Indexed OCR Text

Pages 481-500

الآية : ٩٠
٤٨١
سَُّلاَ تُوسف
وتعقّبه صاحب ((الفرائد)» بأنَّ فيه حمل ((مَن يَّقِ)) على المجاز، ولا مانعَ من
الحمل على الحقيقة، والعدولُ عن ذلك إلى المجاز من غير ضرورة غيرُ جائز،
فالوجه أن يقال: ((مَن يثَّقِ)): مَن يحترز عن تركِ ما أُمر به وارتكابٍ ما نهي عنه
و (يَصبر)) في المكارهِ، وذلك باختياره وهذا بغير اختياره، فهو محسنٌ. وذكر الصبر
بعد التقوى من ذكرِ الخاصِّ بعد العامٌّ، ويجوز أن يكون ذلك لإرادة الثبات على
التقوى، كأنه قيل: مَن يتَّقِ ويثبت على التقوى. انتهى.
والوجه الأول ميلٌ لِمَا ذكره أبو حيان. وتعقّب ذلك الطيبيُّ بأنَّ هذه الجملة
تعليلٌ لِمَا تقدَّم وتعريضٌ بإخوته بأنَّهم لم يخافوا عقابه تعالى ولم يصبروا على طاعته
عزَّ وجلَّ وطاعةٍ أبيهم، وعن المعصية إذ فعلوا ما فعلوا، فيكون المرادُ بالاتقاء
الخوف، وبالصبر الصبر على الطاعة وعن المعصية.
ورُدَّ بأنَّ التعريضَ حاصلٌ في التفسير الآخر، فكأنه فسَّره به لئلا يتكرَّر مع
الصبر. وفيه نظر.
وقرأ قنبل: ((مَن ينَّقِي)) بإثبات الياء(١). فقيل: هو مجزومٌ بحذف الياء التي هي
لامُ الكلمة، وهذه ياء إشباع. وقيل: جَزمُه بحذف الحركة المقدَّرة، وقد حكوا
ذلك لغةً. وقيل: هو مرفوعٌ، و((مَن)) موصولٌ، وعطفُ المجزوم عليه على التوهُّم،
كأنه توهّم أنَّ ((من)) شرطيَّةٌ و((يثَّقي)) مجزومٌ. وقيل: إنَّ ((يصبر)) مرفوعٌ كـ ((يتَّقي)
إلا أنَّه سُكِّنت الراءُ لتوالي الحركات وإن كان ذلك في كلمتين، كما سُكِّنت في
﴿يَأْمُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] و﴿يُثْمِرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩](٢) ونحوِهما، أو للوقف، وأُجري
الوصلُ مُجرى الوقف.
والأحسن من هذه الأقوال كما في ((البحر))(٣) أن يكون ((يَِّي)) مجزوماً على
لغةٍ وإن كانت قليلةً. وقولُ أبي علي: إنَّه لا يُحمَل على ذلك؛ لأنه إنما يجيء في
الشعر (٤). لا يُلتَفّت إليه؛ لأنَّ غيرَه من رؤساءِ النحويين حكوه لغةً نظماً ونثراً.
جـ
(١) التيسير ص ١٣١، والنشر ٢٩٧/٢.
(٢) وهما قراءتان لأبي عمرو بخلف عن الدوري.
(٣) ٣٤٣/٥.
(٤) الحجة ٤/ ٤٤٨.

سَُّةُ نُوسُفَ
٤٨٢
الآية : ٩١ - ٩٢
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاتَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: اختارك وفضَّلك علينا بالتقوى
والصبر. وقيل: بالملك. وقيل: بالصبر والعلم، ورُويا عن ابن عباس(١). وقيل:
بالحلم والصفح، ذكره [أبو] سليمان الدمشقي(٢).
وقال صاحب ((الغنيان)): بحسن الخَلْق والخُلُق والعِلم والحِلم والإحسان
والملك والسلطانِ والصبرِ على أذانا. والأول أولى.
﴿وَإِن﴾ أي: والحال إن الشأن ﴿كُنَّا لَخَطِينَ ﴾﴾ أي: لمتعمِّدين للذنب
إذا فعلنا ما فعلنا، ولذلك أعزَّك وأذلَّنا، فالواو حاليّة، و((إن)) مخفّفة، اسمها ضمير
الشأن، واللام التي في خبر كان هي المزحلقة، و((خاطئين)) من خَطِىءَ: إذا تعمَّد،
وأمَّا أخطأ: فقصَدَ الصوابَ ولم يوفَّق له.
وفي قولهم هذا من الاستنزالِ لإحسانه عليه السلام والاعترافِ بما صدَرَ منهم في
حقِّه مع الإشعار بالتوبة ما لا يخفى، ولذلك ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ﴾ أي: لا تأنيبَ ولا لومَ
﴿عَلَيَّكُمُ﴾، وأصلُه من الثَّرْب: وهو الشحْمُ الرقيقُ في الجوف وعلى الكَرِشِ،
وصيغةُ التفعيل للسلب، أي: إزالةِ الثَّرْبِ، كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد
والقرع، واستعير للَّوم الذي يمزِّق الأعراضَ ويُذهب بهاءَ الوجه؛ لأنه بإزالة الشحم
يبدو الهزالُ وما لا يُرضى، كما أنه باللوم تظهر العيوبُ، فالجامعُ بينهما طريانُ
النقص بعد الكمال، وإزالةُ ما به الكمالُ والجمالُ، وهو اسم ((لا))، و((عليكم)) متعلّقٌ
بمقدَّر وقع خبراً، وقولُه تعالى: ﴿اَلْيَوْمِّ﴾ متعلِّقٌ بذلك الخبرِ المقدَّر أو بالظرف، أي:
لا تثريبَ مستقِرٌّ عليكم اليومَ، وليس التقييدُ به لإفادة وقوع التثريب في غيره، فإنَّه عليه
السلام إذا لم يثرِّب أوَّلَ لقائه واشتعالِ ناره فَبَعْدَه بطريقِ الأَولى.
وقال المرتضى: إنَّ ((اليوم)) موضوعٌ موضعَ الزمان كلِّه كقوله:
واليومَ نتبَعُ مَن كانُوا لنا تَبَعَا(٣)
اليومَ يرحَمُنا من كان يَغْپِطُنا
كأنَّه أُرِيد: بعدَ اليوم.
(١) زاد المسير ٤/ ٢٨٢.
(٢) زاد المسير ٢٨٢/٤، والبحر المحيط ٣٤٣/٥، وما بين حاصرتين منهما.
(٣) أمالي المرتضى ٤٥٢/١-٤٥٣، والبيت فيه وفي البيان والتبيين ١٧٧/٣، أنشدته عجوز يوم
مات الحجاج، كما ذكر الجاحظ.

