Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ٢٢
٢٦١
سُورَةُ تُوسُفَ
الثاني فلأنَّ معناه أنه الغالب على أمره يتولَّاه بلطيفٍ صُنْعِه وجزيل إحسانه، وإذا
جاء نهرُ الله تعالى بطل نهر معقلٍ، فأين يقع كيدُ الإخوة وغيرِهم كامرأة العزيز
موقعه؟ فهو کقوله:
وعلامَ أركبُه إذا لم أَنزلِ
من سابقه، أعني :
فدَعَوْا نَزَالِ فكنتُ أولَ نازلٍ (١)
والآيةُ على الأول صريحةٌ في مذهب أهل السنة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أنَّ الأمر كذلك فيما يأتون ويذرون
زعماً منهم أنَّ لهم من الأمر شيئاً، وأنَّى لهم ذلك؟! وأنَّ الأمر كلَّه لله عز وجل.
أو: لا یعلمون لطائفَ صنعه وخفايا فضله.
والمراد بـ ((أكثر الناس)) قيل: الكفار، ونُقل ذلك عن ابن عطية(٢). وقيل: أهلُ
مصرَ. وقيل: أهلُ مكةً. وقيل: الأكثرُ بمعنى الجميع، والمراد أنَّ جميع الناس
لا يطلعون علی غیبه تعالی.
والأولى أن يبقى على ما يتبادرُ منه، ولا يُقتَصَرَ في تفسيره على ما تضمَّنته
الأقوال قبلُ، بل يراد به مَن نُفي عنه العلم بما تقدَّم كائناً ما كان، ولا يَبْعُدُ أن
يندرج في عمومه أهلُ الاعتزال.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ,﴾ أي: بلغ زمانَ انتهاءِ اشتدادِ جسمه وقوَّته، وهو سنُّ الوقوف
عن النموِّ المعتدّ به، أعني ما بين الثلاثين والأربعين، وسئل القاضي النحويُّ مهذَّب
الدين محمد بن علي بن علي، أبو طالب الخيمي(٣) عنه، فقال: هو خمسٌ وثلاثون
سنةً وتمامُه أربعون.
(١) البيت لربيعة بن مقروم الضبيِّ، كما في الأغاني ١٠٣/٢٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي
١/ ٦٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٣١/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٩٢/٥.
(٣) الحلِّي العراقي الأديب الشاعر المعمَّر، نزيل مصر، من مصنفاته: حروف القرآن، وأمثال
القرآن، وكتاب إسطرلاب الشعر، وكتاب المطاول في الرد على المعري، وغيرها، توفي

سُؤَةُ بُوسُفَ
٢٦٢
الآية : ٢٢
وقال الزجَّاج: هو سبعةً عَشَرَ عاماً إلى نحو الأربعين(١).
وعن مجاهد وقتادة - ورواه ابنُ جبير عن ابن عباس - أنه ثلاثةٌ وثلاثون، أو
ثلاثون، أو واحدٌ(٢) وعشرون.
وقال الضحاك: عشرون. وحَكَى ابنُ قتيبة أنه ثمان وثلاثون(٣).
وقال الحسن: أربعون، والمشهورُ أنَّ الإنسان يقف جسمُه عن النموِّ إذا بلغ
ذلك، وإذا وقف الجسم وقفت القوى والشمائل والأخلاق، ولذا قيل:
إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكن
له دون ما يَهْوَى حياءٌ ولا سترُ
وإنْ جرَّ أسباب الحياة له العمرُ(٤)
فدَعْهُ ولا تَنْفِسْ علیه الذي مضى
وقيل: أقصى الأشُدِّ اثنان وستون. وإلى كون الأشدِّ منتهى الشباب والقوة قبل
أن يؤخذ في النقصان ذهب أبو عبيدة(٥) وغيرُه من ثقات اللغويين، واستظهره بعضُ
المحققين.
وهو عند سيبويه جمعٌ واحدُه شِدةٌ، كنعمةٍ وأَنْعُم(٦). وقال الكسائي والفراء:
إنه جمع شَدِّ، نحو صَكِّ وأَصُكٌّ، وفلسٍ وأَقْلُس(٧)، وهذا على ما ذكر أبو حاتم
= سنة (٦٤٢هـ). وفيات الأعيان ٣٠٩/١، والوافي بالوفيات ١٨١/٤، وهدية العارفين ١٢١/٢.
ووقع في الأصل و(م) والبحر ٢٩٢/٥ (والكلام منه): ابن أبي طالب، بدل: أبو طالب،
والمثبت من المصادر.
(١) معاني القرآن للزجاج ٩٩/٣.
(٢) في (م): أحد.
(٣) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢١٥، والبحر ٢٩٢/٥.
(٤) البيتان ينسبان للأقيشر (واسمه المغيرة بن الأسود) ولأيمن بن خريم، كما في معجم البلدان
١٢٠/٢-١٢١، ونسبهما للأول ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢/ ٥٦٢، والثاني ابن عطية في
المحرر الوجيز ٥/ ٩٧.
(٥) في مجاز القرآن ٣٠٥/١.
(٦) الكتاب ٥٨١/٣-٥٨٢، والكلام من البحر ٢٩٢/٥.
(٧) ذكره عن الكسائي النحاس في إعراب القرآن ٣٢١/٢، وأبو حيان في البحر ٢٩٢/٥، وعن
الفراء ابن الأنباري في المذكر والمؤنث ١٣/٢ .

الآية : ٢٢
٢٦٣
سُوَلُ بُوسُفَ
يوجبُ أن يكون مؤنَّئاً؛ لأنَّ كلَّ جمعٍ على أَفْعُلٍ مؤنَّكٌ(١).
وعن أبي عبيدةً (٢) أنه لا واحدَ له مِن لَفْظِه عند العرب. وقال الفرَّاء(٣): أهلُ
البصرة يزعمون أنه اسمُ واحدٍ، لكنه على بناءٍ ندر من المفردات، وقلَّما رأينا اسماً
على أَفْعُلٍ إلَّا وهو جمعٌ.
﴿وَتَيْنَهُ حُكْمًا﴾ أي: حكمةً، وهي في لسان الشرع العلمُ النافعُ المؤيَّدُ بالعمل؛
لأنه بدونه لا يُعتدُّ به، والعملُ بخلافِ العلم سَفَةٌ. أو: حُكْماً بين الناس.
﴿وَعِلْمَأْ﴾ يعني علمَ تأويل الرؤيا، وخُصَّ بالذكر لأنه غيرُ داخلٍ فيما قبله، أو
أُفرد بالذكر لأنه مما له شأنٌ وليوسفَ عليه السلامُ به اختصاصٌ تامٌّ، كذا قيل.
وفسَّر بعضهم الحكمةَ بالنبوَّة والعلمَ بالتفُّه في الدين.
وقيل: الحكمةُ حبسُ النفس عن هواها وصونُها عما لا ينبغي، والعلمُ هو
العلم النظري.
وقيل: أراد بالحكمة الحكمَ بين الناس، وبالعلم العلمَ بوجوه المصالح فإنَّ
الناس كانوا إذا تحاكموا إلى العزيز أَمَرَه بأن يحكم بينهم لِمَا رأى من عقله وإصابته
في الرأي.
وعن ابن عباس أنَّ الحكم النبوّةُ، والعلمَ الشريعةُ.
وتنكيرُهما للتفخيم، أي: حُكماً وعلماً لا يُكْتَنَه كُنْهُهما، ولا يقادَرُ قَدْرُهما.
وتعقِّب كونُ المراد بالعلم العلمَ بتأويل الأحاديث بأنَّ قوله سبحانه: ﴿وَكَلِكَ﴾
أي: مثل ذلك الجزاء العجيب ﴿نَجْزِىِ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ أي: كلَّ مَن يُحْسِنُ في
علمه، يأباه لأنَّ ذلك لا يصلحُ أن يكون جزاءً لأعماله الحسنة التي من جملتها
معاناةُ الأحزان والشدائد، إلا أن يُخصَّ بعلم تأويل رؤيا الملك؛ فإنَّ ذلك حيث
(١) المذكر والمؤنث لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني ص١٧١ .
(٢) في (م): وزعم عن أبي عبيدة، وفي البحر ٢٩٢/٥: وزعم أبو عبيدة، وكلامه في مجاز
القرآن ١/ ٣٠٥.
(٣) كما في المذكر والمؤنث لأبي بكر بن الأنباري ٢/ ١٢ .

