Indexed OCR Text

Pages 201-220

الآية : ٥
٢٠١
سِوَاُلُوسُفَا
وحقيقتُها عند أهل السنة كما قال محي الدين النوويِّ نقلاً عن المازري(١):
أنَّ الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقاداتٍ كما يخلُقها في قلب اليقظان، وهو
سبحانه يخلق ما يشاءُ لا يمنعه نومٌ ولا يقظةٌ، وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات
عَلَماً على أمورٍ أُخَرَ يخلقها في ثاني الحال، ثم إنَّ ما يكون عَلَماً على ما يَسرُّ
يخلقه بغير حضرة الشيطان، وما يكون عَلَماً على ما يضرُّ يخلقه بحضرته. ويسمَّى
الأولُ رؤيا، وتضافُ إليه تعالى إضافةً تشريفٍ، والثاني حلماً وتضافُ إلى الشيطان
كما هو الشائع من إضافة الشيء المكروه إليه، وإن كان الكلُّ منه تعالى، وعلى
ذلك جاء قوله وَ له: ((الرؤيا من الله تعالى والحُلْمُ من الشيطان))(٢).
وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إذا رأى أحدكم
الرؤيا يحبُّها فإنها من الله تعالى، فليَحْمَدِ الله تعالى وليحدِّث بها، وإذا رأى غيرَ
ذلك مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّما هي من الشيطان، فليَسْتَعِذْ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ومن
شرِّها، ولا يَذْكُرْها لأحدٍ فإنها لن تضرَّه))(٣).
وصحَّ عن جابر أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهُها فليبصق
عن يساره ثلاثاً وليَسْتَعِذْ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ولْيتَحوَّل عن جنبه الذي
کان علیه))(٤).
ولا يَبْعُد جَعْلُ الله تعالى ما ذُكر سبباً للسلامة عن المكروه كما جَعَل الصدقةً
سبباً لدَفْعِ البلاء، وإنْ لم تَعْرِفْ وجهَ مدخليّةِ البَصْقِ عن اليسار والتحوُّلِ عن الجنب
الذي كان عليه مثلاً في السببية.
وقيل: هي أحاديثُ المَلَكِ الموثَّلِ بالأرواح إن كانت صادقةً، ووسوسةٌ
الشيطان والنفسٍ إن كانت كاذبةً، ونُسِبَ هذَا إلى المحدِّثين.
وقد يُجمع بين القولين بأنَّ مقصود القائل بأنها اعتقاداتٌ يخلقُها الله تعالى في
(١) في الأصل و(م): المازني، وهو خطأ.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١٧/١٥، والمُعْلم بفوائد مسلم لأبي عبد الله محمد بن علي
المازري ١١٦/٣. والحديث أخرجه البخاري (٥٧٤٧)، ومسلم (٢٢٦١) عن أبي قتادة
(٣) صحيح البخاري (٧٠٤٥).
(٤) صحيح مسلم (٢٢٦٢).

سُوَلّ ◌ُوسُفَ
٢٠٢
الآية : ٥
قلب .. إلخ، أنها اعتقاداتٌ تُخْلَقُ كذلك بواسطة حديثٍ الملك، أو بواسطة وسوسة
الشيطان مثلاً، والمسبَّبات في المشهور عن الأشاعرة مخلوقةٌ له تعالى عند
الأسباب لا بها، فتدبر.
وقال غيرُ واحدٍ من المتفلْسِفَةِ: هي انطباعُ الصورة المنحدرةِ من أفق المتخيّلةِ
إلى الحسِّ المشترك، والصادقةُ منها إنما تكون باتِّصال النَّفْس بالملكوت - لِمَا
بينهما من التناسُبِ - عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصوَّر بما فيها مما يليق
بها من المعاني الحاصلةِ هناك، ثم إنَّ المتخيلةَ تحاكيه بصورةٍ تناسبُها، فترسلها إلى
الحسِّ المشترك فتصير مشاهدةً، ثم إن كانت شديدةَ المناسبةِ لذلك المعنى بحيث
لا يكونُ التفاوتُ إلا بالكلِّيةِ والجزئية استغنت عن التعبير، وإلا احتاجت إليه(١).
وذكر بعضُ أكابر الصوفية ما يَقْرُبُ من هذا، وهو: أنَّ الرؤيا من أحكام حضرة
المثال المقيّد المسمَّى بالخيال، وهو قد يتأثَّر من العقول السماوية والنفوس الناطقة
المدرِكةِ للمعاني الكلية والجزئية، فَيَظْهَرُ فيه صورٌ مناسبةٌ لتلك المعاني، وقد يتأثَّر
من القوى الوهمية(٢) المدركة للمعاني الجزئية فقط، فيظهر فيه صورةٌ تناسبها، وهذا
قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ، وقد يكون بسبب توجُّه النفس بالقوة الوهمية إلى
إيجاد صورةٍ من الصور، كمن يتخيَّلُ صورةَ محبوبه الغائبِ عنه تخيُّلاً قويًّا، فتظهرُ
صورتُه في خياله فيشاهدُه، وهي أول مبادي الوحي الإلهيّ في أهل العناية؛ لأنَّ
الوحي لا يكون إلا بنزول الملك، وأولُ نزوله في الحضرة الخيالية ثم الحسِّيةِ،
وقد صحَّ عن عائشةً ◌َها أنها قالت: أولُ ما بُدِيَ به رسولُ الله ◌َّر من الوحي
الرؤيا الصادقةُ، فكان لا يَرَى رُؤْيا إلَّا جاءتْ مِثْلَ فَلَقِ الصبح(٣).
والمرئيُّ - على ما قال بعضهم - سواءٌ كان على صورته الأصلية أو لا قد يكون
بإرادة المرئي، وقد يكون بإرادة الرائي، وقد يكون بإرادتهما معاً، وقد يكون
لا بإرادةٍ من شيءٍ منهما، فالأولُ كظهور الملك على نبيٍّ من الأنبياء عليهم السلام
في صورةٍ من الصور، وظهورِ الكمَّلِ من الأَناسيِّ على بعض الصالحين في صورٍ
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٥٦/٥ .
(٢) في الأصل: الموهمة.
(٣) صحيح البخاري (٣)، وصحيح مسلم (١٦٠).

الآية : ٥
٢٠٣
سُؤَة ◌ُوسُفَ
غيرِ صورهم، والثاني كظهورِ روحٍ من الأرواح المَلَكيةِ أو الإنسانية باستنزالٍ
الكامل إياه إلى عالَمِه ليكشف معنَّ ما مختصًّا عِلْمُه به، والثالثُ كظهور جبريل
عليه السلام للنبيٍّ وَّهِ باستْزاله إياه وبَعْثِ الحقِّ سبحانه إياه إليه ◌َّير، والرابع كرؤية
زيدٍ مثلاً صورةَ عمرٍو في النوم من غيرِ قصدٍ وإرادةٍ منهما، وكانت رؤيا يوسف عليه
السلام من هذا القسم؛ لظهور أنها لو كانت بإرادةِ الإخوة لعلموا فلمْ يكن للنهي
عن الاقتصاص معنى، ويشيرُ إلى أنها لم تكن بقَصْدِه قوله بعدُ: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبٍِّ
حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
هذا والمنقول عن المتكلمين أنها خيالاتٌ باطلةٌ، وهو من الغرابة بمكانٍ بعد
شهادةِ الكتاب والسنَّةِ بصحتها. ووجَّهَ ذلك بعضُ المحققين بأنَّ مرادهم أنَّ كونَ
ما يتخيَّلُه النائم إدراكاً بالبصر رؤيةً، وكونَ ما يتخيَّله إدراكاً بالسمع سمعاً باطلٌ،
فلا ينافي حقيةَ ذلك بمعنى كونه أمارةً لبعض الأشياء، كذلك الشيء نفسِه أو
ما يضاهيه ويحاكيه، وقد مرَّ الكلام في ذلك فتيقَّظْ (١).
والمشهور الذي تعاضدتْ فيه الرواياتُ أنَّ الرؤيا الصادقةَ جزءٌ من ستةٍ وأربعين
جزءاً من النبوّة (٢). ووجّه ذلك عند جمع أنه وَّر بقي حسبما أشارت عائشةُ
ستةَ أشهر يرى الوحي مناماً، ثم جاء الملكُ يقظةً، وستةُ أشهرٍ بالنسبة إلى ثلاثٍ
وعشرين سنةً جزءٌ من ستِّ وأربعين جزءاً.
وذكر الحليميُّ أنَّ الوحي كان يأتيه عليه الصلاة والسلام على ستةٍ وأربعين
نوعاً، مثل النفث في الروع، وتمثُّلِ المَلَكِ بصورةٍ دِحْيةً تَظُه مثلاً، وسماعِهِ مثلَ
صلصلةِ الجرس، إلى غير ذلك، ولذا قال وَّه ما قال(٣).
وذكر الحافظ العسقلاني أنَّ كون الرؤيا الصادقة جزءاً من كذا من النبوّة إنما هو
باعتبارٍ صدقها لا غير، وإلا لساغَ لصاحبها أن يسمَّى نبيًّا، وليس كذلك(٤). وقد
(١) ينظر ما سلف ١٣٥/١٠ وما بعدها.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس ومن حديث عبادة بن الصامت ومن حديث
أبي هريرة رضيالله، وقد سلف تخريجها ١٤١/١٠.
(٣) ينظر المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢٣٩/١-٢٥٥.
(٤) فتح الباري ١/ ٢٠ .