الآية : ٩٢
٤٨٣
سُورَةٌ تُوسُفَ
وجوَّز الزمخشريُّ تعلُّقَه بـ ((تثريب))(١). وتعقّبه أبو حيان قائلاً: لا يجوز ذلك؛
لأنَّ التثريبَ مصدرٌ، وقد فُصِل بينه وبينَ معموله بـ ((عليكم))، وهو إما خبرٌ أو صفةٌ،
ولا يجوز الفصلُ بينهما بنحوِ ذلك؛ لأنَّ معمولَ المصدر من تمامه، وأيضاً لو كان
متعلِّقاً به لم يَجُز بناؤُه؛ لأنه حينئذٍ من قبيل المشبّه بالمضاف، وهو الذي يسمَّى
المطوَّل والممطول فيجب أن يكونَ مُعرَباً منوَّناً(٢).
ولو قيل: الخبرُ محذوفٌ و ((عليكم)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ يدلُّ عليه ((تثريب)»، وذلك
المحذوفُ هو العامل في ((اليوم))، والتقدير: لا تثريبَ يثرَّبُ عليكم اليومَ.
كما قدَّروا في ﴿لَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَِّ﴾ [هود: ٤٣] أي: لا عاصمَ يعصِمُ
اليومَ = لكان وجهاً قويّاً؛ لأنَّ خبرَ ((لا)) إذا عُلِم كثرُ حذفُه عند أهل الحجاز، ولم
يلفظ به بنو تميم.
وكذا منع ذلك(٣) أبو البقاء، وعلَّله بلزوم الإعراب والتنوينِ أيضاً (٤).
واعتُرِض بأنَّ المصرَّح به في متون النحو بأنَّ شبيهَ المضاف سُمِع فيه عدمُ
التنوين، نحو: لا طالعَ جبلاً. ووقع في الحديث: ((لا مانِعَ لِمَا أعطَيْتَ ولا مُعْطِيَ
لِمَا منَعْتَ))(٥) باتفاقِ الرواة فيه، وإنما الخلافُ فيه هل هو مبنيٌّ، أو معربٌ تُركَ
تنوينُه، وفي ((التصريح)) نقلاً عن («المغني) أنَّ نصبَ الشبيه بالمضاف وتنوينَه هو
مذهبُ البصريين، وأجاز البغداديون: لا طالعَ جبلاً. بلا تنوينٍ، أجروه في ذلك
مُجرى المضاف، كما أجروه مُجراه في الإعراب، وعليه يتخرَّج الحديثُ
((لا مانع)) إلخ(٦).
فيمكن أن يكون مبنَى ما قاله أبو حيان وغيرُهُ مذهبَ البصريين، والحديثُ
المذكور لا يتعيَّن - كما قال الدنوشري أخذاً من كلام ((المغني)) في الجهة الثانية من
(١) الكشاف ٣٤٢/٢.
(٢) البحر ٣٤٣/٥.
(٣) أي: تعلُّق ((اليوم)) بـ (تثريب).
(٤) الإملاء ٣٦٠/٣.
(٥) أخرجه البخاري (٨٤٤) عن المغيرة بن شعبة، ومسلم (٤٧٧): (٢٠٥) عن أبي سعيد
(٦) مغني اللبيب ص ٥١٥.

سُوَاُ لُوسُفَ
٤٨٤
الآية : ٩٢
باب الخامس - حَمْلُهُ على ما ذُكر؛ لجوازٍ كونِ اسم ((لا)» فيه مفرداً، واللامُ متعلِّقةً
بالخبر، والتقديرُ: لا مانعَ مانعٌ لِمَا أعطيت، وكذا فيما بعده.
وذكر الرضي أنَّ الظرفَ بعد النفي لا يتعلَّق بالمنفيِّ بل بمحذوفٍ وهو خبرٌ،
وأنَّ ((اليوم)) في الآية معمولُ ((عليكم))، ويجوزُ العكس.
واعتُرِض أيضاً حديثُ الفصل بين المصدر ومعمولِه بما فيه ما فيه.
وقيل: ((عليكم)) بيانٌ كـ (لك)) في: سقياً لك، فيتعلَّق بمحذوفٍ، و((اليوم)) خبرٌ.
وجوِّز أيضاً كونُ الخبر ذاك، و((اليوم)) متعلِّقاً بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ونُقِل
عن المرتضى أنه قال في ((الدرر)): قد ضَعَّف هذا قومٌ من جهةِ أنَّ الدعاءَ لا ينصِبُ
ما قبله(١). ولم يشتهر ذلك.
وقال ابن المنيِّر: لو كان متعلِّقاً به لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصِّدِّيق، ولم يكن
كذلك لقولهم: (يَأَبَنَا اُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاً)(٢).
وتعقِّب بأنَّه لا طائلَ تحتَه؛ لأنَّ المغفرة وهي سترُ الذنب يومَ القيامة حتى
لا يؤاخَذوا به ولا يُقرَّعوا، إنما يكون ذلك الوقت، وأما قبله فالحاصلُ هو الإعلام
به، والعلم بتحقُّقِ وقوعه بخبر الصادق لا يمنع الطلبَ؛ لأنَّ الممتنع طلبُ الحاصل
لا طلبُ ما يُعلَم حصولُه، على أنه يجوز أن يكون هضماً للنفس، واعتُبِر باستغفار
الأنبياء عليهم السلام، ولا فرقَ بين الدعاء والإخبار هنا (٣). انتهى.
وقد يقال أيضاً: إنَّ الذي طلبوه من أبيهم مغفرةُ ما يتعلَّق به ويرجع إلى حقِّه،
ولم يكن عندهم علمٌ بتحقُّقِ ذلك، على أنه يجوز أن يقال: إنَّهم لم يعتقدوا إذ ذاك
نبوته وظنُّوه مثلهم غيرَ نبيٍّ، فإنَّه لم يمضِ وقتٍ بعدَ معرفةٍ أنَّه يوسفُ يسع معرفة أنَّه
نبيٌّ أيضاً، وما جرى من المفاوضة لا يدلُّ على ذلك. فافهم.
وإلى حمل الكلام على الدعاء ذهب غيرُ واحدٍ وذهب جمعٌ أيضاً إلى كونه
خبراً، والحكم بذلك مع أنه غيبٌ - قيل - لأنَّه عليه السلام صفح عن جريمتهم
(١) أمالي المرتضى ٤٥٣/١، ونقله عنه أيضاً الشهاب في حاشيته ٢٠٥/٥.
٠٠٠٠٤
(٢) الإنصاف ٣٤٢/٢.
(٣) نقله المصنف من حاشية الشهاب ٢٠٥/٥.

الآية : ٩٢
٤٨٥
سُوَلا بُوسُفَ
حينئذٍ، وهم قد اعترفوا بها أيضاً فلا محالةَ أنه سبحانه يغفر لهم ما يتعلَّق به تعالى
وما يتعلَّق به عليه السلام بمقتضى وعدِه جلَّ شأنه بقبول توبة العباد. وقيل: لأنه
علیه السلام قد أوحي إليه بذلك.
وأنت تعلم أنَّ أكثر القرَّاء على الوقف على ((اليوم)»، وهو ظاهرٌ في عدم تعلُّقه
بـ ((يغفر))، وهو اختيار الطبريِّ وابن إسحاق وغيرهم، واختاروا كونَ الجملة بعدُ
دعائيَّة(١)، وهو الذي يميل إليه الذوقُ. والله تعالى أعلم.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ﴾﴾ فإنَّ كلَّ مَن يرحم سواه جلَّ وعلا فإنَّما يرحم
برحمته سبحانه، مع كونِ ذلك مبنيّاً على جلب نفع أو دفع ضرِّ، ولا أقلَّ مَن دفع
ما يجده في نفسه من التألَّم الروحانيّ مما يجده في المرحوم. وقيل: لأنه تعالى
يغفر الصغائرَ والكبائرَ التي لا يغفرها غيرُه سبحانه، ويتفضَّل على التائب بالقبول.
والجملة إما بيانٌ للوثوق بإجابة الدعاء، أو تحقيقٌ لحصول المغفرة؛ لأنَّه عفا
عنهم، فالله تعالى أولى بالعفو والرحمة لهم.
هذا، ومن كرم يوسف عليه السلام ما روي أنَّ إخوته أرسلوا إليه: إنَّك تدعونا
على طعامك بكرةً وعشيةً ونحن نستحي منك بما فرط منَّا فيك. فقال عليه السلام:
إنَّ أهلَ مصر وإن ملكتُ فيهم كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى ويقولون: سبحانَ مَّن
بلَّغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلَّغ، ولقد شرُفتُ بكم الآن وعظمتُ في العيون
حيث علم الناسُ أنَّكم إخوتي وأنِّي من حَفَدَةِ إبراهيم عليه السلام(٢) .
والظاهرُ أنَّه عليه السلام حصَّل بذلك من العلم للناس ما لم يحصِّل قبلُ، فإنه
عليه السلام على ما دلَّ عليه بعض الآيات السابقة والأخبار قد أخبرهم أنه ابنُ مَن
وممّن .
وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن
ابن عباس قال: قال الملِك يوماً ليوسف عليه السلام: إني أحبُّ أن تخالِطني في
كلِّ شيء، إلَّا في أهلي، وأنا آنَفُ أن تأكل معي. فغضِب يوسف عليه السلام
(١) المحرر الوجيز ٢٧٨/٣، والبحر ٣٤٣/٥، وينظر تفسير الطبري ٣٣١/١٣.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٤٢/٢ من دون نسبة.

