Indexed OCR Text
Pages 501-520
الآية : ١٠٠ ٥٠١ سُؤَلُ بُوسُفَ الظاهر، والاحتمالاتُ المذكورة في الجواب عن الثاني قد ذكرها أيضاً الإمام(١). وهي كما ترى، وأحسنُها احتمالُ أنَّ الله تعالى قد أمره بذلك لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو. ومن الناس من ذهب إلى أنَّ ذلك السجودَ لم يكن إلا من الإخوة، فراراً من نسبته إلى يعقوب عليه السلام لما علمتَ، وقد رُدَّ بما أشرنا إليه أولاً من أنَّ الرؤيا تستدعي العمومَ، وقد أجاب عن ذلك الإمامُ بأنَّ تعبير الرؤيا لا يجب أن يكونَ مطابقاً للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كلِّ الوجوه، فسجود الكواكب والشمس والقمر يعبّر بتعظيم الأكابر من الناس له عليه السلام، ولا شكَّ أنَّ ذهابَ يعقوبَ وأولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدرُ في صحة الرؤيا، فأما أن يكونَ التعبيرُ كالأصل حذو القذَّة بالقذَّة، فلم يُوجبه أحدٌ من (٢) . اهـ. العقلاء والحقُّ أنَّ السجود بأيِّ معنّى كان وقع من الأبوين والإخوة جميعاً، والقلبُ يميل إلى أنه كان انحناءً كتحية الأعاجم وكثيرٍ من الناس اليومَ، ولا يبعُد أن يكونَ ذلك الخرور، ولا بأس في أن يكونَ من الأبوين وهما على سرير ملكه، ولا يأبى ذلك رؤياه عليه السلام. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل سجودكم هذا، أو: من قبل هذه الحوادث، والظرفُ متعلِّقٌ بـ ((رؤياي)، وجوِّز تعلُّقُها بـ ((تأويل))؛ لأنها أُوِّلت بهذا قبلَ وقوعها. وجوَّز أبو البقاء(٣) كونَه متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً من ((رؤياي)). وصحَّةُ وقوع الغايات حالاً تقدَّم الكلامُ فيها . ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ أي: صِدقاً، والرؤيا تُوصَف بذلك ولو مجازاً، وأعربه جمعٌ على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعل)) وهي بمعنى ((صِيَّر)). وجوّز أن يكون حالاً، أي: وضَعها صحيحةً. وأن يكونَ صفةً مصدرٍ محذوفٍ، أي: جَعْلاً حقّاً. وأن يكونَ مصدراً من غير لفظ الفعل، بل من معناه؛ لأنَّ ((جعلها)) في معنى: حقَّقها، (١) في التفسير الكبير ٢١٢/١٨. (٢) التفسير الكبير ٢١٣/١٨. (٣) في الإملاء ٣٦١/٣. سُدَُّ لُوسُفَا ٥٠٢ الآية : ١٠٠ و((حقّاً)) في معنى تحقيق، والجملة على ما قال أبو البقاء حالٌ مقدَّرةٌ أو مقارِنة(١). ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِّ﴾ الأصل كما في ((البحر)) أن يتعدَّى الإحسانُ بـ ((إلى)) أو اللام كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ [القصص: ٧٧] وقد يتعدَّى بالباء كقوله تعالى: ﴿وَ يِاَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ﴾ [الإسراء: ٢٣] وكقول كثيِّر عزَّة: أسيئي بنّا أو أحْسِني لا ملُومةً لَدَينا ولا مَقْليةً إن تقَلَّتِ(٢) وحمله بعضُهم على تضمين ((أَحْسَنَ)) معنى لَطَف، ولا يخفى ما فيه من اللطف، إلا أنَّ بعضَهم أنكر تعديةَ ((لطَفَ)) بالباء، وزعم أنَّه لا يتعدَّى إلا باللام، فيقال: لَطَفَ اللهُ تعالى له، أي: أوصل إليه مرادَه بلُطفٍ، وهذا ما في ((القاموس))(٣) لكنَّ المعروفَ في الاستعمال تعدِّيه بالباء، وبه صرح في ((الأساس))(٤) وعليه المعوَّل. وقيل: الباء بمعنى ((إلى)). وقيل: المفعولُ محذوفٌ، أي: أحسَنَ صُنْعَه بي، فالباءُ متعلِّقةٌ بالمفعول المحذوف، وفيه حذفُ المصدر وإبقاءُ معموله، وهو ممنوعٌ عند البصريين. وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ منصوبٌ بـ ((أَحْسَنَ))، أو بالمصدر المحذوفِ عند من يرى جوازَ ذلك، وإذا كانت تعليليةً فالإحسانُ هو الإخراجُ من السجن بعد أن ابتُلي به وما عطف عليه، وإذا كانت ظرفيةً فهو غيرهما. ولم يصرِّح عليه السلام بقصة الجُبِّ حذراً من تثريب إخوته وتناسياً لِمَا جرى منهم؛ لأنَّ الظاهرَ حضورُهم لوقوع الكلام عقيبَ خرورهم سُجَّداً، ولأنَّ الإحسانَ إنَّما تمَّ بعد خروجه من السجن لوصوله للملك وخلوصه من الرقِّ والتهمة، واكتفاءً بما يتضمَّنُه قولُه: ﴿وَجَّةَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية، وأصلُه(٥): البسيطُ من الأرض، وإنما سمِّي بذلك لأنَّ ما فيه يبدو للناظر لعدم ما يواريه؛ ثم أُطلِقٍ على البَرِّيَّة مطلقاً . (١) المصدر السابق. (٢) ديوان كثير عزة ص ٨٠، وسلف ٣٧٠/١٠. (٣) مادة (لطف). (٤) مادة (لطف). (٥) في هامش الأصل و(م): وأصل البدو مصدر بدا يبدو، ثم سمِّي به. اهـ منه. الآية : ١٠٠ ٥٠٣ سُورَةُ يُوسُفَ وكان منزلهم - على ما قيل - بأطرافِ الشام ببادية فلسطين، وكانوا أصحاب إبلٍ وغنم. وقال الزمخشريُّ: كانوا أهلَ عمدٍ وأصحابَ مواشٍ، ينتقلون في المياه والمناجع(١). وزعم بعضُهم أنَّ يعقوب عليه السلام إنما تحوَّل إلى البادية بعد النبوة لأنَّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً من البادية. وعن ابن عباس ﴿ها أنه قال: كان يعقوب عليه السلام قد تحوَّل إلى ((بدا)) وسكّنها، ومنها قَدِم على يوسف، وله بها مسجدٌ تحت جبلها(٢). قال ابن الأنباري: إنَّ ((بدا)) اسمُ موضعٍ معروفٍ، يقال: هو بين شعبٍ وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميل(٣) بقوله: وأنتِ التي حَبَّبْتِ شَعباً إلى بدا إليَّ وأَوطاني بلادٌ سِوَاهُما(٤) فالبذْوُ على هذا قَصْدُ هذا الموضع يقال: بدا القومُ بَدْوا: إذا أتوا بدا؛ كما يقال: أغاروا غَوْراً: إذا أتوا الغورَ، فالمعنى: أتى بكم مِن قَصْدِ بدا، فهم حينئذٍ حضريُّون(٥)، كذا قاله الواحدي في ((البسيط)). وذكره القشيريُّ(٦)، وهو خلافُ الظاهر جِدّاً. (١) الكشاف ٢/ ٣٤٤. (٢) النكت والعيون ٣/ ٨٤، والتفسير الكبير ٢١٥/١٨. (٣) في هامش الأصل و(م): قيل: لكثير عزة. اهـ منه. وقول ابن الأنباري في التفسير الكبير ١٨/ ٢١٥. (٤) البيت في ديوان المعاني ١/ ٢٦٠، وتفسير القرطبي ٤٦٠/١١، والبحر ٣٤٩/٥ لجميل، وهو في ديوانه ص ٢٠٠، وقد نسب لكثير عزة، كما في معجم ما استعجم للبكري ١/ ٢٣٠، ومعجم البلدان ٣٥١/٣، وتاج العروس (شغب)، وهو في ديوانه ص ٣٢٤. وقوله: شَعْباً. جاء في المصادر بالغين المعجمة، ولكن جاء في بعضها: شَغْباً بالتنوين، وفي البعض الآخر: شَغْبَى بالقصر. والأول هو ما اعتمده البكري، والثاني اعتمده ياقوت. (٥) في هامش الأصل و(م): وفي الحديث: ((من يُرِدِ الله به خيراً يَنقُلْه من البادية إلى الحاضرة)). اهـ منه. ولم نقف عليه مسنداً، وذكره أبو حيان في البحر ٣٤٩/٥، والبقاعي في نظم الدرر ٢١٨/١٠. (٦) كما في التفسير الكبير ٢١٥/١٨، والبحر ٣٤٩/٥. سُؤَادَةٌ تُوسُف ٥٠٤ الآية : ١٠٠ ﴿مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِيتَّ﴾ أي: أفسد وحرَّش، وأصله من: نَزَغَ الرابضُ الدابَّةَ: إذا نَخَسَها وحَمَلها على الجَرْي، وأسنَدَ ذلك إلى الشيطان مجازاً؛ لأنَّه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفادٍ عن تثريبهم أيضاً، وذكره تعظيماً لأمر الإحسان؛ لأنَّ النعمة بعد البلاء أحسنُ موقعاً. واستدلَّ الجبائيُّ والكعبي والقاضي بالآية على بطلان الجبر(١)، وفيه نظر. ﴿إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيفُ التدبير له، إذ ما من صعبٍ إلا وتنفُذُ فيه چ مشيئتُه تعالى ويتسهَّلُ دونها . كذا قاله غير واحد، وحاصلُه أنَّ اللطيفَ هنا بمعنى العالِم بخفايا الأمور المدبِّر لها والمسهِّل لِصعابها، ولنفوذٍ مشيئته سبحانه فإذا أراد شيئاً سهّل أسبابَه أُطلق عليه جلَّ شأنُه اللطيفُ؛ لأنَّ ما يلطُف يسهُل نفوذُه، وإلى هذا يشير كلام الراغب حيث قال(٢): اللطيف: ضدُّ الكثيف، ويعبّر باللطف عن الحركة الخفيفة وتعاطي الأمور الدقيقة، فوَصْف الله تعالى به؛ لعلمه بدقائق الأمور ورِفْقه بالعباد. فاللام متعلّقةٌ بـ ((لطيف))؛ لأنَّ المرادَ: مدبٌّ لما يشاء، على ما قاله غير واحد، وقال بعضهم: إنَّ المعنى: لأجل ما يشاء، وهو على الأول متعدٍّ باللام، وعلى الثاني غيرُ متعدٍّ بها، وقد تقدَّم آنفاً ما في مثل ذلك. ﴿إِنَّهُ هُوَ اَلْعَلِيمُ﴾ بوجوه المصالح ﴿اَلْحَكِيمُ ﴾﴾ الذي يفعل كلَّ شيءٍ على وجهِ الحكمة لا غيرُه. رُوي أنَّ يوسف طاف بأبيه عليهما السلام في خزائنه، فلمَّا أدخله خزينةَ القرطاس قال: يا بنيَّ، ما أعقَّك! عندك هذه القراطيس وما كتبتَ إليَّ على ثمانِ مراحل؟! قال: أمرني جبريل. قال: أو ما تسأله؟ قال أنتَ أبسطُ منِّي إليه. فسأله، قال جبريل عليه السلام: الله تعالى أمرني بذلك لقولك: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] قال: فهلَا خِفتَني(٣)؟! وهذا عذرٌ واضحٌ ليوسف عليه السلام في عدم إعلام أبيه بسلامته. وقد صَّرح (١) التفسير الكبير ٢١٥/١٨، والقاضي هو عبد الجبار المعتزلي. (٢) في المفردات (لطف). (٣) الكشاف ٣٤٥/٢، وتفسير أبي السعود ٣٠٧/٤ دون نسبة. الآية : ١٠١ ٥٠٥ سُورَةُ بُوسُفَ غيرُ واحدٍ بأنَّه عليه السلام أُوحي إليه بإخفاء الأمر على أبيه إلى أن يبلغَ الكتابُ أجلَه، ولكن يبقى السؤالُ بأنَّ يعقوب عليه السلام كان من أكابر الأنبياء نفساً وأباً وجدًّا، وكان مشهوراً في أكناف الأرض، ومن كان كذلك ثم وقعت له واقعةٌ هائلةٌ في أعزّ أولاده عليه لم تبق تلك الواقعةُ خفيةً، بل لا بدَّ وأن تبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كلُّ أحدٍ، لا سيما وقد انقضت المدةُ الطويلةُ فيها وهو في ذلك الحزن الذي تُضرَب فيه الأمثال، ويوسف عليه السلام ليس بمكانٍ بعيدٍ عن مكانه، ولا متوظّناً زوايا الخفاء ولا خاملَ الذكر، بل كان مرجعَ العامِّ والخاصِّ، وداعياً إلى الله تعالى في السرِّ والعلن وأوقات السرور والمحن، فكيف غُمَّ أمرُه ولم يصل إلى أبيه خبرُه؟! وأجيب عن ذلك بأنَّه ليس إلا من باب خرق العادة. واختلفوا في مقدار المدَّة بين الرؤيا وظهورٍ تأويلها، فقيل: ثماني عشرة سنة. وأخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) (١) عن الحسن أنَّ المدة ثمانون سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أنها سبعٌ وسبعون(٢) سنة. وعن حذيفة أنها سبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنها خمسٌ وثلاثون سنة(٣). وأخرج جماعةٌ عن سلمان الفارسيِّ أنَّها أربعون سنة (٤). وهو قول الأكثرين. قال ابن شدَّاد: وإلى ذلك ينتهي تأويلُ الرؤيا. والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ﴾ أي: بعضاً عظيماً منه، فـ (من)) للتبعيض، ويبعد القولُ بزيادتها أو جعلِها لبيان الجنس، والتعظيمُ من مقتضيات المقام، وبعضُهم قدَّر: عظيماً، وفي النظم الجليل على أنه مفعولٌ به، كما نقل أبو البقاء(٥)، وليس بشيء. (١) ص ١٠٧ . (٢) جاء في الأصل و(م): سبع وتسعون، والمثبت من تفسير الطبري ٣٣٥/١٣، والدر المنثور .٣٨/٤. