذكر الإمامُ الرازيُّ(١) في جواب السؤال عن فائدة جعلِ الملائكة - عليهم السلام - موَّلين علينا كلاماً طويلاً، فقال: اعلم أنَّ ذلك غيرُ مستبعد؛ لأنَّ المنجِّمين اتَّفقوا على أنَّ التدبير في كلِّ يوم لكوكب على حدة، وكذا القول في كلِّ ليلة، ولا شكَّ أنَّ لتلك الكواكب أرواحاً عندهم، فتلك التدبيراتُ المختلفة لتلك الأرواح في الحقيقة، وكذا القول في تدبير الهيلاج والكدخداه(٢) على ما يقولون. وأمَّا أصحاب الطَّلَّسْمات فهذا الكلامُ مشهورٌ على ألسنتهم فإنَّهم يقولون: أخبرنا الطباع التامُّ بكذا. ومرادهم به أنَّ لكلِّ إنسان روحاً فلكيَّةً تتولى صلاحَ مهماتِهِ ودفعَ (١) في تفسيره ١٩/١٩ - ٢٠ بنحوه. (٢) الهيلاج والكدخداه من مصطلحات علم النجوم الذي يعرف به تأثيرات النجوم في السفليات مع دلالتها، والهيلاج عبارة عن دليل العمر، والكدخداه - ويقال له: الرابي - هو المستولي على موضع الهيلاج. معجم مقاليد العلوم ص ١٧٠ . سُورَةُ الرّعَلِ ٧٠ الآية : ١١ بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام، فكيف يستبعد مجيئه في الشرع؟. وتمام التحقيق فيه أنَّ الأرواحَ البشرية مختلفةٌ في جواهرها وطبائعها، فبعضُها خيِّرةٌ، وبعضُها شريرةٌ، وبعضُها حرَّةٌ، وبعضها نذلةٌ، وبعضها قويّةُ القهر، وبعضها ضعيفته، وكما أنَّ الأمر في الأرواح البشرية كذلك فكذلك القولُ في الأرواح الفلكيّة، ولا شكَّ أنَّ الأرواح الفلكيَّة في كلِّ بابٍ وصفةٍ أقوى من الأرواح البشرية، وكلُّ طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركةً في طبيعةٍ خاصَّة وصفةٍ مخصوصة، وتكون في مرتبة روح من الأرواح الفلكية مشاكلةً لها في الطبيعة والخاصيَّة، فتكون تلك الأرواح البشرية كأنَّها أولادٌ لذلك الروح الفلكي، وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ ذلك الروح الفلكيَّ يكون مُعِيْناً على مهمَّاتها، ومُرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً إيَّاها عن صنوف الآفات، وهذا كلامٌ ذكره مُحقِّقو الفلاسفة، وبذلك يُعلم أنَّ ما وردت به الشريعةُ أمرٌ مقبولٌ عند الكلِّ، فلا يُمكن استنكاره(١). اهـ. ولعلَّ مقصوده بذلك تنظيرُ أمر الحفظة مع العبد بأمر الأرواح الفلكية معه على زعم الفلاسفة في الجملة، وإلّا فما يقوله المسلمون في أمرهم أمرٌ، وما يقوله الفلاسفة في أمر تلك الأرواح أمرٌ آخرُ، وهيهاتَ هيهاتَ أن نقول بما قالوا، فإنَّه بعيدٌ عما جاء عن الشارع - عليه الصلاة والسلام - بمراحلَ، ثم ذكر(٢) - عليه الرحمة - من فوائد الحَفَظة للأعمال أنَّ العبد إذا علم أنَّ الملائكةَ عليهم السلام يحضرونہ ويُحصون علیه أعمالہ ۔ وهم هم ۔ کان أقرب إلى الحذر عن ارتكاب المعاصي، كمن يكون بين يدي أُناسٍ أَجِلَّاءَ من خدَّام الملك موَّلين عليه، فإنَّه لا يكاد يحاول معصيةً بينهم. وقد ذكر ذلك غيرُه ولا يخلو من حُسْن. ثم ذكر (٣) عن المتكلِّمين في فائدة الصحف المكتوبة أنَّها وزنُها يومَ القيامة، فمن ثَقُلت موازينُه فهو في عيشةٍ راضية، وأمَّا من خفَّت موازينُه فأمُّه هاويةٌ، ويظهر كلٌّ من الأمرين للخلائق. (١) في الأصل: إنكاره. (٢) أي: الرازي في تفسيره ٢٠/١٩. (٣) في (م): نقل. الآية : ١١ ٧١ سُوَرَّةُ الرَّحْلِ وتعقَبه القاضي بأنَّ ذلك بعيدٌ؛ لأنَّ الأدلَّة قد دلَّت على أنَّ كلَّ واحدٍ قبل مماته عند المُعاينة يعلم أنَّه من السُّعداء، أو من الأشقياء - والعياذ بالله تعالى - فلا يجوز توقُّفُ حصول المعرفة على الميزان. ثم أجاب بأنَّه لا يمتنع أيضاً ما ذكرناه؛ لأمرٍ يرجع إلى حصول سرور العبد عند الخلق العظيم بظهور أنَّه من أولياء الله تعالى لهم، وحصول ضدِّ ذلك لمن كان من أعداء الله تعالى(١). ولا يخفى أنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الذي يُوزَن هو الصحف، وهو أحدُ أقوالٍ في المسألة، نعم ذهب إليه جمعٌ من الأَجِلَّةِ؛ لحديث البطاقة والسجلات المشهور(٢)، وكذا على أنَّ الكتابة على معناها الظاهر وهو الذي ذهب إليه أهلُ الحديث بل وغیرُهم فيما أعلم. ونَقَلَ عن حُكماء الإسلام معنىٌ آخرَ فقال(٣): إنَّ الكتابة عبارةٌ عن نقوش مخصوصة وُضعت بالاصطلاح لتعريف بعض المعاني المخصوصة، فلو قدَّرنا كونَ تلك النقوش دالَّة على تلك المعاني بأعيانها وذواتها، كانت تلك الكتابةُ أقوى وأكمل، وحينئذٍ نقول: إنَّ الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرَّاتٍ كثيرةً متواليةً، حصل في نفسه بسبب ذلك مَلَكةٌ قوية راسخة، فإن كانت تلك المَلَكة مَلَكةً في أعمالٍ نافعة في السعادات الروحانية، عَظُم ابتهاجُه بعدَ الموت، وإن كانت تلك الملكةُ مَلَكةً ضارَّةً في الأحوال الروحانية، عُمَ تضرُّرُه بها بعدُ. ثم قال: إذا ثبتَ هذا فنقول: إنَّ التكرير الكثير إن (٤) كان سبباً لحصول تلك المَلَكة الراسخة، كان لكلِّ واحدٍ من تلك الأعمال أثرٌ في حصول تلك المَلَكة، وذلك الأثر وإن كان غيرَ محسوسٍ إلَّا أنَّه حاصلٌ في الحقيقة، وإذا عُرف هذا ظهرَ أنَّه لا يحصل للإنسان لمحةٌ ولا حركةٌ ولا سكون إلَّا ويحصل منه في جوهر نفسه أثرٌ من آثار السعادةِ وآثار الشقاوة، قَلَّ أو كَثُر، وهذا هو المراد من كَتْبِ الأعمال عند حكماء الإسلام، والله تعالى العالم بحقائق الأمور. انتهى. وقد رأيتُ ذلك لبعض الصوفية. (١) تفسير الرازي ٢١/١٩. (٢) أخرجه أحمد (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً . (٣) الرازي في تفسيره ٢١/١٩. (٤) في تفسير الرازي: لمَّا. سُورَةُ الرَّعَدِ ٧٢ الآية : ١١ وأنت تعلم أنَّه خلاف ما نطقت به الآيات والأخبار، ونحن في أمثال هذه الأمور لا نعدل عن الظاهر ما أمكن، والحقُّ أبلج وما بعد الحقِّ إلا الضلالُ. هذا، ومن النَّاس من جعل ضمير ((له)) لـ ((من)) الأخير، والأول أولى. ومنهم من جعله الله تعالى وما بعدَه لـ ((من))، وفيه تفكيكٌ للضمائر من غير داعٍ. ومنهم من جعله للنبيٍّ ◌َّهِ وهو عليه الصلاة والسلام معلومٌ من السياق، وقد تُقدَّم الإخبار عنه رَُّ في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلًا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٠]. واستدلَّ على ذلك بما أخرجه ابنُ المنذر، وابن أبي حاتم، والطبرانيُّ في ((الكبير))، وابن مردويه، وأبو نعيم في ((الدلائل)) من طريق عطاء بن يسار، عن ابن عباس(١): أن أربدَ بن قيس وعامرَ بنَ الطفيل قَدِما المدينةَ على رسول اللهِوَّر، فانتهيا إليه وهو - عليه الصلاة والسلام - جالسٌ، فجلسا بين يديه، فقال عامر: ما تجعلُ لي إنْ أسلمتُ؟ قال النبيُّ بِّهِ: ((لكَ ما للمسلمين، وعليكَ ما عليهم)) قال: أتجعلُ لي إن أسلمتُ الأمرَ بعدَك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس ذلك لك ولا لقومِك، ولكن لكَ أعنَّة الخيل». قال: فاجعل لي الوبر ولكَ المَدر. فقالِ بَ﴿: ((لا)) فلما قَفَى من عنده قال: لأملأنَّها عليك خيلاً ورجلاً. فقال النبيُّ وَِّ: ((يمنعُكَ اللهُ تعالى)) وفي رواية: ((وأبناءُ قَيْلة))(٢) يريدُ الأوسَ والخزرجَ. فلما خرجا قال عامرٌ: يا أربدُ، إنيِّ سألهي محمداً عنك بالحديث، فاضربْه بالسيف، فإنَّ الناس إذا قتلته لم يزيدوا على أن يرضَوا بالدية، ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية. فقال أربد: أفعل. فأقبلا راجعَيْن، فقال عامر: يا محمدُ، قم معي أُكلمْك. فقام عليه الصلاة والسلام معه، فخليا إلى الجدار، ووقف عامر يُكلِّمُه، وسلَّ أربدُ السيفَ، فلمَّا وضع يده عليه، يَبِست على قائمه، فلم يستطع سلَّه، وأبطأ على عامر، فالتفتَ رسولُ اللهِ وَ لِّ فرأى أربدَ وما يصنع، فانصرف عنهما فقال عامر لأربد: مالَك؟ قال: وضعتُ يدي على قائم سيفي فَيَبست، فلمّا (١) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٠، والمعجم الكبير (١٠٧٦٠)، ودلائل النبوة (١٥٧)، وهو عند ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله. وأخرجه عنه الطبري ١٣/ ٤٦٧ . (٢) في الدر ٤٨/٤: وأتيا قبيلة تدعى، وقَيْلة: هي قَيْلة بنت كاهل والدة الأوس والخزرج. يُنظر طبقات ابن سعد ٤١٩/٣، وفتح الباري ٢٤٣/٧ . الآية : ١١ ٧٣ سُوَّةُ الرَّعْدِ خرجا حتى إذا كانا بالرَّقَم(١)، نزلا، فخرج إليهما سعدُ بن معاذ، وأُسيدُ بن حُضَير، فوقع بهما أُسيد قال: اشخصا يا عدوّي الله تعالى، لعنكم الله تعالى. فقال عامر: من هذا يا سعدُ؟ فقال: هذا أُسيد بن حُضَير الكتائب. فقال: أما والله إن كان حضيرٌ صديقاً لي. ثمَّ إنَّ الله سبحانه أرسل على أربدَ صاعقةً فقتلته، وخرج عامرٌ حتى إذا كان بوادي الجُرَير(٢)، أرسل الله تعالى عليه قرحةً فأدركه الموتُ. وفي روايةٍ: أنَّه كان يصيح: يا لعامر (٣)، أغدَّةٌ كغذَّة البعير، وموتٌ في بيت سَلوليَّةٍ. فأنزل الله تعالى فيهما: (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْقَ) إلى قوله سبحانه: (لَهُ, مُعَقِّبَاتٌ) إلى آخره، ثم قال: المعقِّباتُ من أمر الله يحفظون محمداً مَّر. وجاء في روايةٍ أخرى عنه ظُهُ أَنَّه قال: هذه للنبيّ عليه الصلاة والسلام خاصَّة(٤). والأكثرون على اعتبار العموم. وسببُ النزول لا يأبى ذلك، والله تعالى أعلم. ثم إنَّه سبحانه بعدَ أن ذكر إحاطة علمِه بالعباد، وأنَّ لهم معقِّباتٍ يحفظونهم من أمره جلَّ شأنه، نبّه على لزوم الطاعة ووبالِ المعصية، فقال عزَّ مِنْ قائل: ﴿إِنَ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْرٍ﴾ من النعمةِ والعافية ﴿حَّى يُغَيِرُواْ مَا يَنفُسِمٌ﴾ ما اَنَّصَفَتْ به ذواتُهم من الأحوال الجميلة، لا ما أضمروه ونَوَوْه فقط، والمرادُ بتغيير ذلك: تبديلُه بخلافه، لا مجرَّد تركه، وجاء عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه مرفوعاً: (يقول الله تعالى: وعزَّتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهلٍ قريةٍ ولا أهل بيتٍ ولا رجلٍ ببادية كانوا على ما كرهتُ من معصيتي، ثمَّ تحوَّلوا عنها إلى ما أحبيْتُ من طاعتي، إلَّا تحوَّلتُ لهم عمَّا يكرهون من عذابي إلى ما يحبُّون من رحمتي، وما من أهل قريةٍ ولا أهل بيتٍ ولا رجلٍ ببادية كانوا على ما أحببتُ من (١) الرَّقَم: موضع بالمدينة، تنسب إليه الرَّقَميات. معجم البلدان (رقم). (٢) في الأصل و(م): بالجريد، واختلف رسم هذه الكلمة في المصادر، ففي دلائل النبوة والدر المنثور ٤٦/٤: بالخريب، وفي تفسير ابن أبي حاتم: بالجريد. والمثبت من تفسير الطبري ٤٦٩/١٣، والجُرير: موضع بنجد. معجم ما استعجم ٢/ ٣٨٠. (٣) في تفسير الطبري ٤٦٩/١٣، والدر المنثور ٤٩/٤: يا آل عامر. (٤) عزاها السيوطي في الدر المنثور ٤٦/٤ لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وأخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٢٢٩/٧ من قول أبي الجوزاء. سُورَةُ الرّحَدِ ٧٤ الآية : ١١ طاعتي ثمَّ تحوَّلوا عنها إلى ما كرهتُ من معصيتي إلَّا تحوَّلتُ لهم عمَّا يحبُّون من رحمتي إلى ما يكرهون من عذابي)) أخرجه ابنُ أبي شيبةَ، وأبو الشيخ، وابنُ مردویه(١). واستُشكل ظاهر الآية، حيثُ أفادت أنَّه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقعَ تغيير منهم بالمعاصي، مع أنَّ ذلك خلافُ ما قرَّرته الشريعة من أخذ العامَّة بذنوبٍ الخاصَّة، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] وقوله عليه الصلاة والسلام وقد سُئِل: أَنهلِكُ وفينا الصَّالحون؟: ((نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)(٢). وقوله وَِّ: ((إذا رأَوا الظالمَ، ولم يأخذُوا على يديه، يوشكُ أنْ يعمَّهُم اللهُ سبحانَه بعقابٍ)»(٣) في أشياءَ كثيرةٍ، وأيضاً قد يُنزل الله تعالى بالعبد مصائبَ يريدُ(٤) بها أجرَه، وقد يستدرج المذنب بترك ذلك. وأوَّلها ابنُ عطيةً(٥) لذلك بأنَّ المراد: حتى يقعَ تغييرٌ ما منهم أو ممَّن هو منهم، كما غيَّر سبحانه بالمنهزمين يومَ أُحد بسبب تغيير الرُّماة ما بأنفسهم. والحقُّ أنَّ المراد أنَّ ذلك عادةُ الله تعالى الجارية في الأكثر، لا أنَّه سبحانه لا يصيب قوماً إلَّا بتقدُّم ذنب منهم، فلا إشكال. قيل: ولك أن تقول: إن قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ تتميمٌ لتدارك ما ذكر. وفيه تأمُّل. والسوءُ يجمع كلَّ ما يسوء، من مرض، وفقر، وغيرِهما من أنواع البلاء، و((مردّ) مصدر ميميٍّ، أي: فلا ردَّ له، والعامل في ((إذا)) ما دلَّ عليه الجوابُ؛ لأنَّ معمول المصدر - وكذا ما بعد الفاء - لا يتقدَّم عليه، والتقدير - كما قال (١) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (١٩)، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٤٨/٤، وابن كثير في تفسيره عند هذه الآية، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا أعرفه. (٢) جزء من حديث أخرجه أحمد (٢٧٤١٣)، والبخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠) من حديث .5 زينب بنت جحش (٣) أخرجه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨) من حديث أبي بكر الصديق حظُّه. وسلف عند تفسير الآية (٢٥) من سورة الأنفال. (٤) في (م): یزید. (٥) في المحرر الوجيز ٣٠٢/٣ - ٣٠٣. الآية : ١١ ٧٥ سُوَّةُ الرَّعَلِ أبو البقاء (١) .: وقعَ، أو لم يُرد، أو نحو ذلك. والظاهر أنَّ ((إذا)) للكليَّةِ، وقد جاءت كذلك في أكثر الآيات. يلي أمورهم، من ضرِّ ونفعٍ، ﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونِ﴾ سبحانه ﴿مِن وَالٍ ويدخل في ذلك دخولاً أوَّلياً دفعُ السوء عنهم. وقيل: الأول إشارةٌ إلى نفي الدافع - بالدَّالِ - وهذا إشارةٌ إلى نفي الرافع - بالراء - لئلا يتكرَّر. ولا حاجةَ إلى ذلك کما لا يخفى. واستدلَّ بالآية على أنَّ خلاف مراد الله تعالى محالٌ. واعترض بأنَّها إنَّما تدلُّ على أنَّه تعالى إذا أراد بقوم سوءاً، وَجبَ وقوعُه، ولا تدلُّ على أنَّ كلَّ مرادٍ له تعالى كذلك، ولا على استحالة خلافِه بل على عدم وقوعه. وأجيب بأنَّه لا فرق بين إرادة السوء وإرادة غيرِه، لكن اقتصر على إرادة الأوَّل؛ لأنَّ الكلام في الانتقام من الكفار، وهو أبلغُ في تخويفهم، فإذا امتنع ردُّ السوء، فغيرُه كذلك، والمرادُ بالاستحالة عدمُ الإمكان الوقوعي لا الذاتي، ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ الظاهر. ومن أعجب ما قيل: إنَّ الجمهور احتجُّوا بالآية على أنَّ المعاصي مما يشملها السوء وأنها بخلقه تعالى، ومن الناس من جعلَ الآية متعلِّقةً بقوله تعالى: (وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ) إلى آخره، وبيَّن ذلك أبو حيان(٢) بما لا يرتضيه إنسانٌ. وقيل: إنَّ فيها إيذاناً بأنَّهم بما باشروه من إنكار البعث، واستعجال السيئة، واقتراح الآية، قد غيَّروا ما في أنفسهم من الفطرة، فاستحقُّوا لذلك حلولَ غضب الله تعالی هذا. ووقفَ ابنُ كثير على ((هاد)» وكذا ((واق)) حيثُ وقع، وعلى ((وال)) هنا و((باق)) في ((النحل)) بإثبات الياء، وباقي السبعة وقفوا بحذفها(٣). وفي ((الإقناع)) لأبي جعفر ابن الباذش(٤): عن ابن مجاهد: الوقفُ في جميع الباب لابن كثير بالياء، وهذا (١) في الإملاء ٣٧٧/٣. (٢) في البحر ٣٧٣/٥. (٣) التيسير ص١٣٣، والنشر ١٣٧/٢. (٤) هو أحمد بن علي الأنصاري الغرناطي، عالم بالقراءات. توفي سنة (٥٤٠ هـ)، وكتابه الإقناع قال عنه ابن الجزري: من أحسن الكتب، لكنه ما يخلو من أوهام. غاية النهاية ١/ ٨٣. سُورَةُ الرَّحْدِ ٧٦ الآية : ١٢ لا يعرفه المكِيُّون. وفيه أيضاً عن أبي يعقوبَ الأزرق عن ورش أنَّه خيَّره في الوقفِ في جميع الباب، بين أن يقفَ بالياء وأن يقفَ بحذفها. كذا في ((البحر))(١)، وفيه أنَّه أثبتَ ابنُ كثير وأبو عمرو في رواية ياء ((المتعال)) وقفاً ووصلاً، وهو الكثير في لسان العرب، وحذفَها الباقون وصلاً ووقفاً؛ لأنَّها كذلك رُسمت في الإمام(٢). واستشهدَ سيبويه(٣) لحذفها في الفواصل والقوافي، وأجاز غيرُه حذفَها مطلقاً، ووجهُ حذفها - مع أنَّها تحذف مع التنوين وأل معاقبةٌ له - إجراء المُعاقِب مجرى المُعاقَب. ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَّفَ خَوْفًا﴾ من الصاعقةِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث، قاله ابنُ عباس ﴿. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنَّه قال: خوفاً لأهل البحر وطَمَعاً لأهل البّرِّ. وعن قتادة: خوفاً للمسافرِ من أذى المطر، وطمعاً للمقيم في نفعه(٤). وعن الماورديٌّ(٥): خوفاً من العقاب، وطمعاً في الثواب. والمراد من البرق معناه المتبادر. وعن ابن عباس: أنَّ المراد به الماء، فهو مجازٌ من باب إطلاق الشيءٍ على ما يُقارنه غالباً . ونصب ((خوفاً وطمعاً) على أنَّهما مفعولٌ له لـ ((يريكم)). وانِّحاد فاعل العلَّةِ والفعل المعلَّل ليس شرطاً للنصب مجمعاً، ففي ((شرح الكافية))(٦) للرضي: وبعضُ النحاة لا يشترط تشاركَهما في الفاعل، وهو الذي يقوى في ظنِّي وإن كان الأغلب هو الأول. واستدلَّ على جواز عدم التشارك بما ذكرناه في حواشينا على ((شرح القطر)) للمصنف. وفي ((همع الهوامع)): وشَرطَ الأعلمُ والمتأخِّرون المشاركةَ للفعل في الوقت والفاعل، ولم يشترط ذلك سيبويه ولا أحدٌ من المتقدمين. (١) ٣٦٨/٥. (٢) في البحر ٥/ ٣٧٠: الخط. (٣) الكتاب ١٨٤/٤ - ١٨٥. (٤) الدر المنثور ٤٩/٤. (٥) النكت والعيون: ١٠٠/٣. (٦) ١/ ٥١١. الآية : ١٢ ٧٧ سُوَّةُ الرّعْدِ واحتاج المشترطون إلى تأويل هذا؛ للاختلاففي الفاعل، فإنَّ فاعلَ الإراءة هو اللهُ تعالى، وفاعلَ الطمع والخوف غيرُه سبحانه،، فقيل: في الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، وهو إرادة، أي: يريكم ذلك إرادةَ أن تخافوا وتطمعوا، فالمفعولُ له المضاف المقدَّر، وفاعلُه وفاعلُ الفعلِ المعلَّل به واحدٌ. وقيل: الخوف والطمع موضوعان موضعَ الإخافة والإطماعِ، كما وُضِع النباتُ موضعَ الإنبات في قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] والمصادرُ ينوب بعضُها عن بعض. أو هما مصدران محذوفا الزوائدِ كما في ((شرح التسهيل)). وقيل: إنَّهما مفعولٌ له باعتبار أنَّ المخاطَبِيْن رائين؛ لأنَّ إراءتَهم مُتضمِّنةٌ لرؤيتهم، والخوفُ والطمعُ من أفعالهم، فهم فعلوا الفعلَ المعلَّل بذلك، وهو الرؤية، فيرجع إلى معنى: قعدتُ عن الحرب جُبناً. وهذا على طريقة قولِ النابغة الذبيانيّ: يَخالُ به راعي الحَمولةِ طَائرا وحَلَّتْ بيوتي في يَفاعِ مُمنَّعٍ ولا نِسْوتي حتَّى يَمُثْنَ حرائرا(١) حِذاراً على أنْ لا تُنالَ مَّقادَتي حيث قيل: إنَّه على معنى: أَحلَلْتُ بيوتي حذاراً. وردّ ذلك المولى أبو السعود(٢) بأنَّه لا سبيل إليه؛ لأنَّ ما وقع في معرض العلَّة الغائية، لا سيَّما الخوف لا يصلحُ علَّة لرؤيتهم. وتعقّبه عزمي زاده(٣) وغيرُه بأنَّه كلامٌ واهٍ؛ لأنَّ القائل صرَّحَ بأنَّه من قَبَيْل: قعدتُ عن الحرب جبناً، ويريد أنَّ المفعول له حاملٌ على الفعل، وموجودٌ قبلَه، وليس ممَّا جُعل في معرض العلَّة الغائية، كما قالوا في: ضربته تأديباً، فلا وجه. للردِّ عليه بما ذكر. وقيل: التعليل هنا مثلُه في لام العاقبة لا أنَّ ذلك من قبيل: قعدتُ عن الحرب جبناً، كما ◌ُنَّ، لأنَّ الجبنَ باعثٌ على القعودِ دونَهما؛ للرؤية، وهو غيرُ وارد؛ لأنَّه باعثٌ بلا شبهة. واعترض عليه العزميُّ بأنَّ اللَّام المقدَّرة في (١) ديوان النابغة ص٦٤ - ٦٥. وأيضاً في الكتاب ٣٦٨/١. اليفاع: التلال. الحَمولَة: ما احتمل عليه القوم من بعير وحمار وغيرهما. المقادة: الانقياد. (٢) في تفسيره ٩/٥. (٣) هو مصطفى بن محمد، المعروف بـ: عزمي زاده، قاضٍ تركي مستعرب، توفي سنة (١٠٤٠هـ). الأعلام ٧/ ٢٤٠. سُورَةُ الرَّحَدِ ٧٨ الآية : ١٣ المفعول