Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٩ ٢٢١ سُؤَةُ تُوسُفَ والآيةُ كما أشرنا إليه مشيرةً إلى أنَّ محبته لأجل شقيقه يوسف، فالذي ينبغي أن يعوَّل عليه أنه عليه السلام إنما أحبَّه أكثر منهم لَمَّا رأى فيه من مخايل الخير ما لم يَرَ فیھم، وزاد ذلك الحبُّ بعد الرؤيا لتأكيدها تلك الأمارات عنده. ولا لوم على الوالد في تفضيله بعضَ ولده على بعضٍ في المحبة لمثل ذلك، وقد صرَّح غيرُ واحدٍ أنَّ المحبة ليست مما تدخل تحت وسع البشر، والمرءُ معذورٌ فیما لم يدخل تحته. نعم ظنَّ أبناؤه أنَّ ما كان منه عليه السلام إنما كان عن اجتهادٍ، وأنه قد أخطأ في ذلك، والمجتهدُ يخطئُ ويصيب وإن كان نبيًّا، وبهذا ينحلُّ ما قيل: إنهم إن كانوا قد آمنوا بكون أبيهم رسولاً حقًّا من عند الله تعالى فكيف اعترضوا، وكيف زيَّفوا طريقته وطعنوا فيما هو عليه؟ وإن كانوا مكذِّبين بذلك فهو يوجبُ كفرَهم والعياذُ بالله تعالى، وهو مما لم يقل به أحدٌ، ووجهُ الانحلال ظاهر. ﴿أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ الظاهرُ أنَّ هذا من جملة ما حُكي بعد قوله سبحانه: (إِذْ قَالُواْ) وقد قاله بعضٌ منهم مخاطباً للباقين، وكانوا راضين بذلك إلَّا مَن قال: ((لا تقتلوا)) إلخ، ويحتمل أنه قاله كلٌّ منهم مخاطباً للبقية، والاستثناءُ هو الاستثناء. وزعم بعضهم أنَّ القائل رجلٌ غيرهم شاوروه في ذلك، وهو خلافُ الظاهر، ولا ثبت له. والظاهرُ أنَّ القائل خيَّرهم بين الأمرين: القتلِ، والطرح. وجوِّز أن يكون المراد: قال بعضُ: ((اقتلوا يوسف)) وبعضُ: ((اطرحوه). والطرحُ رميُّ الشيء وإلقاؤه، ويقال: طرحتُ الشيء: أبعدْته، ومنه قولُ عروة بن الورد: ومَن يُ مثلي ذا عيالٍ ومُقْتِراً من المال يَظْرحْ نفسَه كلَّ مَظْرحِ(١) ونُصِبَ ((أرضاً)) على إسقاط حرف الجر كما ذهب إليه الحوفيُّ وابن عطية(٢)، أي: ألقُوه في أرضٍ بعيدة عن الأرض التي هو فيها . (١) ديوان عروة ص ٤٠. (٢) في المحرر الوجيز ٢٢٢/٣. سڕۆُ لُوسُفَا ٢٢٢ الآية : ٩ وقيل: نُصِبَ على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((اطرحوه)) لتضمُّنِهِ (١) معنى أَنْزِلوه، فهو كقوله تعالى: ﴿أَنِلِ مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وقيل: منصوبٌ على الظرفية. وردَّه ابنُ عطية وغيرُه بأنَّ ما ينتصبُ على الظرفية المكانية لا يكون إلا مبهماً، وحيث كان المراد: أرضاً بعيدةً عن أرضه لم يكن هناك إبهامٌ(٢). ودُفع بما لا يخلو عن نظر. وحاصل المعنى: اقتلوه أو غرِّبوه فإنَّ التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثمه، ولعمري لقد ذكروا أمرين مُرَّين، فإنَّ الغربة كربةٌ أيةُ كربةٍ، ولله تعالى درُّ مَن قال: حسَّنوا القول وقالوا غربةٌ إنما الغربةُ للأحرار ذبحُ(٣) ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ﴾ بالجزم جوابُ الأمر، والوجهُ: الجارحةُ المعروفة، وفي الكلام كنايةٌ تلويحيةٌ عن خلوص المحبة، ومن هنا قيل: أي: يُقْبِلُ عليكم إقبالةً واحدة لا يلتفتُ عنكم إلى غيركم، والمرادُ سلامةُ محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعُهم إياها. وقد فسِّر الوجهُ بالذات، والكنايةُ بحالها خلا أنَّ الانتقال إلى المقصود بمرتبتين على الأول وبمرتبة على هذا. وقيل: الوجهُ بمعنى الذات، وفي الكلام كنايةٌ عن التوجُّه والتقيُّد بنظم أحوالهم وتدبيرِ أمورهم؛ لأنَّ خلوَّه لهم يدلُّ على فراغه من شغل يوسف عليه السلام، فيشتغل بهم وينظم أمورهم. ولعل الوجه الأَوْجَه هو الأول. ﴿وَتَكُونُواْ﴾ بالجزم عطفاً على جواب الأمر، وبالنصب بعد الواو بإضمار ((أنْ)(٤)، (١) في (م): لتضمينه. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٢/٣. (٣) البيت لفتح الله بن النحاس كما في نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة للمحبي ٥٢٢/٢. (٤) جاء في حاشية (م): لا يخفى على المتأمل في هذا التفسير حلُّ ما استَشْكلَه بعض الناس على تقدير العطف على جواب الأمر من عدم استقامة: إن تقتلوا أو تطرحوا تكونوا من بعده قوماً صالحين. من حيث المعنى، وعندي أن ما أشير إليه من الجواب كالجواب عن نظير هذا الاستشكال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْهَا مُبِينًا﴾ الآية [الفتح: ١] فتأمل ترشد. اهـ منه. الآية : ١٠ ٢٢٣ سُورَةٌ تُوسُفَ أي: يجتمع لكم خلوُّ وجهه والكونُ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد يوسف على معنى: بعد الفراغ من أمره، أو: من بعد قتله أو طرحه. فالضميرُ إمَّا ليوسف أو لأحد المصدرين المفهومين من الفعلين. ﴿قَوْمًا صَلِينَ ﴾﴾ بالتوبة والتنصُّل إلى الله تعالى عمَّا جئتُم به من الذنب كما روي عن الكلبي، وإليه ذهب الجمهور، فالمراد بالصلاح الصلاحُ الدينيُّ بينهم وبين الله تعالى. ويحتمل أن المراد ذلك لكن بينهم وبين أبيهم بالعذر، وهو وإن كان مخالفاً للدِّين لكونه كذباً، لكنه موافقٌ له من جهةٍ أنهم يرجون عفوَ أبيهم وصَفْحَه به ليخلصوا من العقوق على ما قيل. ويحتمل أن يراد الصلاحُ الدنيويُّ، أي: صالحين في أمر دنياكم، فإنه ينتظم لكم بعده بخلوِّ وجه أبيكم. وإيثار الخطاب في ((لكم)) وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول، فإن اعتناء المرء بشأن نفسه واهتمامَه بتحصيل منافعه أتمُّ وأكمل. ﴿قَالَ قَابِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهوذا، وكان