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٢ . (٤) تفسير الطبري ٣٥٧/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٢، والمستدرك ٣٩٦/٤. (٥) في الإملاء ٣٦٢/٣. سُورَةُ مُوسُفَ ٥٠٦ الآية : ١٠١ والظاهر أنَّه أراد من ذلك البعض مُلكَ مصر، ومن ((الملك)) ما يعمُّ مصر وغيرَها، ويُفهَم من كلام بعضهم جوازُ أن يرادَ من ((الملك)» مصرَ ومن البعض شيءٌ منها، وزعم أنه لا ينافي قولَه تعالى: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَأَّهُ﴾ [يوسف: ٥٦] لأنه لم يكن مستقِلَّاً فيه وإن كان ممكَّناً فيه. وفيه تأمُّلٌ. وقيل: أراد ملك نفسه من إنقاذ شهوته. وقال عطاء: مُلك حُسَّادِه بالطاعة ونيل الأماني. وليس بذاك. ﴿وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَعَادِيثِ﴾ أي: بعضاً من ذلك كذلك، والمراد بتأويل الأحاديث إما تعليمُ تعبير الرؤيا وهو الظاهرُ، وإمَّا تفهيمُ غوامض أسرار الكتب الإلهيّة ودقائق سُنَن الأنبياء، وعلى التقديرين لم يؤتَ عليه السلام جميعَ ذلك، والترتيبُ على غير الظاهر ظاهرٌ، وأما على الظاهر فلعلَّ تقديمَ إيتاء الملك على ذلك في الذكر لأنَّه بمقام تعداد النِّعَم الفائضة عليه من الله سبحانه، والملكُ أعرقُ في كونه نعمةً من التعليم المذكور، وإن كان ذلك أيضاً نعمةٌ جليلةٌ في نفسه، فتذَّر وتأمَّل(١) . وقرأ عبد الله وابن ذرٍّ: (آتَيْتَنِ وعَلَّمْتَنِ)) بحذف الياء فيهما؛ اكتفاء بالكسرة(٢)، وحكى ابنُ عطية عن الأخير ((آتيتني)) بغير ((قد))(٣). ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مُبدِعهما وخالقهما، ونصبُه على أنه نعت لـ ((ربِّ)) أو بدلٌ أو بيانٌ، أو منصوب بـ ((أعني))، أو منادى ثانٍ، ووصفُه تعالى به بعد وصفهِ بالربوبية مبالغٌ في ترتيب مبادي ما يعقبه من قوله: (١) ورد في هامش الأصل و(م): إشارة إلى ما قيل: إنَّه لا يمكن تمشيةُ هذا الاعتذار فيما سبق؛ لأنَّ التعليمَ هناك واردٌ على نهج العلَّة الغائية للتمكين، فإن حُمل على معنى التمليك لزم تأخّرُه عنه، وأما الواقع ها هنا فمجرَّد التأخير في الذكر، والعطفُ بالواو لا يستدعي ذلك الترتيب في الوجود، فافهم. اهـ منه. (٢) المحتسب ٣٤٩/١، والبحر ٣٤٩/٥. وابن ذرِّ هو عمر بن ذَرِّ بن عبد الله بن زرارة الهمداني المُرهبِي، ثقة، روى عن أبيه وسعيد بن جبير، مات سنة (١٥٣هـ). تقريب التهذيب. ووقع في مطبوع البحر: عمرو بن ذرّ. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٣/٣، والبحر ٣٤٩/٥. الآية : ١٠١ ٥٠٧ سُؤَةُ تُوسُفَ ﴿أَنَتَ وَإِ﴾ متولِّي أموري ومتكفِّلٌ بها، أو مُوالٍ لي وناصرٌ ﴿فِي الدُّنْيَا وَاُلْكَخِرَّةَ﴾، فالولي إما من الولاية، أو الموالاة، وجُوِّز أن يكونَ بمعنى المُولي كالمُعطي لفظاً ومعنّى، أي: الذي يُعطيني نِعَمَ الدنيا والآخرة. ﴿َتَوَقَّنِ﴾ اقبضني ﴿مُسْلِمَا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِينَ ﴾ من آبائي، على ما روي عن ابن عباس، أو بعامَّة الصالحين في الرتبة والكرامة كما قيل، واعتُرِض بأنَّ يوسف عليه السلام من كبار الأنبياء عليهم السلام، والصلاحُ أوَّلُ درجات المؤمنين، فكيف يليق به أن يطلب اللحاقَ بمن هو في البداية؟ وأجيب بأنه عليه السلام طلبه هضماً لنفسه، فسبيله سبيلُ استغفار الأنبياء عليهم السلام. ولا سؤالَ ولا جوابَ إذا أريد من الصالحين آباؤُه الكرام يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام. وقال الإمام هاهنا: وها هنا مقامٌ آخَرُ في الآية على لسان أصحاب المكاشَفات، وهو أنَّ النفوسَ المفارقة إذا أشرقَت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية، فإذا كانت متناسبةً متشاكلةً انعكس النورُ الذي في كلِّ واحدٍ منها إلى الأخرى بسبب تلك الملائمَة والمجانَسَة، فعظُمت تلك الأنوارُ وتقوَّت هاتيك الأضواء، ومثال ذلك المرايا الصقيلةُ الصافيةُ إذا وُصِفت وصفاً متى أشرقت الشمسُ عليها انعكس الضوءُ من كلٍّ واحد منها إلى الأخرى، فهناك يقوى الضوءُ ويكمل النورُ، وينتهي في الإشراق والبريق إلى حدٍّ لا تطيقه الأبصارُ الضعيفة، فکذلك ها هنا(١). انتھی، وهو كما ترى. والحقُّ أن يقال: إنَّ الصلاحَ مقولٌ بالتشكيك متفاوتٌ قوةً وضعفاً، والمقامُ يقتضي أنه عليه السلام أراد بالصالحين المتصفين بالمرتبة المعتَنى بها من مراتب الصلاح، وقد قدَّمْنا ما عند أهل المكاشفات في الصلاح(٢). فارجع إليه. بقى أنَّ المفسرين اختلفوا في أنَّ هذا هل هو منه عليه السلام تَمَنِّ للموت وطلبٌ منه، أم لا؟ فالكثيرُ منهم على أنه طلبٌ وتمنٌّ لذلك، قال الإمام: ولا يبعُد من الرجل العاقل إذا كمُل عقله أن يتمنَّى الموتَ وتعظُم رغبتُه فيه؛ لأنَّه حينئذٍ (١) التفسير الكبير ٢٢١/١٨-٢٢٢. (٢) ينظر ما سلف ٦/ ١٣١. مشكلةُ تُوسُفَ ٥٠٨ الآية : ١٠١ يحسُّ بنقصانه مع شغفه بزواله وعِلْمه بأنَّ الكمالَ المطلقَ ليس إلا لله تعالى، فيبقى في قلقٍ لا يُزيله إلا الموتُ، فيتمنَّاه، وأيضاً يرى أنَّ السعادة الدنيويةَ سريعةُ الزوال مشرفةٌ على الفناء، والألمُ الحاصل عند زوالها أشدُّ من اللذَّة الحاصلةِ عند وجدانها، مع أنَّه ليس هناك لذَّةٌ إلَّا وهي ممزوجةٌ بما ينغِّصها، بل لو حقَّقتَ لا ترى لذَّةً حقيقيةً في هذه اللذائذ الجسمانية وإنَّما حاصلُها دفعُ الآلام، فلذَّة الأكل عبارةٌ عن دفع ألم الجوع، ولذّة النكاح عبارةٌ عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولِّدة من حصول المنيِّ في أوعيته، وكذا الإمارة والرياسة يُدفع بها الألم الحاصلُ بسبب شهوة الانتقام ونحو ذلك، والكلُّ لذلك خسیسٌ، وبالموت التخلُّصُ عن الاحتیاج إليه. على أنَّ عمدةَ الملاذِّ الدنيوية الأكلُ والجماعُ والرياسةُ، والكُلُّ في نفسه خسيسٌ معيبٌ، فإنَّ الأكل عبارةٌ عن ترطيب الطعام بالبزاق المجتمع في الفم، ولا شكَّ أنه مستقذَرٌ في نفسه؛ ثم حينما يصل إلى المعدة يظهر فيه