سُؤَادَةُ بُوسُفَ
٢٠٤
الآية : ٥
تقدَّم لك أنَّ في بعض الروايات ما فيه مخالفةٌ لِمَا في هذه الرواية من عدَّةٍ
الأجزاء(١)، ولعل المقصود من كلِّ ذلك على ما قيل: مدحُ الرؤيا الصادقةِ والتنويهُ
برفعةِ شأنها، لا خصوصيةُ العدد ولا حقيقةُ الجزئيّة.
وقال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): روى قليلٌ أنها جزءٌ من خمسةٍ وأربعين
جزءاً، وله وجهُ مناسَبةٍ بأنَّ عمره ◌ٍَّ لم يستكمل ثلاثاً وستين بأن يكون توفِّي عليه
الصلاة والسلام بأثناء السنة الثالثة والستين، وروايةُ أنها جزءٌ من أربعين جزءاً تكون
محمولةً على كون عمره عليه الصلاة والسلام ستِّين، وهو روايةٌ لبعضهم، وروي
أنها جزءٌ من سبعين جزءاً، ولا أعلم لذلك وجهاً (٢). اهـ.
وأنت تعلم أنَّ سبعين كثيراً ما يُستعمل في التكثير، فلعله هو الوجه، والغرضُ
الإشارةُ إلى كثرة أجزاء النبوّة، فتدبّر.
والمراد بإِخْوَتِهِ هاهنا على ما قيل: الإخوةُ الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم من بني
عَلاته الأحدَ عشر، وهم: يهوذا، وروبیل، وشمعون، ولا وي، وريالون، ویشجر،
ودِينَه بنو يعقوب من ليا(٣) بنت ليان بن ناهر، وهي بنتُ خالته. ودان، ويفتالى، وجاد،
وآشر بنوه عليه السلام من سُرِّيَّتين له: زلفة، وبلهة. وهم المشارُ إليهم بالكواكب.
وأما بنيامين الذي هو شقيقُ يوسفَ عليه السلام وأمُّهما راحيل التي تزوَّجها
يعقوبُ عليه السلام بعد وفاة أختها ليا (٤)، أو في حياتها(٥) إذ لم يكن جمع
(١) تقدم ذلك ١٤١/١٠-١٤٢.
(٢) جامع الأصول ٢/ ٢٥٥، ورواية أنها جزء من خمسة وأربعين أخرجها مسلم (٢٢٦٣) من
حديث أبي هريرة له، وسلفت ١٤٢/١٠. ورواية الأربعين أخرجها أحمد (١٦١٨٣)،
والترمذي (٢٢٧٨) من حديث أبي رزين العقيلي ◌ُه. ورواية السبعين أخرجها أحمد
(٤٦٧٨)، ومسلم (٢٢٦٥) من حديث ابن عمر ◌ًا، وأخرجها أحمد (٢٨٩٤) من حديث
ابن عباس ، وسلفت ١٤٢/١٠.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): سألت بعض اليهود عن ضبطها فقال: لياء، بهمزة بعد الياء،
والله تعالى أعلم. اهـ منه.
(٤) جاء في هامش الأصل و(م): وادعى بعضهم أن السريتين كانتا أختين أيضاً، وقد جمع
بينهما ولم يحل ذلك لأحد بعده. اهـ منه.
(٥) جاء في هامش الأصل و(م): وإلى هذا ذهب اليهود.

الآية : ٥
٢٠٥
سُوَلا تُوسُفَ
الأختين إذ ذاك محرَّماً، فليس بداخلٍ تحت هذا النهي، إذ لا تتوهّمُ مضرَّته
ولا تُخْشَى معرَّتُه، ولم يكن معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود.
وتعقّب بأنَّ المشهور أنَّ بني علَّاته عليه السلام عشرة، وليس فيهم مَن اسمُه
دِينَه. ومن الناس مَن ذكر ذلك في عِدَادِ أولاد يعقوب، إلا أنه قال: هي أختُ
يوسف، وبناءُ الكلام عليه ظاهرُ الفساد، بل لا تكاد تدخل في الإخوة إلا باعتبار
التغليب؛ لأنه جمعُ أخٍ فهو مخصوصٌ بالذكور.
فلعل المختار أنَّ المراد من الإخوة ما يشملُ الأعيان والعَلَّات، ويعدُّ بنيامين
بَدَلَ دِينَه إتماماً لأحد عشر عدَّةِ الكواكب المرئية، والنهيُ عن الاقتصاص عليه - وإن
لم يكن ممن تُخشى غوائلُه ـ من باب الاحتياط وسدِّ باب الاحتمال، ومما ذاع:
كلُّ سرِّ جاوز الاثنين شاع، ويُلتزمُ القول بوقوع السجود منه كسائر أهله، وإسنادٍ
الكيد إلى الإخوة باعتبارِ الغالب، فلا إشكالَ، كذا قیل.
وهو على عِلَّاته أولى مما قيل: إنَّ المراد بإخوته ما لا يدخل تحته بنيامين ودينه
لأنهما لا تُخشى معرَّتُهما، ولا يُتَوهَّم مضرَّتُهما، فهم حينئذٍ تسعة، وتكملُ العِدَّةُ
بأبيه وأمِّه أو خالته، ويكون عطفُ الشمس والقمر من قبيل عطف جبريل وميكائيل
على الملائكة، وفيه من تعظيم أمرهما ما فيه = لِمَا أنَّ في ذلك ما فيه.
ونصب ((يكيدوا)) بأنْ مُضْمَرةٍ في جواب النهي، وعدِّي باللام مع أنه
مما يتعدَّى بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿فَكِدُونِ﴾ [هود: ٥٥] لتضمينه ما يتعدَّى بها،
وهو الاحتيالُ كما أشرنا إليه، وذلك لتأكيد المعنى بإفادة معنيي الفعلين المتضمِّن
والمضمَّنِ جميعاً. ولكون القَصْدِ إلى التأكيد والمقامُ مقامُه أكَّد الفعلُ بالمصدر
وقرِّر بالتعليل بعدُ، وجَعْلُ اللام زائدةً كجَعْلِه مما يتعدَّى بنفسه وبالحرف خلافُ
الظاهر.
وقيل: إنَّ الجارَّ والمجرورَ من متعلُّقات التأكيد، على معنى: فيَكيدوا كيداً
لك، وليس بشيء.
وجَعَلَ بعضُهم اللام للتعليل على معنى: فيفعلوا لأَجْلِكَ وإهلاكِكَ كيداً
راسخاً أو خفيًّا، وزعم أنَّ هذا الأسلوب آكَدُ من أن يقال: فيكيدوك كيداً، إذ