سُوُدَّةٌ تُوسُفَ
٢٦٤
الآية : ٢٣
كان عند تَنَاهي أيام البلاء صحَّ أن يُعدَّ إيتاؤه من جملة الجزاء، وأمَّا رؤيا صاحبي
السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في السجن بضعَ سنين.
وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعارٌ بعلِّيةِ الإحسان له، وتنبيهٌ على أنه
تعالى إنما آتاه ما آتاه لكونه محسناً في أعماله، متقناً في عنفوان أمره، ومن هنا قال
الحسن: مَن أحسن عبادةَ الله سبحانه في شبيبته آتاه الله تعالى الحكمة في اكتهاله.
واستشكل ما أفاده تعليقُ الحكم بالمشتقِّ من العلِّيةِ على تقديرٍ أن يراد من
الحكمة العلمُ المؤيّدُ بالعمل مثلاً؛ بأنَّ إحسان العمل لا يكون إلا بعد العلم به،
فلو كان العلم المؤيَّد به مثلاً علةً للإحسان بذلك لزم الدور.
وأجيب بأنَّ إحسان العمل يمكن أن يكون بطريقٍ آخر كالتقليد والتوفيق الإلهي،
فيكون سبباً للعلم به عن دليلٍ عقليٍّ أو سمعيٍّ، أو المراد الأعمال الغيرُ المتوقّفةِ
على السمع، فيكون ذلك السبب للعلم بما شرع له من الأعمال.
وقال بعض المحققين: الظاهرُ تغايُرُ العِلْمين كما في الأثر ((مَن عَمِلَ بما عَلِمَ
يسَّر الله تعالى له عِلْمَ ما لم يَعْلَمْ)) (١). وعن الضحاك تفسير ((المحسنين)) بالصابرين
على النوائب.
﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِ بَيْنِهَا﴾ رجوعٌ إلى شرح ما جرى عليه عليه السلام في منزل
العزيز بعد ما أَمَر امرأته بإكرام مثواه، وقولُه سبحانه: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) إلى
هنا اعتراضٌ جيء به أنموذجاً للقصة ليعلم السامعُ من أول الأمر أنَّ ما لقيه عليه
السلام من الفتن التي ستُحْكَى بتفاصيلها له غايةٌ جميلةٌ وعاقبةٌ حميدة، وأنه عليه
السلام محسنٌ في أعماله لم يصدر عنه ما يُخِلُّ بنزاهته.
والمراودة: المطالبةُ برفقٍ، من راد يَرُود: إذا ذهب وجاء لطلب شيءٍ(٢)، ومنه
الرائدُ لطالب الكلأ والماء. وباعتبارِ الرفق قيل: رادت الإبلُ في مشيتها تَرُود
رَوَداناً، ومنه بُني المِرْوَدُ، ويقال: أَرْوَدَ يُرْوِدْ إذا رفق، ومنه بني رُوَيْدَ. والإرادةُ
منقولةٌ من راد يَرُودُ: إذا سعى في طلب شيءٍ.
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٥/١٠، وسلف ١٠٦/١ و٣٠١. وينظر الكلام عليه ثمة.
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): وزعم بعضهم أن ما هنا من الرويد، وهو الرفق والتحمل،
فافهم. اهـ منه.

الآية : ٢٣
٢٦٥
سُوٌَّلُ لُوسُفَ
وهي مفاعلةٌ من واحدٍ، نحو: مطالبة الدائن، ومماطلة المديون، ومداواة
الطبيب، وغيرِ ذلك مما يكون من أحد الجانبين الفعلُ ومن الآخر سببُه، فإنَّ هذه
الأفعال وإن كانت صادرةً عن أحد الجانبين، لكنْ لَمَّا كانت أسبابُها صادرةً عن
الجانب الآخر جُعلت كأنها صادرةٌ عنهما، قال شيخ الإسلام(١): وهذا بابٌ لطيفُ
المسلك مبنيٌّ على اعتبارٍ دقيق، تحقيقُه: أنَّ سبب الشيء يقوم مقامه ويُطلق عليه
اسمُه، كما في قولهم: كما تدين تُدان(٢)، أي: كما تَجْزِي تُجْزَى، فإنَّ فِعْلَ البادئ
وإن لم يكن جزاءً لكنَّه لكونه سبباً للجزاء أُطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى
الصلاة وإرادةُ قراءة القرآن حيث كانتا سبباً للقيام والقراءةِ عبِّر عنهما بهما، فقيل:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْانَ﴾ [النحل: ٩٨] وهذه قاعدةٌ
مطّردةٌ مستمرةٌ، ولَمَّا كانت أسبابُ الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرةً عن
الجانب المقابل لجانب فاعلها، فإنَّ مطالبة الدائن للمماطلة التي هي من جانب
الغريم، وهي منه للمطالبة التي من جانب الدائن، وكذا مداواةُ الطبيب للمرض
الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتُها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه
السلام نزل صدورها عن محالِّها بمنزلة صدور مسيِّياتها التي هي تلك الأفعال، فبنى
الصيغة على ذلك وروعي جانبُ الحقيقة بأنْ أُسْنِدَ الفعلُ إلى الفاعل وأُوقع على
صاحب السبب، فتأمل. اهـ، وكأنه أشار بالأمر بالتأمُّل إلى ما فيه مما لا يخفى
علی ذويه.
وفي ((الكشف)): المراودةُ منازعةٌ في الرود، بأن يكون له مقصدٌ مجيئاً وذهاباً
وللمُفاعِلِ مقصدٌ آخَرُ يقابله فيهما، ومعنى المفاعلة هاهنا إمَّا المبالغةُ في رودها، أو
الدلالةُ على اختلافهما فيه، فإنها طلبت منه الفعلَ وهو طلب منها الترك، وهذا
أبلغُ، ولما كان منازعةً جيء بـ ((عن)) في قوله تعالى: ﴿عَن نَّفْسِةٍ،﴾ كما تقول:
جاذبته عن كذا، دلالةً على الإبعاد وتحصيلِ الجذب البالغ، ولهذا قال في
((الأساس)): ومن المجاز: راوَدَه عن نفسه: خادَعَه عنها(٣).
(١) في تفسيره ٤/ ٢٦٤، وما قبله منه.
(٢) قطعة من حديث أخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٦٢) من طريق أبي قلابة عن النبي وَلغير مرسلاً،
وسلف ١/ ١٨٣.
(٣) أساس البلاغة (رود).