سُبَلاَ تُوسُفَ
٤٨٦
الآية : ٩٣
فقال: أنا أحقُّ أن آنَفَ، أنا ابنُ إبراهيم خليل الله، وأنا ابن إسحاق ذبيح الله، وأنا
ابن يعقوب نبيِّ الله. لكن لم يشتهر ذلك أو لم يفد الناسَ علماً (١).
وفي ((التوراة)) التي بأيدي اليهود اليومَ أنه عليه السلام لمَّا رأى من إخوته مزيدَ
الخجَل أدناهم إليه وقال لهم: لا يشقّ عليكم أن بعتموني وإلى هذا المكان
أوصلتموني، فإنَّ الله تعالى قد علم ما يقع من القحط والجدب وما ينزل بكم من
ذلك، ففعل ما أوصلني به على هذا المكان والمكانة؛ ليُزيل عنكم بي ما ينزل
بكم، ويكون ذلك سبباً لبقائكم في الأرض وانتشارٍ ذراريكم فيها، وقد مضت من
سِني الجدب سنتان، وبقي خمسُ سنين، وأنا اليوم قد صيَّرني الله تعالى مرجعاً
لفرعون وسيِّداً لأهله وسلطاناً على جميع أهل مصر، فلا يضق عليكم أمركم (٢).
﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا﴾ هو القميصُ الذي كان عليه حينئذٍ كما هو الظاهر.
وعن ابن عباس وغيره أنَّه القميصُ الذي كساه الله تعالى إبراهيمَ عليه السلام حين
أُلِقِي في النار وكان من قُمُص الجنة، جعله يعقوبُ حين وصل إليه في قصبةٍ فضَّةٍ
وعلّقه في عنق يوسف، وكان لا يقع على عاهةٍ من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله
تعالى(٣).
وضُعِّف هذا بأنَّ قوله: (إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ) يدلُّ على أنَّه عليه السلام كان
لابساً له في تعويذته كما تشهد به الإضافة إلى ضميره. وهو تضعيفٌ ضعيفٌ
كما لا يخفى.
(١) سنن سعيد بن منصور (٧٢١١ - تفسير)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٥٩/٧، وعزاه لابن
المنذر وأبي الشيخ السيوطيُّ في الدر ٢٤/٤. والرواية في سنن سعيد عن عبد الله بن
أبي هذيل، وأخرجه عنه أيضاً الطبري في تفسيره ٢١٦/١٣ و٢١٧. وقوله: وأنا ابن إسحاق
ذبيح الله، فيه نظر، لأن الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. وسيأتي هذا البحث
في سورة الصافات.
وورد في هامش الأصل: وفي رواية أنَّ امرأتَه قالت له: قل ليوسف: يأكل مع غلمان. فقال
له. فقال: ترغب أن تأكل معي، أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ... إلخ. اهـ. وهي في
تفسير الطبري ٢١٧/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٥٩/٧ عن أبي ميسرة.
(٢) العهد القديم، سفر التكوين ص١٣٩.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢١٩٦/٧ عن المطلب بن عبد الله بن حنطب. وهو في
تفسير البغوي ٤٤٨/٢ عن مجاهد.

الآية : ٩٣
٤٨٧
سُؤَالُوسُفَا
وقيل: هو القميصُ الذي قدَّ من دُبُر، وأرسله ليعلم يعقوبُ أنه عُصِم من
الفاحشة. ولا يخفى بُعْدُه.
وأيَّاما كان فالباء إمَّا للمصاحبة أو للملابسة، أي: اذهبوا مصحوبين أو ملتبسين
به، أو للتعديَة كما قيل(١)، أي: أذهبوا قميصي هذا ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِ يَأْتِ
بَصِيرًا﴾ أي: يَصِر بصيراً، ويشهد له ﴿فَارْتَذَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] أو: يأتِ إليَّ وهو
بصير، وينصرُه قولُه: ﴿وَأَتُوفِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ من النساء والذراري
وغيرِهم مما ينتظِمه لفظ الأهل، كذا قالوا.
وحاصل الوجهين - كما قال بعض المدقِّقين - إنَّ الإتيان في الأول مجازٌ عن
الصيرورة ولم يَذكُر إتيان الأب إليه لا لكونه داخلاً في الأهل، فإنه يجلُّ عن
التابعية، بل تفادياً عن أمر الإخوة بالإتيان؛ لأنه نوعُ إجبارٍ على مَن يُؤتى به، فهو
إلى اختياره.
وفي الثاني على الحقيقة، وفيه التفادي المذكور، والجزمُ بأنه من الآتِين
لا محالة وثوقاً بمحبته، وأن فائدةَ الإلقاء إتيانُه على ما أحبَّ من كونه مُعافّى
سليمَ البصر، وفيه أنَّ صيرورته بصيراً أمرٌ مفروٌ عنه مقطوعٌ، إنَّما الكلام في
تسبُّب الإلقاء لإتيانه كذلك، فهذا الوجه أرجحُ وإن كان الأولُ من الخلافة
بالقبول بمنزلٍ.
وفيه دلالةٌ على أنه عليه السلام قد ذهب بصرُه، وعلم يوسف عليه السلام
بذلك يحتمل أن يكون بإعلامهم، ويحتمل أن يكون بالوحي، وكذا علمه بما يترتَّب
على الإلقاء يحتمل أن يكونَ عن وحي أيضاً، أو عن وقوفٍ من قبلُ على خواصِ
ذلك القميص بالتجربة أو نحوها إن كان المراد بالقميص الذي كان في التعويذة،
ويتعيَّن الاحتمالُ الأول إن كان المرادُ غيرَه على ما هو الظاهر.
وقال الإمام: يمكن أن يقال: لعلَّ يوسفَ عليه السلام عَلم أنَّ أباه ما عرا
بصرَه ما عراه إلا من كثرة البكاء وضيق القلب، فإذا ألقي عليه قميصُه فلابدّ وأن
ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرَحُ الشديدُ، وذلك يقوِّي الروحَ ويُزيل الضَّعفَ
(١) في (م): على ما قيل.