له لم يقل أحدٌ بأنها تكون لامَ العاقبة، ولا يساعده الاستعمال، وهو ليس بشيء، كيف وقد قال النُّحاة - كما في ((الدر المصون))(١) -: إنَّه كقول النابغة السابق. وقال أيضاً: بقي ها هنا بحثٌ، وهو أنَّ مقتضى جعلِ الآية نحو قعدتُ إلى آخره، على ما قاله ذلك القائل أن يكون الخوفُ والطمع مقدَّمَيْن في الوجود على الرؤية، وليس كذلك، بل هما إنَّما يحصلان منها. ويمكن أن يقال: المرادُ بكلِّ من الخوف والطمع - على ما قاله - ما هو من الملَكَات النفسانية، كالجبن في المثال المذكور، ويصحُّ تعليلُ الرؤية من الإراءة بهما، يعني أنَّ الرؤية التي تقعُ بإرادة الله سبحانه إنَّما كانت لما فيهم من الخوف والطمع، إذ لو لم يكن في جيِلَّتهم ذلك لما كان لتلك الرؤية فائدةٌ. اهـ. ولا يخفى ما فيه من التعسُّف، وقد علمتَ أنَّه غيرُ وارد. وقيل: إنَّ النصب على الحاليَّةِ من ((البرق)) أو المخاطَبِيْن بتقدير مضاف، أو تأويل المصدر باسم المفعول أو الفاعل، أو إبقاءِ المصدر على ما هو عليه للمبالغة، كما قيل في: زيدٌ عَدْلٌ. ﴿وَيُنِشِىُّ أَلسَّحَابَ﴾ أي: الغَمامَ المنسحب في الهواء ﴿اٌلِثْقَالَ ﴾﴾ بالماء، وهي: جمعُ ثقيلة. وُصِفَ بها السحابُ لكونه اسم جنس في معنى الجمع، ویذگُّ ويؤنَّثُ، فكأنَّه جمعُ سحابةٍ(٢)، لا أنَّه جمعٌ أو اسمُ جنس جمعيٍّ؛ لإطلاقه على الواحد وغيره. ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ قيل: هو اسمٌ للصوت المعلوم. والكلامُ على حذف مضاف. أي: سامعُو الرعدِ، أو الإسنادُ مَجَازيٌّ من باب الإسناد للحامل والسبب. الباء في قوله سبحانه: ﴿يِحَمْدِهِ﴾ للملابسة. والجارُّ والمجرور في موضع الحال، أي: يسبِّحُ السامعون لذلك الصوت مُلتبسينَ بحمدِ الله تعالى، فيضجُّون بسبحان الله والحمد لله. (١) ٣١/٧. (٢) بعدها في (م): ثقيلة. الآية : ١٣ ٧٩ سُوَّةُ الرَّحْدِ وقيل: لا حذفَ ولا تجوُّزَ في الإسناد، وإنَّما التجوُّزُ في التسبيح والتحميد، حيث شبّه دلالة الرعد بنفسِه على تنزيهه تعالى عن الشريك والعجزِ بالتسبيح والتنزيه اللَّفظيِّ، ودلالَته على فضلِه جلَّ شأنه ورحمتِه بحمد الحامد، لما فيهما من الدلالة على صفات الكمال، وقيل: إنَّه مجازٌ مرسلٌ، استُعمل في لازمه، وقيل: الرعد اسمُ مَلَك، فإسناد التسبيح والتحميد إليه حقيقةً. قال في ((الكشف)): والأشبه في الآية الحملُ على الإسناد المجازيِّ؛ ليتلاءمَ الكلامُ، فإنَّ الرعد في المتعارَف يقعُ على الصوت المخصوص، وهو الذي يُقرَن بالذكر مع البرق والسحاب. والكلامُ في إراءة الآياتِ الدالّة على القدرة الباهرة وإيجادها، وتسبيحُ مَلَك الرَّعدِ لا يلائم ذلك، أمَّا حملُ الصوت المخصوص للسامعين على التسبيح والتحميد(١) فشديدُ الملائمة جدّاً، وإذا حُمِلَ على الإسناد حقيقةً، فالوجه أن يكون اعتراضاً؛ دلالةً على اعتراف الملك الموگَّل بالسحاب وسائرِ الملائكة بكمال قُدرته سبحانه جلَّت قدرتُه، وجحودِ الإنسان ذلك، وأنت تعلم أنَّ تسبيحَ الملائكة على ما ادُّعي أنَّه الأشبه يبقى كالاعتراض في البيِّن. والذي اختاره أكثرُ المحدِّثين كونَ الإسناد حقيقيّاً بناءً على أنَّ الرعد اسمٌ للمَلَك الذي يسوقُ السحاب، فقد أخرج أحمد، والترمذيُّ وصحَّحه، والنسائيُّ، وآخرون