سُورَةُ بُوسُفَ
٢٦٦
الآية : ٢٣
وقال الزمخشريُّ هنا: أي: فعلتْ ما يفعلُ المخادع بصاحبه عن الشيء الذي
لا يريد أن يُخْرِجه من يده(١). ولا شكَّ أن هذا إنما يحصل من المنازعة في الرود،
ولهذه النكتة جُعِلَ كنايةً عن التمخُّل لموافقته(٢) إياها .
والعدولُ عن التصريح باسمها للمحافظة على الستر ما أمكن، أو للاستهجان
بذكره. وإيرادُ الموصول دون امرأة العزيز - مع أنه أخصر وأظهرُ - لتقرير المراودة؛
فإنَّ كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك(٣)، ولإظهارِ كمالِ نزاهته عليه السلام، فإنَّ
عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها، واستعصائه عليها مع كونه تحت يدها،
ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العقَّة.
وإضافةُ البيت إلى ضميرها لِمَا أنَّ العرب تضيفُ البيوت إلى النساء باعتبارٍ
أنَّهنَّ القائماتُ بمصالحه أو الملازماتُ له، وخرِّج على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى
بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكثر في كلامهم: صاحبة البيت، وربَّةُ البيت، للمرأة،
ومن ذلك:
يا ربَّةَ البيت قومي غيرَ صاغرةٍ(٤)
﴿وَغَلَّقَتِ اٌلْأَبْوَبَ﴾ أي: أبواب البيت، وتشديدُ الفعل للتكثير في المفعول إن
قلنا: إن الأبواب كانت سبعةً كما قيل، فإنْ لم نقل به فهو لتكثير الفعل فكأنه غلِّق
مرةً بعد مرة، أو بمغلاقٍ بعد مغلاقٍ، وجمعُ ((الأبواب)) حينئذ إمَّا لجعل كلِّ جزءٍ
منه كأنه بابٌ، أو لجعل تعدُّدِ إغلاقه بمنزلة تعدُّده، وزعم بعضُهم أنه لم يُغْلَقْ
إلا بابان: بابُ الدار، وبابُ الحجرة التي هما فيها .
(١) الكشاف ٢/ ٢١١.
(٢) في الأصل: لمواقعته.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): وقيل لواحدةٍ: ما حملكِ على ما أنتِ عليه مما لا خير فيه؟
قالت: قربُ الوساد. اهـ منه.
(٤) وعجزه: ضمّ إليك رحالَ القوم والقُرُبا، وهو لمرَّة بن محكان السعدي كما في معجم الشعراء
للمرزباني ص ٢٩٥، والمستقصى ٢٢/١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٥٦٢/٤، وفيه:
خاطب امرأته وبَعَثها على القيام للاحتفاف بالنازلين من الأضياف، والقُرُب جمع قِراب،
وهو جِرابٌ واسع يصان فيه السلاح والثياب.

الآية : ٢٣
٢٦٧
سُؤَةُ لُوسُفَ
وادَّعى بعضُ المتأخِّرين أنَّ التشديد للتعدية، وأن كونه للتكثير وهمٌّ، معلِّلاً
ذلك بأنَّ غَلَقتُ الأبوابَ غَلْقاً، لغةٌ رديئةٌ متروكةٌ حسبما ذكره الجوهري(١) .
وردًّ بأنَّ إفادةَ التعدية لا تُنافي إفادةَ التكثير معها، فإنَّ مجرَّد التعدية يحصل
بباب الإفعال، فاختيارُ التفعيل عليه لأحد الأمرين، ولذا قال الجوهريُّ أيضاً:
و((غلَّقت الأبواب)) شدِّد للتكثير(٢). اهـ.
وفي ((الحواشي الشهابية)): أنه لم يتنبّه الرادُّ لأنَّ ما نقله عليه لا له؛ لأنَّ
الرديء الذي ذكره اللغويون إنما هو استعمالُ الثلاثي منه لا أنَّ له ثلاثيًّا لازماً حتى
يتعيَّن كونُ التفعيل للتعدية، فتعدِّيه لازمٌ في الثلاثيّ وغيره سواءٌ كان رديئاً أو
فصيحاً، فتعيَّن أنه للتكثير، وقد قال بذلك غيرُ واحدٍ، فالواهم ابنُ أختِ خالةٍ
الموهم(٣)، فافهم.
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: أسرع، فهي اسمُ فعلِ أمرٍ مبنيٌّ على الفتح كأينَ،
وفسَّرها الكسائيُّ والفراء بتعالَ، وزعما أنها كلمةٌ حورانيةٌ وقعت إلى أهل الحجاز
فتكلَّموا بها (٤).
وقال أبو زيد: هي عبرانيةٌ. وعن ابن عباس والحسن: هي سريانية. وقال
السدي: هي قبطية. وقال مجاهدٌ وغيره: هي عربيةٌ تدعوه بها إلى نفسها، وهي
كلمةُ حثِّ وإقبال(٥).
واللامُ للتبيين كالتي في سقياً لك، فهي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ، أي: إرادتي كائنةٌ
لك، أو: أقول لك.
(١) في الصحاح (غلق).
(٢) المصدر السابق.
(٣) حاشية الشهاب ٥/ ١٦٧.
(٤) معاني القرآن للفراء ٤٠/٢، ونقله المصنف عنه وعن الكسائي بواسطة أبي حيان في البحر
٢٩٣/٥.
(٥) جاء في هامش الأصل و(م): قال أبو حيان: ولا يبعد اتفاق اللغات في لفظة واحدة، وقد
وجد ذلك في كلام العرب مع لغات غيرهن، وقال الجوهري: هوَّت وهيَّت به: صاح به
ودعاه. ولا يبعد أن يكون مشتقًّا من اسم الفعل كما اشتقُّوا من الجُمل نحوَ: سبَّح
وحمدل. اهـ منه. والكلام في البحر ٢٩٣/٥ .

سُبَةُ لُوسُفَ
٢٦٨
الآية : ٢٣
وجوِّز كونُها اسمَ فعلٍ خبريٌّ كهيهات، واللامُ متعلِّقةٌ بها، والمعنى: تهيَّأْتُ
لك. وجَعَلها بعضُهم على هذا للتبيين متعلِّقةً بمحذوفٍ أيضاً، لأنَّ اسم الفعل
لا يتعلَّق به الجارُّ.
والتاءُ مطلقاً من بنية الكلمة، وليس تفسيرُها بتهيَّأْتُ لكونِ الدالٌ على التكلُّم
التاء ليَرِدَ أنها إذا كانت بمعنى تهيَّأْتُ لا تكون اسمَ فعلٍ بل تكون فعلاً مسنداً إلى
ضمير المتكلِّم، بل لأنه لَمَّا بَيَّتِ التهيُّؤَ بأنه له لزم كونُها هي المتهيّة، كما إذا قيل
لك: قُرِّبني منك، فقلتَ: هيهاتَ، فإنه يدلُّ على معنى بَعُدْتَ بالقرينة.
وقرأ ابن كثير وأهلُ مكة: ((هَيْتُ)) بفتح الهاء وسكونِ الياء وضمِّ التاء(١) تشبيهاً
له ب ((حیث)).
وقرأ أبو الأسود وابنُ أبي إسحاق وابنُ محيصنٍ وعيسى البصرةِ، ورُوي ذلك
عن ابن عباس ﴿ً: ((هَيْتٍ)) بفَتْحِ الهاء وسكونِ الياءُ وكَسْرِ التاء(٢) تشبيهاً له
بـ ((جَيْرِ))(٣).
والكلام فيها على هاتين القراءتين كالكلام فيها على القراءة السابقة.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامٍ وابنُ ذكوانَ(٤) والأعرجُ وشيبةٌ وأبو جعفر: ((هِيْتَ)) بكسر
الهاء بعدها ياءٌ ساكنةٌ وتاٌ مفتوحةٌ(٥). وحكى الحلوانيُّ عن هشام أنه قرأ كذلك
إلا أنه هَمَزَ.
وتعقّب ذلك الداني تبعاً لأبي عليٍّ الفارسيِّ في ((الحجة))(٦)، وقد تبعه أيضاً
جماعةٌ، بأنَّ فَتْحَ التاء فيما ذكر وهمٌّ من الراوي لأنَّ الفعل حينئذٍ من التهيُّؤْ،
ويوسفُ عليه السلام لم يتهيَّأ لها بدليلٍ ((وراودته)) إلخ، فلا بدَّ من ضمِّ التاء.
(١) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٤/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص٦٣، والمحتسب ٣٣٧/١، والنشر ٢٩٤/٢.
(٣) بكسر الراء، وقد ينوَّن، وكأَيْنَ [أي: جَيْرًا: يمين، أي: حقًّا، أو بمعنى: نعمْ أو أجل.
القاموس (جیر).
(٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: وابن عامر من رواية ابن ذكوان.
(٥) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٣/٢ عن نافع وابن ذكوان وأبي جعفر.
(٦) جامع البيان للداني ٢٦١/٢، والحجة للفارسي ٤/ ٤٢٠.