سُوٌَّةُ لُوسُفَ
٤٨٨
الآية : ٩٤
عن القُوَى، فحينئذٍ يقوَى بصرُه ويزول عنه ذلك النقصانُ، فهذا القدر مما يمكن
معرفتُه بالعقل، فإن القوانين الطبيّة تدلُّ على صحته(١). وأنا لا أرى ذلك.
قال الكلبي: وكان أولئك الأهل نحواً من سبعين إنساناً(٢). وأخرج ابن
أبي حاتم عن الربيع بن أنس أنَّهم اثنان وسبعون من ولده وولد ولده(٣). وقيل:
ثمانون. وقيل: تسعون. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن مسعود أنَّهم ثلاثة
وتسعون (٤). وقيل: ستُّ وتسعون.
وقد نموا في مصر فخرجوا منها مع موسى عليه السلام وهم ستُّ مئة ألفٍ
وخمس مئة وبضعة وسبعون رجلاً سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألفَ ألفٍ
ومئتي ألفٍ، على ما قيل.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ خرجت من عريش مصر قاصدةً مكانَ يعقوب عليه السلام
وكان قريباً من بيت المقدس، والقولُ بأنه كان بالجزيرة لا يعوَّل عليه.
يقال: فَصَل من البلد يفصِل فصولاً: إذا انفصل منه وجاوز حيطانَه، وهو
لازمٌ، وفَصَلَ الشيءَ فصلاً: إذا فرَّقه، وهو متعدٍّ.
وقرأ ابن عباس: ((ولما انفصل العير))(٥).
﴿قَالَ أَبُوُهُمْ﴾ يعقوب عليه السلام لمن عنده: ﴿إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ﴾ أي:
لأشَمُّ، فهو وجودُ حاسَّة الشَّمِّ، أشَمَّه الله تعالى ما عبِق بالقميص من ريح يوسف
عليه السلام من مسيرة ثمانية أيام، على ما رُوي عن ابن عباس. وقال الحسن وابن
جريج: من ثمانين فرسخاً.
وفي رواية أخرى عن الحسن: من مسيرة ثلاثين يوماً. وفي أخرى عنه: من
مسيرة عشر ليال.
(١) تفسير الرازي ٢٠٦/١٨ .
(٢) جاء في هامش (م): وفي التوراة: أنَّ مَن دخل مصر مِن بني إسرائيل سبعون. اهـ منه.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠١ .
(٤) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٤/ ٣٥، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم في تفسيره ٢١٩٦/٧.
(٥) القراءات الشاذة ص ٦٥، والبحر ٣٤٥/٥.

الآية : ٩٤
٤٨٩
سُوَلاَ تُوسُفَ
وقد استأذنت الريحُ على ما روي عن أبي أيوب الهرويِّ(١) في إيصال عَرْفٍ
يوسفَ عليه السلام فأذن الله تعالى لها. وقال مجاهد: صَفَقت الريحُ القميصَ،
فراحت روائحُ الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوبَ عليه السلام، فوجد ريحَ الجنة،
فعُلِم أنه ليس في الدنيا من ريحها إلا ما كان من ذلك القميص، فقال ما قال.
ويُبْعِدُ ذلك الإضافةُ فإنها حينئذٍ لأدنى ملابسةٍ، وهي فيما قبل وإن كانت كذلك
أيضاً إلا أنَّها أقوى بكثير منها على هذا، كما لا يخفى.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾﴾ أي: تنسبوني إلى الفَنَد بفتحتين، ويستعمل بمعنى
الفساد(٢) كما في قوله:
إلا سليمانَ إذْ قالَ الإِلهُ له قُم في البرِيَّة فاحْدُدْها عن الفَنَد(٣)
وبمعنى ضَعفِ الرأي والعقل، من الهَرَمِ وكِبَرِ السنِّ، ويقال: فَنَّد الرجلَ: إذا
نسبه إلى الفَنَد، وهو على ما قيل مأخوذٌ من الفَنَد، وهو الحَجَرُ، كأنه جُعِل حَجَراً؛
لقلَّة فهمهِ، كما قيل:
فَكُن حَجَراً من يابِسِ الصَخْرِ جَلْمَدَا(٤)
إذا أنتَ لم تعشَقْ ولم تَدرِ مَا الھوَى
ثم اتُّسِع فيه، فقيل: فَتَّده: إذا ضعَّف رأيَه ولامَه على مَا فَعَل، قال الشاعر:
فليس ما قلتُ من أمرٍ بمردود(٥)
يا عاذَلَيَّ دَعًا لَومي وتفنيدي
وجاء: أفنَدَ الدهرُ فلاناً: أفسده، قال ابن مقبل :
دَع الدهرَ يَفعَلْ ما أراد فإنَّه
إذا كُلِّفَ الإفنادَ بالناسِ أَقْندَا (٦)
(١) أخرجه عنه الطبري ٣٣٢/١٣، وفيه: الهوزني، بدل: الهروي. ولم نقف على ترجمته.
(٢) في هامش (م): وجاء بمعنى الكذب، كما في ((الصحاح)). اهـ منه. ينظر الصحاح (فند).
(٣) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ٣٣، والخزانة ٤٠٥/٣، قال البغدادي: قوله:
فاحدُدْها، أي: امنع البَرِيَّة، والحد: المنع.
(٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة. وهو في ملحقات ديوانه ص ٤٨٩.
(٥) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٥٤٣/١، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣١٨/١
لهانئ بن شكيم العدوي، وهو دون نسبة في تفسير الطبري ٣٣٦/١٣، والنكت والعيون
٧٧/٣، والمحرر الوجيز ٢٧٩/٣، والبحر ٣٤٠/٥.
(٦) البيت بهذه الرواية في تفسير الطبري ٣٣٦/١٣، وتفسير القرطبي ٤٥٠/١١، والبحر ٣٤٠/٥،
=

سُوَرَةُ لُوسُفَ
٤٩٠
الآية : ٩٥
ويقال: شيخٌ مفنّدٌ: إذا فسد رأيه، ولا يقال: عجوزٌ مفنّدةٌ، لأنَّها لا رأيَ لها
في شبيبتها حتى يضعَّف. قاله الجوهريُّ وغيرُه من أهل اللغة(١). وذكره الزمخشريُّ
في ((الكشاف)) وغيره(٢)، واستغربه السمينُ(٣)، ولعلَّ وجهَه أنَّ لها عقلاً وإن كان
ناقصاً، يشتدُّ نقصُه بكبر السنّ. فتأمل.
وجواب ((لولا)) محذوفٌ، أي: لولا تفنيدُكم أيايَ لصدَّقْتُموني. أو: لقلتُ: إنَّ
يوسفَ قريبٌ مكانُه، أو لقاؤُه، أو نحو ذلك. والمخاطَبُ قيل: مَن بقي من ولده
غير الذين ذهبوا يمتارون، وهم كثير(٤). وقيل: ولدُ ولدِه ومَن كان بحضرته من
ذوي قرابته. وهو المشهور.
﴿قَالُواْ﴾ أي: أولئك المخاطبون: ﴿بَلَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ ﴾﴾ أي:
لفي ذهابِك عن الصواب قِدْماً بالإفراط في محبة يوسف والإكثار من ذكره والتوقّع
للقائه، وجَعَلَه فيه لتمكُّنه ودوامِه عليه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنَّ الضلالَ
هنا بمعنى الحبِّ(٥).
وقال مقاتل: هو الشقاء والعناء.
وقيل: الهلاك والذهاب، من قولهم: ضلَّ الماء في اللبن، أي: ذهب فيه وهلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير تفسيرَه بالجنون(٦). وهو مما لا يليق،
وكأنه لتفسيرِ بمثل ذلك قال قتادة: لقد قالوا كلمةً غليظةً لا ينبغي أن يقولها مثلُهم
لمثلِهِ عليه السلام، ولعلَّهم إنما قالوا ذلك لظنّهم أنَّه مات.
= وهو في ديوان ابن مقبل ص ٦٠ برواية: إذا كلِّفَ الإفساد بالناس أفسدا. ووقع في الأصل
و(م): ابن مقتل، بالتاء. وهو تصحيف. وابن مقبل هو تميم بن أبَيّ القيسي، كان أعور،
أدرك الجاهلية والإسلام، بلغ مئة وعشرين سنة. الخزانة ٢٣١/١.
(١) ينظر الصحاح، والقاموس (فند).
(٢) الكشاف ٣٤٣/٢، وأساس البلاغة (فند).
(٣) في الدر المصون ٦ / ٥٥٧ .
(٤) جملة: وهم كثير. ليست في الأصل.
(٥) نقله المصنف من الدر المنثور ٣٥/٤، وهو في تفسير الطبري ٣٤٢/١٣ و٣٤٣ عن قتادة
وسفيان وابن جريج.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ٢١٩٨/٧.

