Indexed OCR Text
Pages 481-500
الآية : ٤٥ ٤٨١ وكأنَّ طوفان الحوادث أغرقها، ولعل فيما نقلناه سداداً من عوزٍ، والله تعالى الموفّقُ للصواب، وعنده علمُ الكتاب. ﴿وَنَادَىْ نُوحُ رَّبَّهُ﴾ أي: أراد ذلك؛ بدليل تفريع قوله سبحانه: ﴿فَقَالَ رَبٍّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِىِ﴾ عليه. وقيل: النداء على حقيقته، والعطفُ بالفاء لكون حقِّ التفصيل يعقب الإجمال ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ اُلْحَقُّ﴾ أي: وإنَّ وعدك ذلك، أو: كلُّ وعدٍ تَعِدُهُ حقٌّ لا يتطرّق إليه خُلْفٌ، فيدخلُ فيه الوعدُ المعهود(١) دخولاً أوليّاً. ﴿وَأَنْتَ أَعْكُمُ الْحَكِينَ ﴾ لأنَّك أعلمُهم وأعدلُهم، وقد ذُكر أنه إذا بُني أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة، يُعتبر فيما يناسبُ معناه معنى الممتنع، وقال العزّ بن عبد السلام في ((أماليه)): إنَّ هذا ونحوَه من ((أرحم الراحمين)) و((أحسن الخالقين)) مُشْكِلٌ؛ لأنَّ أفعل لا يضاف إلَّا إلى جنسه، وهنا ليس كذلك؛ لأنَّ الخلق من الله سبحانه بمعنى الإيجاد ومن غيره بمعنی الکسب، وهما متباينان، يعني على المشهور من مذهب الأشاعرة، والرحمةُ من الله تعالى إن حُملت على الإرادة أو جُعلت من مجاز التشبيه صحَّ، وإن أريد إيجادُ فعل الرحمة كان مشكلاً أیضاً؛ إذ لا موجدَ سواه سبحانه. وأجاب الآمديُّ بأنه بمعنى: أعظمُ مَنْ يُدعى بهذا الاسم. واستشكل بأنَّ فيه جَعْلَ التفاضُل في غير ما وُضِعَ اللفظُ بإزائه، وهو يناسبُ مذهبَ المعتزلة فافهم. وقيل: المعنى هنا: أنك أكثرُ حكمةً من ذوي الحكم على أنَّ الحاكم من الحِكْمة (٢)، كالدَّارع من الدِّرع. واعتُرض عليه بأنَّ الباب ليس بقياسيٍّ، وأنه لم يُسمع حاكم بمعنى حكيم، وأنَّه لا يُبنى منه أفعل إذاً؛ لأنَّه ليس جارياً على الفعل، لا يقال: ألْبنُ وأثْمرُ من فلان، إذ لا فعلَ بذلك المعنى، والجوابُ بأنه قد کثر في كلامهم فجوِّز على أن يكون وجهاً مرجوحاً، وبأنه من قبيل: أحنك الشاتين(٣)، لا يخلو عن تعسُّف كما في ((الكشف)). (١) في الأصل: المذكور. (٢) في الأصل و(م): الحكم، والمثبت من الكشاف ٢/ ٢٧٢، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٠٢/٥، وتفسير أبي السعود ٤/ ٢١٢. (٣) أي: آكلُهما بالحنك. اللسان (حنك). سُؤَدَاهُود ٤٨٢ الآية : ٤٦ وتُعقِّب بأنَّ للحكمة فعلاً ثلاثياً وهو حَكُمَ، وأفعل من الثلاثي مقيس، وأيضاً سمع: احتنك الجراد، وألبن، وأتمر، فغايتُه أن يكون من غيرِ الثلاثيّ. ولا يخفى ما فيه. ومنهم مَن فسَّره على هذا بأعلمهم بالحكمة، كقولهم: آبَل، من أَبِل، بمعنى: أعلم وأحذق بأمر الإبل. وأيّاً ما كان فهذا النداءُ منه عليه السلام يقطر منه الاستعطافُ وجميلُ التوسُّل إلى مَن عَهِدَه منعماً مفضلاً في شأنه أوَّلاً وآخراً، وهو على طريقة دعاء أيوبَ عليه السلام ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَِّىَ الُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فيكون ذلك قبلَ الغرق، والواوُ لا تقتضي الترتيب. وقيل: إنَّ النداء إنما كان بعده والمقصودُ منه الاستفسارُ عن سبب عدم إنجائِهِ مع سَبْقِ وعدِه تعالى بإنجاءِ أهله وهو منهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمامُ الكلام في ذلك. ﴿قَالَ﴾ استئناف بيانيٌّ، كأنه قيل: ما قال له ربُّه سبحانه حين ناداه بذلك؟ فقيل: قال: ﴿يَنُوُ إِنَّهُ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ أي: ليس منهم أصلاً؛ لأنَّ مدار الأهليَّة هو القرابةُ الدينيَّة، وقد انقطعتْ بالكفر، فلا علاقةً بين مسلمٍ وكافرٍ ولذا لم يتوارثا، وقد ذكروا أنَّ قرابة الدِّين أقربُ من قرابة النَّسب، كماً أشار إلى ذلك أبو فراسٍ بقوله : كانت مودَّةُ سلمانَ له نسباً ولم يكن بين نوحِ وابنِهِ رَحِمُ (١) أو: ليس من أهلك الذين أمرتُكَ بحَمْلهم في الفُلك؛ لخروجه عنهم بالاستثناء، وحُكي هذا عن ابن جرير(٢) وعكرمة، والأوَّل عن ابن عبّاس ما، وعلى القولين ليس هو من الذين وُعد بإنجائهم، وكأنه لَمَّا كان دعاؤُه عليه السلام بتذكير وعدِهِ جلَّ ذِكْرُه مبنيّاً على كون كنعان من أهله، نفى أولاً كونَه منهم، ثم علَّل عدمَ كونِه منهم على طريقة الاستئناف التحقيقيِّ بقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِّجْ﴾ وأصلُه: إنه ذو عملٍ فاسدٍ، فحذف ((ذو)) للمبالغة بجَعْلِه عينَ عملِه لمداومته عليه. ولا يقدَّر المضاف لأنَّه حينئذٍ تفوتُ المبالغةُ المقصودة منه، ونظيرُ ذلك ما في قول الخنساء ترثي أخاها صخراً: (١) ديوان أبي فراس ص٣٥٣. (٢) في تفسيره ٤٣٣/١٢، وفيه: تأويل ذلك: إنه ليس من أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم. الآية : ٤٦ ٤٨٣ سُوَلُ هُود! قد ساعدتْها على الشَّحنان آظارُ ما أمُّ سَقْب على بؤٍّ تحنُّ له فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ ترتعُ ما رتعتْ حتَّى إذا اذَّكرتْ صخرٌ وللعيش إحلاءٌ وإمرارُ(١) يوماً بأوجعَ مِنِّي حينَ فارقني وأبدل فاسد بـ ((غير صالح)) إمَّا لأنَّ الفاسدَ ربما يُطلق على ما فَسَدَ ومِن شأنه الصَّلاح، فلا يكون نصّاً فيما هو من قبيل الفاسد المحض كالمظالم، وإمَّا للتلويح بأنَّ نجاة مَن نجا إنَّما هو لصلاحه. وقرأ الكسائيُّ ويعقوب: ((إنه عَمِل غيرَ صالح)) على صيغة الفعل الماضي، ونَصْبٍ ((غير)) (٢)، وهي قراءة عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، وابنِ عبَّاس، وأنسٍ، ﴿ّ، وقد روتْها هي وأمُّ سلمةً عن النبيِّ ◌ِ﴾(٣)، والأصلُ: عَمِلَ عَمَلاً غيرَ وعائشةً (١) ديوان الخنساء ص٤٨، والخزانة ٤٣١/١-٤٣٢، وحاشية الشهاب ١٠٣/٥، والثاني في الكتاب ٣٣٧/١، ودلائل الإعجاز ص ٣٠٠. والشاهد فيه قولها: فإنما هي إقبال وإدبار. وذكر الجرجاني أنها لم تُرِدْ بالإقبال والإدبار غير معناهما، جعلتها لكثرة ما تُقبل وتُدبر كأنها تجسمت من الإقبال والإدبار، وليس هذا على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، لأنَّا إذا جعلنا المعنى فيه كالمعنى إذا قلنا: فإنما هي ذات إقبال وإدبار، أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول، وإلى كلام عاميٍّ مرذول. والسقب: الذَّكَر من ولد الناقة. والبوّ: جلدُ ولدِ الناقة، إذا مات حين تلد أمه يُحْشَى تبناً وهي لا تراه، ويُدنى منها فتشمه فتدر عليه اللبن. والآظار: جمع ظئر، وهي التي تحن على ولد غيرها. إحلاء وإمرار، أي: سرور وحزن. الخزانة ٤٣٢/١-٤٣٣. ورواية البيت الأول في الديوان: وما عجولٌ على بوِّ تُطيف به لها حنينان إعلان وإسرار (٢) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢. (٣) المحرر الوجيز ١٧٧/٣، والبحر ٢٢٩/٥، وأخرجه أحمد (٢٦٥١٨)، وأبو داود (٣٩٨٣)، والترمذي (٢٩٣١)، وحفص الدوري في قراءات النبي (٦٣) من حديث أم سلمة ﴿يا، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢٨٦/١-٢٨٧، والفراء في معاني القرآن ١٧/٢-١٨، وحفص الدوري في قراءات النبي (٦٢)، والحاكم ٢٤١/٢ من طريق محمد بن جحادة، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ◌َّه. وجحادة لم يرو عنه غير ابنه. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣٠٠) من طريق حميد الأزرق عن مسروق عن عائشة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٥٥: فيه حميد الأزرق، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. سُوَلُ هُود! ٤٨٤ الآية : ٤٦ صالح، وبه قرئ أيضاً كما روي عن عكرمة(١)، فحُذف الموصوفُ وأُقيمت صفتُه مقامه، وذلك شائعٌ مطَرد عند انكشاف المعنى وزوالِ اللَّبْس. وضعَّفه بعضُهم هنا بأنَّ العربَ لا تكاد تقول: عَمِلَ غيرَ صالحٍ، وإنما تقول: عَمِلَ عَمَلاً غيرَ صالح، وليس بشيء. وأُيِّد بهذه القراءة كونُ ضميرٍ ((إنه) في القراءة الأولى لابن نوح لأنَّه فيها له قطعاً، فيضعَّف ما قيل: إنَّه في الأولى لتركِ الرُّكوبِ معهم والتخلّف عنهم، أي: إنَّ ذلك التركَ عملٌ غيرُ صالح، على أنَّه خلافُ الظاهر في نفسه كما لا يخفى. ومثلُه في ذلك ما قيل: إنَّه لنداء نوح عليه السلام، أي: إنَّ نداءك هذا عملٌ غيرُ صالح، وتخرجُ بذلك الجملةُ عن أن تكونَ تعليلاً لِمَا تقدَّم، ويفوتُ ما في ذاك من الفائدة، ولا يكون الكلامُ على مساقٍ واحد، نعم روي عن ابن عبّاس ما يقتضيه، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أنه قال: إنَّ نساءَ الأنبياء عليهم السلام لا يَزْنِينَ، ومعنى الآية: مسألتُكَ إياي يا نوحُ عملٌ غيرُ صالح لا أرضاه لك(٢) . وفي رواية ابن جرير عنه: سؤالُك ما ليس لكَ به عِلمٌ عملٌ غيرُ صالح(٣). ولعلَّ ذلك لم يثبتْ عن هذا الحبر، لأنَّ الظاهر من الرواية الأولى أنَّه إنما جعل الضميرَ للمسألة دونَ ابن نوح؛ لما في ذلك من نسبة الزنا إلى مَن لا يُنسب إليه، وهو ◌َُّه أجلُّ قَدْراً من أن يَخْفَى عليه أنَّه لا يلزم من ذلك هذا المحذور. ثَّ إنه لَمَّا كان دعاؤُه عليه السلام مبنيّاً على كون كنعان من أهله، وقد نُفي ذلك وحقِّق ببيانِ علَّه، فرِّع على ذلك النهيُ عن سؤال إنجائه، إلَّا أنه جيء بالنهي على وجهٍ عامٍّ يندرج فيه ما ذكر اندراجاً أوَّليّاً، فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَلْنِ﴾ أي: إذا وقفتَ على جليَّة الحال فلا تطلبْ منِّي ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ أي: مطلباً لا تعلم يقيناً أنَّ حصولَه صوابٌ وموافقٌ للحكمة، على تقديرٍ كون ((ما)) عبارةً عن المسؤول (١) أخرج الرواية بذلك عن عكرمة عبد الرزاق ٢/ ٣٠٧، والطبري ٤٢٩/١٢. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٣٥/٣. (٣) تفسير الطبري ١٢/ ٤٣٤ . الآية : ٤٦ ٤٨٥ سُوَلاَ هُوَّدا الذي هو مفعولٌ للسؤال، أو: طلباً لا تعلم أنَّه صوابٌ، على تقديرِ كونه عبارةً عن المصدر الذي هو مفعولٌ مطلقٌ، فيكون النهيُ وارداً بصريحه في كلٌّ من معلومٍ الفساد ومشتبهِ الحال، قاله شيخ الإسلام(١). وجوَّز أن يكون: ما ليس لك علمٌ بأنَّه صوابٌ أو غير صواب - وهو الذي ذهب إليه القاضي (٢) - فيكون النهيُ وارداً في مشتبه الحال، ويُفهم منه حالُ معلومِ الفسادِ بالطريق الأَوْلَى، وأيّاً ما كان فهو عامٌّ يندرجُ تحتَه ما نحن فيه كما ذكرنا. وسمِّي النداءُ سؤالاً لتضمُّنِهِ إِيَّاه وإن لم يصرَّح به كما لا يخفى، و((به)) على ما نُقِلَ عن أبي عليٍّ(٣) إما متعلِّق بما يدلُّ عليه العلم المذكورُ وإن لم يتسلَّط عليه کقوله : ربَّيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعَصا أن أُجلدا(٤) وإمَّا أن يتعلَّق بالمستقرِّ في ((لك))(٥)، وكذا الكلامُ فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. والآية ظاهرةٌ في أنَّ نداءه عليه السلام لم يكن استفساراً عن سبب عدم إنجائه