الآية : ٢٣
٢٦٩
سُوَلاَ تُوسُفَ
وردَّ ذلك صاحب ((النشر)) بأنَّ المعنى على ذلك: تهيَّ لي أمرُك، لأنها لم يتيسَّر
لها الخلوةُ به قبلُ، أو: حَسُنَتْ هيئتُكَ، و((لك)) على المعنيين للبيان، والروايةُ عن
هشام صحيحةٌ جاءت من عدَّة طرق، ورُوي عنه أيضاً أنه قرأ بكسر الهاء والهمزة
وضمِّ التاء(١)، وهي روايةٌ أيضاً عن ابن عباس وابن عامر وأبي عمرو أيضاً، وقرأ
كذلك أبو رجاء وأبو وائل وعكرمة ومجاهد وقتادةُ وطلحةُ وآخرون(٢).
وقرأ زيد بن عليٍّ ◌َّهَا، وابنُ أبي إسحاق كذلك إلا أنهما سهَّلا الهمزة(٣).
وذكر النحاس(٤) أنه قرئ بكسر الهاء بعدها ياءٌ ساكنة وكسر التاء.
وقرئ أيضاً: ((هيَّا)) بكسر الهاء وفَتْحِها وتشديد الياء، وهي - على ما قال ابن
هشام(٥) - لغةٌ في ((هيت)).
وقال بعضهم: إنَّ القراءات كلَّها لغاتٌ، وهي فيها اسم فعلٍ بمعنى هلم،
وليست التاء ضميراً .
وقال آخر: إنها لغاتٌ والكلمةُ عليها اسمُ فعلٍ، إلا على قراءة ضمِّ التاء مع
الهمز وتَرْكِه، فإنَّ الكلمة عليها تحتمل أن تكون فعلاً رافعاً لضمير المتكلّم، من هاءً
الرجلُ يَهيُ كجاء يجيءُ، إذا حَسُنَتْ هيئتُه، أو بمعنى تهيَّأْتُ، يقال: مِثْتُ وتهيّأْتُ
بمعنَّى، وإذا كانت فعلاً تعلقت اللامُ بها.
ونقل عن ابن عباس أيضاً أنه قرأ: ((هُيَّيْتُ)) مثل حُيَّيْتُ(٦)، وهي في ذلك فعلٌ
(١) النشر ٢٩٤/٢، والقراءتان عن هشام ذكرهما أيضاً الداني في التيسير ص١٢٨. وجاء في
هامش الأصل و(م): وانفرد الهذلي عنه برواية ترك الهمز. اهـ منه. يعني كقراءة ابن ذكوان
كما ذكر صاحب النشر ٢٩٤/٢.
(٢) المحتسب ٣٣٧/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢١/٢، والبحر ٢٩٤/٥. وجاء في هامش
الأصل و(م): منهم يحيى بن وثاب والمقري.
(٣) البحر ٢٩٤/٥، وذكرها النحاس في إعراب القرآن ٣٢٢/٢ عن يحيى بن وثاب.
(٤) كما في المحرر الوجيز ٢٣٣/٣، والبحر ٢٩٤/٥.
(٥) كذا ذكر المصنف، والصواب أنه من قول الشهاب في الحاشية ١٦٨/٥، وقد قاله إثر كلام
لابن هشام، فذهب وهم المصنف إلى أن القائل هو ابن هشام.
(٦) في الأصل و(م): حبيت، والمثبت من البحر ٢٩٤/٥، والدر المصون ٦/ ٤٦٤.

سُؤَةُ لُوسُفَ
٢٧٠
الآية : ٢٣
مبنيٌّ للمفعول مسهَّلُ الهمزة، من هيَّتُ الشيءَ، كأنَّ أحداً هيّأها له عليه السلام.
﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ نصب على المصدر، يقال: عُذْتُ عوذاً، وعِياذاً، وعِيادةً،
ومَعاذاً، أي: أعوذ بالله عز وجل معاذاً مما تريدين مني، وهذا اجتنابٌ منه عليه
السلام على أتم الوجوه، وإشارةٌ إلى التعليل بأنه منكرٌ هائلٌ یجب أن یعاذ بالله جل
وعلا للخلاص منه، وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه الله تعالى ما هو عليه في حدٍّ
ذاته من غاية القبح ونهاية السوء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبٍ أَحْسَنَ مَثْوَىٌ﴾ تعليلٌ ببعض الأسباب الخارجة مما عسى
يكون مؤثّراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره، بعد التنبيه على سببه الذاتيٍّ التي لا تكاد
تَقْبِلُه لِمَا سوَّلته لها نفسُها، والضميرُ للشأن، وفي تصدير الجملة به من الإيذان
بفخامة مضمونها ما فيه مع زيادة تقريره في الذهن، أي: إنَّ الشأن الخطير هذا،
أي: هو ربِّي، أي: سيدي العزيز، أَحْسنَ تعهُّدي حيث أمركِ بإكرامي على أكمل
وجهٍ، فكيف يمكنُ أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟! وفيه إرشادٌ لها إلى رعاية حقِّ
العزيز بألطف وجهٍ. وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد والسدِّيُّ وابن أبي إسحاق.
وتعقّب بأنَّ فيه إطلاقَ الربِّ على غيره تعالى، فإنْ أُريدَ به الربُّ بمعنى الخالق
فهو باطلٌ؛ لأنه لا يمكن أن يُطلق نبيٌّ كريمٌ على مخلوقٍ ذلك، وإذا أريد به السيد
فهو عليه السلام في الحقيقة ليس مملوكاً له(١). ومن هنا - وإن كان فيما ذُكر نظرٌ
ظاهر - اختار في (البحر))(٢) أنَّ الضمير لله تعالى، و((ربِّي)) خبر ((إنَّ)، و((أَحْسنَ
مثواي)) خبرٌ ثانٍ، أو هو الخبر والأولُ بدلٌ من الضمير، أي: إنه تعالى خالقي
أَحْسَنَ مثوايَ بعَظْفِ قلبٍ مَن أَمَركِ بإكرامي عليَّ، فكيف أعصيه بارتكاب تلك
الفاحشة الكبيرة؟! وفيه تحذيرٌ لها من(٣) عقاب الله تعالى.
وجوِّز على تقديرٍ أن يكون الربُّ بمعنى الخالق كونُ الضمير للشأن أيضاً.
وأيًّا ما كان ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرُّضٍ لاقتضائها
(١) في (م): في الحقيقة مملوك له، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في البحر ٢٩٤/٥،
والدر المصون ٤٦٦/٦ .
(٢) ٢٩٤/٥.
(٣) في (م): عن.