الاستحالةُ والتعقُّنُ، ومع ذا يشارك الإنسانُ فيه الحيواناتِ الخسيسةَ، فيلتذُّ الجُعلُ بالروث التذاذَ الإنسان باللَّوزِينَجِ(١)، وقد قال العقلاء: من كان هِمَّته ما يدخُل في بطنه فقیمتُه ما يخرج من بطنه . والجماع نهايةُ ما يقال فيه: إنه إخراجُ فضلةٍ متولِّدةٍ من الطعام بمعونة جلدةٍ مدبوغةٍ بالبول ودم الحيض والنفاسِ مع حركات لو رأيتَها من غيرك لأضحكَتْك، وفيه أيضاً تلك المشاركةُ، وغايةُ ما يُرجَى من ذلك تحصيلُ الولد الذي يجرُّ إلى شغل البال والتحيُّلِ لجمع المال ونحو ذلك. والرياسةُ إذا لم يكن فيها سوى أنَّها على شَرَفِ الزوال في كلِّ آنٍ لكثرةِ مَن ينازعُ فيها ويطمحُ نظرُه إليها، فصاحبُها لم يزل خائفاً وَجِلاً من ذلك = لكفاها عيباً. وقد يقال أيضاً: إنَّ النفسَ خُلقت مجبولةً على طلب اللذَّات والعشقِ الشديدِ لها والرغبة التامَّةِ في الوصول إليها، فما دام في هذه الحياة الجسمانية يكون طالباً لها، (١) اللَّوزِينَج: من الحلواء شبه القطائف، يُؤدم بدهن اللوز. تعريب (لوزينة)). معجم الألفاظ الفارسية المعرَّبة: باب اللام. الآية : ١٠١ ٥٠٩ سُؤْرَةٌ تُوسُفَ وما دام كذلك فهو في عين الآفات ولُجَّة الحسرات، وهذا اللازمُ مكروهٌ والملزوم مثلُه؛ فلهذا يتمتَّى العاقلُ زوالَ هذه الحياة الجسمانية ليستريح من ذلك النصَبِ(١). والله تعالى قولُ مَن قال: ضَجعةُ الموتِ رَقْدَةٌ يَستريح الـب جِسْمُ فيها والعيشُ مثلُ السُّهادِ وقال: جَبُّ إلَّا مِن راغب في ازِيَادِ تعَبُّ كُلُّها الحياةُ فما أغْ فُ سرُورٍ في ساعةِ المِيْلَاءِ(٢) إنَّ حُزناً في ساعة الفَوتِ أضعا وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ تمنِّ الموت حبًّا للقاء الله تعالى مما لا بأس به، وقد روى الشيخان عن عائشة ثا: ((من أحبَّ لقاء الله تعالى أحبَّ الله تعالى لقاءَه))(٣) الحديث. نعم تمنِّي الموت عند نزول البلاء منهيٌّ عنه، ففي الخبر: ((لا يتمَّينَّ أحدُكم الموتَ لضرِّ نزل به)) (٤). وقال قوم: إنَّه عليه السلام لم يتمنَّ الموتَ، وإنَّما عدَّد نِعَمَ الله تعالى عليه، ثم دعا بأنَّ تدومَ تلك النِّعَمُ في باقي عمره، حتى إذا حان أجلُه قبضه على الإسلام وألحقه بالصالحين. والحاصل أنَّه عليه السلام إنَّما طلب الموافاةَ على الإسلام لا الوفاةَ. ولا يَرِدُ على القولين أنَّه من المعلوم أنَّ الأنبياءَ عليهم السلام لا يموتون إلا مسلمين، إمَّا لأنَّ الإسلام هنا بمعنى الاستسلام لكلِّ ما قضاه الله تعالى، أو لأنَّ ذلك بيانٌ؛ لأنَّه وإن لم يتخلَّف ليس إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته(٥)، والذاهبون إلى الأول قالوا: إنَّه عليه السلام لم يأتِ عليه أسبوعٌ حتى توقَّاه الله تعالى. وكان (١) التفسير الكبير ٢١٩/١٨-٢٢٠. (٢) الأبيات لأبي العلاء المعرِّي، وهي في شروح سقط الزند ٣/ ٩٧٧ - ٩٧٩. (٣) صحيح البخاري (٦٥٠٧)، وصحيح مسلم (٢٦٨٥). (٤) أخرجه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠) عن أنس ، وقد سلف ٣٢٢/٢. (٥) ورد في هامش الأصل و(م): والآية دليل لأهل السنة في أن الإيمان من الله تعالى، كما قرَّره الإمام، فليراجع. اهـ منه. وكلام الإمام الرازي في تفسيره ٢٢١/١٨ . سُوٌَّلُ ◌ُوسُفَ ٥١٠ الآية : ١٠١ الحسن يذهب إلى القول الثاني ويقول: إنَّه عليه السلام عاش بعد هذا القول سنين كثيرةٌ (١). وروى المؤرِّخون أنَّ يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف أربعاً وعشرين سنة، ثم تُوقِّي وأوصى أن يُدفَن بالشام إلى جنب أبيه، فَذَهَب به ودَفَنه ثمَّة، وعاش بعده ثلاثاً وعشرين سنة. وقيل: أكثر، ثم تاقت نفسُه إلى الملك المخلَّد فتمتَى الموتَ، فتوفَّاه الله تعالى طيِّباً طاهراً، فتخاصم أهلُ مصر في مدفنه حتى همُّوا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمرُّ عليه الماءُ ثم يصل إلى مصر ليكونوا شَرَعاً فيه (٢)، ففعلوا. ثم أراد موسى عليه السلام نقلَه إلى مدفن آبائه، فأخرجه بعد أربع مئة سنة - على ما قيل - من صندوق المرمر لثقله، وجعله في تابوت من خشب ونقله إلى ذلك. وكان عمره مئةً وعشرين سنة. وقيل: مائة وسبع سنين. وقد وُلد له من امرأة العزيز: إفراثيم وهو جدُّ يوشع عليه السلام، ومیشا، ورحمة زوجةُ أيوب عليه السلام. ولقد توارثت الفراعنةُ من العمالقة بعدَه مصرَ ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دِين يوسف وآبائه عليهم السلام إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه السلام فكان ما كان. وفي ((التوراة)) أنَّ يوسفَ عليه السلام أسكن أباه وإخوته في مكانٍ يقال له: عين شمس (٣)، من أرض السدير، وبقي هناك سبع عشرة سنةً، وكان عمره حين دخل مصر مئةً وثلاثين سنةً، ولمَّا قرب أجلُه دعا يوسفَ عليه السلام، فجاء ومعه ولداه منشا(٤) وهو بِكْره وأفرايم، فقدَّمهما إليه، ودعا لهما ووضع يده اليمنى على رأس الأصغر واليسرى على رأس الأكبر، وکان یوسف یحبُّ عکسَ ذلك، فكلُّم أباه (١) في تفسير الطبري ٣٦٠/١٣ عن الحسن أنَّه عليه السلام عاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. (٢) بفتحات، بمعنى: سواء، كقوله: مجدي أخيراً ومجدي أولاً شَرَع. حاشية الشهاب ٢٠٩/٥. (٣) جاء في التوراة روايتان في ذلك، الأولى: أنه أسكنهم في جاسان، والثانية: رَعَمْسيس. ينظر العهد القديم، سفر التكوين ص ١٤١- ١٤٢. (٤) ورد في هامش (م): بالنون في التوراة، وأفرايم بالياء بعد الألف، والمضبوط عندنا غير ذلك، والأمر سهل. اهـ منه. وفي العهد القديم سفر التكوين