الآية : ٩٦
٤٩١
سُورَةُ مُوسُفَ
﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ﴾ قال مجاهد: هو يهوذا (١). رُوي أنه قال لإخوته: قد
علمتم أني ذهبتُ إلى أبي بقميصٍ التَّرحَة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفَرحة.
فتركوه. وفي روايةٍ عن ابن عباس أنه مالك بن ذعر. والرواية الشهيرةُ عنه ما تقدَّم،
و((أن)) صلةٌ وقد اطردت زيادتها بعد ((لمَّا)).
وقرأ ابن مسعود - وعُدَّ ذلك قراءةَ تفسيرٍ -: ((وجاء البشير من بين يَدَي العير))(٢).
﴿أَلْقَنْهُ﴾ أي: ألقى البشيرُ القميصَ ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: وجهِ يعقوب عليه
السلام. وقيل: فاعلُ ((ألقى)) ضميرُ يعقوب عليه السلام أيضاً. والأولُ أوفق بقوله:
(فألقُوه على وَجْهِ أَبي)) وهو يُبعد كونَ البشير مالكاً كما لا يخفى. والثاني قيل: هو
الأنسبُ بالأدب. ونُسب ذلك إلى فرقد، قال: إنه عليه السلام أخذه فشمَّه ثم
وضعه على بصره ﴿فَارْتَذَّ بَصِيرًا﴾ .
والظاهر أنَّه أريد بالوجه كلُّه، وقد جرت العادةُ أنه متى وَجد الإنسانُ شيئاً
يعتقد فيه البركةَ مسح به وجهَه. وقيل: عبَّر بالوجه عن العينين؛ لأنَّهما فيه. وقيل:
عبر بالكلِّ عن البعض.
و((ارتَدَّ) عند بعضهم من أخوات كان، وهي بمعنى صار، فـ ((بصيراً)) خبرُها.
وصحّح أبو حيان(٣) أنها ليست من أخواتها، فـ ((بصيراً)) حالٌ، والمعنى أنَّه رجع
إلى حالته الأولى من سلامة البصر.
وزعم بعضهم أنَّ في الكلام ما يُشعِر بأنَّ بصره صار أقوى مما كان عليه؛ لأنَّ
(فعيلاً)) من صِيَغ المبالغة، وما عُدل من ((مُفْعِلٍ)) (٤) إليه إلا لهذا المعنى. وتعقّب
بأنَّ ((فعيلاً)) هنا ليس للمبالغة، إذ ما يكون لها هو المعدولُ عن «فاعِلٍ»،
وأما (بصير)) هنا فهو اسم فاعل من بَصُر بالشيء، فهو جارٍ على قياس ((فَعُل)) نحو:
ظَرُف، فهو ظريف، ولو كان كما زعم بمعنى مُبصِر لم يكن للمبالغة أيضاً؛ لأنَّ
((فعيلاً)) بمعنى ((مُفعِل)) ليس للمبالغة نحو ((أليم)) و((سميع)).
(١) تفسير الطبري ٣٤٤/١٣.
(٢) تفسير الطبري ٣٤٥/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٩٩/٧.
(٣) في البحر ٣٤٦/٥.
(٤) في الأصل و(م): يفعل. وهو تحريف. والمثبت من البحر ٣٤٦/٥، والكلام منه.

سُؤَةُ أُوسُفَا
٤٩٢
الآية : ٩٦
وأيَّاما كان فالظاهر أنَّ عودَه عليه السلام بصيراً بإلقاء القميص على وجهه ليس
إلا من باب خرق العادة، وليس الخارقُ بِدعاً في هذه القصة.
وقيل: إنَّ ذاك لمَا أنَّه عليه السلام انتعش حتى قَوِي قلبُه وحرارتُه الغريزية
فأوصل نورَه إلى الدماغ وأدَّاه إلى البصر، ومن هذا الباب استشفاءُ العشّاق بما يُهُبُّ
عليهم من جهة أرض المعشوق كما قال:
يهُبُّ بها من نحوِ أرضكِ ريحُ(١)
وإني لأستَشْفِي بكلِّ غمامةٍ
وقال آخر :
تقرَّبتَ منَّا فاحَ نشرُكُ طِيبًا
ألا يا نسيمَ الصُّبح ما لك كُلَّما
فأعطَتْك رَيَّاها فجئت طَبِيبًا (٢)
كأنَّ سُلَیمی نُبِّئَت بسَقامِنا
إلى غير ذلك مما لا يُحصى، وهو قريبٌ مما سمعتَه آنفاً عن الإمام(٣).
هذا وجاء في بعض الأخبار أنَّه عليه السلام سأل البشيرَ: كيف يوسف؟ قال:
ملك مصر. فقال: ما أصنع بالملك، على أيِّ دينٍ تركتَه؟ قال: على الإسلام.
قال: الآن تمَّتِ النعمة(٤).
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: لمَّا جاء البشير إليه عليه السلام قال:
ما وجدتَ عندنا شيئاً، وما اختبزنا منذ سبعة أيام، ولكنْ هوَّن اللهُ تعالى عليك
سكرات الموت(٥). وجاء في رواية أنه قال له: ما أدري ما أثيبك اليومَ، ثم دعا له
بذلك.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً لمن كان عنده من قبل، أي: ألم
أقل لكم: أني لأجِدُ ريحَ يوسف. ويحتمل أن يكون خطاباً لبنيه القادمين، أي: ألم
(١) ذكره أبو حيان في البحر ٣٤٥/٥ دون نسبة.
(٢) البيتان في المدهش لابن الجوزي ص٤٦٨ باختلاف يسير.
(٣) سلف كلامه ص٤٨٧- ٤٨٨ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢١٩٩/٧ عن الحسن.
(٥) عزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٥/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٩٩/٧، عن لقمان
الحنفي.