الآية : ٢٤
٢٧١
سُورَُّ لُوسُفَا
الامتناعَ عمَّا دعته إليه إيذانٌ بأنَّ هذه المرتبة من البيان كافيةٌ في الدلالة على
استحالته وکونِه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّلِمُونَ (٣)﴾ تعليلٌ غبَّ تعليلٍ للامتناع المذكور،
والفلاحُ: الظّفرُ وإدراكُ البُغْيةِ، وذلك ضربان: دنيويٌّ، وأخرويٌّ، فالأولُ الَّفرُ
بالسعادات التي تطيبُ بها حياة الدنيا، وهو البقاءُ والغنى والعز، والثاني أربعةٌ
أشياء: بقاءٌ بلا فناء، وغنّى بلا فقرٍ، وعزّ بلا ذلِّ، وعلمٌ بلا جهل، ولذلك قيل:
لا عيش إلا عيشُ الآخرة.
ومعنى أَفْلَحَ: دخل في الفَلَاح، كأصبح وأخواته، ولعل المراد هنا الفلاحُ
الأخرويُّ، وبالظالمين كلٌّ من ظلم كائناً من كان، فيدخلُ في ذلك المجازُونَ
للإحسان بالإساءة والعصاةُ لأمر الله تعالى دخولاً أوَّليًّا. وقيل: الزناةُ؛ لأنهم
ظالمون لأنفسهم وللمَزْنيِّ بأهله. وقيل: الخائنون؛ لأنهم ظالمون لأنفسهم أيضاً
ولمن خانوه.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بٌِّ﴾ أي: بمخالطته، إذ الهمُّ - سواءٌ استُعْمِلَ بمعنى القَصْدِ
والإرادة مطلقاً، أو بمعنى القَصْدِ الجازم والعقد الثابت كما هو المرادُ
هاهنا - لا يتعلَّقُ بالأعيان.
والمعنى أنها قصدت المخالطةَ وعزمتْ عليها عزماً جازماً لا يلويها عنه
صارفٌ، بعد ما باشرتْ مباديها وفَعَلَتْ ما فعلت مما قصَّ الله تعالى، ولعلها
تصدَّت هنالك لأفعالٍ أُخَرَ، من بَسْطِ يدها إليه وقَصْدِ المعانقة وغيرِ ذلك،
مما اضْطَرَّه عليه السلام إلى الهرب نحو الباب. والتأكيدُ لدَفْعِ ما عسى يُتوهّم من
احتمالِ إقلاعها عمَّا كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر.
﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: مالَ إلى مخالطتها بمقتضَى الطبيعة البشرية، كميلِ الصائم في
اليوم الحارِّ إلى الماء البارد، ومثلُ ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف، لا أنه عليه
السلام قَصَدَها قصداً اختياريًّا لأنَّ ذلك أمرٌ مذمومٌ تنادي الآياتُ على عدم اتِّصافه
عليه السلام به، وإنما عبّر عنه بالهمِّ لمجرَّدٍ وقوعه في صحبة همِّها في الذكر بطريقٍ
المشاکلة، لا لشبههِ به کما قیل. وقد أشیر إلی تغایرهما كما قال غير واحد، حیث

سُوَلاَّ ◌ُوسُفَ
٢٧٢
الآية : ٢٤
لم يُلَزَّا(١) في قرنٍ واحدٍ من التعبير بأنْ قيل: ولقد همَّا بالمخالطة، أو: همَّ كلٌّ
منهما بالآخر، وأكّد الأول دون الثاني.
﴿لَوْلَا أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَبٍِّ.﴾ أي: حجَتَه الباهرةَ الدالَّةَ على كمال قبح الزنى وسوءٍ
سبيله، والمرادُ برؤيته لها كمالُ إيقانه بها، ومشاهدتُه لها مشاهدةً واصلةً إلى مرتبة
عين اليقين.
وقيل: المرادُ برؤيةِ البرهان حصولُ الأخلاق، وتذكُّرُ الأحوال الرادعةِ عن
الإقدام على المنكر.
وقيل: رؤيةُ: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]
مكتوباً في السقف.
وجواب ((لولا)) محذوفٌ يدلُّ عليه الكلام، أي: لولا مشاهدتُه البرهانَ لجری
على موجب ميله الجبلِّي، لكنه حيث كان مشاهِداً له استمرَّ على ما هو عليه من
قضية البرهان.
هذا ما ذهب إليه بعضُ المحققين في معنى الآية، وهو قولٌ بإثبات همٍّ له عليه
السلام إلا أنه همّ غيرُ مذمومٍ.
وفي ((البحر)): أنه لم يقع منه عليه السلام همٍّ بها البتةَ، بل هو منفيٍّ لوجود
رؤية البرهان، كما تقول: قارفتَ الذنبَ لولا أنْ عَصَمكَ الله تعالى، ولا نقول: إنَّ
جواب ((لولا)) متقدِّمٌ عليها، وإنْ كان لا يقومُ دليلٌ على امتناع ذلك، بل صریحُ
أدواتِ الشرط العاملة مختلفٌ في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى الجواز
الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاريُّ وأبو العباس المبرد، بل نقول:
إنَّ جواب ((لولا)) محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهورُ البصريين في قول
العرب: أنت ظالمٌ إنْ فعلتَ كذا، فيقدِّرونه: إنْ فعلتَ فأنت ظالمٌ، ولا يدلُّ
قولهم: أنت ظالم، على ثبوت الظلم، بل هو مثبَتٌ على تقدير وجود الفعل،
وكذلك هاهنا التقديرُ: لولا أنْ رأى برهانَ ربِّه لهمَّ بها، فكان يوجد الهمُّ على
تقديرِ انتفاءِ رؤيةِ البرهان، لكنه وَجَدَ رؤيةَ البرهان فانتفى الهمُّ، والمراد بالبرهان
(١) اللَُّّ: لزوم الشيء بالشيء وإلزامه به. القاموس (لزز).