رأيُه فيه أهونَ شرًّا من رأي غيره، وهو القائل: ﴿فَلَنْ أَبْرَجَ الْأَرْضَ﴾ إلخ [يوسف: ٨٠] قاله السدي. وقال قتادة وابن إسحاق: هو روبيل. وعن مجاهد: أنه شمعون. وقيل: دان. وقال بعضهم: إنَّ أحد هذين هو القائل: ((اقتلوا يوسف)) إلخ، وأما القائل: ﴿لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ فغيرُه. ولعل الأصحَّ أنه يهوذا. قيل: وإنما لم يُذكر أحدٌ منهم باسمه ستراً على المسيء، وكلٌّ منهم لم يَخْلُ عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحدٍ أن يعيِّن أحداً منهم باسمه تأسِّياً بالكتاب ليس بشيء؛ لأنَّ ذلك مقامُ تفسيرٍ، وهو فيه أمرٌ مطلوب. والجملةُ مستأنفةٌ استئنافاً بيانيًّا، كأنَّ سائلاً سأل: اتَّفقوا على ما عُرِضَ عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد؟ فقيل: قال قائلٌ منهم: ((لا تقتلوا)) إلخ. والإتيانُ بـ ((يوسف)) دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظامٍ قَتْلِه وهو هو؛ فإنه يُروى أنه قال لهم: القتلُ عظيمٌ، ولم يصرِّح بنهيهم عن الخصلة الأخرى، وأحاله على أولويةِ ما عَرَضَه عليهم بقوله: ﴿وَأَلْقُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبِّ﴾ أي: في قَعْرِهِ سُؤَُّلُ لُوسُفَ ٢٢٤ الآية : ١٠ وغَوْرِهِ، سمِّي به لغيبته عن عين الناظر، ومنه قيل للقبر: غَيابة، قال المنخّل السعدي(١): إذا أنا يوماً غيَّبتني غَيَابتي فسيروا بسَيْري في العشيرة والأهل وقال الهرويُّ: الغيابةُ في الجبِّ شِبْهُ كهفٍ (٢) أو طاقٍ في البئر فوق الماء يغيِّبُ ما فيه عن العیون. والجبُّ: الرَّكِيَّةُ التي لم تُطْوَ فإذا طُويَتْ فهي بئرٌ(٣)، قال الأعشى: لئن كنتَ في جبِّ ثمانين قامةً ورقِّيتَ أسبابَ السماء بسلَّم(٤) ويجمع على جبب(٥) وجِبَاب وأجباب، وسمِّي جبًّا لأنه جُبَّ (٦) من الأرض، أي: قُطِعَ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى الكلامُ في تأنيثه وتذكيره. وقرأ نافع: ((في غيابات)) في الموضعين(٧)، كأنَّ لتلك الجبِّ غياباتٍ، ففيه إشارةٌ إلى سعتها، أو أراد بالجب الجنس، أي: في بعض غيابات الجب. وقرأ ابن هرمز: ((غيَّابات)) بتشديد الياء التحتية، وهو صيغةُ مبالغةٍ، ووزنُه على (١) كذا نقل المصنف عن البحر ٢٨٤/٥، وذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٠٢/١ عن المنخل بن سبيع العنبري، والعنبري والسعدي شاعران ذكرهما الآمدي في المؤتلف والمختلف ص٢٧١ و ٢٧٢، ولكنه ذكر السعدي فيمن اسمه المتنخل، وقال: لم يقع إلي من شعره شيء، ثم أورد له بيتاً استشهد به الكسائي والفراء كما قال. والبيت منسوب للمنخل في معاني القرآن للزجاج ٩٤/٣، والكشاف ٣٠٥/٢، والمحرر الوجيز ٢٢٢/٣، وزاد المسير ١٨٥/٤. وهو في معاني القرآن للزجاج برواية: غيبتني منيتي. (٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في تفسير القرطبي ٢٦٣/١١، والبحر ٢٨٤/٥، والدر المصون ٦ /٤٤٦ نقلاً عن الهروي: شبه لَجَفٍ، واللَّجَفُ: حَفْرٌ في جانب البئر. القاموس (لجف). (٣) الركية: البئر، وطَوَى الركيةَ: عرشها بالحجارة والآجر. اللسان (طوى). (٤) ديوان الأعشى ص١٧٣ . (٥) كذا في الأصل و(م)، والذي في المعاجم: جِبَبَة كقِرَدة. ينظر العين ٢٥/٦، والصحاح واللسان والقاموس والتاج (جبب)، وذكروا أن جُبَب كقُبب جمع الجبة التي بمعنى الثوب، أو من أسماء الدرع. (٦) في الأصل: جبّب. (٧) التيسير ص١٢٧، والنشر ٢٩٣/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. الآية : ١٠ ٢٢٥ سُؤَلٌ تُوسُفَ ما نقل صاحب ((اللوامح)) يجوز أن يكون فعَّالات كحمَّامات، ويجوز أن يكون فَيْعَالات، كشَيْطانات في جمع شيطانة (١). وقرأ الحسن: ((غَيَبَةَ)) بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغَلَبة، ويحتمل أن يكون جمعَ غائبٍ كصانع وصَنَعة (٢). وفي حرف أبيٍّ ◌َُّه: ((غَيْبة)) بسكون الياء التحتية(٣) على أنه مصدرٌ أُرِيدَ به الغائب. ﴿يَقِطَّهُ﴾ أي: يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف، فإنَّ الالتقاط أخذُ شيءٍ مُشْرِفٍ على الضياع، كذا قيل، وفي ((مجمع البيان)): هو أن يجد الشيء ويأخذَه من غير أن يحسبه (٤)، ومنه قوله: ومنهلٍ وردتُه التقاطا (٥) ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: بعضُ جماعةٍ تسير في الأرض و((أل)) في ((السيارة)) كما في ((الجب))، وما فيهما وفي البعض من الإبهام لتحقيق ما يتوخَّاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تَنَائي يوسفَ عليه السلام عنهم بحيث لا يُدْرَى أثرُه ولا يُرْوَی خبرُه. وقرأ الحسن: ((تلتقطه))(٦) على التأنيث باعتبار المعنى، كما في قوله: (١) البحر ٢٨٤/٥، والقراءة ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٢، وابن جني في المحتسب ٣٣٣/١. (٢) البحر ٢٨٤/٥، والقراءة ذكرها أيضاً في القراءات الشاذة ص٦٢. (٣) القراءات الشاذة ص٦٢، والبحر ٢٨٤/٥، وهي في المحتسب ٣٣٣/١ عن الحسن. (٤) مجمع البيان ١٢/ ١٥. (٥) الرجز لنقادةَ الأسدي كما في شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص٢٠٠، واللسان (فرط) و(لقط)، والتاج (فرط) و(لغط) و(لقط)، وعزاه البكري في فصل المقال ٥٠٨/١ لأبي محمد الفقعسي، وهو دون نسبة في إصلاح المنطق ص٧٩ و ١٠٩، والأمثال لأبي عبيد ص٣٧٦، والصحاح (لقط)، والمستقصى ٢/ ٢٨٥، وبعده: لم ألق إذ وَرَدْتُه فُرَّاطا. قال البكري: أنشده