الآية : ٩٧ - ٩٨
٤٩٣
سُؤَال ◌ُوسُف
أقل لكم: لا تيأسوا من رحمة الله .. وهو الأنسب بقوله: ﴿إِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ ﴾﴾ فإنَّ مدارّ النهي العلمُ الذي أُوتِيَه عليه السلام من جهة الله سبحانه.
والجملة على الاحتمالين مستأنفةٌ، وعلى الأخير يجوز أن تكون مقول القول،
أي: ألم أقل لكم حين أرسلتُكم إلى مصرَ وأمرتُكم بالتحسُّس، ونهيتُكم عن اليأس
من رَوحِ الله تعالى: إني أعلم من الله ما لا تعلمون من حياةٍ يوسف عليه السلام.
واستظهر في ((البحر)) (١) كونَها مقولَ القول، وهو كذلك .. ﴿قَالُواْ يَكَبَنَا اسْتَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا﴾ طلبوا منه عليه السلام الاستغفار، ونادوه بعنوان الأبوَّة؛ تحريكاً للعطف
والشفقةِ، وعلَّلوا ذلك بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا خَطِينَ ﴾﴾ أي: ومن حقِّ المعترف
بذنبه أن يُصفَح عنه ويُستغفَر له، وكأنَّهم كانوا على ثقةٍ من عفوه، ولذلك اقتصروا
على طلب الاستغفار وأدرَجوا ذلك في الاستغفار.
وقيل: حيث نادوه بذلك أرادوا: ومن حقِّ شفقتِك علينا أن تَستغفِرَ لنا، فإنَّه
لولا ذلك لكنَّا هالكين لتعمُّدِ الإثم، فمن ذا يرحمنا إذا لم ترحَمْنا. وليس بذاك.
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ روي عن ابن
عباس مرفوعاً أنَّه عليه السلام أخَّر الاستغفارَ لهم إلى السحر؛ لأنَّ الدعاءَ فيه
مستجابٌ(٢).
ورُوي عنه أيضاً كذلك أنه أخّره إلى ليلة الجمعة(٣)، وجاء ذلك في حديثٍ
طويلٍ رواه الترمذيُّ وحسّنه (٤).
وقيل: سوَّفهم إلى قيام الليل.
وقال ابن جبير وفرقة: إلى الليالي البيض، فإنَّ الدعاءَ فيها يُستجاب(٥). وقال
الشعبي: أخَّرِه حتى يسأل يوسف عليه السلام، فإن عفا عنهم استغفرَ لهم(٦).
(١) ٣٤٦/٥.
(٢) عزاه السيوطي في الدر ٣٦/٤ لأبي الشيخ وابن مردويه.
(٣) ورد في هامش (م): وفي رواية: إلى سحرها. اهـ منه.
(٤) سنن الترمذي (٣٥٧٠)، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٣١٦/١-٣١٧، وصححه.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٠/٣.
(٦) تفسير البغوي ٤٤٩/٢.

سُبَلٌ مُوسُفَ
٤٩٤
الآية : ٩٨
وقيل: أخَّر ليعلم حالَهم في صدق التوبة.
وتعقَّب بعضُهم بعض هذه الأقوال بأنّ ((سوف)) تأبى ذلك؛ لأنها أبلغُ من السين
في التنفيس، فكان حقُّه على ذلك السينَ. ورُدَّ بما في (المغني))(١) من أنَّ ما ذكر
مذهب البصريين، وغيرُهم يسوِّي بينهما .
وقال بعضُ المحقّقين(٢): هذا غيرُ واردٍ حتى يحتاج إلى الدفع؛ لأنَّ التنفيسَ
التأخيرُ مطلقاً ولو أقلّ من ساعةٍ، فتأخيرُه إلى السحر مثلاً ومضيُّ ذلك اليوم محلٌّ
للتنفیس بـ ((سوف)).
وقيل: أراد عليه السلام الدوامَ على الاستغفار لهم. وهو مبنيٌّ على أنَّ السين
وسوف يدلَان على الاستمرار في المستقبل، وفيه كلامٌ للنحويين. نعم جاء في
بعض الأخبار ما يدلُّ على أنه عليه السلام استمرَّ برهة من الزمان يستغفر لهم؛
أخرج ابن جرير عن أنس بن مالك قال: إنَّ الله تعالى لمَّا جمع شملَه بِبَنْه وأقرَّ عينَه
خلا ولده نجيًّا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم وما لقي منكم
الشيخُ وما لقي منكم يوسفُ؟ قالوا: بلى. قال: فيغرُّكم عفوُهما عنكم، فكيف لكم
بربِّكم؟ واستقام أمرُهم على أن أتوا الشيخَ فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنبه،
فقالوا: يا أبانا، أتيناك في أمرٍ لم نأتك في مثله قٌ، ونزل بنا أمرٌ لم ينزل بنا مثلُه.
حتى حرَّكوه والأنبياء عليهم السلام أرحمُ البرية، فقال: ما لكم يا بَنيّ؟ قالوا:
ألستَ قد علمتَ ما كان منا إليك وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قالا: بلى. قالوا:
أفلستما قد عفوتما؟ قالا: بلى. قالوا: فإنَّ عفوَكما لا يُغني عنا شيئاً إن كان اللهُ
تعالى لم يعفُ عنا. قال: فما تريدون يا بنيَّ؟ قالوا: نريد أن تدعو الله سبحانه،
فإذا جاءك الوحيُّ من عند الله تعالى بأنَّه قد عفا عما صنعنا قرَّت أعينُنا واطمأنت
قلوبُنا، وإلا فلا قُرَّةَ عينٍ في الدنيا لنا أبداً. قال: فقام الشيخُ فاستقبل القبلةَ وقامَ
يوسفُ عليه السلام خلفه، وقاموا خلفهما أذلَّةً خاشعين، فدعا وأمَّن يوسف، فلم
يُجَب فيهم عشرين سنةً حتى إذا كان رأسُ العشرين نزل جبريلُ على يعقوب
عليهما السلام فقال: إنَّ الله تعالى بعثني أبشِّرك بأنَّه قد أجاب دعوتك في ولدك،
(١) ص١٨٤، والكلام من حاشية الشهاب ٢٠٦/٥.
(٢) هو الشهاب في الحاشية ٢٠٦/٥.

الآية : ٩٨
٤٩٥
سُؤَُّ لُوسُفَ
وأنَّه قد عفا عما صنعوا، وأنه قد عقد مواثيقَهم من بعدك على النبوة(١).
قيل: وهذا - إن صحَّ - دليلٌ على نبؤَّتهم، وأنَّ ما صدر منهم كان قبل
استنبائهم. والحقُّ عدم الصحة، وقد مرَّ تحقيقُ المقام بما فيه كفاية. فتذكَّر(٢).
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عائشة قال: ما تِيبَ على ولدٍ يعقوب إلا بعد عشرين
سنة، وكان أبوهم بين يديهم، فما تيب عليهم حتى نزل جبريل عليه السلام فعلَّمه
هذا الدعاءَ: يا رجاءَ المؤمنين لا تقطع رجاءَنا، يا غياثَ المؤمنين أغثنا، يا معينَ
المؤمنين أعنًّا، يا محبَّ التوَّابين تُبْ علينا. فأخّره إلى السحر، فدعا به، فتيب
(٣)
عليهم(٣) .
وأخرج أبو عبيد وغيره عن ابن جريج أنَّ ما سيأتي ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الآية: ٩٩]
متعلّقٌ بهذا، وهو من تقديم القرآن وتأخيره، والأصل: سوف أستغفِرُ لكم ربِّي إن
شاء الله (٤). وأنت تعلم أن هذا مما لا ينبغي الالتفاتُ إليه، فإنَّ ذاك من كلام
يوسف عليه السلام بلا مرية، ولا أدري ما الداعي إلى ارتكابه، ولعلَّه محضُ
الجهل.
واعلم أنَّه ذَكَر بعضُ المتأخرين في الكلام على هذه الآية أنَّ الصحيحَ أنَّ
((اسْتَغْفَرَ)) متعدٍّ إلى مفعولين، يقال: استغفرتُ اللهَ الذنبَ، وقد نصَّ على ذلك ابنُ
هشام(٥)، وقد حُذِف من ((استَغْفِر لنا)) أولُهما، وذُكِر ثانيهما، وعُكِسَ الأمرُ في
(١) تفسير الطبري ٣٦٧/١٣-٣٦٨، وهو من طريق صالح المري عن يزيد الرقاشي، عن أنس.
قال ابن كثير عند تفسير الآية (١٠١) من هذه السورة: هذا الأثر موقوف على أنس، ويزيد
الرقاشي وصالح المري ضعیفان جدًّا.
(٢) ينظر ص٢٠٦ وما بعد من هذا الجزء.
(٣) عزاه لأبي الشيخ السيوطيُّ في الدر ٣٧/٤، وورد في هامش الأصل ما نصه: وأخرج
أبو الشيخ عن الحسن أنَّ يوسفَ عليه السلام حدَّث أباه بما صنعوا، فَغُشِي عليه، فلمَّا أفاق
قال: يا بنيَّ، أما لكم موقفٌ بين يدي الله تعالى تخافون أن يسألكم عمّا صنعتم؟ قالوا: قد
كان ذلك فاستغفر لنا ... إلخ. وفيه أيضاً أنَّه غُفِر لهم بعد عشرين سنةً. اهـ منه. وعزاه
لأبي الشيخ السيوطيُّ في الدر ٣٧/٤.
(٤) الدر المنثور ٣٧/٤، وهو في تفسير الطبري ٣٥١/١٣.
(٥) في شرح شذور الذهب ص ٤٧٨-٤٧٩ .