الآية : ٢٤
٢٧٣
سُورَةُ مُوسُفَ
ما عنده عليه السلام من العلم الدالِّ على تحريم ما همَّتْ به، وأنه لا يمكن الهمُّ
فضلاً عن الوقوع فيه .
ولا التفاتَ إلى قول الزجَّاج: ولو كان الكلامُ: ولهمَّ بها، كان بعيداً، فكيف
مع سقوط اللام؟ لأنه توهّم أنَّ قوله تعالى: ((همَّ بها)) هو جواب ((لولا)) ونحن لم
نقل بذلك، وإنما قلنا: إنه دليلُ الجواب، على أنه على تقدير أن يكون نفسَ
الجواب قد يقال: إنَّ اللام ليست بلازمةٍ، بل يجوز أن يأتي جواب ((لولا)) إذا كان
بصيغة الماضي باللام وبدونها، فيقال: لولا زيدٌ لأكرمتُك، ولولا زيدٌ أكرمتُك،
فَمَن ذهب إلى أنَّ المذكور هو نفسُ الجواب لم يبعد.
وكذا لا التفاتَ أيضاً لقول ابن عطية: إنَّ قول مَن قال: إنَّ الكلام قد تمَّ في
قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بُِّ) وإن جواب (لولا)) في قوله سبحانه: (وَهَمَّ يِهَا)، وإن
المعنى: لولا أنْ رأى برهانَ ربِّه لهمَّ بها، فلم يَهُمَّ يوسف عليه السلام، یردُّه لسان
العرب وأقوال السلف = لِمَا في قوله: يردُّه لسانُ العرب من البحث، وقد استدلَّ
مَن ذهب إلى الجواز بوجوده في لسان العرب، فقد قال سبحانه: ﴿إِن كَادَتْ
لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] فقولُه سبحانه: (إِن كَادَت) إلخ
إما أن يكون هو الجوابَ على ما ذهب إليه ذلك القائلُ، وإما أن يكون دليلَ
الجواب على ما قرَّرناه، وأما أقوالُ السلف فالذي نعتقده أنه لم يصحَّ منها شيءٌ
عنهم؛ لأنها أقوالٌ متكاذبةٌ يناقضُ بعضها بعضاً، مع كونها قادحةً في بعض فسَّاق
المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة، على أنَّ ما رُوي لا يساعدُ عليه كلامُ
العرب؛ لأنه يقتضي كونَ الجواب محذوفاً لغير دليل؛ لأنهم لم يقدِّروا بناءً على
ذلك: لهمَّ بها، وكلام العرب لا يدلَّ إلا على أن يكون المحذوفُ من معنَى ما قَبْلَ
الشرطِ؛ لأنه الدليلُ عليه (١).
هذا وممن ذهب إلى تحقّق الهمِّ القبيح منه عليه السلام الواحديُّ؛ فإنه قال في
(١) البحر ٢٩٥/٥، وكلام الزجاج في معاني القرآن ٣/ ١٠٢، وكلام ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢٣٥/٣، وقال أبو حيان أيضاً: وقد طهَّرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير
مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما يدل عليه لسان العرب ومساق الآيات التي في هذه
السورة مما يدل على العصمة وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين.

سُورَةُ مُوسُفَ
٢٧٤
الآية : ٢٤
كتاب ((البسيط)) (١): قال المفسرون الموثوقُ بعلمهم المرجوعُ إلى روايتهم،
الآخذون للتأويل عمن شاهد التنزيل: همَّ يوسفُ عليه السلام أيضاً بهذه المرأة همَّا
صحيحاً، وجلس منها مجلسَ الرجل من المرأة، فلمَّا رأى البرهانَ من ربِّه زال كلُّ
شهوةٍ عنه. قال أبو جعفر الباقر ره بإسناده عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال:
طمعتْ فيه وطمع فيها، وكان طمعُه فيها أنْ همَّ أن يحلّ التگّة. وعن ابن عباس:
أنه حلَّ الهميان وجلس منها مجلس الخاتن. وعنه أيضاً أنها استَلْقَتْ له وقعد بين
رجليها ينزع ثيابه.
ورووا في البرهان رواياتٍ شتَّى؛ منها ما أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) عن عليّ
كرم الله تعالى وجهه أنها قامت إلى صنم مكلَّلٍ بالدرِّ والياقوت في ناحية البيت
فسترته بثوبٍ أبيضَ بينها وبينه، فقال عليه السلام: أيَّ شيءٍ تصنعين؟ فقالت:
أستحي من إلهي أن يراني على هذه السوأة. فقال: تستحين من صنم لا يأكلُ
ولا يشربُ ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كلِّ نفسٍ بما كسبت؟! ثم
قال: لا تناليها منِّي أبداً. وهو البرهان الذي رأى(٢).
ومنها ما أخرجه ابن جرير وغيرُه عن ابن عباس أنه عليه السلام مَثَلَ له يعقوبُ
عليه السلام فضرب بيده على صدره.
ومنها ما أخرجه عن قتادة أنه قال: ذُكِرَ لنا أنه مَثَلَ له يعقوب عاضًّا على
إصبعيه وهو يقول: يا يوسفُ، أتهمُّ بعمل السفهاء وأنت مكتوبٌ من الأنبياء.
ومنها ما أخرجه عن القاسم بن أبي بزَّة قال: نودي: يا ابن يعقوب لا تكوننَّ
كالطير له ريشٌ فإذا زنى قعد ليس له ريشٌ. فلم يَعْرِضْ للنداء وقعد فرفع رأسه فرأى
وجه يعقوب عاضًّا على إصبعه، فقام مرعوباً استحياءً من أبيه(٣). إلى غير ذلك.
(١) البسيط في التفسير لأبي الحسن الواحدي، وله أيضاً الوسيط والوجيز، وكلامه في البسيط
نقله عنه الرازي في تفسيره ١١٥/١٨، وابن عادل في اللباب ٦٢/١١. وللواحدي في
الوسيط ٦٠٧/٢-٦٠٨ كلام شبيه بما قاله في البسيط.
(٢) الحلية ١٨١/٣، وأخرجه الثعلبي في عرائس المجالس ص١٢٣ عن علي بن الحسين، وكذا
ذكره عنه البغوي في التفسير ٢/ ٤٢٠-٤٢١ .
(٣) هذه الأخبار وغيرها أخرجها الطبري في تفسيره ١٣/ ٩٠ -٩٥.

الآية : ٢٤
٢٧٥
سُورَةُ لُوسُفَ
وتعقّب الإمام الرازي(١) ما ذُكر بأنَّ هذه المعصية التي نسبوها إلى
يوسف - وحاشاه - من أقبح المعاصي وأَنْكَرِها، ومثلُها لو نسب إلى أفسقِ خَلْقِ الله تعالى
وأبعدِهم عن كلٌّ خيرٍ لاستنكف منه، فكيف يجوزُ إسناده إلى هذا الصدِّيق الكريم؟!
وأيضاً إنَّ الله سبحانه شهد بكون ماهية السوء وماهيةِ الفحشاء مصروفتين عنه،
ومع هذه الشهادة كيف يُقبل القول بنسبة أعظم السوء والفحشاء إليه عليه السلام.
وأيضاً إنَّ هذا الهمَّ القبيح لو كان واقعاً منه عليه السلام كما زعموا، وكانت
الآية متضمنةً له، لكان تعقيبُ ذلك بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ
وَالْفَحْشَآءُ﴾ خارجاً عن الحكمة؛ لأنَّا لو سلَّمنا أنه لا يدلُّ على نفي المعصية فلا أقلَّ
من أن يدلَّ على المدح العظيم، ومن المعلوم أنه لا يليقُ بحكمة الله تعالى أن
يَحْكي إقدامه على معصيةٍ عظيمةٍ ثم إنه يمدحُه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية.
وأيضاً إنَّ الأكابر كالأنبياء(٢) متى صدرت عنهم زلةٌ أو هفوةٌ استعظموا ذلك
وأَتْبعوه بإظهارِ الندامة والتوبة والتخضُّع والتنصُّل، فلو كان يوسف عليه السلام أقدم
على هذه الفاحشة المنكرة لكان من المحال أن لا يُتْبِعها بذلك، ولو كان قد أَتْبَعها
لحُكي، وحيث لم يكن عَلِمْنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنبٌ أصلاً.
وأيضاً جميعُ مَن له تعلُّقٌ بهذه الواقعة قد أفصح ببراءة يوسف عليه السلام عن
المعصية كما لا يخفى على مَن له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد، ومَن نظر في
قوله سبحانه: (إِنَّهُ، مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) رآه أفصحَ شاهدٍ على براءته عليه السلام،
ومَن ضمَّ إليه قولَ إبليس: ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
[ص: ٨٢-٨٣] وجد إبليس مقرًّا بأنه لم يُغْوِه ولم يضلَّه عن سبيل الهدى، كيف وهو
عليه السلام من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى، وقد استثناهم من
عمومٍ ((لأغوينهم أجمعين))؟
وعند هذا يقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام تلك الفعلة الشنيعة:
إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادةَ الله تعالى على طهارته عليه السلام،
(١) في تفسيره ١١٥/١٨ -١١٧.
(٢) في الأصل: والأنبياء.