سُودَةُ لُوسُفَا
٢٠٦
الآية : ٥
ليس فيه دلالةٌ على كون نفس الفعل مقصودَ الإيقاع، وفيه نوعُ مخالفةٍ للظاهر
أيضاً، فافهم.
وقرأ الجمهور: ((رؤياك)) بالهمز من غير إمالةٍ، والكسائيُّ: ((روياك)) بالإمالة
وبغيرِ همزٍ، وهي لغةُ أهل الحجاز(١).
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ﴾ أي: لهذا النوع ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾﴾ ظاهرُ العداوة،
فلا يألو جهداً في تسويل إخوتك وإثارةِ الحسد فيهم، حتى يحملَهم على ما لا خيرَ
فيه وإن كانوا ناشئين في بيت النبوة.
والظاهرُ أنَّ القوم كانوا بحيث يمكنُ أن يكون للشيطان عليهم سبيلٌ، ويؤيِّد هذا
أنهم لم يكونوا أنبياءَ، والمسألةُ خلافيةٌ، فالذي عليه الأكثرون سَلَفاً وخَلَفاً أنهم لم
يكونوا أنبياءَ أصلاً، أمَّا السلفُ فلم ينقل عن الصحابة منهم أنه قال بنبوَّتهم،
ولا يُحفظُ عن أحدٍ من التابعين أيضاً، وأما أتباعُ التابعين فنُقِلَ عن ابن زيد أنه
قال بنبوَّتهم (٢)، وتابعه شرذمةٌ قليلة.
وأمَّا الخلفُ فالمفسِّرون فِرَق:
فمنهم من قال بقولِ ابنِ زيد كالبغوي(٣).
ومنهم مَن بالغ في ردِّه كالقرطبيِّ(٤) وابنٍ كثير (٥).
(١) البحر ٥/ ٢٨٠، وقراءة الإمالة عن الكسائي مذكورة في التيسير ص٤٩، والنشر ٢/ ٥٠ من
رواية الدوري عنه، ولكن مع الهمز. وقرأ السوسي: ((رُوْيَاك)) بغير همز ولا إمالة،
وأبو جعفر: ((رُيَّاك)) بإبدال الهمزة واواً مع قلبها ياءً وإدغامها في الياء بعدها.
(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ١٣.
(٣) في تفسيره ٢/ ٤١٠ و٤١٢، ونقله المصنف عنه - وكذا ما سيأتي من أقوال الأئمة - بواسطة
السيوطي في رسالته المسماة: دفع التعسف عن إخوة يوسف، وهي في الحاوي ١/ ٤٨٠.
(٤) في تفسيره ٢٥٥/١١، قال: ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يردُّه
القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي، وعن عقوق الآباء، وتعريضٍ مؤمن للهلاك،
والتآمرِ في قتله، ولا التفات لقول من قال: إنهم كانوا أنبياء. اهـ. ثم عاد ص٢٦٥ في
الجزء نفسه فقال: وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه.
(٥) عند تفسير الآية (٧) من هذه السورة، وردًّ أيضاً على القول بأنهم أوحي إليهم بعد ذلك،
فقال: وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل ... وينظر تتمة قوله هناك.

الآية : ٥
٢٠٧
سُؤَدَ لُّ لُوسُفَ
ومنهم مَن حَكَى القولين بلا ترجيحِ كابن الجوزيُّ(١).
ومنهم مَن لم يتعرَّضْ للمسألة لكنْ ذَكَر ما يُشْعِرُ بعدم كونهم أنبياءَ، كتفسيره
الأسباط بمن نبِّئ من بني إسرائيل، والمُنْزلَ إليهم بالمنزلِ إلى أنبيائهم، كأبي الليث
السمر قنديٌّ والواحديٌّ(٢).
ومنهم مَن لم يذكر شيئاً من ذلك ولكن فسَّر الأسباط بأولاد يعقوب،
فحسِبَه ناسٌ قولاً بنبوَّتهم وليس نصًّا فيه؛ لاحتمالِ أن يريد بالأولاد ذرِّيتَه لا بَنِيهِ
ـصُلْبِهِ.
وذكر الشيخ ابنُ تيمية في مؤلفٍ له خاصٌّ في هذه المسألة(٣) ما ملخّصُه: الذي
يدلُّ عليه القرآنُ واللغةُ والاعتبارُ أنَّ إخوةَ يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء، وليس
في القرآن ولا عن النبيِّ يَّهِ، بل ولا عن أحدٍ من أصحابه ﴿ه خبرٌ بأنَّ الله تعالى
نبَّأهم، وإنما احتجَّ مَن قال بأنهم نبِّئوا بقوله تعالى في آيتي ((البقرة)) و((النساء)):
﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وفسَّر ذلك بأولاد يعقوب، والصوابُ أنه ليس المرادُ بهم
أولادَه لصُلْبِهِ بل ذرِّيتَه، كما يقال لهم: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر الناس: بنو
وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَتَّ
آدم. وقولُه تعالى: ﴿وَمِن قَوْرِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
١٥٩
عَثْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَّا﴾ [الأعراف: ١٥٩-١٦٠] صريحٌ في أنَّ الأسباط هم الأممُ من بني
إسرائيل وكلُّ سبطٍ أمةٌ، وقد صرَّحوا بأنَّ الأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني
إسماعيل، وأصلُ السبط كما قال أبو سعيد الضرير: شجرةٌ واحدةٌ ملتقٌّةٌ كثيرةٌ
الأغصان، فلا معنى لتسمية الأبناء الاثني عشر أسباطاً قبل أن ينتشر عنهم الأولاد،
فتخصيصُ الأسباط في الآية ببنيه عليه السلام لصُلْبِهِ غلطٌ لا يدلُّ عليه اللفظُ
ولا المعنى، ومَن ادَّعاه فقد أخطأ خطأ بيِّناً.
والصوابُ أيضاً أنهم إنَّما سمُّوا أسباطاً من عهد موسى عليه السلام، ومن
حينئذٍ كانت فيهم النبوَّةُ، فإنه لم يُعرَفْ فيهم نبيٌّ قبله إلا يوسف، ومما يؤيِّدُ ذلك
أنه سبحانه لَمَّا ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال: ﴿وَمِن ذُرِيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾
(١) في زاد المسير ١٨٨/٤ .
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ١٦١-١٦٢ و٤٠٤، والوسيط ٢٢٠/١ ٦٠١/٢. وينظر الحاوي ٤٨١/١.
(٣) كما في الحاوي ١/ ٤٨١-٤٨٣.