سُوَلُ نُوسُفَ
٤٩٦
الآية : ٩٩
((سوف أستَغْفِرُ))، ولعلَّ السرَّ - والله سبحانه أعلم - أنَّ حذفَ الأوَّلِ من الأول لإرادة
·التعميم، أي: استَغْفِر لنا كلَّ مَن أذنَبْنا في حقِّه. ليشملَه سبحانه وتعالى، ويشملُ
يوسفَ وبنيامين وغيرهما، ولم يُحذَف الثاني أيضاً تسجيلاً على أنفسهم باقتراف
الذنوب؛ لأنَّ المقامَ مقامُ الاعتراف بالخطأ والاستعطافِ لمَا سلف، فالمناسبُ هو
التصريحُ.
وأما إثباتُه في الثاني فلأنَّه الأصلُ، مع التنبيه على أنَّ الأهمَّ الذي ينبغي أن
يُصرَف إليه الهمُّ ويُمحَض له الوجهُ هو استغفارُ الربِّ واستجلاب رضاه، فإنَّه
سبحانه إذا رضي أرْضَى، على أنَّ يوسف وأخاه قد ظهرت منهما مخايلُ العفو
وأدركتهما رقَّةُ الأُخوَّة. وأما حذف الثاني منه فللإيجاز لكونه معلوماً من الأول مع
قُرب العهد بذکره. اهـ.
ولعلَّ التسويفَ على هذا ليزدادَ انقطاعُهم إلى الله تعالى فيكونُ ذلك أرجى
لحصول المقصود، فتأمل.
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ﴾ رُوي أنه عليه السلام جهّز إلى أبيه جهازاً ومئتي
راحلةٍ ليتجهّز إليه بمن معه. وفي التوراة أنه عليه السلام أعطى لكلٍّ من إخوته
خلعةً، وأعطى بنيامين ثلاث مئة درهم وخمسَ خلع، وبعث لأبيه بعشرة حمير
موقَّرة بالتُّحَف، وبعشرة أخرى موقَّرة بُرّاً وطعاماً(١).
وجاء في بعض الأخبار أنه عليه السلام خرج هو والملك(٢) في أربعة آلافٍ من
الجند والعظماء وأهل مصرَ بأجمعِهم لاستقباله، فتلقَّوه عليه السلام وهو يمشي
يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، أهذا فرعونُ مصر؟
قال: لا يا أبتِ، ولكن هذا ابنُك يوسف، قيل له: إنك قادمٌ. فتلقَّاك بما ترى. فلمَّا
لقيه ذهب يوسف عليه السلام ليبدأه بالسلام، فمَنَع ذلك ليعلم أنَّ يعقوبَ أكرم
على الله تعالى منه، فاعتنقه وقبَّله وقال: السلام عليك أيها الذاهبُ بالأحزان عني.
(١) العهد القديم، سفر التكوين ص ١٣٩.
(٢) ورد في هامش (م): قيل: يقتضي أنَّه عليه السلام لم يكن ملكاً، وإنما كان على خزائنه
كالعزيز. والرواية مختلفةٌ فيه، فإنه قيل: إنه تَسَلْطَنَ. وهو المشهور. اهـ منه.

الآية : ٩٩
٤٩٧
سُؤَةٌ مُوسُفَ
وجاء أنه عليه السلام قال لأبيه: يا أبتِ، بكيتَ عليَّ حتى ذهب بصرُك، ألم تعلم
أنَّ القيامة يجمعنا؟ قال: بلى، ولكن خشيتُ أن تُسلَب دينَك فيحال بيني وبينك(١).
وفي الكلام إيجازٌ، والتقديرُ: فرحل يعقوبُ عليه السلام بأهله وساروا حتى
أتوا يوسفَ، فلمَّا دخلوا عليه وكان ذلك - فيما قيل - يوم عاشوراء ﴿ءَاوَىَ إِلَيْهِ
أَبَوَيْهِ﴾ أي: ضمَّهما إليه واعتنقهما، والمرادُ بهما أبوه وخالته: ليا(٢). وقيل:
راحيل. وليس بذاك، والخالة تنزَّل منزلة الأمِّ؛ لشفقتها، كما ينزَّل العمُّ منزلةً
الأب، ومن ذلك قوله: ﴿وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
وقيل: إنه لما تزوَّجها بعد أمِّه صارت رابَّةً ليوسف عليه السلام، فنزلت منزلة
الأمِّ لكونها مثلَها في زوجية الأب وقيامِها مقامَها، والرابَّة تُدعى أمَّا وإن لم تكن
(٣)
خالةً. ورُوي هذا عن ابن عباس .
وقال بعضهم: المراد أبوه وجدَّته أمُّ أمِّه. حكاه الزهراويُّ(٤).
وقال الحسن وابن إسحاق: إنَّ أمَّه عليه السلام كانت بالحياة(٥). فلا حاجةً
إلى التأويل لكن المشهور أنها ماتت في نفاس بنيامين.
وعن الحسن وابن إسحاق القولُ بذلك أيضاً إلا أنهما قالا: إنَّ الله تعالى
أحياها له ليصدِّقَ رؤياه(٦). والظاهر أنه لم يثبت، ولو ثبت مثلُه لاشتهر.
وفي مصحف عبد الله: ((آوَى إليه أبَوَيهِ وَإِخْوَتَه))(٧) .
﴿وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ﴾ وكأنه عليه السلام ضَرب في الملتقى خارجَ البلد مضرباً
فنزل فيه، فدخلوا عليه فيه، فآواهما إليه ثم طلب منهم الدخولَ في البلدة، فهناك
دخولان: أحدُهما دخولٌ عليه خارجَ البلدة. والثاني دخولٌ في البلدة.
(١) تفسير البغوي ٤٤٩/٢-٤٥٠، وتفسير أبي السعود ٣٠٦/٤.
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٥٠ .
(٣) البحر المحيط ٣٤٧/٥.
(٤) المصدر السابق.
(٥) تفسير الطبري ٣٥٢/١٣، والنكت والعيون ٨٢/٣، وزاد المسير ٢٨٨/٤.
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٤٥٠ دون نسبة. وتفسير القرطبي ٤٥٤/١١.
(٧) المحرر الوجيز ٢٨١/٣، والبحر ٣٤٧/٥.