اللغويون شاهداً على لقيته التقاطاً، إلى لقيته من غير طلبٍ ولا تعمُّدٍ، ولا قصدٍ للقائه. (٦) القراءات الشاذة ص ٦٢، والبحر ٢٨٤/٥. سُوَلةُ لُوسُفَ ٢٢٦ الآية : ١١ إذا بعضُ السنينَ تَعرَّقَتْنا كفى الأيتامَ فَقْدَ أبي اليتيم(١) وجاء: قُطعَتْ بعضُ أصابعه، وجعلوا هذا من باب اكتساب المضافٍ من المضاف إليه التأنيث، كقوله: كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدَّم(٢) ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ ﴾﴾ أي: إن كنتم عازمين مصرِّين على أن تفعلوا به ما يفرِّقُ بينه وبين أبيه، أو: إن كنتُم فاعلين بمشورتي ورأيي فألقوه إلخ، ولم يُبُثَّ القولَ لهم بل عَرَضَ عليهم ذلك تأليفاً لقلوبهم، وتوجيهاً لهم إلى رأيه، وحَذَراً من سوء ظنِّهم به. ولما كان هذا مظنةً لسؤالٍ سائلٍ يقول: فما فعلوا بعد ذلك، هل قبلوا رأيه أم لا؟ فأجيبَ على سبيل الاستئناف على وجهٍ أُدْرِجَ في تضاعيفه قبولُهم له بما سيجيءُ إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: ﴿وَأَجْمَعُوَاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِ غَيَبَتِ الْمُنْ﴾ [يوسف: ١٥] فقيل: ﴿قَالُواْ يَكَانَ﴾ خاطبوه عليه السلام بذلك تحريكاً لسلسلة النسب، وتذكيراً الرابطة الأخوَّة؛ ليتسبَّبوا بذلك استنْزالَه عن رأيه في حِفْظِه منهم لما أحسَّ بحسدهم، فكأنهم قالوا: ﴿مَا لَكَ﴾ أي: أيُّ شيءٍ لك ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ لا تجعلنا أمناءً ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا ﴿وَإِنَّا لَهُ لَصِحُونَ ﴾﴾ مُريدونَ له الخيرَ ومشفقون عليه، ليس فينا ما يُخِلُّ بذلك. وجملةُ ((لا تأمنًا)) في موضع الحال، وكذا جملةُ ((وإنّا له لناصحون)). والاستفهامُ بـ ((ما لَكَ)) فيه معنى التعجّب، والكلامُ ظاهرٌ في أنه تقدَّم منهم سؤالُ أنْ يَخْرُجَ عليه السلام معهم فلم يَرْضَ أبوهم بذلك. وقرأ الجمهور: ((لا تأمنا)) بالإدغام والإشمام، وفُسِّر بضمِّ الشفتين مع انفراج (١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٢١٩/١، والكتاب ٥٢/١، والخزانة ٢٢٠/٤، وفيه: بعض: فاعل فعل محذوف يفسره تعرقتنا المذكور، يقال: تعرَّفْتُ العظمَ: إذا أكلتَ ما عليه من اللحم، يريد أنها أذهبت أموالنا ومواشينا. والسنة هنا: القحط والجدب. وكفى بمعنى أغنى يتعدَّى إلى مفعولين، أولهما الأيتام، وثانيهما فَقْدَ. (٢) وصدره: وتَشْرقَ بالقول الذي قد أَذَعْتَه، والبيت للأعشى، وسلف ٣٦٦/٤، و٣١/٦. الآية : ١٢ ٢٢٧ سُورَةُ بُوسُفَ بينهما إشارةً (١) إلى الحركة مع الإدغام الصريح كما يكون في الوقف، وهو المعروفُ عندهم وفيه عسرٌ هنا، ويطلق على إشرابٍ الكسرة شيئاً من الضمة، كما قالوا في (قيل))، وعلى إشمام أحد حرفين شيئاً من حرفٍ آخر، كما قالوا في الصراط. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿يَا وأبو جعفر والزهريُّ وعمرو بن عبيد بالإدغام من غير إِشمام(٢)، وإرادةُ النفي ظاهرة. وقرأ ابن هرمز بضم الميم مع الإدغام، وهذه الضمةُ منقولةٌ إلى الميم من النون الأولى بعد سَلْبٍ حركتها(٣). وقرأ أبيٍّ والحسن وطلحةُ بن مصرِّفٍ والأعمش: ((لا تأمنُنا)) بالإظهار وضمِ النون على الأصل(٤). وهو خلافُ خطّ المصحف لأنه بنونٍ واحدة. وقرأ ابن وثاب وأبو رزين: ((لا تِيمَنَّا)) بكسر حرف المضارعة على لغة تميم؛ وسهّل الهمزة بعد الکسرة ابنُ وثاب(٥)، ولم يسهِّل أبو رزين. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عاصم أنه قرأ بذلك بمحضر عبيد بن نُضَيْلةً فقال له: لَحنْتَ. فقال أبو رزين: ما لَحَنَ مَن قرأ بلغة قومه(٦). ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ نصبٌ على الظرفية الزمانية، وهو يطلقُ على اليوم الذي يلي يومَكَ، وعلى الزمن المستقبل مطلقاً، وأصلُه: غدو، فحذفت لامُه، وقد جاء تامًّا . أي: ابعثه معنا غداً إلى الصحراء ﴿يَرْبَعْ﴾ أي: يتّسع في أكل الفواكه ونحوِها. وأصلُ معنى الرَّتْع أنْ تأكُلَ وتشربَ ما تشاء في خصبٍ وسعة، ويقال: رَتَعَ: أقامَ (١) جاء في هامش الأصل و(م): قالوا: وهذه الإشارة بعد الإدغام أو قبله، وفي الثاني تأمُّلٌ. اهـ منه. والكلام مع الحاشية من حاشية الشهاب ١٦٠/٥ . (٢) النشر ٣٠٣/١، عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٢٨٥/٥. (٣) أي: بعد سلب الميم حركتها. البحر ٢٨٥/٥، والدر المصون ٤٤٨/٦. (٤) القراءات الشاذة ص٦٢، والبحر ٢٨٥/٥. (٥) البحر ٢٨٥/٥. (٦) الدر المنثور ٩/٤، وفيه :... عن أبي قاسم قال: قرأ أبو رزين: ((مالك لا تيمنًّا))، قال له عبيد بن نضلة: لحنت ... ، وتصحف نضيلة في (م): إلى فضلة، وفي الأصل والدر إلى: نضلة. والمثبت من تهذيب الكمال ٢٣٩/١٩، وتهذيب التهذيب ٤١/٣. سُوَةٌ تُوسُفَ ٢٢٨ الآية : ١٢ فيٍ خصبٍ وتنقُّم، ويسمَّى الخصبُ رتعةً بسكون التاء وفتحها. وذكر الراغب أنَّ الرتع حقيقةٌ في أكل البهائم ويستعار للإنسان إذا أُريدَ به الأكلُ الكثير، وعلى ذلك قولُه: وإذا يخلو له لحمي رتع(١) ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالاستباق والانتضال ونحوهما مما يُتَدرَّب به لقتال العدو، وليس المراد لعبَ لهوٍ وإلّا لم يقرّهم عليه يعقوب عليه السلام، وإنما عبّروا عن ذلك به لكونه على هيئته تحقيقاً لِمَا رامُؤْه(٢) من استصحاب يوسف عليه السلام بتصويرهم له بصورةٍ ما يلائمُ حاله عليه السلام من صغر