سُؤَةٌ تُوسُفَ
٢٠٨
الآية : ٥
الآيات [الأنعام: ٨٤] فذكر يوسف ومَن معه ولم يذكر الأسباط، ولو كان إخوةٌ
يوسف قد نبّتوا كما نبِئ لذُكِروا كما ذُكر.
وأيضاً إنَّ الله تعالى ذكر للأنبياء عليهم السلام من المحامد والثناءِ ما يناسبُ
النبوَّةَ وإن كان قبلها. وجاء في الحديث: ((أكرم الناس يوسفُ بنُ يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم، نبيٌّ ابنُ نبيٍّ)) (١) فلو كانت إخوتُه أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا
الكرم. وهو سبحانه لَمَّا قصَّ قصتهم وما فعلوا بأخيهم ذكر اعترافهم بالخطيئة
وطلبهم الاستغفارَ من أبيهم، ولم يذكر من فضلهم ما يناسبُ النبوّة وإن كان قبلها،
بل ولا ذكر عنهم توبةً باهرةً كما ذكر عمن ذنبُه دون ذنبهم، ولم يذكر سبحانه عن
أحدٍ من الأنبياء قبل النبوّة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق
الوالد، وقطيعة الرحم، وإرقاق المسلم وبيعِه إلى بلاد الكفر، والكذبِ البِيِّن، إلى
غير ذلك مما حكاه عنهم، بل لو لم يكن دليلٌ على عدم نبوَّتهم سوى صدور هذه
العظائم منهم لكفى؛ لأنَّ الأنبياء معصومون عن صدور مثل ذلك قبل النبوة وبعدها
عند الأكثرين، وهي أيضاً أمورٌ لا يطيقُها مَن هو دون البلوغ، فلا يصحُّ الاعتذارُ
بأنها صدرت منهم قبله وهو لا يمنع الاستنباء بعدُ.
وأيضاً ذكر أهلُ السِّير أنَّ إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر، وهو أيضاً مات بها
لكن أوصى بنقله إلى الشام، فنقله موسى عليه السلام، ولم يُذكر في القرآن أنَّ أهل
مصر قد جاءهم نبيٌّ قبل موسى غير يوسف، ولو كان منهم نبيٌّ لذكر. وهذا دون
ما قبله في الدلالة كما لا يخفى.
والحاصلُ أنَّ الغلط في دعوى نبوَّتهم إنما جاء مِن ظنِّ أنهم هم الأسباطُ(٢)،
وليس كذلك، إنما الأسباطُ أمةٌ عظيمةٌ، ولو كان المراد بالأسباط أبناءَ يعقوب
لقال سبحانه: ويعقوب وبنيه: فإنه أبْيَنُ وأوجَزُ، لكنه عبّر سبحانه بذلك إشارةً إلى
أنَّ النبوّة حَصَلَت فيهم من حينٍ تقطيعهم أسباطاً من عهد موسى عليه السلام،
فليحفظ .
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى أنَّ منهم مَن استدل على نبوتهم
بغير ذلك، وأن فيه ما فيه. اهـ منه.

الآية : ٦
٢٠٩
سُوَلُ لُوسُفَ
هذا ولَمَّا نَّهه عليه السلام على أنَّ لرؤياه شأناً عظيماً وحذَّره مما حذَّره، شَرَعَ
في تعبيرها وتأويلها على وجهٍ إجماليٍّ فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يصطفيك
ويختارُك للنبوَّة، كما روي عن الحسن. أو للسجود لك كما روي عن مقاتل. أو
لأمورٍ عظامٍ كما قال الزمخشري(١)، فيشملُ ما تقدَّم، وكذا يشملُ إغناءَ أهله ودَفْعَ
القَحْطِ عنهم ببركته، وغيرِ ذلك، ولعل خيرَ الأقوال أوسطُها(٢).
وأصلُ الاجتباء من جَبَيْتُ الشيءَ: إذا حصَّلتَه لنفسك، وفسَّروه بالاختيار لأنه
إنما يُجتبی ما يُختار.
وذكر بعضُهم أنَّ اجتباءَ اللهِ تعالى العبدَ تخصيصُه إياه بفيض إلهيٍّ يتحصَّلُ منه
أنواعٌ من المَكْرُمات بلا سعي من العبد، وذلك مختصٌّ بالأنبياء عليهم السلام ومَن
يقاربُهم من الصدِّيقين والشهداء والصالحين.
والمشارُ إليه بـ ((ذلك)) إمَّا الاجتباءُ لمثل تلك الرؤيا، فالمشبَّهُ والمشبَّهُ به
متغايران، وإمَّا لمصدرِ الفعل المذكورِ وهو المشبّهُ والمشبَّهُ به، و((كذلك)) في محلٌ
نصبٍ صفةٍ لمصدرٍ مقدَّرٍ، وقُدِّم تحقيقُ ذلك(٣). وقيل هنا: إنَّ الجارَّ والمجرورَ
خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمر كذلك. وليس الأمر كذلك.
ولا يخفى ما في ذِكْرِ الربِّ مضافاً إلى ضمير المخاطب من اللطف. وإنما لم
يصرِّح عليه السلام بتفاصيل ما تدلُّ عليه الرؤيا حَذَراً من إذاعته على ما قيل.
﴿وَيُعَلِمُكَ﴾ ذهب جمعٌ إلى أنه كلامٌ مبتدأ غیرُ داخلٍ تحت التشبيه أراد به عليه
السلام تأكيدَ مقالته وتحقيقَها، وتوطينَ نفسٍ يوسف عليه السلام بما أُخبر به على
طريق التعبير والتأويل، أي: وهو يعلِّمك ﴿مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ أي: ذلك الجنس
من العلوم، أو طرفاً صالحاً منه، فتطّلع على حقيقة ما أقول. ولا يخفى ما فيه من
تأكيد ما سبق، والبعثِ على تلقِّي ما سيأتي بالقبول.
وعلِّل عدمُ دخوله تحت التشبيه بأنَّ الظاهر أنْ يشبَّه الاجتباءُ بالاجتباء، والتعليمُ
(١) في الكشاف ٣٠٣/٢.
(٢) في (م): وسطها.
(٣) عند تفسير الآية (١٤٣) من سورة البقرة.

سُوَلاَ تُوسُفَ
٢١٠
الآية : ٦
غير الاجتباءِ فلا يشبَّه به. ونُظِرَ فيه بأنَّ التعليم نوعٌ من الاجتباء، والنوعُ يشبَّهُ
بالنوع.
وقيل: العلةُ في ذلك أنه يصير المعنى: ويعلِّمك تعليماً مثل الاجتباء بمثل هذه
الرؤيا، ولا يخفى سماجتُه فإنَّ الاجتباء وجهُ الشَّبهِ بين المشبّه والمشبَّه به، ولم
يلاحظ في التعليم ذلك.
وقال بعض المحققين: لا مانعَ من جَعْله داخلاً تحت التشبيه، على أنَّ المعنيَّ
بذلك الإكرامُ بتلك الرؤيا، أي: كما أكرمك بهذه المبشِّرات يكرمُك بالاجتباء
والتعليم، ولا يُحتاج في ذلك إلى جَعْلِه تشبيهين وتقديرِ ((كذلك)). وأنت تعلم أنَّ
المنساق إلى الفهم هو العطفُ، ولا بأس فيما قرَّره هذا المحقِّقُ لتوجيهه، نعم
للاستئناف وجهٌ وجيهٌ وإن لم يكن المنساقَ إلى الفهم.
والظاهرُ أنَّ المراد من تأويل الأحاديث تعبيرُ الرؤيا؛ إذ هي إخباراتٌ غيبيةٌ
يخلقُ الله تعالى بواسطتها اعتقاداتٍ في قلب النائم حسبما يشاؤه، ولا حَجْرَ عليه
تعالى. أو أحاديث المَلَكِ إن كانت صادقة، أو النفس أو الشيطان إن لم تكن
كذلك.
وذكر الراغب(١) أنَّ التأويل من الأَوْلِ وهو الرجوعُ، وذلك ردُّ الشيء إلى الغاية
المرادةِ منه عِلْماً كان أو فِعلاً، فالأولُ كقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾
[آل عمران: ٧] والثاني كقوله:
وللنوى قبلَ يوم البَيْنِ تأويلٌ(٢)
وجاء الأَوْلُ بمعنى السياسة التي يراعَى مَالُها، يقال: أُلْنا وإيلَ علينا(٣). اهـ.
وشاع التأويلُ في إخراج الشيء عن ظاهره.
و((الأحاديث)) جمع تكسيرٍ لحديثٍ على غير قياس، كما قالوا: باطل وأباطيل،
(١) في مفرداته (أول).
(٢) وصدره: وللأحبة أيامٌ تَذكَّرُها، والبيت لعبدة بن الطبيب كما في المفضليات ص١٣٦.
(٣) أي: قد سُسْنا وساسنا غيرنا، وهذا المثل يروى أن زياد بن أبيه قاله في خطبته. كتاب
الأمثال لأبي عبيد ص ١٠٦ .