سُؤَةُ ◌ُوسُفَ
٤٩٨
الآية : ١٠٠
وقيل: إنَّهم إنما دخلوا عليه عليه السلام في مصر، وأراد بقوله: ((ادخُلُوا
مِصْرَ)): تمكَّنوا منها واستقرُّوا فيها .
﴿إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ﴾ أي: من القحط وسائرِ المكاره، والاستثناء على
ما في ((التيسير)) داخلٌ في الأمن، لا في الأمر بالدخول؛ لأنَّه إنَّما يدخل في الوعد
لا في الأمر(١).
وفي ((الكشاف)) أنَّ المشيئةَ تعلَّقت بالدخول المكيّف بالأمن؛ لأنَّ القصدَ إلى
اتصافهم بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل: اسْلَمُوا وأُمَنوا في دخولكم إن شاء الله
والتقدير: ادخلوا مصرَ آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين. فحُذِف الجزاء لدلالة
الكلام، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال(٢). اهـ.
وكأنه أشار بقوله: فكأنه قيل ... إلخ إلى أنَّ في التركيب معنى الدعاء، وإلى
هذا ذهب العلامة الطيبيُّ. وقال في ((الكشف)): إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الكيفيةَ
مقصودةٌ بالأمر، كما إذا قلت: ادخل ساجداً. كنتَ آمراً بهما، وليس فيه إشارةٌ إلى
أنَّ في التركيب معنى الدعاء، فليس المعنى على ذلك. والحقُّ مع العلّامة
کما لا يخفى.
وزعم صاحب ((الفرائد)) أنَّ التقديرَ: ادخُلُوا مِصرَ إن شاء الله دخلتم آمنين.
فـ (آمنين)) متعلّقٌ بالجزاء المحذوفِ، وحينئذٍ لا يفتقر إلى التقديم والتأخير وإلى أن
يجعل الجزائيةَ معترضةً.
وتعقِّب بأنه لا ارتيابَ في أنَّ هذا الاستثناءَ في أثناء الكلام كالتسمية في
الشروع فيه للتيمُّنِ والتبرُّكِ واستعماله مع الجزاء كالشريعة المنسوخة، فحسن موقعه
في الكلام أن يكونَ معترضاً. فافهم.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ عند نزولهم بمصر ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ على السرير، كما قال ابن
عباس ومجاهد وغيرهما(٣)، تكرمةً لهما فوقَ ما فعله بالإخوة ﴿وَخَرُواْ لَهُ﴾ أي:
(١) نقله المصنف من حاشية الشهاب ٢٠٦/٥.
(٢) الكشاف ٣٤٤/٢.
(٣) تفسير الطبري ٣٥٣/١٣-٣٥٤، وهو قول السدي والضحاك أيضاً.

الآية : ١٠٠
٤٩٩
سُؤَ اُ لُوسُفَ
أبواه وإخوَتُه. وقيل: الضميرُ للإخوة فقط. وليس بذاك، فإن الرؤيا تقتضي أن
یکونَ الأبوان والإخوة خَرُّوا له.
﴿سُتَّ﴾ أي: على الجباه، كما هو الظاهر، وهو كما قال أبو البقاء حالٌ
مقدَّرة؛ لأنَّ السجودَ يكون بعد الخرور(١) .
وكان ذلك جائزاً عندهم، وهو جارٍ مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة
وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير، قال قتادة: كان
السجودُ تحيةَ الملوك عندهم، وأعطى الله تعالى هذه الأمة السلامَ، تحيةَ أهل
الجنة؛ كرامةً منه تعالى عَجَّلها لهم(٢).
وقيل: ما كان ذلك إلا إيماءً بالرأس.
وقيل: كان كالركوع البالغ دون وضع الجبهة على الأرض. وقيل: المراد به
التواضُع، ويراد بالخرور المرورُ كما في قوله تعالى: ﴿وَِّنَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِتَابَتٍ
رَبِّهِمْ لَمْ يَخِزُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] فقد قيل: المراد: لم يمرُّوا عليها
كذلك. وأنتَ تعلم أنَّ اللفظَ ظاهرٌ في السقوط.
وقيل - ونسب لابن عباس -: إنَّ المعنى: خرُّوا لأجل يوسف، سُجَّداً لله شكراً
على ما أوزَعَهم من النعمة .
وتعقِّب بأنه يردُّه قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ يَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ﴾ إذا فيها ﴿رَأَيْنُهُمْ لِ
سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. ودُفع بأنَّ القائلَ به يجعل اللامَ للتعليل فيهما.
وقيل: اللام فيهما بمعنى ((إلى)) كما في: صلَّى للكعبة؛ قال حسان:
عن هاشِمِ ثُمَّ منها عن أبي حَسَنِ
ما كنتُ أعرِفُ أنَّ الدهرَ منصرفٌ
وأعرفَ الناسِ بالأشياءِ والسُّنَنِ(٣)
أليس أوَّلَ مَن صلَّى لقبلَتِكُم
وذكر الإمام(٤) أنَّ القولَ بأنَّ السجودَ كان لله تعالى لا ليوسف عليه السلام،
(١) الإملاء ٣٦١/٣.
(٢) أخرجه الطبري ٣٥٥/١٣، وابن أبي حاتم ٢٢٠٢/٧.
(٣) البيتان في التفسير الكبير ٢١٢/١٨، والبحر ٣٤٨/٥، ولم نقف عليه في ديوان حسان.
(٤) في التفسير الكبير ٢١٢/١٨ .

سُؤدُّ لُوسُفَ)
٥٠٠
الآية : ١٠٠
حسنٌّ، والدليل عليه أنَّ قولَه تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ، سُبَّدًا) مُشعِرٌ
بأنهم صعدوا ثم سجدوا، ولو كان السجودُ ليوسف عليه السلام كان قبلَ الصعود
والجلوس؛ لأنَّه أدخلُ في التواضع، بخلافِ سجودِ الشكرِ لله تعالى. ومخالفةٌ
ظاهرِ الترتيب ظاهرُ المخالفة للظاهر، ودَفَع ما يَرِدُ عليه مما علمتَ بما علمتَ، ثم
قال: وهو متعيَّنٌ عندي؛ لأنَّه يَبَعُد من عقل يوسف عليه السلام ودينه أن يرضى بأن
يسجُدَ له أبوه، مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدينٍ وكمالٍ
النبوة(١).
وأجيب بأنَّ تأخيرَ الخرور عن الرفع ليس بنصٍّ في المقصود؛ لأنَّ الترتيبَ
الذكريَّ لا يجب كونُه على وفق الترتيب الوقوعيِّ، فلعلَّ تأخیرَه عنه لیتصلَ به ذکرُ
كونه تعبيراً لرؤياه وما يتصل به. وبأنَّه يحتمل أن يكونَ اللهُ تعالى قد أمر يعقوبَ
بذلك لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو، وكان يوسفُ عليه السلام عالماً بالأمر فلم يسعه
إلا السكوتُ والتسليم، وكأنَّ في قوله: ((يا أبتِ)) إلخ إشارةٌ إلى ذلك، كأنه يقول:
يا أبتِ، لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك، إلَّا
أنَّ هذا أمرٌ أُمِرتَ به وتكليفٌ كُلِّفْتَ به، فإنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ كما أنَّ رؤيا إبراهيم
ذبحَ ولده صار سبباً لوجوب الذبح في اليقظة، ولذا جاء عن ابن عباس .
أنَّه
عليه السلام لمَّا رأى سجودَ أبويه وإخوتَه له، هَالَه ذلك واقشعرَّ جلدُه منه(٢) .
ولا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب عليه السلام،
كأنه قيل له: أنت كنتَ دائمَ الرغبة في وصاله والحزن على فراقه، فإذا وجدتَه
فاسجد له.
ويحتمل أيضاً أنه عليه السلام إنما فعله مع عظم قدْرِهِ لتَتْبَعَه الإخوةُ فيه؛ لأنَّ
الأنفة ربما حملتهم على الأنفة منه، فيجُرُّ إلى ثوران الأحقاد القديمة وعدم عقْوِ
يوسف عليه السلام.
ولا يخفى أنَّ الجواب عن الأوَّل لا يفيد لِمَا علمت أنَّ مبناه موافقةُ
(١) المصدر السابق.
(٢) البحر المحيط ٣٤٨/٥.