سُؤَلةُ لُوسُفَ
٢٧٦
الآية : ٢٤
وإن كانوا من أتباع إبليسَ فليقبلوا شهادته، ولعلهم يقولون كنَّا في أول الأمر من
تلامذته إلى أن تخرَّجنا فزِذْنا عليه في السفاهة كما قال الحريريُّ (١):
پي الحال حتى صار إبليسُ من جندي
و کنت امراً من جند إبليس فانتھی
طرائقَ فسقٍ ليس يُحسنها بعدي
فلو مات قبلي كنتُ أُحْسِنُ بعده
ومَن أمعن النظر في الحجج وأَنْصفَ جَزَمَ أنه لم يبق في يد الواحديِّ ومَن
وافقه إلا مجرَّدُ التصلَّفِ وتعديدِ أسماء المفسرين، ولم يجد معهم شبهةً في دعواهم
المخالفةِ لِمَا شهد له الآياتُ البيناتُ سوی رواياتٍ واهیاتٍ.
وقد ذكر الطيبيُّ طَيِّب الله تعالى ثراه بعد أن نقل ما حكاه محيي السنة عن بعض
أهل الحقائق من أنَّ الهمَّ همَّان: همٍّ ثابتٌ وهو ما كان معه عزمٌ وعقدٌ ورضاً مثل
همِّ امرأة العزيز، وهمٌّ عارِضٌ وهو الخَطْرةُ وحديثُ النفس من غير اختيارٍ ولا عزمٍ
مثل همٍّ يوسف عليه السلام(٢)، أنَّ هذا التفسير هو الذي يجبُ أن نذهب إليه
ونَّخذه مذهباً، وإنْ نَقَلَ المفسرون ما نقلوا؛ لأنَّ متابعة النصِّ القاطع، وبراءةً
المعصوم عن تلك الرذيلة، وإحالةَ التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه، على أنَّ
أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئاً مرفوعاً في كتبهم، وجلُّ تلك
الروايات بل كلُّها مأخوذٌ من مسألة أهل الكتاب. اهـ.
نعم قد صحَّح الحاكم بعضاً من الروايات التي استند إليها مَن نسب تلك
الشنيعةَ إليه عليه السلام(٣)، لكنَّ تصحيح الحاكم محكومٌ عليه بعدم الاعتبار عند
ذوي الاعتبار.
وفي ((إرشاد العقل السليم)) بعد نَقْلِ نبذةٍ منها: إنْ كلُّ ذلك إلا خرافاتٌ
وأباطيلُ تمُجُها الآذانُ وتردُّها العقول والأذهان، ويل لمن لاكها ولفَّقها أو سمعها
وصدَّقها(٤).
(١) في تفسير الرازي: الخوارزمي، والبيت ذكره دون نسبة الثعلبي في ثمار القلوب ص٦٩،
والقزويني في الإيضاح في علوم البلاغة ١/ ٥٢ .
(٢) تفسير البغوي ٤١٩/٢ .
(٣) المستدرك ٣٤٦/٢ و٢٥٥/٤.
(٤) تفسير أبي السعود ٢٦٧/٤.

الآية : ٢٤
٢٧٧
سُورَةُ تُوسُفَ
ثم إنَّ الإمام عليه الرحمة ذكر في تفسير الآية الكريمة بعد أن منع دلالتها على
الهمِّ ما حاصله: إنَّا سلّمنا أنَّ الهمَّ قد حصل، إلَّا أنَّا نقول: لا بدَّ من إضمار فعلٍ
مخصوصٍ يُجعلُ متعلّق الهمِّ؛ إذ الذواتُ لا تصلُح له، ولا يتعيَّن ما زعموه من
إيقاع الفاحشة بها، بل نُضْمِره شيئاً آخر يغاير ما أضمروه، فنقول: المراد: همَّ
بدفعها عن نفسه ومَنْعِها عن ذلك القبيح؛ لأنه الذي يستدعيه حالُه عليه السلام، وقد
جاء: هممتُ بفلانٍ، أي: قصدتُه ودفعتُه، ويُضْمَر في الأول المخالطةُ والتمتُّع
ونحوُ ذلك؛ لأنه اللائقُ بحالها.
فإنْ قالوا: لا يبقى حينئذٍ لقوله سبحانه: (لَوْلَا أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَبٍِّّ،) فائدةٌ؟
قلنا: بل فيه أعظمُ الفوائد، وبيانُه من وجهين:
الأولُ: أنه تعالى أعلَمَ يوسف أنه لو همَّ بدَفْعِها لفعلتْ معه ما يوجبُ هلاكه،
فكان في الامتناع عن ذلك صونُ النفس عن الهلاك.
الثاني: أنه لو اشتغل بدَفْعِها فلربَّما تعلَّقت به، فكان يتمزَّقُ ثوبُه من قدَّام، وقد كان
في علم الله تعالى أنَّ الشاهد يشهد بأنَّ ثوبه لو كان متمزّقاً من قدام لكان هو الجاني،
ولو كان متمزّقاً من خَلْفٍ لكانت هي الجانيةَ، فأعلمه هذا المعنى، فلا جَرَمَ لم يشتغل
بدفعها، وفرَّ عنها حتى صارت الشهادةُ حجةً له على براءته عن المعصية (١).
وإلى تقدير الدفع(٢) ذهب بعضُ السادة الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم، ففي
((الجواهر والدرر)) للشعراني: سألتُ شيخنا عن قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِّ، وَهَمَّ
بِهَا) ما هذا الهُّ الذي أُبْهِمَ، فقد تكلَّم الناس فيه بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم
السلام؟ فقال: لا أعلم. قلت: قد ذكر الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه أنَّ مطلق اللسان
يدلُّ على أَحَدَّة المعنى، ولكنَّ ذلك أكثريٌّ لا كلِّيٍّ، فالحقُّ أنها همَّتْ به عليه
السلام لتقهره على ما أرادته منه، وهمَّ هو بها ليقهرها في الدفع عما أرادته منه،
فالاشتراكُ في طلب القهر منه ومنها والحكمُ مختلف، ولهذا قالت: ((أنا راودته عن
نفسه)) وما جاء في السورة أصلاً أنه راودها عن نفسها. اهـ.
(١) تفسير الرازي ١١٨/١٨.
(٢) جاء في حاشية (م): وجوَّزه من الإمامية السيد المرتضى في الدرر. اهـ منه.