الآية : ٦
٢١١
سُورَةُ مُوسُفَ
وليس باسْمٍ جمعٍ له لأنَّ النحاة قد شَرَطُوا في اسم الجمع أنْ لا يكون على وزنٍ
يختصُّ بالجمع كمفاعيل، وممن صرح بأنه جمعٌ الزمخشريُّ في ((المفصل))، وهو
مرادُه من اسم الجمع في ((الكشاف))(١) فإنه كغيره كثيراً ما يُطلِقُ اسمَ الجمع على
الجمع المخالفِ للقياس، فلا مخالفةً بین کلامیه.
وقيل: هو جمعُ أحدوثة. ورُدَّ بأنَّ الأحدوثةَ: الحديثُ المضحكُ كالخرافة،
فلا يناسب هنا ولا في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون جمعَ أحدوثة،
وقال ابن هشام: الأحدوثةُ من الحديث ما يُتَحدَّثُ به، ولا تُستعمل إلا في الشر.
ولعل الأمر ليس كما ذكروا، وقد نصَّ المبرِّدُ على أنها تَرِدُ في الخير، وأنشد
قول جميل(٢) وهو مما سار وغار:
أرى الأرض تُظْوَى لي ويَدْنُو بعيدُها
وكنتُ إذا ما جئتُ سُعْدَی أزورُها
إذا ما انقضتْ أحدوثةٌ لو تعيدُها(٣)
من الخَفِراتِ البيض ودَّ جليسُها
وقيل: إنهم جمعوا حديثاً على أحدوثة، ثم جمعوا الجمع على أحاديث،
كقطيع وأقطعة وأقاطيع.
وكونُ المراد من تأويل الأحاديث تعبيرَ الرؤيا هو المرويُّ عن مجاهد والسدِّيِّ.
وعن الحسن أنَّ المراد عواقب الأمور. وعن الزجَّاج أنَّ المراد بيانُ معاني أحاديث
الأنبياء والأمم السالفة والكتب المنزلة(٤).
وقيل: المراد بالأحاديث: الأمورُ المحدَثةُ من الروحانيات والجسمانيات(٥)،
(١) ٣٠٣/٢.
(٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ١٥٧/٥، ولم نقف على من نسبه لجميل، وينظر
التعليق الذي بعده.
(٣) الكامل للمبرد ٨٠٤/٢، وحاشية الشهاب ١٥٧/٥، ولم ينسبهما المبرد، ونسبا لكثير عزة،
وهما في ديوانه ص١٢٦، وينسبان أيضاً لنصيب بن رباح، وهما في ديوانه ص٨٢. وورد
البيت الثاني في دیوان مجنون ليلى ص١٠٨ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٩٢/٣، وأجاز الزجاج أيضاً أن يكون المراد بالأحاديث تأويل
الرؤيا .
(٥) في الأصل: من روحانيات وجسمانيات.

الآية : ٦
٢١٢
وبتأويلها كيفيةُ الاستدلال بها على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته. والكلُّ خلافُ
الظاهر فيما أرى.
﴿وَبُنِؤُ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾ بأنْ يَصِلَ نعمةَ الدنيا بنعمة الآخرة، أو بأنْ يضمَّ إلى
النبوَّة المستفادة من الاجتباء المُلْكَ ويجعلَه تتمةً لها، أو بأن يضمَّ إلى التعليم
الخلاصَ من المحن والشدائد.
وتوسيط ذكر التعليم لكونه من لوازم النبوَّة والاجتباء، ولرعاية ترتيب الوجود
الخارجيِّ، ولأنَّ التعليم وسيلةٌ إلى إتمام النعمة، فإنَّ تعبيره لرؤيا صاحبي السجن
ورؤيا الملك صار ذريعةً إلى الخلاص من السجن والاتِّصال بالرياسة العظمى.
وفسَّر بعضهم الاجتباءَ بإعطاء الدرجات العالية كالمُلْكِ والجلالةِ في قلوب
الخلق، وإتمامَ النعمة بالنبوَّة، وأيّد بأنَّ إتمام النعمة عبارةٌ عمَّا تصير به النعمة تامةً
كاملةً خاليةً عن جهات النقصان، وما ذاك في حقِّ البشر إلا النبوَّةُ، فإن جميع
مناصب الخلق ناقصةٌ بالنسبة إليها .
وجوِّز أنْ تُعدَّ نفسُ الرؤيا من نعم الله تعالى عليه، فيكون جميع النعم الواصلة
إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة، ولا يخلو عن بُعْدٍ.
وقيل: المراد من الاجتباء إفاضةُ ما يستعد به لكلِّ خيرٍ ومَكْرُمةٍ، ومن تعليم
تأويل الأحاديث تعليمُ تعبير الرؤيا، ومن إتمام النعمة عليه تخليصُه من المحن على
أتم وجهٍ، بحيث يكون مع خلاصه منها ممن يُخْضَعُ له، ويكون في تعليم التأويل
إشارةٌ إلى استنبائه؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالوحي.
وفيه أنَّ تفسير الاجتباء بما ذكر غيرُ ظاهر، وكونُ التعليم فيه إشارةً إلى الاستنباء
في حيِّز المنع، وما ذكر من الدليل لا يثْبِتُه، فإنَّ الظاهر أنَّ إخوته كانوا يعلمون
التأويل، وإلا لم ينهه أبوه عليه السلام عن اقتصاص رؤياه عليهم خوفَ الكيد،
وکونُهم أنبياء إذ ذاك مما لم يذهب إليه ذاهبٌ ولا یکاد یذهبُ إليه أصلاً. نعم ذكروا
أنه لا يَعْرِفُ التعبير كما لا ينبغي إلَّا من عرف المناسبات التي بين الصُّوَر ومعانيها،
وعرف مراتبَ النفوس التي تظهر في حضرة خيالاتهم بحسبها، فإنَّ أحكام الصورة
الواحدة تختلفُ بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة المراتب، وهذا عزيزُ الوجود، وقد