السن. وقرأ الجمهور: ((يَرْتَعْ ويَلْعَبْ)) بالياء والجزم(٣)، والابنان وأبو عمرو بالنون والجزم(٤). وكَسَر العينَ الحِرْميَّان(٥)، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها(٦). ويُرْوَى عن ابن كثير: ((نرتع)) بالنون ((ويلعب)) بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد (٧) . (١) مفردات الراغب (رتع)، والبيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري كما في المفضليات ص١٩٨، وصدره: ويُحيِّني إذا لاقيتُه. (٢) في (م): رموه، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ٢٥٧. (٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٣/٢. وقرأ بها أيضاً يعقوب وخلف من العشرة. (٤) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٣/٢ عن أبي عمرو وابن عامر، والكلام من البحر ٢٨٥/٥، والابتان هما ابن كثير وابن عامر. (٥) الحرميان هما نافع وابن كثير، فنافع قرأ بالياء وكسر العين في ((يرتع)) من غير ياء، ومثله قرأ أبو جعفر. وأما ابن كثير فرواية قنبل والبزي عنه بالنون، وكَسَر البزي العين من غير ياء، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها كما سيرد. (٦) نُقل عنه ثبوت الياء بعد العين وصلاً ووقفاً، وحذفُها وصلاً ووقفاً، فيوافق البزي في أحد الوجهين عنه. النشر ٢٩٣/٢ و٢٩٧، والدر المصون ٤٤٩/٦. وجاء في هامش الأصل و(م): روي عنه الإثبات وصلاً ووقفاً، وفي روايةٍ إثباتها في الوقف دون الوصل، وهو المروي عن البزي. اهـ منه. (٧) البحر ٥/ ٢٨٥، والمشهور عن ابن كثير القراءة بالنون في الفعلين كما تقدم. الآية : ١٢ ٢٢٩ سُورَةُ تُوسُف وقرأ العلاء بن سيابة: ((يرتع)) بالياء وكَسْرِ العين مجزوماً محذوفَ اللامِ ((ويلعبُ)) بالياء أيضاً وضمِّ الباء على أنه مستأنفٌ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: وهو يلعبُ(١). وقرأ مجاهد وقتادة وابن محيصن: ((تُرْتِعْ)) بنونٍ مضمومةٍ وعيٍ ساكنةٍ من أَرْتَعْنا، ((ونَلْعَبْ)) بالنون أيضاً، وكذلك أبو رجاء إلا أنه بالياء التحتية فيهما، والقراءتان على حذف المفعول، أي: نُرْتِع المواشيَ أو غَيْرَها (٢). والفعلان في هذه القراءات كلِّها مبنيَّان للفاعل. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿هَا: ((يُرْتَعْ ويُلْعَبْ)) بالياء والبناء للمفعول فيهما، وخرِّجَ ذلك على أنَّ نائب الفاعل ضميرُ ((غداً))، والأصل: یَرْتَغْ فیه ویلْعَبْ فیه، ثم حُذف الجارُّ واتُّسع فعدِّيَ الفعلُ للضمير، فصار: يَرْتَعْه ويَلْعَبْه، ثم بُني للمفعول فاستَتَر الضمير الذي كان منصوباً لكونه نائباً عن الفاعل(٣) . ومَن كَسَر العينَ من الفعل الأول فهو عنده من المراعاة على ما روي عن مجاهد، أي: يُراعي بعضُنا بعضاً ويحرسه. وقال ابن زيد: مِن رَغْي الإبل، أي: نتدرَّب في الرعي وحِفْظِ المال. أو مِن رعي النبات والكلأ، والمراد: نَرْعَى مواشيَنا، إلا أنه أسند ذلك إليهم مجازاً، أو تجوّز عن أكلهم بالرعي. وضعَّف ابنُ عطية القراءة بإثبات الياء، وقال: إنَّ إثباتها في مثل هذا الموضع لا يجوز إلا في الشعر، كقوله: أَلَمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبونُ بني زياد(٤) وقيل: إنَّ تقدير حذف الحركة في الياء ونحوها للجازم لغةٌ، وليس من الضرورة في شيءٍ. (١) البحر ٢٨٥/٥، والقراءة في المحتسب ٣٣٣/١. (٢) البحر ٢٨٥/٥، وقراءة أبي رجاء في المحتسب ٣٣٣/١. (٣) البحر ٢٨٥/٥. (٤) المحرر الوجيز ٢٢٤/٣، والبيت لقيس بن زهير كما في النوادر في اللغة لأبي زيد ص٢٠٣، والأغاني ١٩٨/١٧، وهو دون نسبة في الكتاب ٣١٦/٣، والمحتسب ٦٧/١، ورواية الأغاني: ألم يبلغك. سُوَاُ لُوسُفَ ٢٣٠ الآية : ١٣ وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن حيان أنه كان يقرأ ((نلهو ونلعب))(١). ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾﴾ أي: مِن أن يناله مكروهٌ، والجملةُ في موضع الحال، والعاملُ فيها فِعْلُ الأمر أو الجواب، وليس ذلك من باب الإعمال كما قال أبو حيان؛ لأنَّ الحال لا تُضْمَرُ، وذلك الباب لا بدَّ فيه من الإضمار إذا أعمل الأول(٢). وقد أكَّدوا مقالتهم بأصناف التأكيد من إيراد الجملة اسميةً، وتحليتِها بـ ((أنّ) واللام، وإسنادِ الحفظ إلى كلُّهم، وتقديم ((له)) على الخبر، احتيالاً في تحصيل مقصدهم. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّ سائلاً يقول: فماذا قال أبوهم لهم؟ فقيل: قال: ﴿إِ لَيَحْزُنُنِيّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ لشدَّة مفارقته عليَّ، وقلَّة صبري عنه. واللامُ الداخلةُ على خبر إنَّ إذا كان مضارعاً قيل: تَقْصُره على الحال، وهو ظاهرُ كلام سيبويه. وقيل: تكونُ له ولغيره، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤]. وقيل: إنها للحال إن خلتْ عن قرينةٍ، ومعها تكونُ لغيره، وجعلوا من ذلك ما في الآية. وبعضُهم جعلها هنا للحال، واستشكل بأنَّ الذهاب مستقبلٌ فيلزمُ تقدُّم الفعل على فاعله، وهو غيرُ جائز لأنه أثرُه ولا يُعقل تقدُّم الأثر على المؤثِّر. وأجيب بأنَّ التقدير: قَصْدُ أو توقُّعُ أن تذهبوا به، فالكلامُ على تقدير المضاف وهو الفاعل، وليس ذاك أمراً مستقبلاً بل حال، ولا يمتنعُ في ذلك حذفُ الفاعل؛ لِمَا صرَّحوا به أنه إنما يمتنع إذا لم يسدَّ مسدَّه شيءٌ، وهنا قد سَدَّ، ولا يجب أن يكون السادُّ هو المضاف إليه كما ◌ُظُنَّ بل