ص ١٤٣ : مَنّسَّى وأفرائيم. الآية : ١٠١ ٥١١ سُوَةٌ تُوسُفَ فيه، فقال: يا بنيَّ إنِّي لأعلم أنَّ ما يتناسل من هذا الأصغر أكثرُ مما يتناسَلُ من هذا الأكبر. ودعا ليوسف وبارك عليه وقال: يا بنيَّ إنِّي مَيِّتٌ، كان الله تعالى معكم وردَّكم إلى بلد أبيكم، يا بنيَّ إذا أنا متُّ فلا تدفنِّي في مصر، وادِفِنِّي في مقبرة آبائي. فقال: نعم يا أبتِ، وحلف له، ثم دعا سائر بنيه وأخبَرَهم بما ينالهم في أيامهم، ثم أوصاهم بالدفن عند آبائه في الأرض التي اشتراها إبراهيمُ عليه السلام من عفرونَ الخِتِّي (١) في أرض الشام وجَعَلَها مقبرةً. وبعد أن فرغَ من وصيته عليه السلام توفِّي، فانكبَّ يوسف عليه السلام عليه يقبّلُه ويبكي، وأقام له حزناً عظيماً، وحزن عليه أهلُ مصر كثيراً، ثم ذهب به يوسفُ وإخوتُه وسائرُ آله سوى الأطفال، ومعهم قوَّادُ الملكِ ومشايخُ أهل مصر، ودفنوه في المكان الذي أراد، ثم رجعوا. وقد توهّم إخوةٌ يوسف منه عليه السلام أن يسيءَ المعاملةَ معهم بعد موت أبيهم عليه السلام، فلمَّا علم ذلك منهم قال لهم: لا تخافوا، إني أخاف الله تعالى. ثم عزَّاهم وجبر قلوبَهم، ثم أقام هو وآل أبيه بمصر وعاش مئةً وعشر سنين حتى رأى لأفرايم ثلاثةَ بنين، وولد بنو ماخير (٢) بن منشا في حجره أيضا، ثم لمَّا أحسَّ بقُرب أجله قال لإخوته: إني ميِّثُ، والله سبحانه سيذكركم ويردُّكم إلى البلد الذي أقسم أن يملكه إبراهيمُ وإسحاق ويعقوب، فإذا ذكركم سبحانه وردًّكم إلى ذلك البلد فاحملوا عظامي معكم. ثم توفِّي عليه السلام فحنَّطوه وصيّروه في تابوت بمصر(٣)، وبقي إلى زمن موسى عليه السلام، فلمَّا خرج، حَمَلَه حسبما أوصى عليه السلام(٤) . ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر من أنباء يوسف عليه السلام، وما فيه من معنى البعد (١) في العهد القديم سفر التكوين ص ١٤٧: الحِّي. بالحاء المهملة والثاء المثلثة. (٢) في العهد القديم: ماكير بن مَنَسَّى. (٣) سفر التكوين ص ١٤٨. (٤) ورد في هامش الأصل و(م): وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز أنه عليه السلام لم يعرِفْ موضعَه ولم يجد أحداً يخبره إلا امرأةً يقال لها: تارخ بنت شير بن يعقوب. فاشترطت عليه أن تصير شابَّةً كلَّما كبرت، وأن تكون منه عليه السلام في درجته يوم القيامة، ففعل بعد أن امتنع من الطلبة الثانية حتى أمر بإمضائها، فدلَّته، فأخرجه، فعادت بنتَ ثلاثين وعمرت ألفاً وستَّ مئة أو أربع مئة سنة حتى أدركت سليمان عليه السلام فتزوَّجها. اهـ منه. والخبر في تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٥، واسم المرأة فيه: شارح. سُورَةُ تُوسُفَ ٥١٢ الآية : ١٠٢ لما مرَّ مراراً، والخطابُ للرسولِ وَّهِ وهو مبتدأً، وقولُه تعالى: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ الذي لا يحوم حولَه أحدٌ = خبرُه، وقولُه سبحانه: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، أو حالٌ من الضمير في الخبر، وجوِّز أن يكونَ («ذلك)) اسماً موصولاً مبتداً، و((مَن أنباءِ الغَيْبِ)) صلتُه، و(نُوحِيه إليك)) خبرُه، وهو مبنيٌّ على مذهبٍ مرجوحٍ مِن جَعْلٍ سائر أسماء الإشارة موصولاتٍ. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيِهِمْ﴾ يريد إخوةَ يوسف عليه السلام ﴿إِذْ أَجْمَعُوْ أَفْرَهُمْ﴾ وهو جعلُهم إِيَّاه في غَيَابة الجُبِّ ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ به ويبغون له الغوائلَ، والجملة - قيل - كالدليل على كونِ ذلك من أنباء الغيب ومُوحَّى إليه عليه الصلاة والسلام، والمعنى: إنَّ هذا النبأ غيبٌ لم تعرفه إلا بالوحي لأنَّك لم تحضُر إخوةَ يوسف عليه السلام حين عزموا على ما هُّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجُبِّ وهم يمكرون به، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مُكذِّبيك أنَّك ما لقيتَ أحداً سمع ذلك فتعلّمتَه منه. وهذا من المذهب الكلاميِّ على ما نصََّ عليه غيرُ واحد، وإنما حُذف الشقُّ الأخير مع أنَّ الدالَّ على ما ذكر مجموعُ الأمرين لعلمِه من آيةٍ أخرى كقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ﴾ [هود: ٤٩]. وقال بعض المحفِّقين: إن هذا تهّمٌّ بمن كذَّبه، وذلك من حيث إنَّه تعالى جَعَل المشكوك فيه كونَه عليه السلام حاضراً بين يدَي أولادِ يعقوب عليه السلام ماكرين، فنفاه بقوله: ((وما كنت لديهم))، وإنَّما الذي يمكن أن يرتابَ فيه المرتابُ قبلَ التعرُّفِ هو تلقِّيه من أصحاب هذه القصة، وكان ظاهرُ الكلام أن ينفي ذلك، فلمَّا جُعل المشكوكُ ما لا ريب فيه؛ لأنَّ كونه عليه الصلاة والسلام لم يلقَ أحداً ولا سمع كان عندهم كفَلَق الفجر، جاء التهكُّم البالغُ، وصار حاصلُ المعنى: قد علمتم يا مُكابِرة، أنَّه لم يكن مُشاهِداً لمن مضى من القرون الخالية، وإنكاركُم لِمَا أخبر به يُفضي إلى أن تُكابِروا بأنَّه شاهَدَ مَن مضى منهم. وهذا كقوله تعالى: كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إذْ وَضَّكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ومنه يظهر فائدةُ العدول عن أسلوب: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ [هود: ٤٩] إلى هذا الأسلوب، وهو أبلغُ مما ذُكر أولاً، وذُكِر لترك ذلك نكتةٌ أخرى أيضاً وهي الآية : ١٠٣ - ١٠٤ ٥١٣ سُوَلُّ لُوسُفَ أنَّ المذكورَ مکرُهم وما دَبَّروه وهو مما أخفَوه حتى لا يعلمه غيرُهم، فلا يمكن تعلُّمه من الغير، ولا يخلو عن حُسن. وأيَّاما كان ففي الآية إيذانٌ بأنَّ ما ذكر من النبأ هو الحقُّ المطابِقُ للواقع، وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو عليه. ﴿وَمَّ أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ الظاهرُ العموم، وقال ابن عباس: إنَّهم أهلُ مكة. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ أي: على إيمانهم وبالغتَ في إظهار الآيات القاطعة الدالّة على صدقك عليهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ ﴾ لتصميمهم على الكفر وإصرارِهم على العناد حسبما اقتضاه استعدادُهم، و(حَرَص)) من باب ضَرَب وعَلِم، وكلاهما لغةٌ فصيحةٌ، وجوابُ ((لو)) محذوفٌ؛ للعلم به، والجملةُ معترضةٌ بين المبتدأ والخبر. قال ابن الأنباري(١): سألت قريشٌ واليهودُ رسولَ الله وَ له عن قصة يوسف عليه السلام، فنزلت مشروحةً شرحاً وافياً، فأمل عليه الصلاة والسلام أن يكون ذلك سببَ إسلامهم. وقيل: إنَّهم وعدوه أن يُسلِموا، فلمَّا لم يفعلوا عزَّاه الله تعالى بذلك. وقيل: إنَّها نزلت في المنافقين، وقيل: في النصارى، وقيل: في المشركين فقط. وقيل: في أهل الكتاب فقط. وقيل: في الثَّنَوية. ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: هذا الإنباء، أو جنسه، أو القرآن، وأيَّاما كان فالضمير عائدٌ على ما يُفهَم مما قبله(٢)، والمعنى: ما تطلب منهم على تبليغه ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: جُعلٍ ما، كما يفعله حَمَلَةُ الأخبار. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي: ما هو إلا تذكيرٌ وعظةٌ من الله تعالى ﴿لِلْعَلَمِينَ كافَّةً، والجملةُ كالتعليل لما قبلها(٣)؛ لأنَّ الوعظ العامَّ ينافي أخذ الأجرة من البعض؛ لأنَّه لا يختصُّ بهم. (١) كما في زاد المسير ٢٩٣/٤. والبحر ٣٥١/٥. (٢) في هامش (م): وقيل: الضمير لدين الله تعالى. اهـ منه. (٣) في هامش الأصل و(م): ومَن تأمَّل ظهر له أنَّ كونه عظةً للعالمين عامَّة، فيه ما ينافي أن يسأل الأجر من غير وجه، فما ألطّفَ التعليل بذلك، فتأمَّل. اهـ منه. سُوَّ ◌ُوسُفَ) ٥١٤ الآية : ١٠٥ وقيل: أريد: إنَّه ليس إلا عظةً من الله سبحانه أمِرتُ أن أبلِّغَها فوجب عليَّ ذلك، فكيف أسأل أجراً على أداء الواجب. وهو خلافُ الظاهر، وعليه تكونُ الآية دليلاً على حرمة أخذ الأجرة على أداء الواجبات. وقرأ مبشر بن عبيد: ((وما نسألهم)) بالنون(١). ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ﴾ أي: وكم من آيةٍ، قال الجلال السيوطيُّ(٢): إنَّ ((كأيِّ)) اسمٌ كـ ((كم)) التكثيرية الخبرية في المعنى، مركّبٌ من كاف التشبيه و((أيٍّ)) الاستفهامية المنوَّنة وحُكِيَت، ولهذا جاز الوقفُ عليها بالنون؛ لأنَّ التنوينَ لما دخل في التركيب أشبه النونَ الأصليةَ، ولذا رُسم في المصحف نوناً، ومَن وقف عليها بحذفه اعتبر حکمه في الأصل. وقيل: الكاف فيها هي الزائدة، قال ابن عصفور: ألا ترى أنك لا تريد بها معنى التشبيه، وهي مع ذا لازمةٌ وغيرُ متعلِّقةٍ بشيء، و((أيّ)) مجرورها. وقيل: هي اسمٌ بسيطٌ، واختاره أبو حيان، قال: ويدلُّ على ذلك تلاعُبُ العرب بها في اللغات(٣). وإفادتها للاستفهام نادرٌ حتى أنكره الجمهور، ومنه قولُ أبيٍّ لابن مسعود: كأيِّن تقرأ سورةَ الأحزاب آية؟ فقال: ثلاثاً وسبعين. والغالب وقوعُها خبريَّةٌ، ويلزمها الصدرُ فلا تجرُّ خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور. ولا يحتاج إلى سماع، والقياس على (كم)) يقتضي أن يضاف إليها ولا يحفظ، ولا يُخَبَر عنها إلا بجملةٍ فعليةٍ مصدَّرة بماضٍ أو مضارعٍ كما هنا، قال أبو حيان: والقياسُ أن تكونَ في موضع نصبٍ على المصدر أو الظّرف أو خبر ((كان))، كما كان ذلك في ((كم))، وفي (البسيط)) أنَّها تكون مبتدأً وخبراً ومفعولاً. (١) المحرر الوجيز ٢٨٥/٣، والبحر ٣٥١/٥، وتحرَّف ((مبشر)) فيه إلى: بشر. وهو مبشر بن عبيد أبو حفص القرشي، روى عن زيد بن أسلم وعطية العوفي وقتادة. قال أحمد: شغله القرآن عن الحديث، أحاديثه بواطيل. تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٤ . (٢) في همع الهوامع ٢/ ٦٠٤ . (٣) البحر ٣٥١/٥، ونقله المصنف عنه - وكذا ما سيأتي من أقوال - بواسطة السيوطي في همع الهوامع. الآية : ١٠٥ ٥١٥ سُُّ لُوسُفَ ويقال فيها: كَائِنْ، بالمدِّ بوزن اسم الفاعل من ((كان)) ساكنة النون، وبذلك قرأ ابنُ كثير (١)، و((كَإِ) بالقصر بوزن ((عَمٍ)، و((كَأْيٍ)) بوزن رَمْيٍ، وبه قرأ ابن محيصن(٢)، و(كَيْءٍ)) بتقديم الياء على الهمّزة(٣). وذكر صاحب اللوامح أنَّ الحسن قرأ: ((وكَيٍ)) بياء مكسورةٍ من غير همز ولا ألفٍ ولا تشديد(٤). و((آيةٍ) في موضع التمييز، و((من)) زائدة، وجرُّ تمييزٍ ((كأين)) بها دائميٍّ أو أكثريٌّ. وقيل: هي مبينةٌ للتميز المقدَّر. والمراد من الآية الدليلُ الدالُّ على وجودِ الصانع ووحدتِه وكمال علمه وقدرته، وهي وإن كانت مفردةً لفظاً لكنَّها في معنى الجمع، أي: آياتٍ؛ لمكان (كأين))، والمعنى: وكأيِّ عددٍ شئتَ من الآيات الدالّة على صدق ما جئتَ به غيرَ هذه الآية. ﴿فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: كائنةٍ فيهما من الأجرام الفلكية وما فيها من النجوم وتغيُّرٍ أحوالها، ومن الجبال والبحار وسائر ما في الأرض من العجائب الفائتة للحصر : وفي كلِّ شيء له آيةٌ تدُلُّ على أنَّه واحِدُ (٥) ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ يشاهدونها ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (٥﴾﴾ غيرُ متفكِّرين فيها ولا معتبرين بها، وفي هذا من تأكيد