سُؤَدَلُّ لُوسُفَ
٢٧٨
الآية : ٢٤
وجوَّز الإمام أيضاً تفسير الهمِّ بالشهوة، وذكر أنه مستعملٌ في اللغة الشائعة،
فإنه يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمُّني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء
إليَّ(١). وهو ما أشرنا إليه أولاً، إلا أنه عليه الرحمةُ حمل الهمَّ في الموضعين على
ذلك فقال بعدُ: فمعنى الآية: ولقد اشتهته واشتهاها، ولولا أن رأى برهان ربِّه
الفعل(٢). وهو مما لا داعي إليه إذ لا محذورَ في نسبة الهمِّ المذموم إليها، والظاهرُ
أنَّ الهمَّ بهذا المعنى مجازٌ كما نصَّ عليه السيد المرتضى في ((درره))(٣)، لا حقيقةٌ
كما يوهمُه ظاهرُ كلام الإمام، وقد ذهب إلى هذا التأويل أبو عليٍّ الجبائيُّ وغيرُه،
وروي ذلك عن الحسن .
وبالجملة لا ينبغي التعويلُ على ما شاع في الأخبار والعدولُ عما ذهب إليه
المحققون الأخيار، وإياك والهمَّ بنسبةِ تلك الشنيعة إلى ذلك الجناب بعد أن
كشف الله سبحانه عن بصر بصيرتك فرأيتَ برهان ربِّك بلا حجاب.
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ﴾ قيل: خيانة السيد ﴿وَالْفَحْشَآءُ﴾ الزنى، لأنه
مفرطُ القبح. وقيل: ((السوء)) مقدماتُ الفحشاء من القبلة والنظر بشهوة. وقيل: هو
الأمرُ السيِّئُ مطلقاً، فيدخل فيه الخيانةُ المذكورةُ وغيرها .
والكافُ على ما قيل: في محلٌّ نصبٍ، والإشارةُ إلى التثبيت اللازم للإراءة
المدلولِ عليها بقوله سبحانه: (لَوْلاً أَن رَّمَا بُرْهَنَ رَيٍِّ،) أي: مثلَ ذلك التثبيت ثبتناه
لنصرف . . إلخ.
وقال ابن عطية: إنَّ الكاف متعلِّقةٌ بمضمَرٍ تقديره: جرتْ أفعالُنا وأقدارُنا
كذلك لنصرف(٤). وقدَّر أبو البقاء: نُرَاعِيه كذلك(٥). والحوفي(٦): أريناه البراهين
كذلك.
(١) تفسير الرازي ١١٨/١٨.
(٢) تفسير الرازي ١١٩/١٨.
(٣) غرر الفوائد ودرر القلائد الشريف المرتضى ٤٨١/١.
(٤) المحرر الوجيز ٢٣٥/٣.
(٥) الإملاء ٣٢٨/٣-٣٢٩.
(٦) كما في البحر ٢٩٥/٥.

الآية : ٢٤
٢٧٩
سُوْدَلُّ لُوسُفَ
وجوَّز الجميع كونَه في موضع رفع، فقيل: أي: الأمرُ أو عصمتُه مثلُ ذلك،
لكنْ قال الحوفيُّ: إنَّ النصب أجودُ لمطالبة حروف الجرِّ للأفعال أو معانيها.
واختار في ((البحر)) (١) كونَ الإشارة إلى الرؤيا المفهومة من ((رأى))، أو الرأي
المفهوم، وقد جاء مصدراً لرأَى كالرؤية، كما في قوله:
ورأيُ عينيَّ الفتى أباكا يعطي الجزيلَ فعليك ذاكا(٢)
والكاف في موضع نصبٍ بما دلَّ عليه قوله سبحانه: (لَوَلَا أَنْ زَّمَ) إلخ، وهو
أيضا متعلَّق (لِنَصْرِفَ) أي: مثلَ [تلك] الرؤية أو الرأي نُري براهيننا لنَصْرِفَ .. إلخ.
وقيل غيرُ ذلك(٣) .
ومما لا ينبغي أن يُلتفت إليه ما قيل: إنَّ الجارَّ والمجرورَ متعلِّقٌ بـ ((همَ) وفي
الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: ولقد همَّتْ به وهمَّ بها كذلك لولا أنْ رأى برهان
ربِّه لنصرف عنه .. إلخ.
ولا يخفى ما في التعبير بما في النظم الجليل دون: لنَصْرِفه عن السوء
والفحشاء، من الدلالة على ردِّ مَن نَسب إليه ما نَسب والعياذُ بالله تعالى.
وقرأ الأعمش: ((ليصرف)) بياء الغيبة(٤)، وإسنادِ الصرف إلى ضمير الربِّ
سبحانه .
﴿إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٣٤)﴾ تعليلٌ لِمَا سبق من مضمون الجملة بطريق
التحقيق، والمخلصون هم الذين أَخْلَصهم الله تعالى واختارهم لطاعته بأنْ عصمهم
عمَّا هو قادحٌ فيها. والظاهرُ أنَّ المراد الحكمُ عليه بأنه مختارٌ لطاعته سبحانه،
ويحتمل - على ما قيل - أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام، الذين
قال فيهم جلَّ وعلا: ﴿إِنَّا أَغْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦].
(١) ٢٩٦/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) نسبه سيبويه في الكتاب ١٩١/١ لرؤية، وهو في ملحقات ديوانه ص١٨١ .
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): ومما قيل: إن الكاف في موضع نصب، والإشارة إلى الإراءة
المدلول عليها بما تقدم، أي: مثلَ ذلك التبصير والتعريف عرفناه برهاننا فيما قيل. اهـ منه.
(٤) المحرر الوجيز ٢٣٥/٣، والبحر ٢٩٦/٥.

سُؤْلَةُ لُوسُفَا
٢٨٠
الآية : ٢٥
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((المخلصين)) إذا كان فيه ((أل)) حيث وقع
بكَشْرِ اللام(١)، وهم الذين أخلصوا دينهم لله تعالى.
ولا يخفى ما في التعبير بالجملة الاسمية من الدلالة على انتظامه عليه السلام
في سلك أولئك العباد الذين هم هم من أول الأمر، لا أنه حدث له ذلك بعدَ أن لم
يكن، وفي هذا عند ذوي الألباب ما ينقطعُ معه عُذْرُ أولئك المتشبّئين بأذيال هاتيك
الأخبار التي ما أنزل الله تعالى بها من كتاب.
﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ متصلٌ بقوله سبحانه: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ يِهَا) إلخ، وقولُه
تعالى: (كَذَلِكَ) إلخ اعتراضٌ جيءَ به بين المعطوفين تقريراً لنزاهته عليه السلام،
والمعنى: لقد همَّتْ به وأبى هو واستبقاء، أي: تسابقا إلى الباب، على معنى: قَصَدَ
كلٌّ من يوسف عليه السلام وامرأةٍ العزيز سَبْقَ الآخَر إليه، فهو ليخرج وهي لتمنعه
من الخروج.
وقيل: المراد من السبق في جانبها الإسراعُ إثره، إلا أنه عبَّر بذلك للمبالغة.
ووحِّد البابُ هنا مع جَمْعِه أولاً لأنَّ المراد الباب البرَّانيُّ الذي هو المخلص.
واستشكل بأنه كيف يستبقان إليه ودونه أبوابٌ جوَّانية، بناءً على ما ذكروا من أنَّ
الأبواب كانت سبعة؟
وأجيب بأنه روي عن كعب أنَّ أقفال هاتيك الأبواب كانت تتناثر إذا قَرُبَ إليها
يوسفُ عليه السلام وتنفتحُ(٢) له.
ويحتمل أنه لم تكن تلك الأبوابُ المغلقةُ على الترتيب باباً فباباً، بل كانت في
جهاتٍ مختلفةٍ كلُّها منافذُ للمكان الذي کانا فیه، فاستبقا إلی بابٍ يخرج منه.
ونصب ((الباب)) على الاتساع، لأنَّ أصل اسْتَبقَ أن يتعدَّى بإلى، لكنْ جاء
كذلك على حدٍّ ﴿وَإِذَا كَالُوَهُمْ﴾ [المطففين: ٣] ﴿وَأَخْثَرَ مُوسَى قَوْمَهُ، سَبْعِينَ رَجُلًا﴾
[الأعراف: ١٥٥]. وقيل: إنه ضمِّن الاستباقُ معنى الابتداء فعدِّيَ تعدیته.
(١) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٥/٢.
(٢) في (م): وتتفتح.