الآية : ٦
٢١٣
سُؤَةُ مُوسُفَ
ثبت الخطأ في التعبير من علماءَ أكابرَ، فقد روى أبو هريرة أنَّ رجلاً أتى
رسولَ الله وَّهِ فقال: إنِّي رأيت ◌ُلَّةً(١) ينطفُ منها السَّمْنُ والعسل، وأرى الناس
يتكفَّفون(٢) في أيديهم، فالمستكثِرُ والمستقِلُّ، وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى
الأرض، فأراك يا رسول الله أخذتَ به فعلَوْتَ، ثم أخذ به رجلٌ آخَرُ فعَلًا، ثم أخذ
به رجلٌ آخر فعَلًا، ثم أخذ به رجلٌ آخر فعَلًا، ثم أخذ به رجلٌ آخَرُ فانقطع به ثم
وُصِلَ له فعَلَا. فقال أبو بكر ظه: أي رسول الله بأبي أنت وأمي والله لتَدَعنِّي
فَلَأَعْبُرها. فقال عليه الصلاة والسلام: ((عبِّرها))، فقال: أمَّا الظلَّةُ فظلَّةُ الإسلام،
وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته، وأمَّا المستكثر والمستقلُّ
فالمستكثر من القرآن والمستقلُّ منه، وأما السببُ الواصل من السماء إلى الأرض فهو
الحقُّ الذي أنت علیه، تأخُذُ به فيُعْلیك الله تعالى، ثم يأخذ به رجلٌ بعدك فیعلو به،
ثم آخَرُ بعده فيعلو به، ثم آخَرُ بعده فيعلو به، ثم آخَرُ فينقطع به ثم يوصَلُ له فيعلو
به، أي رسول الله، لتحدثنِّي أصبتُ أم أخطأت؟ فقال النبيُّ ◌َّ: ((أصبتَ بعضاً
وأخطأتَ بعضاً))، فقال: أقسمتُ بأبي وأمي لتحدثِّ يا رسول الله ما الذي أخطأتُ؟
فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُقْسِمْ))(٣). اهـ. اللهمَّ إلا أنْ يُدَّعَى أنَّ المراد التعليم
على الوجه الأكمل بحيث لا يخطئُ من يخطئ به، وهو يستدعي كونَ الرجل بحيث
يعرف المناسبات ومراتبَ النفوس، ويُلتزم القولُ بأنَّ ذلك لا يكون إلا نبيًّا .
واختير أنَّ المراد بالاجتباء الاصطفاءُ للنبوة، وبتعليم التأويل ما هو الظاهرُ،
وبإتمام النعمة تخليصُه من المكاره، ويكون قولُه عليه السلام: (يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ
رُْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) إشارةً إجماليةً منه إلى تعبير الرؤيا كما لا يخفى على مَن له ذوقٌ،
وهو أيضاً متضمِّنٌّ للبشارة، وهذا إردافٌ لها بما هو أجلُّ في نظر يوسف عليه
السلام ووجْهُ توسيطٍ التعليم عليه لا يخفى، وحاصل المعنى: كما أكرمك بهذه
(١) أي: سحابة لها ظلٌّ. فتح الباري ١٢/ ٤٣٤.
(٢) أي: يأخذون بأكُفِّهم. الفتح ١٢/ ٤٣٤ .
(٣) أخرجه أحمد (٢١١٤)، والبخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩) من حديث ابن عباس .
وأخرجه مسلم أيضاً (٢٢٦٩) من حديث ابن عباس أو أبي هريرة. وأخرجه أبو داود
(٤٦٣٢)، والترمذي (٢٢٩٣) من حديث ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث أن
رجلاً ... الحديث، وينظر فتح الباري ٤٣٣/١٢ .

سُورَةُ لُوسُفَا
٢١٤
الآية : ٦
المبشِّرة الدالّة على سجود إخوتك لك ورفعةٍ شأنك عليهم يكرمُك بالنبوَّة والعلم
الذي تعرفُ به تأويلَ أمثالِ ما رأيتَ، وإتمام نعمته عليك ﴿وَعَّ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾
بالخلاص من المكاره، وهي في حقِّ يوسفَ عليه السلام مما لا يخفى، وفي حقِّ
آل يعقوب (١)، والمراد بهم أهلُه من بنيه وغيرِهم، وأصله: أهل، وقيل: أَوْل، وقد
حقَّقناه في غير ما كتاب(٢)، ولا يستعمل إلا فيمَن له خطرٌ مطلقاً، ولا يضافُ لِمَا
لا يعقل ولو كان ذا خطرٍ بخلاف أهل، فلا يقال: آل الحجام، ولا: آل الحرم،
ولكن: أهل الحجام، وأهل الحرم. نعم قد يضاف لِمَا نزِّلَ منزلةَ العاقل، كما في
قول عبد المطلب:
وعابديهِ اليومَ آلَك (٤)
وانصُرْ على آل الصليب(٣)
وفيه ردٌّ على أبي جعفر الزبيدي حيث زعم عَدَمَ جواز إضافته إلى الضمير لعدم
سماعه مضافاً إليه. ويعقوبُ كابنه اسمٌ أعجميٍّ لا اشتقاقَ له، فما قيل من أنه
إنما سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمِّه عقب أخيه العيص، غيرُ مرضيٍّ عند
الجلة = الفاقةُ والقَحْطُ وتفرُّق الشَّمْلِ، وغيرُ ذلك مما يعمُّ أو يخص.
ومنهم من فسَّر الآل بالبنين، وإتمامَ النعمة بالاستنباء، وجَعَل حاصل المعنى:
يمنُّ عليك وعلى سائر أبناء يعقوب بالنبوة، واستدلَّ بذلك على أنهم صاروا بعدُ
أنبياء.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(٥): إنَّ رؤية يوسف عليه السلام إخوتَه كواكبَ
يُهتَدَى بأنوارها من نِعَم الله تعالى عليهم؛ لدلالتها على مصير أمرهم إلى النبؤَّة،
فيقع كلُّ ما يخرجُ من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسَبِ ذلك تماماً لتلك النعمة
لا محالة.
(١) جاء في حاشية (م): قوله: في حق آل يعقوب إلخ، هو خبر مقدم، وقوله الآتي: الفاقة
والقحط إلخ مبتدأ مؤخر. اهـ.
(٢) ينظر ما سلف ٢/ ١٦٠ عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): بناء على أن الصليب اسمٌّ لما يعلقه النصارى في أعناقهم
ویعبدونه. اهـ منه.
(٤) الروض الأنف ١/ ٧٠.
(٥) ٤/ ٢٥٤.

الآية : ٦
٢١٥
سُوَلُ تُوسُفَ
وأنت تعلم أنَّ ما ذكر لا يصلح دليلاً على أنهم صاروا أنبياءَ؛ لِمَا علمتَ من
الاحتمالات، والدليلُ إذا طَرَقَه الاحتمالُ بطل به الاستدلال، ورؤيتُهم كواكبَ
يُهْتَدَى بأنوارها بمعزلٍ عن أن تكون دليلاً على أنَّ مصيرهم إلى النبوة، وإنما تكون
دليلاً على أنَّ مصيرهم إلى كونهم هادين للناس، وهو مما لا يلزمُه النبوَّةُ، فقد
قال ◌َله: ((أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتُم اهتديتم))(١) ونحن لا ننكِرُ أنَّ القوم
صاروا هادين بعد أن منَّ الله تعالى عليهم بالتوبة، بل هم لعمري حينئذٍ من أجلَّةٍ
أصحاب نبيِّهم. وقد يقال أيضاً: إنه لو دلَّ رؤيتُهم كواكبَ على أنَّ مصيرهم إلى
النبوَّة لكانت رؤيةُ أمِّه قمراً أدلَّ على ذلك، ولا قائل به .
وقال بعضهم: لا مانعَ من أن يراد بـ ((آل يعقوب)) سائرُ بنيه، وبإتمام النعمة
إتمامُها بالنبوَّة، لكن لا يَثْبُتُ بذلك نبوَّتُهم بعدُ لجواز أن يراد: يتم نعمته عليك
بالنبوَّة، وعلى آل يعقوب بشيءٍ آخَرَ كالخلاص من المكروه مثلاً، وهذا كقولك:
أنعمتُ على زيد وعلى عمرو، وهو لا يقتضي أن يكون الإنعامُ عليهما من نوعٍ
واحد؛ لصِدْقِ الكلام بأنْ تكونَ قد أنعمتَ على زيدٍ بمنصبٍ وعلى عمرو بإعطائه
ألف دينار، أو بتخليصه من ظالمٍ مثلاً، وهو ظاهر.
ورجَّح بعضُهم حملَ الآل على ما يعمُّ الأبناء، بأنه لو كان المراد الأبناء لكان
الأظهر الأخصر: وعلى إخوتك، بدلَ ما في النظم الجليل.
وقيل: إنما اختار ذلك عليه لأنه يتبادرُ من الإخوة الإخوةُ الذي نُهي عن
الاقتصاص عليهم، فلا يدخل بنيامين، والمراد إدخالُه.
وقيل: المراد بـ ((آل يعقوب)) أتباعُه الذين على دينه(٢). وقيل: يعقوب خاصةً،
على أنَّ الآل بمعنى الشخص. ولا يخفى ما في القولين من البُعْدِ،
وأبعدُهما الأخيرُ.
ومَن جَعَل إتمامَ النعمة إشارةً إلى المُلْكِ جَعَلَ العطفَ باعتبارٍ أنهم يغتنمون
آثاره من العزِّ والجاه والمال(٣).
(١) حديث موضوع، وينظر ما سلف ٢٠١/١.
(٢) جاء في هامش الأصل: وفي بعض الآثار: آلُ محمد كلُّ تقيٍّ، وفيه مقال. اهـ منه.
(٣) بعدها في الأصل و(م): هذا، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٥٤/٤، والكلام منه.