لو سدَّ غيرُه كان الحذف جائزاً أيضاً، ومن هنا كان تقديرُ: قَصْدُكم أن تذهبوا، صحيحاً، ويحتمل أن يكون ذلك تقديرَ معنّى لا تقديرَ إعراب. (١) الدر المنثور ٤ / ٩. (٢) البحر ٢٨٥/٥. الآية : ١٣ ٢٣١ سوڕۆُلُوسُفَ وقال بعضهم: إنه يمكن دفعُ الإشكال من غير حاجةٍ إلى تقدير المضاف بأن يقال: إنَّ الذهاب يَحْزُنُه باعتبار تصوُّرِه كما قيل نظيرُه في العلة الغائية. وقال شهاب فلك التحقيق(١): أظنُّ أنَّ ما قالوه في توجيه الإشكال مغلطةٌ لا أصل لها؛ فإنَّ لزومَ كون الفاعل موجوداً عند وجود الفعل إنما هو في الفاعل الحقيقيِّ لا النحويِّ واللغويِّ، فإنَّ الفعل قد يكون قبله سواءٌ كان حالاً - كما فيما نحن فيه - أو ماضياً، كما أنه يصح أن يكون الفاعلُ في مثله أمراً معدوماً كما في قوله: ومَن سرَّه أنْ لا يرى ما يسوؤه فلا يتَّخِذْ شيئاً يخافُ له فَقْدا(٢) ولم يقل أحدٌ في مثله إنه محتاجٌ إلى التأويل؛ فإنَّ الحزن والغمَّ كالسرورِ والفرحِ يكون بالشيء قبل وقوعه كما صرَّح به ابنُ هلالٍ في ((فروقه))(٣)، ولا حاجةً إلى تأويلٍ أو تقديرٍ أو تنزيلٍ للوجود الذهنيِّ منزلةَ الخارجيِّ على القول به، أو الاكتفاء به، فإنَّ مثله لا يعرفه أهل العربية أو اللسان(٤)، فإن أبيت إلا اللجاج فيه فليكن من التجوُّز في النسبة إلى ما يستقبل لكونه سبباً للحزن الآن. اهـ. وأنت تعلم أنهم صرَّحوا بأنَّ فِعْلَ الفاعل الإصلاحي إما قائم به أو واقعٌ منه، وقيامُ الشيء بما لم يوجد بعدُ أو وقوعُه(٥) منه غيرُ معقولٍ، وحينئذٍ فالتأويلُ بما يصحِّح(٦) القيامَ أو الوقوعَ في فاقد ذلك بحسب الظاهر واجبٌ، کذا قيل فتدبر. (١) في (م): شهاب ذلك التحقيق، والمثبت من الأصل، وهو الصواب، والمقصود به الشهاب الخفاجي، وكلامه في حاشيته على البيضاوي ٥/ ١٦٠، وما قبله منه. (٢) البيت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر كما في ثمار القلوب ص ٦٩٣، والتمثيل والمحاضرة ص١٠٤، والمستطرف ١٠٨/٢ . (٣) ينظر الفروق في اللغة لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد العسكري ص٤٧٤ -٤٧٥. (٤) في الحاشية: واللسان. (٥) في (م): ووقوعه. (٦) في (م): يصح. سُورَةُ مُوسُفَ ٢٣٢ الآية : ١٣ وقرأ ابن هرمز وابن محيصن: ((ليحزنِّي)) بالإدغام، وبذلك قرأ زيد بن عليٍّ ﴿ّ. وقرأ أيضاً: (تُذْهِبوا به)) من أَذْهَبَ رباعيًّا، ويخرَّج كما قال أبو حيان على زيادة الباء في ((به)) كما خرَّج بعضهم: ((تُنْبِتُ بالدهن)) في قراءةٍ مَن ضمَّ التاء وكَسَرَ الباء الموخَّدة على ذلك، أي: لَيَحْزُنِّي أن تُذْهِبوه(١). ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّعْبُ﴾ هو حيوانٌ معروفٌ، وخصّه بالذِّكر لأنَّ الأرض - على ما قيل - كانت مَذْأبةً(٢). وقيل: لأنه سبعٌ ضعيفٌ حقيرٌ، فنبّه عليه السلام بخوفه - عليه السلام - عليه منه على خوفه عليه مما هو أعظمُ منه افتراساً من بابٍ أَوْلَى. ولحقارةِ الذئب خصَّه الربيعُ بن ضَبُعِ الفزاريُّ في كونه يخشاه لَمَّا بلغ من السنِّ ما بلغ في قوله : والذئبَ أخشاه إنْ مررتُ به وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا(٣) وقيل: لأنه عليه السلام رأى في المنام أنَّ ذئباً قد شدَّ عليه فكان يَحْذَرُه، ولعل هذا الحذر لأنَّ الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتُهم بعينها واقعةً، وإلَّا فالذئب في النوم يؤوَّلُ بالعدوّ. وادَّعى بعضهم أنه عليه السلام ورَّى بالذئب عن واحدٍ منهم، فإنه عليه السلام أجلُّ قدراً من أنْ لا يعلم أنَّ رؤياه تلك من أيِّ أقسام الرؤيا هي، فإنَّ منها ما يحتاج إلى التعبير(٤) ومنها ما لا يحتاج إليه، والكاملُ يعرف ذلك. وتعقّب بأنه يحتمل أن يكون الأمر قد خفي عليه كما قد خفي مثلُ ذلك على جدِّه إبراهيمَ عليه السلام وهو هو (٥)، بناءً على ما ذكره شيخنا ابن العربي قدِّس سرُّه من أنَّ رؤياه عليه السلام ذبحَ ولده من الرؤيا المعبَّرةِ بذبح كبشٍ لكنه خفي عليه ذلك(٦)، ولا يَخْفَي ما فيه. (١) البحر ٢٨٦/٥، وعنه نقل المصنف ما أورده من قراءات. (٢) بفتح الميم، أي: كثيرة الذئاب، ومَفْعَلة يصاغ لهذا المعنى كثيراً. حاشية الشهاب ١٦١/٥. (٣) الكتاب ٩٠/١، والمحتسب ٩٩/٢، والخزانة ٣٨٤/٧، وسلف ٩/ ١٩٠. (٤) في (م): للتعبير. (٥) قوله: هو، ليس في (م). (٦) الفتوحات المكية ٢٤١/٤. الآية : ١٣ ٢٣٣ سُؤَدَةُلُوسُفَ والمذكورُ في بعض الروايات أنه عليه السلام رأى في منامه كأنه على ذروة جبل وكأنَّ يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرةٌ من الذئاب قد اخْتَوَشَتْه تريد أكله، فدرأ عنه(١) واحدٌ ثم انشقَّتِ الأرضُ فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام. وأنا لم أجد لرواية الرؤيا مطلقاً سنداً يعوَّلُ عليه، ولا حاجة بنا إلى اعتبارها؛ لتكلُّف الكلام فيها، وبالجملة ما وقع منه عليه السلام من هذا القول كان تلقيناً للجواب من غير قَصْدٍ، وهو على أسلوب قوله سبحانه: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيرِ﴾ [الانفطار: ٦] والبلاءُ موَّلٌ بالمنطق(٢). وأخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عمر ظًّا قال: قال رسول الله وَلّ: ((لا تلقِّنوا الناس فيكذبوا، فإنَّ بني يعقوبَ لم يعلموا أنَّ الذئب يأكل الناس فلمَّا لقَّتهم أبوهم كذبوا فقالوا: أكله الذئب)»(٣). والحزنُ ألمُ القلب لفوت المحبوب، والخوف انزعاجُ النفس لنزول