تعزِّيهِ وَّهِ وذمِّ القوم ما فيه. والظاهرُ أنَّ ((في السمواتِ والأرض)) في موضع الصفة لـ ((آية))، وجملةُ ((يَمرُّونَ)) خبرُ ((كأين)) كما أشرنا إليه سابقاً، وجُوِّز العكس. وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد: ((والأرضُ)) بالرفع(٦)، على أنَّ ((في السَّمَاوَاتِ)) (١) التيسير ص٩٠، والنشر ٢٤٢/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. (٢) البحر ٧٢/٣. (٣) همع الهوامع ٦٠٤/٢ - ٦٠٥ . (٤) البحر ٣٥١/٥. (٥) سلف ٢٧١/١. (٦) المحتسب ٣٤٩/١، والبحر ٣٥١/٥. ٠ سُّلُوسُفَ ٥١٦ الآية : ١٠٦ هو الخبرُ لـ ((كأيِّنْ))، و((الأرضُ)) مبتدأ، خبرُه الجملةُ بعده، ويكون ضميرُ ((عليها)) للأرض لا للآيات كما في القراءة المشهورة. وقرأ السديُّ (والأرضَ)) بالنصب(١)، على أنه مفعولٌ بفعل محذوفٍ يفسِّره (يمرون))، وهو من الاشتغال المفسَّر بما يوافقه في المعنى، وضميرُ ((عليها)) كما هو فيما قبلُ، أي: ويَطَؤُون الأرضَ يمرُّون عليها، وجُوِّز أن يقدَّر: يَطَؤون، ناصباً للأرض، وجملةُ ((يمرُّون)) حالٌ منها أو من ضميرٍ عاملها. وقرأ عبد الله: ((والأرضُ)) بالرفع، و((يمشون)) بدلَ ((يمرُّون))(٢). والمعنى على القراءات الثلاث: إنَّهم يجيئون ويذهبون في الأرض ويرون آثارَ الأمَم الهالكة وما فيها من الآيات والعبر ولا يتفكّرون في ذلك. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ في إقرارهم(٣) بوجوده تعالى وخالقيته ﴿إِلَّ وَهُم مُشْرِكُونَ ﴾﴾ به سبحانه، والجملةُ في موضع الحال من الأكثر، أي: ما يؤمن أكثرُهم إلا في حالِ إشراكهم. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هم أهلُ مكة، آمنوا وأشركوا، كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تَملِكُه وما ملك(٤). ومن هنا كان ◌َّ إذا سمع أحدَهم يقول: لبيك لا شريك لك. يقول له: ((قط قط))(٥)، أي: يكفيك ذلك، ولا تَزِدْ: إلا شريكاً .. إلخ. وقيل: هم أولئك آمنوا لمَّا غَشِيهم الدخانُ في سني القحط وعادوا إلى الشرك بعد کشفه. وعن ابن زيد وعكرمة وقتادة ومجاهد أيضاً أنَّ هؤلاء كفارُ العرب مطلقاً أقرُّوا (١) المحتسب ٣٤٩/١، والكشاف ٣٤٦/٢، والبحر ٣٥١/٥. (٢) الكشاف ٣٤٦/٢، والبحر ٣٥١/٥، وينظر المحتسب ٣٥٠/١. (٣) ورد في هامش الأصل و(م): إشارةٌ إلى أنَّه إيمانٌ لسانيٌّ، إذْ لا اعتقادَ به مع الشرك. اهـ منه . (٤) المحرر الوجيز ٢٨٥/٣، وتفسير البغوي ٤٥٢/٢، والبحر ٣٥١/٥. (٥) المصادر السابقة، ولم نقف عليه مسنداً. الآية : ١٠٧ ٥١٧ سُورَةُ لُوسُفَ بالخالق الرازق المميت وأشركوا بعبادة الأوثان والأصنام (١) .. وقيل: أشركوا بقولهم: الملائكة بنات الله سبحانه. وعن ابن عباس أيضاً أنَّهم أهلُ الكتاب، أقرُّوا بالله تعالى وأشركوا به من حيث كفروا بنبيّه وَّر، أو من حيث عبدوا عزيراً والمسيحَ عليهما السلام. وقيل: أشركوا بالتبنِّي واتخاذِهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً . وقيل: هم الكفار الذين يُخلِصون في الدعاء عند الشدَّة ويشركون إذا نجوا منها، وروي ذلك عن عطاء. وقيل: هم الثنوية، قالوا بالنور والظلمة. وقيل: هم المنافقون، جهروا بالإيمان وأخفوا الكفر. ونُسب ذلك للبلخي. وعن الحبر أنهم المُشبِّهة، آمنوا مجمَلاً وكفروا مفصّلاً. وعن الحسن أنهم المراؤون بأعمالهم، والرياء شركٌ خفيٍّ. وقيل: هم الناظرون(٢) إلى الأسباب المعتمدون عليها. وقيل: هم الذين يُطيعون الخلقَ بمعصية الخالق. وقد يقال نظراً إلى مفهوم الآية: إنَّهم مَن يندرج فيهم كلُّ مَن أقرَّ بالله تعالى وخالقيته مثلاً وكان مرتكباً ما يُعَدُّ شركاً كيفما كان، ومن أولئك عَبَدَةُ القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضرِّ ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها، وهم اليوم أکثر من الدود. واحتجت الكرَّاميَّة بالآية على أنَّ الإيمان مجرَّدُ الإقرار باللسان. وفيه نظر. ﴿أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ﴾ أي: عقوبة تغشاهم وتشملهم، والاستفهام إنكارٌ فيه معنى التوبيخ والتهديد كما في ((البحر))(٣)، والكلامُ في العطف (١) المحرر الوجيز ٢٨٥/٣. وينظر تفسير الطبري ٣٧٣/١٣-٣٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٠٧/٧. (٢) في (م): المناظرون. (٣) ٣٥١/٥. سُدَة ◌ُوسُنَا ٥١٨ الآية : ١٠٨ ومحلِّ الاستفهام في الحقيقة مشهورٌ، وقد مرَّ غيرَ مرَّة، والمراد بهذه العقوبة ما یعمُّ الدنيويةَ والأخرويةَ على ما قيل. وفي ((البحر))(١) ما هو صريحٌ في الدنيوية؛ للمقابلة بقوله سبحانه: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأةً من غير سابقةِ علامةٍ، وهو الظاهرُ. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) بإتيانها غير مستعدِّين لها . ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيٍ﴾ أي: هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي، كذا قالوا، والظاهرُ أنَّهم أخذوا الدعوةَ إلى الإيمان من قوله تعالى: ﴿وَمَّاً أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوَ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] لإفادة أنَّه يدعوهم إلى الإيمان بجدِّ وحرصٍ وإن لم ينفع فيهم، والدعوةَ إلى التوحيد من قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم﴾ [يوسف: ١٠٦] لدلالته على أنَّ كونَه ذكراً لهم لاشتماله على التوحيد؛ لكنَّهم لا يرفعون له رأساً كسائر آيات الآفاق والأنفس الدالّة على توخّدِه تعالى ذاتاً وصفاتٍ، وفسِّر ذلك بقوله تعالى: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أدعو الناسَ إلى معرفته سبحانه بصفاتٍ كماله ونعوتِ جلاله، ومن جملتها التوحيدُ، فالجملةُ لا محلَّ لها من الإعراب. وقيل: إنَّ الجملةَ في موضع الحال من الياء، والعاملُ فيها معنى الإشارة. وتعقِّب بأنَّ الحالَ في مثله من المضاف إليه مخالفةٌ للقواعد ظاهراً، وليس ذلك مثلُ: ﴿أَنِ أَتَِّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. واعتُرِض أيضاً بأنَّ فيه تقييدَ الشيء بنفسه. وليس ذاك. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: بيانٍ وحجَّةٍ واضحةٍ غير عمياء، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال من ضمير ((أدعو)). وزعم أبو حيان(٢) أنَّ الظاهرَ تعلُّقَه بـ ((أدعو))، وقولُه تعالى: ﴿أَنَا﴾ تأكيدٌ لذلك الضمير أو للضمير الذي في الحال. وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اُنَّتعنى﴾ عطفٌ على ذي الحال، ونسبةُ ((أدعو» إليه من باب التغليب كما قُرِّر في قوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ومنهم من قدَّر في مثله فعلاً عاملاً في المعطوف، ولم يعوِّل عليه المحقّقون. (١) ٣٥١/٥-٣٥٢. (٢) في البحر ٣٥٣/٥. الآية : ١٠٩ ٥١٩ سُورَةُ تُوسُفَ ومُنِعِ عطفُه على ((أنا)) لكونه تأكيداً، ولا يصحُّ في المعطوف كونُه تأكيداً كما في المعطوف عليه. واعتُرِض بأنَّ ذلك غيرُ لازمٍ كما يقتضيه كلام المحقّقين. وجوِّز كونُ ((من)) مبتدأً، خبرُه محذوفٌ، أي: ومَن اتبعني كذلك، أي: داعٍ. وأن يكونَ ((على بصيرة)) خبراً مقدَّماً، و((أنا)) مبتدأً، و((من)) عطف عليه. وقولُه تعالى: ﴿وَسُبْحَنَّ اللَّهِ﴾ أي: وأُنزِّهه سبحانه وتعالى تنزيهاً من الشركاء، وهو داخلٌ تحتَ القول، وكذا: ﴿وَمَّآ أَنَأْ مِنَ اٌلْمُشْرِكِينَ (4) في وقتٍ من الأوقات، والكلامُ مؤكِّدٌ لما سبق من الدعوة إلى الله تعالى. وقرأ عبد الله: ((قل هذا سبيلي)) على التذكير(١)، والسبيل تؤنَّث وقد تذكَّر. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَلَوَ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَكَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٤] نفيٌّ له، وقيل: المرادُ نفيُ استنباء النساء، ونسب ذلك إلى ابن عباس ﴾ (٢). وزعم بعضُهم أنَّ الآيةَ نزلت في سَجَاح بنت المنذر المتنبّئة(٣) التي يقول فيها الشاعر: ولم تزل أنبياءُ الله ذُكرانا أمست نبيَّتُنا أنثى نَطوفُ بها على سَجَاحِ ومَن بالأفكِ أَغْرَانا فلعنةُ اللهِ والأقوامِ كُلِّهم أصداؤُه ماءَ مُزنٍ أينما كانا (٤) أَغْنِي مُسَيْلِمة الكذَّابِ لا سُقِيَت وهو مما لا صحَّةَ له؛ لأنَّ ادعاءَها النبوةَ كان بعد النبيِّ نَّهِ، وكونه إخباراً بالغيب لا قرينةً علیه. (١) المحرر الوجيز ٢٨٥/٣، والبحر ٣٥٣/٥. (٢) الكشاف ٣٤٦/٢، والبحر ٣٥٣/٥. (٣) ورد في هامش الأصل و(م): وهي تميميةٌ ادَّعت النبوَّةَ، ثم أسلمت وحَسُن إسلامها، وقصتها معروفة في التواريخ. اهـ منه. وينظر تاريخ الطبري ٣/ ٢٦٧ . (٤) الأبيات في الأوائل للعسكري ٢/ ١٧٥-١٧٦ لعطارد بن حاجب بن زرارة، وفي ثمار القلوب ص٣١٥، وغرر الخصائص ص٢٢٢ لقيس بن عاصم، وهي في البحر ٣٥٣/٥ غير منسوبة، وفيه وفي الأوائل وثمار القلوب: نُطِيفُ، بدل: نطوف، وفي الغرر: يطاف. سُؤَةٌ تُوسُفَ ٥٢٠ الآية : ١٠٩ ﴿نُوجِىّ إِلَيْهِم﴾ كما أوحينا إليك. وقرأ أكثرُ السبعة: ((يُوحَى)) بالياء وفتح الحاء مبنيّاً للمفعول(١)، وقراءةُ النون - وهي قراءةُ حفص وطلحة وأبي عبد الرحمن(٢) - موافقةٌ لـ ((أرسلنا)). ﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ لأنَّ أهلها - كما قال ابن زيد وغيره، وهو مما لا شبهة فيه - أعلمُ وأحلمُ من أهل البادية، ولذا يقال لأهل البادية: أهلُ الجفاء، وذكروا أنَّ التبدِّي مكروه إلا في الفتن، وفي الحديث: ((مَن بَدَا جَفًا))(٣). قال قتادة: ما نعلم أنَّ الله تعالى أرسل رسولاً قظُ إلا من أهل القرى. ونُقِل عن الحسن أنه قال: لم يُبْعَث رسولٌ من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجنّ. وقولُه تعالى: ﴿وَجَّءُ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] قد مرَّ الكلامُ فيه آنفاً . ﴿أَفَمَّ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَّلِهِمْ﴾ من المكذِّبين بالرسُل والآيات من قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح وسائرٍ مَن عذَّبه الله تعالى فيَحْذَروا تكذيبَك. ورُوي هذا عن الحسن(٤) . وجوِّز أن يكون المراد: عاقبةُ الذين من قبلهم من المشغوفين بالدنيا المتهالِكين عليها، فيقلعُوا ويكُفُّوا عن حُبُّها. وكأنه لاحَظَ المجوِّزُ مَا سيُذكَر. والاستفهام على ما في ((البحر))(٥) للتقريع والتوبيخ. ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف عند الكوفية، أي: ولَلدَّارُ الآخرة. وقدَّر البصريُّ موصوفاً، أي: ولدارُ الحالِ أو الساعةِ أو الحياةِ الآخرة. وهو المختارُ عند الكثير في مثل ذلك. (١) التيسير ص ١٣٠، والنشر ٢٩٦/٢. (٢) المصدران السابقان، والبحر ٣٥٣/٥. (٣) أخرجه أحمد (٨٨٣٦)، والبزار (١٦١٨ - كشف الأستار)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠١/١٠ عن أبي هريرة له مرفوعاً، وفي سنده اضطراب، وأخرجه أبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦) عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ ((من سكن البادية جفا)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢١٠/٧. (٥) ٣٥٣/٥.