مع تحقّق سبب الإنجاء فيما عنده كما جوَّزه القاضي(٦) بناءً على أنه كان بعد الغرق، بل هو دعاءٌ منه عليه السلام لإنجاء ابنِهِ حين حالَ الموجُ بينهما ولم يعلم بهلاکه بعدُ، إما بتقريبه إلى الفُلك بتلاطم الأمواج مثلاً، أو بتقريبها إليه. وقيل: أو بانجائه بسبب آخرَ، ويأباه تذكيرُ الوعد في الدعاء؛ فإنه مخصوصٌ بالإنجاء في الفلك، ومجرَّدُ حيلولة الموج لا يستوجبُ الهلاكَ فضلاً عن العلم به؛ لظهور إمكانِ عصمة الله تعالى إيَّاه (٧) برحمتِهِ، وقد وعده بإنجاءِ أهله، ولم يعتقدْ أنَّ فيه مانعاً من الانتظام في (١) في تفسيره ٢١٢/٤. (٢) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٠٣/٥. (٣) في الحجة ٣٤٤/٤. (٤) الرجز لعجاج كما في المحتسب ٢/ ٣١٠، والخزانة ٨/ ٤٣٠، وسلف ٤٩/٧. (٥) في (م): ذلك، وهو تصحيف. (٦) في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٠٢/٥. (٧) قبلها في (م): عليه، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢١٣/٤. سُوَلاَ هُودٍ ٤٨٦ الآية : ٤٦ سلكهم لمكان النِّفاق وعدم المجاهرة بالكفر؛ لما في ذلك لفظاً من الاحتياج إلى القولِ بالحذف والإيصالَ(١)، ومعنّى من أنَّ النهيَ عن الاستفسار عمَّا لا يعلم غيرُ موافقٍ للحكمة؛ إذ عدمُ العلم بالشيء داعٍ إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه. وقيل: إنَّ السؤالَ عن موجب عدم النَّجاة مع ما فيه من الجرأة وشِبْهِ الاعتراض فيه أنَّه تعيَّن له عليه السلام أنه من المستثنَيْنَ بهلاكه، فهو غيرُ سدیدٍ، کیف ونداؤُه ذاك مِمَّا يقطر منه الاستعطاف؟ وقيل: إنَّ النهي إنما هو عن سؤالٍ ما لا حاجةَ إليه: إمَّا لأنه لا يهمُّ، أو لأنَّه قامتِ القرائنُ على حاله، لا عن السؤال للاسترشادِ، فلا ضير إذن في كلام القاضي. وهو كما ترى، ولا يُصْلِحُ العطارُ ما أَفْسَدَ الدهرُ. فالحقُّ أنَّ ذلك مسألةُ الإنجاء، وكان قبل تحقُّق الغرق عند رؤيةِ المشارَفةِ عليه(٢)، ولم يكن عالماً بكُفره إذ ذاك لأنَّه لم يكن مجاهراً به، وإلا لم يَدُْ له، بل يَدَعُه أيضاً، و((لا تَكُنْ مع الكافرين)) لا يدلُّ على أنَّه كافرٌ عندَه، بل هو نهيّ عن الدُّخول في غمارهم، وقَطْعٌ بأنَّ ذلك يوجبُ الغرقَ على الطريق البرهانيِّ كما قدَّمنا(٣)، وكأنه عليه السلام حمل مقاولته على غير المكابرة والتعنُّت؛ لغلبة المحبَّة وذهوله عن إعطاءِ التأمُّل حقَّه، فلذلك طَلَب ما طَلَبَ، فعُوتب بأنَّ مثله في معرضِ الإرشادِ والقيام بأعباء الدَّعوة تلك المدَّة المتطاولةَ لا ينبغي أن يشتَبِه عليه كلامُ المسترشِد والمعانِد، ويرجع هذا إلى تَرْك الأَوْلى، وهو المرادُ بقوله سبحانه: ٤٦ ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ وذكر شيخ الإسلام أنَّ اعتزالَه وقصدَه(٤) الالتجاءَ إلى الجبل ليس بنصٍّ في الإصرار على الكفر؛ لظهورٍ جوازٍ أن يكون ذلك لجهلِه بانحصارِ النَّجاة في الفُلك، (١) قوله: لما في ذلك لفظا ... إلخ، لما في القول بكون نداءه عليه السلام استفساراً عن سبب عدم الإنجاء. وقوله: من الحذف والإيصال، أي: إذا كان النداء للاستفسار لا للدعاء فالأصل أن يقال: عما ليس لك ... إلخ؛ لأن السؤال الاستفساري يتعدَّى بعن، والطلبي بنفسه. ينظر حاشية الشهاب ١٠٣/٥. (٢) في (م): عليها. (٣) ص٤٦٢ من هذا الجزء. (٤) في الأصل و(م): قصده، والمثبت من تفسير أبي السعود. الآية : ٤٦ ٤٨٧ وزَعْمِه أنَّ الجبل أيضاً يجري مجراه، أو لكراهةِ الاحتباس في الفلك، بل قولُه: ((سآوي إلى جبل يعصمني من الماء)) بعد ما قال له نوح: ((ولا تكن مع الكافرين)) ربَّما يُطْمِعُه عليه السلام في إيمانه، حيث لم يقلْ: أكونُ معهم، أو: سنأوي، أو: يعصمنا، فإنَّ إفرادَ نفسِه بنسبة الفعلين المذكورين ربَّما يُشْعِرُ بانفرادِه من الكافرين، واعتزاله عنهم؛ وامتثالِهِ ببعض ما أمرَه به نوحٌ عليه السلام، إلا أنَّه عليه السلام لو تأمَّل في شأنه حقَّ التأمل وتفخَّص عن أحواله في كلِّ ما يأتي وما يذر، لَما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمنٍ، وأنَّه مستثنى من أهله، ولذلك قيل له: ((إني)) إلخ(١). وهو ظاهرٌ في أنَّ مدارَ العتاب الاشتباهُ كما ذكرنا، وإليه ذهب الزمخشريُّ؛ قال: إنَّ الله تعالى قدَّم إليه عليه السلام الوعدَ بإنجاء أهله مع استثناء مَنْ سبق عليه القولُ منهم، فكان عليه أن يعتقد أنَّ في الجملة مَنْ هو مستوجبٌ للعذاب لكونه غيرَ صالح، وأنَّ كلَّهم ليسوا بناجين، وأنْ لا تخالجَه شبهةٌ حين شارف ولدُه الغرقَ في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعُوتب على أنِ اشْتَبَهَ عليه ما يجبُ أنْ لا یشتبه(٢). وكأنه أرادَ أنَّ الاستثناء دلَّ على أنَّ المعنى المعتبرَ الصلاحُ لا القرابةُ، فكان ينبغي أن يجعلَه الأصلَ ويتفخَّص في الأهل عن وجوده، وأنْ يجعلَ كلَّهم سواسيةً في استحقاق العذاب إلَّا مَن علم صلاحَه وإيمانَه، لا أنْ يجعل كونَه من الأهل أصلاً، فيسألَ إنجاءَه مع الشَّكِّ في إيمانه، فقد قصَّر فيما كان عليه بعضَ التقصير، وأولو العزم مؤاخَذون بالنَّقير والقِطمير، وحسناتُ الأبرار سيِّئَاتُ المقرّبين. وابن المنيِّر لم يرضَ كونَ ذلك عتاباً، قال: في كلام الزمخشريّ ما يدلُّ على أنه يعتقد أنَّ نوحاً عليه السلام صدر منه ما أوجبَ نسبةَ الجهل إليه ومعاتبته على ذلك، وليس الأمر كما تخيَّله. ثم قال: ونحن نوضِّح(٣) الحقَّ في الآية منزلاً على نصِّها، مع تبرئةٍ نوح عليه السلام مما توهّم الزمخشريُّ نسبته إليه، فنقول: لَمَّا وُعد عليه السلام بتنجية أهلِه (١) تفسير أبي السعود ٢١٣/٤. (٢) الكشاف ٢/ ٢٧٣-٢٧٤. (٣) بعدها في (م): أن. سُوَلاَ هُودٍ ٤٨٨ الآية : ٤٧ إلَّا من سبقَ عليه القولُ منهم ولم يكن كاشفاً لحالِ ابنه ولا مطَّلعاً على باطنٍ أمره، بل كان معتقداً بظاهر الحال أنه مؤمنٌ، بقي على التمسُّك بصيغة العموم للأهلية الثابتة، ولم يعارضْها يقينٌ في كفر ابنِه حتى يخرج من الأهل ويدخلَ في المستثنين، فسأل الله تعالى فيه بناءً على ذلك، فبيَّن له أنه في علمِه من المستثنين، وأنه هو لا علمَ له بذلك، فلذلك سأل فيه، وهذا بأنْ يكون إقامةَ عذرٍ أَوْلَى منه من أن یکون عتباً، فإنَّ نوحاً عليه السلام لا يكلِّفه الله تعالى علمَ ما استأثر به غيباً. وأما قولُه سبحانه: (إِنَّ أَعِظُكَ) إلخ فالمرادُ النهيُّ عن وقوع السؤال في المستقبل بعدَ أن أعْلَمه سبحانه باطنَ أمرِهِ، وأنه إنْ وقع في المستقبل في السؤال كان من الجاهلين، والغرضُ من ذلك تقديمُ ما يُبقيه عليه السلام على سمتِ العصمة، والموعظةُ لا تستدعي وقوعَ ذنبٍ، بل المقصدُ منها أنْ لا يقعَ الذنبُ في الاستقبال، ولذلك امتثل عليه السلام ذلك، واستعاذَ بالله سبحانه أن يقع منه ما نُهي عنه(١). كما يدلُّ عليه قوله سبحانه: ﴿قَالَ رَبٍّ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَسَ لِى بِهِ، عِلْمٌّ﴾ . ولا يخفى سقوطُه على ما علمتَ، وهو خلافُ الظاهر جدّاً، وقد جاء عن الفضيل بن عياض أنه قال: بلغني أنَّ نوحاً عليه السلام بكى عن قولِ الله تعالى له ما قال أربعين يوماً. وأخرج أحمدُ في ((الزهد) عن وهيب بن الورد الحضرميِّ قال: لَمَّا عاتبَ الله تعالى نوحاً في ابنه، وأنزل عليه (إِنَّ أَعِظُكَ) بكى ثلاث مئة عامِ حتَّى صار تحتَ عينيه مثلُ الجدول من البكاء(٢). وزعم الواحديُّ أنَّ السؤالَ قبل الغرق ومع العلم بكفره، وذلك أنَّ نوحاً عليه السلام لم يعلم: أنَّ سؤاله ربَّه نجاةَ ولده محظورٌ عليه مع إصراره على الكفر حتى أعلمه اللهُ تعالى ذلك(٣) . واعتُرض بأنَّه إذا كان عالماً بكفره مع التصريح بأنَّ في أهله مَن يستحقُّ العذابَ، كان طلبُ النجاة منكراً من المناكير، فتدبّر. (١) الانتصاف مع الكشاف ٢/ ٢٧٣ -٢٧٤. (٢) الزهد ص٦٦، ووهيب بن الورد هو أبو أمية، ويقال: أبو عثمان المكي، مولى بني مخزوم، توفي سنة (١٥٣هـ). سير أعلام النبلاء ١٩٨/٧ . (٣) ينظر الوسيط ٥٧٦/٢. . الآية : ٤٧ ٤٨٩ والظاهرُ على ما قرَّرنا أنَّ قولَه: ((ربِّ)) إلخ توبةٌ مما وقع منه عليه السلام، و((ما)) هنا أيضاً عبارةٌ إمَّا عن المسؤول أو عن السؤال، أي: أعوذ بك أنْ أطلب منك من بعدُ مطلوباً لا أعلم أنَّ حصولَه مقتضى الحكمة، أو طلباً لا أعلم أنَّه صوابٌ سواءٌ كان معلومَ الفساد، أو مُشْتبهَ الحال، أو لا أَعْلَمُ أنَّه صوابٌ أو غيرُ صواب، ولم يقل: أعوذُ بك منه أو من ذلك؛ مبالغةً في التوبة، وإظهاراً للرغبة والنشاط فيها، وتبرُّكاً بذكرٍ ما لقَّنه الله تعالى، وهو أبلغُ من أن يقول: أتوبُ إليك أنْ أسألك؛ لِمَا فيه من الدلالة على كونِ ذلك أمراً هائلاً محذوراً لا محيصَ منه إلا بالعوذ بالله تعالى، وأنَّ قدرتَه عليه السلام قاصرةٌ عن النجاة من المكاره إلا بذلك، كما في ((إرشاد العقل السليم))(١). واحتمالُ أن يكون فيه ردٌّ وإنكارٌ نظير ما في ((البقرة)) من قول موسى عليه السلام: ﴿أَعُوذُ بِلَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [الآية: ٦٧] مِمَّا لا يكاد يمرُّ بفكرِ أحدٍ من الجاهلين. هذا وفي مصحف ابن مسعود: ((إنَّه عملٌ غيرُ صالح أن تسألني))(٢). ورجّح به كونُ ضميرٍ ((إنه)) في القراءة المتواترة للنداء المتضمِّن للسؤال. وقرأ ابنُ كثير: ((فلا تسألَنَّ)) بفتح اللام وتشديدِ النُّون مفتوحة (٣)، وهي قراءةُ ابنِ عبَّاس ◌ِ﴾(٤). وكذا قرأ نافعٌ وابنُ عامر غيرَ أنهما كسرا النُّون(٥) على أنَّ أصله: تسألّني، فحذفت نونُ الوقايةِ لاجتماع النُّونات، وكُسرت الشديدةُ للياء، ثم حُذفت الياء اكتفاءً بالكسرة. وقرأ أبو جعفر وشيبةٌ وزيدُ بن علي ﴿يَا كذلك، إلا أنهم أثبتوا الياءَ بعد النون (٦)، وأمرُه ظاهر. (١) ٢١٣/٤. (٢) المحرر الوجيز ١٧٧/٣، والبحر ٢٢٩/٥. (٣) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢. (٤) البحر ٢٢٩/٥. (٥) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢. (٦) البحر ٢٢٩/٥. ٤٩٠ الآية : ٤٧ وقرأ الحسنُ وابنُ أبي مليكة: ((تَسَالني)) من غير همز من سالَ يَسَالُ فهما يتساولان(١)، وهي لغةٌ سائرة. وقرأ باقي السبعة بالهمز وإسكانِ اللام وكسرِ الُّون وتخفيفها. وأثبت الياءَ في الوصل ورشٌ وأبو عمرو، وحذَفَها الباقون. ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ﴾ ما صدر عنِّي من السؤال المذكور ﴿وَتَرْحَمْنِىّ﴾ بقبولِ توبتي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾﴾ أعمالاً بسبب ذلك. وتأخيرُ ذكر هذا عن حكاية الأمر الواردِ على الأرض والسماء وما يتلوه، مع أنَّ حقَّه أن يُذكر عقيبَ قوله سبحانه: (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ) حسبما وقع في الخارج، على ما علمتَ من أنَّ النِّداء كان لطلبِ الإنجاء قبل العلم بالهلاك؛ قيل: ليكونَ على أسلوب قصَّة ((البقرة)) في سورتها(٢) دلالةً على استقلال هذا المعنى بالغرض لِمَا فيه من النكت مِن جَعْلٍ قرابةِ الدِّين غامرةً لقرابة النسب، وأنْ لا يقدمَ في الأمور الدينيّة الأصوليّة إلا بعد اليقين. وتُعقّب بالفرق بين ما هنا وما هناك عندَ مَنْ كان ذا قلبٍ، وما ذُكر مِن جَعْلٍ قرابة الدِّين غامرةً لقرابة النسب إلخ لا يفوتُ على تقدير سوقِ الكلام على ترتيبٍ الوقوع أيضاً. واختار بعضُ المحقّقين(٣) أنَّ ذلك لأنَّ ذكرَ هذا النِّداء كما ترى مستدعٍ لِمَا مرَّ من الجواب المستدعي لذكر توبته عليه السلام المؤدِّي إلى ذِكْر قبولها في ضمن الأمر بهبوطه عليه السلام من الفُلك بالسلام والبركاتِ الفائضةِ عليه وعلى المؤمنين حسبما يجيء إن شاء الله تعالى، ولا ريبَ أنَّ هذه المعاني آخذٌ بعضُها بحُجْزةٍ بعضٍ بحيث لا تكاد تفرِّق الآيات الكريمةَ المنطويةَ عليها بعضَها من بعضٍ، وأنَّ (١) في الأصل و(م): يساولان، والمثبت من البحر ٢٢٩/٥، والكلام منه. (٢) وهو تقديم ذكر الأمر بذبحها على ذكر القتيل الذي هو أول القصة، وكان حقها أن يقال: وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة فاضربوه ببعضها، فإن تغيير الترتيب للدلالة على كمال سوء حال اليهود بتعديد جناياتهم المتنوعة وتثنية التقريع عليهم بكل نوع على حدة. ينظر تفسير أبي السعود ٢١٤/٤، وينظر كذلك ما سلف ٢٢٨/٢-٢٢٩. (٣) هو أبو السعود في تفسيره ٢١٤/٤. الآية : ٤٨ ٤٩١ لأُهُود ذلك إنما يتمُّ بتمام القصَّة، وذلك إنما يكون بتمام الطُّوفان، فلا جرمَ اقتضى الحالُ ذكرَ تمامها قبل هذا النداء، وهو إنَّما يكون عند ذِكر كونِ كنعان من المغرقين، ولهذه النُّكتة ازداد حُسن موقع الإيجاز البليغ. وفيه فائدةٌ أخرى هي التصريح بهلاكه من أوَّل الأمر، ولو ذكر النِّداء بعدَ ((فكان من المغرقين)) لربَّما تُؤُهُّم من أوَّل الأمر إلى أنْ يَرِد ((إنه ليس من أهلك)) إلخ أنَّه ينجو بدعائه، فنصَّ على هلاكه، ثمَّ ذكر القصة على وجهٍ أفحم مصاقعَ البلغاء، ثم تعرَّض لما وقع في تضاعيف ذلك مِمَّا جرى بين نوحٍ عليه السلام وربّ العزّة جلَّت حكمتُه وعلتْ كلمتُه، ثم ذكر بعد توبتِهِ عليه السلام قبولَها بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿قِلَ يَنُوُ أَهْيِطْ﴾ إلخ، وهو من الحُسْنِ بمكان. وبُني الفعل لِمَا لم يسمَّ فاعله لظهور أنَّ القائل هو الله تعالى. وقيل: القائلُ الملائكة عليهم السلام. والهبوطُ: النزول، قيل: أي: انزل من الفُلك. وقيل: من الجبل إلى الأرض، وذلك أنَّه روي أنَّ السفينة استوتْ على الجوديِّ في عاشرِ ذي الحجَّة، فأقامَ بمن معه هناك شهراً، ثم قيل له: اهبط. فهبط بأرضِ الموصل؛ وبنى قربَ الجبل قريةً يقال لها: قريةُ الثمانين، عدد مَن في السفينة، وفي روايةٍ عن ابن عبّاس: أنه بنى كلٌّ منهم بيتاً، فسُمِّيت سوق الثمانين. وأخرج ابنُ مردويه عن عمر رَُّبه قال: لَمَّا استقرَّت السفينةُ على الجودي، لبثَ نوح عليه السلام ما شاء الله تعالى، ثمَّ إنه أُذن له بالهبوط فهبط على الجبل، فدعا الغرابَ فقال: ائتني بخبر الأرض، فانحدر إلى الأرض وفيها الغرقى من قومٍ نوحٍ، فوقع على جيفةٍ منهم فأبطأ عليه فلعنه، ودعا الحمامةَ، فوقفتْ(١) على كفّه، فقال: اهبطي فأتني بخبر الأرض، فانحدرت فلم تلبث قليلاً حتى جاءت تنفضُ ريشها بمنقارها، فقالت: اهبط فقد أنبتت الأرضُ، فقال نوح: باركَ الله تعالى فيكِ وفي بيتٍ يأويك، وحبَّبكِ إلى الناس، ولولا أن يغلبكِ الناسُ على نفسك لدعوتُ الله سبحانه أن يجعلَ رأسك من الذهب. (١) في الأصل: فوقعت. سُوَلاَ هُود ٤٩٢ الآية : ٤٨ والظاهرُ عندي أنَّ الهبوط من الجوديِّ الذي استقرَّت عليه السفينةُ إلى الأرض، وليس في الكلام ما يستدعي أن يكون بعد الاستقرار بلا مُهلة ليقال: إنَّ ما تحت الجبل مغمورٌ إذ ذاك بالماء، والتعبير بالهبوط على هذا في غاية الظهور، ولعلَّ ذلك على أن يكون المراد من السفينة لمكان الركوب. وخبرُ الحمامة والغرابِ قد طار في الآفاق وأُولع به القصَّاصون، والله تعالى أعلم بصحّته، وغالبُ الظنِّ أنه لم يصحّ. وكذا اشتهر خبرُ قرية الثمانين في أرض الموصلِ، وأنَّها لما ضاقتْ عليهم تحوَّلوا إلى بابل فبنَوها. وأخرج ابنُ عساكر عن كعب الأحبار أنَّه قال: أوَّل حائطٍ وُضع على وجه الأرض بعد الطُّوفان حائطُ حرَّان ودمشقَ، ثمّ بابل(١). وقرئ: ((اهْبُطْ)) بضمِّ الباء(٢) . ﴿يِسَلَمٍ﴾ أي: ملتبساً بسلامةٍ مما تكره كائنةٍ ﴿مِنَّا﴾ أي: من جهتنا. ويجوز أن يكون السَّلام بمعنى التسليم والتحيَّة، أي: مسلَّماً عليك من جهتنا. ﴿وَبَرَكَتٍ عَلَيََّكَ﴾ أي: خيراتٍ ناميةٍ في نَسْلِكَ، وما يقومُ به معاشكَ ومعاشُهم من أنواع الأرزاق، أو مباركاً عليك، أي: مدعوّاً لك بالبركة بأن يقال: باركَ الله تعالى فيك. وهو مناسبٌ لكون السَّلام بمعنى التسليم، فيكون كقوله: السلامُ عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وأصلُ البَرْكِ كما قال الراغبُ: صدرُ البعير؛ يقال: بَرَك البعيرُ: إذا ألقى بركه، واعتُبر فيه اللزومُ، ولذا سمِّي محتَبَسُ الماءِ برْكةً، والبَرَكةُ ثبوتُ الخيرِ الإلهي في الشيء، سمِّي بذلك لثبوتِ الخير فيه ثبوتَ الماء في البِرْكة، ولما كان الخيرُ الإلهي يصدُرُ على وجهٍ لا يحسُّ ولا يُحصى، قيل لكلِّ ما يشاهَدُ فيه زيادةٌ غيرُ محسوسةٍ : هو مبارَكٌ وفيه بَرَكةٌ(٣). ولِمَا في ذلك من الإشعار باللزوم وكونه غيرَ محسوس اختصَّ ((تبارك)) بالاستعمال في الله تبارك وتعالى كما قيل. (١) تاريخ ابن عساكر ١/ ١١. (٢) القراءات الشاذة ص ٦٠، والبحر ٢٣١/٥. (٣) مفردات الراغب (برك). الآية : ٤٨ ٤٩٣ سُؤَلاَ هُودٍ وفي ((الكشف)) كلُّ شيء ثبت وأقام فقد بَركَ، وأُخذ بروكُ البعير منه، ثمَّ البركُ بمعنى الصدرِ من الثاني لأنه آلةُ بروکه أظهرُ. وحكى عبد العزيز بنُ يحيى عن الكسائيّ أنه قرأ: ((وبَرَكةٍ)) بالتوحيد(١). وفي الآية على القراءتين صنعةُ الاحتباك؛ لأنَّه حُذف من الثاني ما ذُكر في الأول، وذُكر فيه ما حُذف من الأول، والتقدير: سلام منَّا عليك وبركات - أو: وبركة(٢) - منَّا عليك، وهذا منه تعالى إعلامٌ وبشارةٌ بقبول توبتِه عليه السلام وخلاصِه من الخسران، مع الإشارة إلى عَود الأرض إلى حالها من الإنبات وغيرِه. ﴿وَعَلَى أُمَرٍ﴾ ناشئةٍ ﴿مِّمَّن مَّعَكَ﴾ متشعِّبةٍ منهم، فـ ((مِنْ)) ابتدائية، والمرادُ الأممُ المؤمنةُ المتناسلة مِمَّن معه إلى يوم القيامة، والمرادُ ممن معه أولادُه، من إطلاقِ العامِّ وإرادةِ الخاصِّ، بناءً على ما قيل: إنَّه لم يُعْقِب غيرُهم، فالناسُ كلُّهم على هذا من نسلٍ نوح عليه السلام، ومن هنا سمِّي عليه السلام آدمَ الثاني وآدمَ الأصغر، واستُدلَّ لذلكَ بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]. وقد يقال ببقاء ((مَن)) على عمومه بناءً على ما عليه أكثرُ المفسِّرين من عدم اختصاص النَّسل بأولاده عليه السلام، بل لمن معه نسْلٌ باقٍ أيضاً، والكلامُ في استدلال الأوَّلين سيأتي إن شاء الله تعالى. وقولُه سبحانه: ﴿وَأُمَّمٌ﴾ بالرفع - وهو على ما ذهب إليه الزمخشريُّ - مبتدأ، وجملةُ قوله تعالى: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفتُه، والخبر محذوف، أي: ومنهم أمم(٣). وساغ ذلك لدلالةِ ما سبق عليه، فإنَّ إيرادَ الأمم المباركِ عليهم المتشعِّبةِ منهم نكرةً يدلُّ على أنَّ بعضَ مَن يتشعَّب منهم ليسوا على صفتِهم، والمعنى: ليس جميعُ مَن يتشغَّب منهم مشاركاً له في السَّلام والبركات، بل منهم أممٌ يُمتَّعون في الدنيا يَمَسُّهُم﴾ فيها أو في الآخرة أو فيهما ﴿مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾. (١) القراءات الشاذة ص ٦٠. (٢) في الأصل: بركة. (٣) الكشاف ٢٧٤/٢ . سُوَةٌ هُود! ٤٩٤ الآية : ٤٨ وجوَّز أبو حيَّان أن يكون ((أمم)) مبتدأً محذوفَ الصِّفة، وهي المسوِّغةُ للابتداء بالنَّكرة، والتقديرُ: وأممٌ منهم، وجملة ((سنمتّعهم)) هو الخبر، كما قالوا: السمن مَنَوانِ بدرهم(١)، وأن يكون مبتدأ ولا يقدّر له صفة والخبر أيضاً ((سنمتعهم))، ومسؤُِّ الابتداءِ كونُ المكان مكانَ تفصيلٍ، فكان مثلَ قول الشاعر: إذا ما بكى مِن خَلْفها انحرفتْ له بشقٌّ وشقٌّ عندنا لم يُحوَّلِ(٢) وقول القرطبي: إنَّه ارتفع ((أمم)) على معنى: ويكون أممٌ(٣)، إن أراد به تفسيرَ معنّى فحسنٌ، وإن أراد الإعرابَ فليس بجيِّد؛ لأنَّ هذا ليس من مواضعٍ إضمار دیکون)). وقال الأخفش: هذا كما تقول: كلَّمتُ زيداً وعمرٌو جالسٌ(٤)، يحتمل أن يكونَ من باب العطف، ويحتملُ أن يكون الواوُ للحال، وتكونُ الجملة هنا حالاً مقدَّرة؛ لأنَّ وقتَ الأمر بالهبوط لم تكن تلكَ الأممُ موجودةٌ(٥). وقال أبو البقاء: إنَّ ((أمم)) معطوفٌ على الضمير في ((اهبط))، والتقدير: اهبط أنت وأمم. وكان الفصل بينهما مُغنياً عن التأكيد، و((سنمتعهم)) نعتٌ لأمم(٦). وفيه أنَّ الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة كلّهم مؤمنون، لقوله تعالى: (وَمَنْ ءَامَنُ)، ولم يكونوا قسّمين كفاراً ومؤمنين ليؤمر الكفارُ بالهبوط معه، اللهمَّ إلا أن يلتزمَ أنَّ من أولئك المؤمنين مَن عَلِم اللهُ سبحانه أنه يكفُر بعد الهبوط، فأخبر عنهم بالحالةِ التي يَؤُولون إليها، وفيه بُعدٌ. وجوِّز أن تكونَ (مِن)) في ((ممن معك)) بيانيَّةٌ، أي: وعلى أمم هم الذين معك، (١) أي: منوان منه، والمنوان مثنى، مفرده: المنا، وهو كيل يكال به السمن. معجم متن اللغة (منا). (٢) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٢. (٣) تفسير القرطبي ١٣٩/١١ نقلاً عن إعراب القرآن للنحاس ٣٥٥/٣-٣٥٦. (٤) معاني القرآن للأخفش ٥٧٨/٢، وقوله فيه: ((وأمم سنمتعهم) رفع على الابتداء نحو قولك: ضربت زيداً وعمرو لقيته، على الابتداء. (٥) البحر ٢٣١/٥. (٦) الإملاء ٢٨٤/٣-٢٨٥. الآية : ٤٨ ٤٩٥ سُوَلُ هُود! وسُمُّوا أمماً لأنَّهم أممٌ متحزِّبة وجماعاتٌ متفرِّقة، أو لأنَّ جميع الأمم إنَّما تشغَّبت منهم، فهم أممٌ مجازاً، فحينئذٍ يكون المرادُ بالأمم المشارِ إليهم في قوله سبحانه: (وَأُمٌَّ سَنُمَتِّعُهُمْ) بعضَ الأمم المتشعِّبة منهم، وهي الأممُ الكافرةُ المتناسلةُ منهم إلى يوم القيامة. وفي ((الكشاف)) أنَّ الوجهَ هو الأوَّل(١)، قيل: ليقابل قوله تعالى: (وَأُمُّمٌ سَثُمَيِّعُهُمْ) ولأنَّه أشملُ، ولأنَّ ((من)) الابتدائية لاسيما في المنكَّر أكثرُ، وللنكتةِ في إدخال الناشئين في المسلّم عليهم، وقَطْعِ الممَّعين عنهم من الدلالة، على ما صرَّح به قوله سبحانه: (وَأُمَّمٌ سَثُمَتِعُهُمْ) ولهذهَ النُّكتة حذف ((منهم)) في الثاني، واكتفى بسلامٍ نوح عليه السلام عن سلامٍ مؤمني قومِه؛ لأنَّ النبيَّ زعيمٌ أمَّتِهِ، وكفاهم هذا التعظيمُ والاتحاد معه عليه السلام، فلا يَرِدُ أنَّ الحملَ على البيانيَّة أرجحُ لئلا يلزم أنْ لا يكون مسلَّماً