المكروه، ولذلك أسند الأول إلى الذهاب به المفوّت لاستمرار مصاحبته ومواصلتِه ليوسف عليه السلام، والثاني إلى ما يتوقَّعُ نزوله من أكل الذئب. والذئبُ أصله الهمزة وهي لغةُ الحجاز، وبها قرأ غيرُ واحدٍ، وقرأ الكسائيُّ وخلف وأبو جعفر وورشٌ والأعشى وغيرُهم بإبدالها ياءً (٤)؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، وهو القياسُ في مثل ذلك، وذكر بعضهم أنه قد هَمَزَه على الأصل ابنُ کثیر، ونافعٌ في رواية قالون، وأبو عمرو وقفاً، وابن عامر وحمزة درجاً وأَبْدلا وقفاً (٥). (١) في (م): عند، وهو تصحيف. (٢) قطعة من حديث أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٣٧٣) و (١٣٧٥) عن ابن مسعود وأبي الدرداء ؤها، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَظاهر. اهـ. وقد ذكر السخاوي في المقاصد الحسنة ص١٤٧ طرقه، ثم قال: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء وابن مسعود، ولا يَحْسُنُ بمجموع ما ذكرناه الحكمُ عليه بالوضع. (٣) الدر المنثور ١١/٤، وهو في الفردوس للديلمي ٢٠/٥، وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. (٤) التيسير ص١٢٨، وجامع البيان في القراءات السبع ٢١٥/٢، والنشر ٣٩٠/١-٣٩٤. (٥) وهذا هو المشهور عن حمزة، وأما نافع فالمشهور عنه الهمز درجاً ووقفاً. ينظر السبعة لابن مجاهد ص٣٤٦، والبدور الزاهرة ص١٦١ . سُؤُالأُوسُفَ ٢٣٤ الآية : ١٤ ولعل ذلك لأنَّ التقاء الساكنين في الوقف وإن كان جائزاً إلا أنه إذا كان الأول حرفَ مدِّ یکون أحسن. وقال نصر(١): سمعتُ أبا عمرو لا يهمزه، والظاهر أنه أراد مطلقاً، فيكون ما تقدَّم روايةً وهذه أخرى(٢). ويجمع على أذوب وذئاب وذوبان، واشتقاقُه عند الزمخشريِّ من تَذَاءبتِ الريحُ: إذا هَبَّتْ من كلِّ جهةٍ(٣). وقال الأصمعيُّ: إنَّ اشتقاق تَذَاءَبَتْ من الذئب؛ لأنَّ الذئب يفعله في عدوه؛ قيل: وهو أنسبُ، ولذا عدَّ تذاءبت الريح من المجاز في ((الأساس)) (٤)، لكنْ قيل عليه: إنَّ أَخْذَ الفعل من الأسماء الجامدة كأبَلَ(٥) قليلٌ مخالفٌ للقياس. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ (١٣) لاشتغالكم بالرَّتْع واللَّعِب، أو لقلَّة اهتمامكم بحفظه. ﴿قَالُواْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّتْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: والحالُ أنَّا جماعةٌ جديرةٌ بأنْ تُعْصَبَ بنا الأمور، وتُكْفَى بآرائنا وتدبيراتنا الخطوب، واللامُ الداخلة على الشرط موِّئَةٌ للقسم، وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾﴾ جوابٌ مجزِئٌّ عن الجزاء. والخسارُ إمَّا بمعنى الهلاك تجوُّزاً عن الضعف، أو عن (٦) استحقاقه، أو عن استحقاق الدعاء به، أي: لضعفاءُ عاجرون، أو مستحقُّون للهلاك لا غناءَ عندنا ولا نفعَ في حياتنا، أو: مستحقُّون لأَنْ يُدْعَى علينا بالخسار والدمار، فيقال: (١) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٢٨٦/٥، والصواب: نصر بن عليٍّ عن أبيه، كما في السبعة ص٣٤٦، وجامع البيان للداني ٢١٥/٢، وعلي هو ابن نصر بن علي بن صهبان، أبو الحسن الجهضمي البصري، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء وغيره، وممن روى عنه القراءة ابنه نصر بن علي، توفي سنة (١٨٩ هـ). طبقات القراء لابن الجزري ٥٨٢/١. (٢) ينظر تفصيل مذهب أبي عمرو في هذه المسألة في النشر ٣٩١/١-٣٩٤. (٣) الكشاف ٣٠٦/٢، وفيه: وقيل: اشتقاقه من تذاءبت ... (٤) مادة (ذأب). (٥) كضَرَب: كثرت إبله. (٦) قوله: عن، ليس في (م). الآية : ١٥ ٢٣٥ سُورَةُ تُوسُفَ خسرهم الله تعالى ودمّرهم إذا أكل الذئبُ أخاهم وهم معه. وجوِّز أن يكون بمعناه الحقيقيّ، أي: إنْ لم نَقْدِرْ على حفظه وهو أعزُّ شيءٍ عندنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها . وإنما اقتصروا على جوابٍ خوفٍ أبيهم عليه السلام مِن أَكْلِ الذئب مع أنه ذَكَر في وجهِ عدمٍ مفارقته أمرين: حزنَه لمفارقته، وخوفَه عليه من الذئب؛ لأنه السبب القويُّ في المنع دون الحزن لقِصَرِ زمانه بناءً على سرعة عَوْدِهم به، أو لأنَّ حزنه بالذهاب به إنما هو للخوف عليه، فنفيُ الثاني يدلُّ على نفي الأول، أو لكراهتهم لذلك لأنه سببُ حسدهم له، فلذلك أعاروه أذناً صمَّاء. ﴿فَمَا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ﴾ أي: عزموا عزماً مصمِّماً على ﴿أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الُّْ﴾ قيل: هو بئر على ثلاث فراسخَ من مقام يعقوب عليه السلام بكنعان التي هي من نواحي الأردن. وقيل: هو بين مصر ومَدْيَنَ. وقيل: بنفس أرض الأردن. وزعم بعضُهم أنها بئرُ بيتِ المقدس، وتعقّب بأنه يردُّه التعليلُ بالْتقاطِ بعض السيارة ومجيئهم عشاءً ذلك اليوم، فإنَّ بين منزل يعقوب عليه السلام وبيت المقدس مراحل. وجوابُ ((لَمَّا)) محذوف إيذاناً بظهوره وإشعاراً بأنَّ تفصيله مما لا يحويه فلكُ العبارة، ومجملُه: فعلوا ما فعلوا. وقدَّره بعضهم: عَظُمت فتنتُهم، وهو أولى من تقديرٍ: وضعوه فيها . وقيل: لا حذفَ والجوابُ ((أوحينا))، والواو زائدةٌ. وليس بشيءٍ. وقال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إنَّ إخوة يوسف عليه السلام قالوا: أما تشتاقُ أن تخرجَ معنا إلى مواشينا فنتصيَّد ونَسْتَبِقَ؟ فقال عليه السلام: بلى قالوا: فسَلْ أباك أن يرسلك معنا. فقال عليه السلام: أَفْعَلُ. فدخلوا بجماعتهم على يعقوب فقالوا: يا أبانا إنَّ يوسف قد أحبَّ أن يخرج معنا إلى مواشينا. فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت، إنِّي أرى من إخوتي من اللِّين واللطف فأحِبُّ أن تأذن لي. وكان يعقوبُ يكره مفارقته ويحبُّ مرضاته، فأذن له وأرسله معهم، فلما خرجوا به جعلوا يحملونه على رقابهم ويعقوب ينظر إليهم، فلما بَعُدوا سُؤَةُ لُوسُفَ ٢٣٦ الآية : ١٥ عنه وصاروا به إلى الصحراء ألقَوْه إلى الأرض، وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وبسطوا له القول، وجعلوا يضربونه، فجعل كلما جاء إلى واحدٍ منهم واستغاث به ضربه، فلمَّا فَطِنَ لِمَا عزموا عليه جعل ينادي: يا أبتاه(١)، لو رأيتَ يوسف وما نزل به من إخوته لأَحْزَنَك ذلك وأبكاك، با أبتاه ما أسرع ما نَسُوا عهدك وضيّعوا وصیتك. وجعل یبکي بكاءً شديداً، فأخذه روبيل فجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلاً يا أخي لا تقتلني. فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحبُ الأحلام، قل لرؤياك تخلّصك من أيدينا. ولوی عنقه فاستغاث بيهوذا وقال له: اتَّق الله تعالى فيَّ وحُلْ بيني وبين مَن يريد قتلي. فأدركته رحمةُ الأخوة ورقَّ له، فقال: يا إخوتاه، ما على هذا عاهدتموني، ألا أدلَّكم على ما هو أهونُ لكم وأَرْفَقُ به؟ قالوا: وما هو؟ قال: تُلْقُونه في هذا الجبِّ فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة. فانطلقوا به إلى بئرٍ هناك واسعٍ الأسفل ضيق الرأس، فجعلوا يُدلونه فيها، فتعلَّق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه ردُّوا عليَّ قميصي لأستَتر به في الجبِّ. فلم يفعلوا ثم ألقوه فيها، فقال لهم: يا إخوتاه أتَدَعوني وحيداً؟ قالوا (٢): ادْعُ الشمس والقمر والكواكب تؤنسك. وقيل: جعلوه في دلو ثم أَدْلَوْه، فلمَّا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة فيها . وروي أنهم لَمَّا ألقوه في الجبِّ جعل يبكي، فنادوه فظنَّ أنها رحمةٌ أدركتهم فأجابهم، فأرادوا رضخه بصخرة ليقتلوه، فمنعهم يهوذا . وكان عند يعقوب قميصُ إبراهيم عليه السلام الذي كساه الله تعالى إياه من الجنة حين ألقي في النار، وكان قد جعله في قصبةٍ من فضة وعلَّقه في عنق يوسف لَمَّا خرج مع إخوته، فلما صار في البئر أخرجه ملكٌ وألبسه إياه، فأضاء له الجب. (١) في (م): يا أبتا. (٢) في الأصل: فقالوا. الآية : ١٥ ٢٣٧ سُوَلاَ تُوسُفَ) وعن الحسن أنه لَمَّا ألقي فيها عَذُبَ ماؤها وكان يُغنيه عن الطعام والشراب(١)، ونزل عليه جبريل عليه السلام يؤنسُه، فلما أمسى نهض ليذهب فقال له: إنِّي أستوحشُ إذا ذهبتَ. فقال: إذا رُمْتَ شيئاً فقل: يا صريخَ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرِّجَ کَرْبِ المكروبين، قد ترى مكاني وتعلمُ حالي ولا يخفَی عليك شيءٌ من أمري. فلما قالها يوسف عليه السلام حقَّته الملائكة عليهم السلام واستأنس بهم. وقال محمد بن مسلم الطائفيُّ(٢): إنه عليه السلام لَمَّا أُلقي في الجب قال: يا شاهداً غيرَ غائبٍ، ويا قريباً غيرَ بعيدٍ، ويا غالباً غيرَ مغلوبٍ، اجْعَلْ لي فرجاً مما أنا فيه. وقيل: كان يقول: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ارْحَمْ ضَعْفي وقلَّةً حيلتي وصغر سنِّي. وأخرج ابن مردويه(٣) عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لَمَّا ألقي يوسفُ في الجبِّ أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا غلام مَن ألقاك في هذا الجب؟ قال: إخوتي. قال: ولمَ؟ قال: لمودة أبي إياي حسدوني. قال: تريد الخروج من هاهنا؟ قال: ذاك إلى إله يعقوب. قال: قل: اللهم إني أسألك باسمك المكنونِ المخزونِ، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، أن تغفر لي وترحمني، وأن تجعل لي(٤) من أمري فَرَجاً ومخرجاً، وأن ترزقني من حيث أحتسُب ومن حيث لا أحتسبُ. فقالها فجعل الله تعالى له من أمره فرجاً ومخرجاً، ورزقه ملكَ مصر من حيث لا يَحْتَسِبُ)) ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((أَلظّوا بهؤلاء الكلمات فإنهنَّ دعاءُ المصطفَيْنَ الأخيار)». (١) جاء في هامش الأصل و(م): وسيأتي رواية أن يهوذا كان يأتيه بالطعام قريباً إن شاء الله تعالی. اهـ منه. (٢) المكي، أبو عبد الله، روى عن عمرو بن دينار وابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وغيرهم، توفي سنة (١٧٧هـ). سير أعلام النبلاء ١٧٦/٨ . (٣) كما في الدر المنثور ٩/٤. (٤) قوله: لي، ليس في (م)، والمثبت من الأصل والدر المنثور. سُؤَادَةُ ◌ُوسُفَ ٢٣٨ الآية : ١٥ ورُوي غيرُ ذلك، والرواياتُ في كيفية إلقائه وما قال وما قيل له كثيرةٌ، وقد تضمَّنت ما يلينُ له الصخر، لكنْ ليس فيها ما له سندٌ يعوَّلُ عليه، والله تعالى أعلم. ﴿وَأَوْحِينَآَ إِلَيْهِ﴾ الضميرُ ليوسف، أي: أعلمناه عند ذلك تبشيراً له بما يَؤُولُ إليه أمرُه، وإزالةً لوحشته وتسليةً له، وكان ذلك على ما روي عن مجاهد بالإلهام. وقيل: بالإلقاء في مبشرات المنام. وقال الضحاك وقتادة: بإرسال جبريل عليه السلام إليه. والموحَى ما تضمَّنه قولُه سبحانه: ﴿لَتُنْتَنَّهُم بِأَتْرِهِمْ هَذَا﴾ وهو بشارةٌ له بالخلاص أيضاً، أي: لتخلصنَّ مما أنت فيه من سوء الحال وضيق المجال، ولتخبرنَّ إخوتك بما فعلوا بك. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ ﴾﴾ بأنك يوسفُ؛ لتبايُنِ حاليك: حالِكَ هذا، وحالك يومئذٍ بعلوِّ شأنك وكبرياءِ سلطانك، وبُعْدِ حالك من أوهامهم. وقيل: لبعد العهد المبدِّل للهيئات المغيِّر للأشكال. والأولُ أَدْخَلُ في التسلية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لَمَّا دخل إخوةٌ يوسفَ على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جيءَ بالصُّواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنَّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم يقال له يوسف يُدْنيه دونَكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتُموه في غيابةِ الجبِّ فأتيتم أباكم فقلتم: إنَّ الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدمِ كذبٍ. فقال بعضهم لبعض: إنَّ هذا الجامَ ليخبره بخبركم؛ ثم قال ابن عباس : فلا نرى هذه الآية (لَتُنِئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ) إلخ نزلت إلَّا في ذلك(١). وجوِّز أن يتعلق (وهم لا يشعرون)) بالإيحاء، على معنى: أنَّا آنسناه بالوحي وأَزَلْنا عن قلبه الوحشة التي أَوْرَثوه إياها وهم لا يشعرون بذلك، ويحسبون أنه مستوحشٌ لا أنيسَ له. وروي ذلك عن قتادة. وكان هذا الإيحاءُ وهو عليه السلام ابنُ ستّ عند الضحاك، واثنتي عَشْرةَ سنةً أو ثماني عَشْرةَ سنةً عند الحسن، وسبعَ عَشْرةَ سنة عند ابن السائب، وهو الذي یزعمه اليهود. وقيل غير ذلك. (١) تفسير الطبري ٣٣/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٦٢/٧. الآية : ١٦ ٢٣٩ سُوَةٌ تُوسُفَ ومَن نظر في الآيات ظهر له أنَّ الراجح كونُه عليه السلام لم يبلغ الحلم إذ ذاك، وعلى جميع الأقوال أنه عليه السلام لم يكن بالغاً الأربعين عند الإيحاء إليه، نعم أكثرُ الأنبياء عليهم السلام نبِّئوا في سنّ الأربعين، وقد أوحي إلى بعضهم - کیحیی وعیسی عليهما السلام - قبل ذلك بكثير. وزعم بعضهم أنَّ ضمير ((إليه)) يعود على يعقوب عليه السلام، وليس بشيء كما لا يخفى. وقرأ ابن عمر ﴿ه: ((لينبئنَّهم)) بياء الغيبة، وكذا في [بعض] مصاحف البصرة(١). وقرأ سلام بالنون على أنه وعيدٌ لهم (٢)، فقوله سبحانه: (وَهُمْ لَا يَشْعُونَ) متعلِّقٌ بـ ((أوحينا)) لا غير على ما قاله الزمخشريُ(٣) ومَن تبعه. ونُظر فيه بأنه يجوز أن يتعلَّق أيضاً بقوله تعالى: ((لننبئنهم)) وأن يراد بإنباء الله تعالى إيصالُ [جزاء] (٤) فعلهم به عليه السلام وهم لا يشعرون بذلك. ودُفع بأنه بناء على الظاهر، وأنه لا يجتمع إنباء الله تعالى مع عدم شعورهم بما أنبأهم به إلا بتأويلٍ، كتقديرٍ: لنُعْلِمِنَّهم بعظيمِ ما ارتكبوه قبلُ وهم لا يشعرون بما فيه. ﴿وَجَّهُوَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ﴾ أي: في ذلك الوقت، وهو - كما قال الراغب - من صلاة المغرب إلى العتمة، والعِشاءان: المغربُ والعَتَّمة (٥). وعن الحسن أنه قرأ: ((عُشَيًّا)) بضم العين وفتح الشين وتشديد الياء منوَّناً (٦)، وهو تصغير عَشِيٍّ، وهو (٧) من زوال الشمس إلى الصباح. (١) البحر ٢٨٨/٥، وما بين حاصرتين منه. (٢) القراءات الشاذة ص٦٢، والكشاف ٣٠٧/٢، والبحر ٢٨٨/٥. (٣) في الكشاف ٣٠٧/٢. (٤) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ١٦٢/٥، والكلام منه. (٥) مفردات الراغب (عشا). (٦) الكشاف ٢/ ٣٠٧، وتفسير البيضاوي مع حاشية ١٦٢/٥. (٧) أي: العَشِيُّ. سُوٌَّةٌ ◌ُوسُفَ ٢٤٠ الآية : ١٦ وعنه أنه قرأ: ((عُشّى)) بالضمِّ والقَصْرِ كدُجَّى (١)، فَتَصْبُه على الحال، وهو جمعُ أعشى عند بعضٍ، وعاشٍ عند آخرين، وأصلُه عُشَاة - كماشٍ ومُشَاة - فحذفت الهاء تخفيفاً . وأورد عليهما بأنه لا جواز لمثل هذا الحذف، وأنه لا يجمع أَفْعَلُ فَعْلَاءَ على فُعَل بضم الفاء وفتح العين، بل فُعْل بسكون العين، ولذا قيل: كان أصلُه عُشْواً، فنُقلت حركة الواو إلى ما قبلها لكونه حرفاً صحيحاً ساكناً، ثم حُذفت بعد قلبها ألفاً لالتقاء الساكنين. وأنَّ قَدْرَ ما بكوا به في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان، وأجيبَ عن هذا بأنَّ المقصود المبالغةُ في شدة البكاء والنحيب لا حقيقته، أي: كاد يضعفُ بصرُهم لكثرة البكاء. وقيل: هو جمع عشْوَةٍ مثلَّثَ العين، وهي ركوبُ أمرٍ على غير بصيرةٍ؛ يقال: أوطأه عشوةً، أي: أمراً ملتبساً يوقعُه في حيرةٍ وبليَّةٍ، فيكون تأكيداً لكذبهم، وهو تمييزٌ أو مفعولٌ له. وجوِّز أن يكون جمعَ عُشوةٍ بالضم بمعنى شعلة النار، عبارةً عن سرعتهم لابتهاجهم بما فعلوا من العظيمة، وافتعلوا من العضيهة(٢). وجوِّز أن يكون ((عِشَاءً)) في قراءة الجمهور جمعَ عاشٍ، مثل: راعٍ ورعَاء، ويكون نصبُه على الحال، والظاهرُ الأول. وإنما جاؤوا عشاءً، إمَّا لأنهم لم يَصِلُوا من مكانهم إلا في ذلك الوقت، وإمَّا ليكونوا أقدرَ على الاعتذار؛ لمكان الظلمة التي يرتفعُ فيها الحياء، ولذا قيل: لا تطلب الحاجةَ بالليل فإنَّ الحياء في العينين، ولا تعتذر في النهار من ذنبٍ فتلجلج في الاعتذار. وهل جاؤوا في عشاء اليوم الذي ذهبوا فيه أو في عشاءٍ يومٍ آخر؟ ظاهرُ كلام بعضهم الأول، وذهب بعضُهم إلى الثاني بناءً على ما روي أنه عليه السلام مكث في الجبِّ ثلاثةَ أيام، وكان إخوتُه يرعون حواليه، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. (١) القراءات الشاذة ص ٦٢، والمحتسب ٣٣٥/١، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ١٦٢. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): البهتان. اهـ منه.