سَُّل ◌ُوسُفَ
٢١٦
الآية : ٧
﴿كَمَّ أَتَفَّهَا عَلَى أَبَّكَ مِن قَبْلُ إِنَّهِيَمَ وَإِنْمَقَّ﴾ أي: إتماماً كائناً كإتمام نعمتِه
على أبويك من قبلِ هذا الوقتِ، أو من قبلك، والاسمان الكريمان عطفُ بيانٍ
لـ ((أبويك))، والتعبيرُ عنهما بالأب مع كونهما أبا جدِّه وأبا أبيه، للإشعار بكمال
ارتباطِه بالأنبياء عليهم السلام، وتذكيرِ معنى: الولدُ سرُّ أبيه، ليطمئنَّ قلبه
بما أخبر به.
وإتمامُ النعمةِ على إبراهيم عليه السلام إمَّا بالنبوَّة، وإما باتخاذه خليلاً،
وإما بإنجائه من نار عدوِّه، وإما مِن ذَبْح ولده، وإمَّا بأكثر من واحدٍ من هذه. وعلى
إسحاق إمَّا بالنبوة، أو بإخراج يعقوبَ من صُلْبه، أو بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح
عظيم على روايةٍ أنه الذبيح، وذهب إليه غيرُ واحد، وسيأتي إنْ شاء الله
تعالى تحقيقُه(١).
وأمرُ التشبيه على سائر الاحتمالات سهل؛ إذ لا يجبُ أن يكون من كلِّ وجوٍ،
والاقتصارُ في المشبّه به على ذِكْرِ إتمام النعمة من غير تعرُّضٍ للاجتباء من باب
الاكتفاء كما قيل، فإنَّ إتمام النعمة يقتضي سابقةَ النعمة المستدعيةِ للاجتباء
لا محالة.
ومعرفتُه عليه السلام لِمَا أَخْبَرَ به مما لم تدلَّ عليه الرؤيا إما بفراسةٍ، وكثيراً
ما تصدُقُ فراسةُ الوالد بولده كيفما كان الوالد، فما ظنُّك بفراسته إذا كان نبيًّا؟ أو
بوحيٍ، وقد يُدَّعَى أنه استدلَّ بالرؤيا على كلِّ ذلك.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بكلِّ شيءٍ، فيعلمُ من يستحقُّ المذكورات ﴿حَكِيمٌ ﴾)
فاعلٌ لكلِّ شيءٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ، فيفعلُ ما يفعل جَرْياً على سَنَنِ عِلْمِه
وحكمته، والجملةُ استئنافٌ لتحقيق الجمل المذكورة.
﴿لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَرِهِ﴾ أي: في قَصَصِهم. والظاهرُ أنَّ المراد بالإخوة هنا
ما أريدَ بالإخوة فيما مر، وذهب جمعٌ إلى أنهم هناك بنو عَلَّاته. وجوِّز أن يراد بهم
هاهنا ما يشملُ من كان من الأعيان؛ لأنَّ لبنيامين أيضاً حصةٌ من القصة، ويُبْعِدُه
على ما قيل: ((قالوا)) الآتي.
(١) إثر تفسير الآية [١١٣] من سورة الصافات.

الآية : ٨
٢١٧
سُو ◌َلا تُوسُفَ
﴿وَإِيَتُ﴾ علاماتٌ عظيمةُ الشأنِ دالَّةٌ على عظيم قُدرةِ الله تعالى القاهرةِ وحكمتِهِ
الباهرة ﴿لِلسَّآَيِلِينَ ﴾﴾ لكلِّ مَن سأل عن قصتهم وعَرَفَها، أو للطالبين للآيات
المعتبرين بها، فإنهم الواقفون عليها المنتفعون بها دون مَن عَدَاهم ممن اندرج تحت
قوله تعالى: ﴿وَكَأَِّنِ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُزُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾
[يوسف: ١٠٥] فالمراد بالقصة نفسُ المقصوص.
أو على نبوَّته عليه الصلاة والسلام للذين سألوه عن قصتهم - حَسْبَما علمتَ في
بيان سبب النزول - فأخبرهم ◌َّ بذلك على ما هو عليه من غير سماع من أحدٍ
ولا قراءةٍ كتاب، فالمرادُ بالقصة اقتصاصُها، وجمعُ ((الآيات)) حينئذٍ قيل: للإشعار
بأنَّ اقتصاصَ كلِّ طائفةٍ من القصة آيةٌ بَيِّنةٌ كافيةٌ في الدلالة على نبوَّتِهِ وَُّ، وقيل:
لتعدُّدِ جهة الإعجاز لفظاً ومعنّى.
وزعم بعض الجلَّة أن الآية من باب الاكتفاء(١)، والمراد: آياتٌ للذين يَسألون
والذين لا يَسألون، ونظيرُ ذلك قوله سبحانه: ﴿سَوَاءٌ لِلِسَّآيِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] وحَسُنَ
ذلك لقوة دلالة الكلام على المحذوف.
وقال ابن عطية: إنَّ المراد من ((السائلين)) الناسُ، إلا أنه عدل عنه تحضيضاً
على تعلُّم مثل هذه القصة لِمَا فيها من مزيد العبر(٢). وكلا القولين لا يخلو عن
بعد .
وقرأ أهل مكة وابن كثير ومجاهد: ((آية)» على الإفراد(٣). وفي مصحف أبيٍّ:
((عبرةٌ للسائلين))(٤). ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامينُ، وتخصيصُه بالإضافة
لاختصاصه بالأخوَّة من جانبي الأمِّ والأب، وهي أقوى من الأخوة من أحدهما،
ولم يذكروه باسمه إشعاراً بأنَّ محبة يعقوب عليه السلام له لأَجْلِ شقيقه يوسف عليه
السلام، ولذا لم يتعرَّضوه بشيءٍ مما أُوْقِعَ بيوسف عليه السلام.
(١) هو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة. الإتقان
٨٣٠/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢١/٣.
(٣) التيسير ص١٢٧، والنشر ٢٩٣/٢ عن ابن كثير، والكلام من البحر ٢٨٢/٥.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢١/٣، والبحر ٢٨٢/٥.

سُوَةٌ يُوسُفَ
٢١٨
الآية : ٨
واللامُ للابتداء، و((يوسف)) مبتدأ، و((أخوه)) عطف عليه. وقولُه سبحانه: ﴿لَحَتُّ
إِلَّ أَبِنَا مِنَا﴾ُ خبرٌ ومتعلِّقٌ به، وهو أفعلُ تفضيلٍ من المبني للمفعول شذوذاً، ولذا
عدِّي بـ ((إلى))، حَسْبَما ذكروا من أنَّ ((أفعل)) من الحبِّ والبغض يعدَّى إلى الفاعل
معنَى بإلى، وإلى المفعول باللام وفي؛ تقول: زيدٌ أحبُّ إليَّ من بكر، إذا كنتَ
تُكْثِرُ محبَّته، و(لي)) و((فيَّ) إذا كان يحبُّك أكثر من غيره.
ولم يثنَّ مع أن المخبَرَ عنه به اثنان؛ لأنَّ ((أفعل من كذا)) لا يفرّقُ فيه بين
الواحد وما فوقه، ولا بين المذكّر وما يقابلُه، بخلافٍ أخويه، فإنَّ الفرق واجبٌ في
المحلَّى، جائزٌ في المضاف إذا أريد تفضيلُه على المضاف إليه، وإذا أريد تفضيلُه
مطلقاً فالفرقُ لازمٌ.
وجيءَ بلام الابتداء لتحقيق مضمون الجملة وتأكيدِه، أي: كثرةُ حبِّه لهما أمرٌ
ثابتٌ لا شبهةَ فيه ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: الحالُ أنَّا جماعةٌ قادرون على خدمته
والجدِّ في منفعته دونهما.
والعُضْبةُ والعصابةُ على ما نقل عن الفرَّاء: العشرةُ فما زاد (١)، سُمُّوا بذلك لأنَّ
الأمور تُعصب بهم، أي: تُشدُّ فتَقْوَى.
وعن ابن عباس أنَّ العصبة ما زاد على العشرة، وفي روايةٍ عنه أنها ما بين
العشرة والأربعين. وعن مجاهد أنها من عشرةٍ إلى خمسةَ عَشَر. وعن مقاتل: هي
عشرة. وعن ابن جبير: ستة أو سبعة. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل:
إلى خمسة عشر.
وعن ابن زيد والزجَّاج وابنٍ قتيبةً: هي الجماعةُ مطلقاً (٢)، ولا واحدَ لها من
لفظها كالنَّفَرِ والرَّهْطِ.
وقيل: الثلاثة نفرٌ، وإذا زادوا فهم رَهْطٌ إلى التسعة، فإذا زادوا فهم عصبةٌ؛
ولا يقال لأقلَّ من عشرةٍ: عصبة.
(١) معاني القرآن للفراء ٣٦/٢.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٩٣/٣، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢١٢.