عن ابنِ عباس ﴿مّ أنَّ اليهودَ سألوا رسول الله وَ له فقالوا: أخبرنا ما هذا الرعدُ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((ملَكٌ من ملائكةِ الله تعالى موثَّلٌ بالسحاب، بيده مخراقٌ من نارٍ، يَزْجُرُ به السحابَ، يسوقُه حيثُ أمرَه اللهُ تعالى)) قالوا: فما هذا الصوتُ الذي نسمعُ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((صوتُه)) فقالوا: صدقْتَ(٢). والأخبارُ في ذلك كثيرةٌ، واستُشكلَ بأنَّه لو كان عَلَماً للمَلَك لما ساغ تنكيرُه، وقد نُكِّر في ((البقرة))(٣)، وأجيب بأنَّ له إطلاقين، ثانيهما إطلاقُه على نفس الصوت، والتنكيرُ على هذا الإطلاق. (١) في (م): الحمد. (٢) مسند أحمد (٢٤٨٣)، وسنن الترمذي (٣١١٧)، والنسائي في الكبرى (٩٠٢٤)، وهو جزء من حديث طويل، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. المخاريق: جمع مِخْرَاق، وهو في الأصل ثوب يلفُّ ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً، والمراد هنا: آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه. النهاية (خرق). (٣) في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمُتُ وَرَعْدٌ وَبِّقٌ﴾ [الآية: ١٩]. سُؤَّةُ الرَّعْدِ ٨٠ الآية : ١٣ وقال ابنُ عطية(١): وقيل: إنَّ الرعدَ ریح تخفق بین السحاب، ورُوي ذلك عن ابن عباس. وتعقبه أبو حيان(٢) بقوله: وهذا عندي لا يصحُّ، فإنَّ ذلك من نزغات الطبيعيين وغيرهم. وقال الإمام(٣): إنَّ المحققين من الحكماء يذكرون أنَّ هذه الآثارَ العلوية إنَّما تتمُّ بقوّى روحانيةٍ فلكية، وللسحاب روحٌ معيَّن من الأرواح الفلكية يُدبِّره، وكذا القولُ في الرياح وسائر الآثار العلوية، وهو عين ما قلنا من أنَّ الرعدَ اسمٌ لملك من الملائكة يسبِّحُ الله تعالى، فهذا الذي قالَه المفسرون بهذه العبارة هو عينُ ما ذكره المحققون من الحكماء، فكيف يليقُ بالعاقل الإنكار. اهـ. وتعقبه أبو حيان (٤) أيضاً: بأنَّ غرضَه جريانُ ما يتخيلُه الفلاسفة على مناهج الشريعة، ولن يكون ذلك أبداً . ولقد صدقَ رحمهُ الله تعالى في عدم صحة التطبيق بين ما جاءت به الشريعةُ، وما نسجَتْه عناكبُ أفكار الفلاسفة. نعم إنَّ ذلك ممكنٌ في أقلِّ قليلٍ من ذاك وهذا، والمشهورُ عن الفلاسفة أنَّ الريحَ تحتقنُ في داخل السحاب، ويستولي البردُ على ظاهرِهِ، فيتجمَّدُ السطحُ الظاهر، ثمّ إنَّ ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً، فيتولَّدُ من ذلك حركةٌ عنيفة، وهي موجبةٌ للسخونة، وليس البرقُ والرعدُ إلَّا ما حصل من الحركة وتسخينها. وأمَّا السحابُ فهو أبخرةٌ متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطبقةِ الباردةِ من الهواء، لكن لما لم يقوَ البردُ، تكاثفَتْ بذلك القدرِ من البرد، واجتمعت وتقاطرت، ويقالُ للمتقاطِر: مطر. ورُدَّ الأولُ بأنه خلافُ المعقول من وجوه: أحدها: أنَّه لو كان الأمرُ كما ذكر، لوجب أن يكونَ كلَّما حصل البرقُ حصلَ (١) في تفسيره ٣٠٣/٣، وفيه: تختنق، بدل: تخفق. (٢) في البحر ٣٧٥/٥، وهذا الكلام لابن عطية في المحرر ٣٠٣/٣ قاله بعد كلامه السابق ونقله أبو حيان عنه، ونقله المصنف عن أبي حيان ظاناً أنه لأبي حيان. (٣) في تفسيره ٢٦/١٩. (٤) في البحر ٣٧٥/٥.