الآية : ٨
٢١٩
سُورَةٌ تُوسُفَ
وروى النزَّال بن سبرة عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ بنصب ((عصبة))(١)
فيكون الخبرُ محذوفاً، و((عصبةً)) حالٌ من الضمير فيه، أي: نجتمع عصبةً، وقدِّر
ذلك ليكون في الحال دلالةٌ على الخبر المحذوف؛ لما فيها من معنى الاجتماع.
وزعم ابن المنير أنَّ الكلام على طريقةٍ:
أنا أبو النجم وشِعْري شِعْري(٢)
والتقديرُ: ونحنُ نحن عصبةً، وحُذف الخبر لمساواته المبتدأ وعدم زيادته عليه
لفظاً، ففي حذفه خلاصٌ من تكرار اللفظ بعينه مع دلالة السياق على المحذوف،
ولا غَرْوَ في وقوع الحال بعد ((نحن)) لأنه بالتقدير المذكور كلامٌ تامٌّ فيه من الفخامة
ما فيه، وقدِّر في ﴿هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] على قراءة النصب مثلُ ذلك(٣). وفيه
أنَّ الفخامة إنما تجيءُ من التكرار فلا يجوزُ الحذفُ، على أنَّ الدلالة على
المحذوف غيرُ بينة.
وعن ابن الأنباريِّ أنَّ ذلك كما تقول العرب: إنما العامريُّ عِمَّتَه، أي: يتعهَّدُ
ذلك(٤)، والدالُّ على المحذوف فيه ((عِمَّته)) فإن الفعْلةَ للحالة التي يستمرُّ عليها
الشخصُ، فيلزمُ لا محالةَ تعهُّدُه لها .
والأَوْلَى أن يُعتبر نظيرَ قول الفرزدق: يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسمَّطاً، فإنه أراد كما قال
المبرِّدُ: حُكُمكَ لك مسمَّطاً، أي: مثبتٌ نافذٌ غيرُ مردودٍ(٥). وقد شاع هذا
فيما بينهم، لكنْ ذكروا أنَّ فيه شذوذاً من وجهين، والآيةُ على قراءة الأمير كرم الله
تعالى وجهَه أكثرُ شذوذاً منه كما لا يخفى على المتدرِّب في علم العربية.
(١) القراءات الشاذة ص٦٢، والبحر ٢٨٣/٥، والكشاف ٣٠٥/٢.
(٢) ديوان أبي النجم العجلي ص٩٩، وسلف ٤١٧/٢ و٣١٠/٧ و٤٧٥.
(٣) الانتصاف ٣٠٤/٢، والقراءة بالنصب في الآية المذكورة سلفت ص ٣٨ من هذا الجزء.
(٤) سمعه من ابن الأنباري ابن خالويه كما ذكر في القراءات الشاذة ص٦٢. والعِمَّة بالكسر:
الاعتمام. القاموس (عمم).
(٥) الكامل ٦١٦/٢-٦١٧، ولقول الفرزدق هذا قصة، وفيها أن لهذم هذا، وهو مكاتبٌ لبني
منقر ضَعُف عن حمل ما كوتب به، فأتى قبر غالب والد الفرزدق فاستجار به، ثم أتى
الفرزدق فأخبره خبره وذكر له في ذلك شعراً، فقال له الفرزدق تلك الجملة، وينظر تتمة
القصة في الكامل ٦١٢/٢.

سُؤَةٌ يُوسُفَ
٢٢٠
الآية : ٨
﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ أي: في ترجيحهما علينا في المحبة مع فَضْلِنا عليهما وكونهما بمعزلٍ
عن كفاية الأمور ﴿لَفِى ضَلَلٍ﴾ أي: خطأ في الرأي، وذهابٍ عن طريق التعديل اللائق
من تنزيل كلٍّ منَّا منزلتَه ﴿قُّبِينٍ ﴾﴾ ظاهر الحال. وجعل الضلال ظرفاً لتمگنه فيه،
ووَصْفُه بالمبين إشارةٌ إلى أنَّ ذلك غيرُ مناسبٍ بزَعْمِهم، والتأكيدُ لمزيد الاعتناء.
يُروى أنه عليه السلام كان أحبَّ إليه لِمَا يرى فيه من (١) المخايل، وكانت
إخوتُه يحسدونه، فلمَّا رأى الرؤيا تضاعَفَتْ له المحبةُ، فكان لا يصبر عنه ويضمُّه
كلَّ ساعةٍ إلى صدره، ولعله أحسَّ قلبُه بالفراق، فتضاعف لذلك حسدُهم حتى
حملهم على ما قصَّ الله تعالى عنهم.
وقال بعضهم(٢): إنَّ سبب زيادة حبِّه عليه السلام ليوسف وأخيه صغرُهما وموتُ
أمهما، وحبُّ الصغير أمرٌ مركوزٌ في فطرة البشر، فقد قيل لابنة الحسن: أيُّ بنيك
أحبُّ إليك؟ قالت: الصغيرُ حتى يَكْبُر، والغائبُ حتى يَقْدَمَ. والمريضُ حتى يَشْفَى.
وقد نظم بعضُ الشعراء في محبة الولد الصغير قديماً وحديثاً، ومن ذلك ما قاله
الوزير أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري(٣) من قصيدة بعث بها إلى أولاده
وهو في السجن:
أطوي لفُرْقَته جوّی لم يَصْغُرِ
وصغيرُهم (٤) عبدُ العزيز فإنَّني
كفؤاً لكم في المنْتَمَى والعنصرِ
ذاك المقدَّمُ في الفؤاد وإنْ غَدَا
والحلْيُ دون جميعها للخنصر
إنَّ البنان الخمسَ أَكْفاءٌ معاً
حبُّ البنينَ ولا كحبِّ الأصغر
وإذا الفتى فَقَدَ الشباب سما له
وفيه أنَّ منشأ زيادة الحبِّ لو كانت ما ذكر لكان بنيامين أَوْفرَ حظًّا في ذلك؛
لأنه أصغرُ من يوسف عليه السلام كما يدلُّ عليه قولُهم: إنَّ أمهما ماتت في نفاسه،
(١) بعدها في (م): أن، وهو خطأ. ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٥٨/٥.
(٢) هو قول ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢١/٣، وأبو حيان في البحر ٢٨٢/٥ والكلام منه.
(٣) الكاتب، أحد وزراء الدولة العامرية بالأندلس وكاتبها، كان عالماً أديباً شاعراً، مات قبل
الأربع مئة بمدة. الوافي بالوفيات ١٥٣/١٩، وجذوة المقتبس ص ٢٨٠.
(٤) في البحر: وصغيركم.