عليهم، على أنَّ لفظ الأمم في الإطلاق على مَن معه بأحدٍ الاعتبارين لا فخامةً فيه؛ لأنَّ تسميةَ الجماعة القليلة بالأمَّة لا يناسبُ فكيف بالأمم، ولا مبالغةً في هذا المقام فيه فلا يُعدلُ عن الحقيقة، وإن جُعل من باب ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠] لم يلائمْ تفخيمَ نوح عليه السلام. وقد ذُكر أنه يبقى على البيانيَّة أمرُ الأمم المؤمنةِ الناشئةِ من الذين معه عليه السلام مبهماً غيرَ متعرَّضٍ له ولا مدلولٍ عليه، إلا أن يقال: حيثُ كان المراد بـ ((من معك)) المؤمنين يعلم أنَّ المشاركين لهم في وصف الإيمان مثلُهم فيما تقدَّم، نعم قيل: إنَّ في دلالة المذكور على الخبر المحذوف على ذلك الوجه خفاءً؛ لأنَّ ((من)) المذكورة بيانيَّة، والمحذوفة تبعيضيَّة أو ابتدائيَّة، وربَّما يجاب عنه أيضاً بإلزام أنْ لا حذف أصلاً، كما هو أحدُ الأوجه التي ذكرناها آنفاً، فتدبّر جميعَ ما ذُكر. والمأثورُ عدمُ تخصيص الأمم في الموضعين بمؤمنين معيَّنين وكافرين كذلك، فقد أخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وغيرُهما عن محمد القرظيّ قال: دخل في ذلك السَّلامِ والبركاتِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك المتاعِ والعذاب الأليم كلُّ كافٍ وكافرةٍ إلى يوم القيامة(٢). (١) وهو كون ((من)) لابتداء الغاية. الكشاف ٢٧٤/٢. (٢) تفسير الطبري ٤٣٨/١٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٣٣٧/٣. سُؤَدَلُ هُود! ٤٩٦ الآية : ٤٩ وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنه قال في الآية: ما زال الله تعالَى يأخذُ لنا بسهمنا وحظّنا، ويَذْكُرُنا من حيث لا نَذْكُر أنفسنا، كلَّما هلكت أمَّة خَلَقَنا في أصلابٍ مَن ينجو بلطفِهِ، حتى جَعَلَنا في خيرِ أمةٍ أُخرجت للناس(١). وقيل: المراد بالأمم الممتَّعةِ قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ عليهم السلام، وبالعذاب ما نزل بهم. وبالغ بعضُهم في عموم الأمم في الأول فجعلها شاملةً لسائر الحيوانات التي كانت معه عليه السلام، فإنَّ الله تعالى جعل فيها البركةَ، وليس بشيء كما لا يخفى. وهاهنا لطيفةٌ، وهي أنه قد تكرَّر في هذه الآية حرفٌ واحد مرَّات مع غايةٍ الخقَّة، ولم تتكرَّر الراءُ مثلَه في قوله: وليس قُرْبَ قبرٍ حربٍ قبرُ(٢) وقبرُ حربٍ بمكانٍ قَفْر مع(٣) ما ترى فيه من غاية الثِّقل وعُسْرِ النُّطق، ولله تعالى شأنُ التنزيل ما أكثرَ لطائفه . ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى قصَّة نوح عليه السلام وهي لتقضِّيها في حكم البعيد، ويحتملُ أنه أشير بأداة البُعد إلى بُعد منزلتها. وقيل: إنَّ الإشارة إلى آيات القرآن، وليس بذاك. وهي في محلِّ الرفع على الابتداء. وقوله سبحانه: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: بعض أخباره التي لها شأنٌ، وكونُها بعضَ ذلك باعتبارِ أنَّها على التفصيل لم تبق لطولِ العهد معلومةً لغيره تعالى، حتى إنَّ المجوسَ - على ما قيل -: ينكرونها رأساً. وقيل: إنَّ كونها من الغيب لغيرِ أهل الكتاب، وقد ذكر غيرُ واحد أنَّ الغيبَ قسمان: ما لا يتعلَّق به علمُ مخلوقٍ أصلاً، وهو الغيبُ المطلق، وما لا يتعلَّق به (١) عزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٣٣٦/٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٢. (٢) ذكره الجاحظ في البيان ٦٥/١ دون نسبة، وعزاه في الحيوان ٦/ ٢٠٧ للجن، وذكره دون نسبة أيضاً العباسي في معاهد التنصيص ٣٤/١. (٣) في (م): ومع. الآية : ٤٩ ٤٩٧ سُوَلاَ هُود! علمُ مخلوقٍ معيَّنٍ، وهو الغيبُ المضاف بالنِّسبة إلى ذلك المخلوق، وهو مرادٌ الفقهاء في تكفير الحاكم على الغَيب. وقوله سبحانه: ﴿نُوحِيَهَا﴾ خبر ثان لـ ((تلك)) والضميرُ لها، أي: موحاةٌ ﴿إِلَيْكٌ﴾ أو هو الخبر و((من أنباء» متعلِّق به، وفائدةُ تقديمه نفيُ أن يكون علمُ ذلك بكهانةٍ أو تعلُّم من الغير، والتعبيرُ بصيغة المضارع لحكايةِ الحال الماضية. أو ((من أنباء)» هو الخبر، وهذا في موضع الحال من ((أنباء)». والمقصودُ من ذكر كونها موحاةً إلجاءُ قومِه ◌َّلهو للتصديق بنبوَّته عليه الصلاة والسلام وتحذيرُهم مما نزل بالمكذِّبين. وقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَآ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ خبرٌ آخرُ، أي: مجهولةٌ عندك وعندَ قومك ﴿مِن قَبْلِ هَذَا﴾ أي: الإيحاءِ إليك المعلومِ مما مرَّ. وقيل: أي الوقت. وقيل: أي: العلم المكتسب بالوحي. وفي مصحف ابنٍ مسعود ((من قبل هذا القرآن))(١). ويحتمل أن يكون حالاً من الهاء في ((نوحيها)) أو الكاف من ((إليك))، أي: غيرَ عالمٍ أنت ولا قومُك بها . وذكرُ القوم معه وَّ من باب الترقِّي، كما تقول: هذا الأمر لا يعلمه زيدٌ ولا أهلُ بلدِه؛ لأنهم مع كثرتهم إذا لم يعلموا ذلك، فكيفَ يعلمُه واحدٌ منهم وقد عُلم أنه لم يخالط غيرهم؟! ﴿فَأَصْبٍ﴾ متفرٌِّ على الإيحاء أو على العِلم المستفادِ منه، المدلولِ عليه بما تقدَّم ((من قبل هذا))، أي: وإذ قد أوحيناها إليك أو علمتها بذلك فاصبرْ على مشاقٌ تبليغ الرسالة وأذيَّة قومِك كما صبر نوحٌ عليه السلام على ما سمعتَه من أنواع البلايا في هذه المدَّة المتطاولة. قيل: وهذا ناظرٌ إلى ما سبق من قوله سبحانه: ◌ِفَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ إلخ. ﴿إِنَّ الْعَقِبَةَ﴾ بالَّفَر في الدنيا وبالفوز في الآخرةُ(٢) ﴿لِلْمُنَّقِينَ ( ﴾ كما سمعتَ ٤٩ ذلك في نوح عليه السلام وقومِه، قيل: وهو تعليلٌ للأمر بالصبر وتسليةٌ له وَلِّ، (١) البحر المحيط ٢٣٢/٥. (٢) في (م): بالآخرة. ٤٩٨ التفسير الإشاري (١٢-٤٩) والمراد بالتَّقوى الدرجةُ الأولى منها، وجوِّز أن يرادَ بها الدرجة الثالثة، وهي بذلك المعنى منطويةٌ على الصبر، فكأنَّه قيل: فاصبر فإنَّ العاقبةَ للصابرين. وقيل: الآية فذلكةٌ(١) لما تقدَّم، وبيانٌ للحكمة في إيحاء ذلك، من إرشادِهِ وَّ، وتهديدِ قومه المكذِّبين له، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ إلخ لَمَّا كان مقتضَى الطَّاع البشريّة عدمَ نشاط المتكلِّم إذا لم يجدْ محلّاً قابلاً لكلامِه، وضِيقَ صدره من ذلك، هيَّج جلَّ شأنُه نشاطَ نبيِّه وَل# بما أنزل عليه من هذه الآيةِ الكريمة، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ولا يخلو الإنذار عن إحدى فائدتين: رفع الحجاب عمَّن وُفِّق، وإلزامُ الحَجَّة لمن خُذل ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ فَكِلِ الهدايةَ إليه. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ بعمله الذي هو بظاهرِه من أعمال الآخرة ﴿اٌلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ كالجاه والمدح ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: جزاءَها ﴿فِيهَا﴾ إن شئنا ﴿وَهُمْ فَِا لَا يُْخَسُونَ﴾ أي: لا يُنقصون شيئاً منها. ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَّمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ لتعذّب قلوبهم بالحُجُب الدنيوية ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ من أعمالِ البرِّ فلم ينتفعوا بها، وجاء: ((إنَّما الأعمال بالنيات ولكلِّ امرئٍ ما نوى)) الحديث(٢). ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: يقينٍ برهانيٍّ عقلي، أو وجدانيٌّ كَشْفيٍّ ﴿وَبَتْلُوُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ وهو القرآنُ المصدِّق لذلك، ومن هنا تؤيّد الأدلةُ العقليَّة بالآيات النقليّة القرآنية، ويُحكم بكون الكشف صحيحاً إذا شهدتْ له ووافقتْه، ولذا قالوا: كلُّ كشفٍ خالفَ ما جاء عن الله تعالى ليس بمعتبر. ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى﴾ أي: يَتْبعُ البرهانُ من قبل هذا الكتاب كتابَ موسى عليه السلام في حالةٍ كونه ﴿إِمَامًا﴾ يُؤتمُّ به في تحقيق المطالب ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن (١) الفذلكة: مجملُ ما فصِّل وخلاصتُه. الوسيط (فذلك). (٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر له، وسلف ص ٣٩٣ من هذا الجزء. التفسير الإشاري (١٢-٤٩) ٤٩٩ سُوَلاَ هُودٍ يهتدي به، وهذا وجهٌ في الآية ذكره بعضُهم، وقد قدَّمنا ما فيها من الاحتمالات، وقد ذكروا أنَّ المراد بيانُ بُعْدِ ما بين مرتبتي مَنْ يريد الحياةَ الدنيا ومَن هو على بَيِّئَةٍ من ربِّه. وللصوفية قُدِّستْ أسرارُهم عباراتٌ شتَّى في البيّنة، فقال رويم: هي الإشراف على(١) القلوب، والحكمُ على الغيوب. وقال سيِّد الطائفة: هي حقيقةٌ يؤيِّدها ظاهرُ العلم. وقيل غير ذلك. وعن أبي بكر بن طاهر(٢) أن مَن كان على بيّنةٍ من ربِّه كانت جوارحُه وقفاً على الطاعات والموافقات، ولسانُه مشغولاً بالذِّكر ونشرِ الآلاء والنعماءِ، وقلبُه منوَّراً بأنوارٍ التوفيق وضياءِ التحقيق، وسرُّه وروحُه مشاهِدَيْنِ للحقِّ في جميع الأوقات، وكان عالماً بما يبدو من مكنون الغيوب، ورؤيتُه يقينٌ لا شكَّ فيه، وحكمُه على الخَلْق كحكم الحقِّ، لا ينطقُ إلا بالحقِّ، ولا يرى إلا الحقَّ؛ لأنَّه مستغرقٌ به فأَنَّى يرى سواه. ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إلخ جَعَله بعضُهم إشارةً إلى المثبتين لغيرِه سبحانه وجوداً، وهم أهلُ الكثرة والحجاب، وفسّر ﴿اُلْأَشْهَدُ﴾ بالموحِّدين الذين لا يشهدون في الدَّار غيرَه سبحانه ديَّاراً. ومن الناس مَن عكس الأمرَ وجَعَلَها ردّاً على أهل الوحدةِ القائلين: إنَّ كلَّ ما شاهدْتَه بعينكَ أو تصوَّرْتَه بفكرٍك فهو الله سبحانه، بمعنى كفر النَّصارى إيمان بالنسبة إليه، وحاشا أهلَ الله تعالى من القولِ به على ما يُشعر به ظاهرُه. ومنهم مَن جعلها مشيرةً إلى حال من يزعمُ أنه وليُّ الله تعالى، ويتزيًّا بزيِّ السادات ويتكلَّم بكلماتهم، وهو في الباطن أفسقُ من قردٍ، وأجهلُ من حمار توما(٣). (١) في (م): عن. (٢) هو عبد الله بن طاهر بن حاتم أبو بكر الطائي الأبهري، كان من أكبرٍ وأجلٌ مشايخ الصوفية، من أقران الشبلي، توفي بعد الثلاثين والثلاث مئة بقليل. التدوين في أخبار قزوين ٢٢٨/٣-٢٢٩. (٣) يشير إلى قول الشاعر كما في المثل السائر ٣٥٨/٢: = سُوَلَ هُودٍ ٥٠٠ التفسير الإشاري (١٢-٤٩) ﴿مَثَلُ اٌلْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْنَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾ قيل: ((البصير)): مَنْ عايَنَ ما يرادُ به وما يجري له وعليه في جميع أوقاته، و((السميع)) مَن يسمعُ ما يخاطَبُ من تقريعٍ وتأديبٍ وحثٌّ وندبٍ لا يغفل عن الخطاب في حالٍ من الأحوال. وقيل: ((البصير)) الناظر إلى الأشياء بعينٍ الحقِّ، فلا ينكر شيئاً ولا يتعجَّب من شيءٍ، و((السميع)): مَن يسمع من الحقِّ فيميِّز الإلهامَ من الوسواس. وقيل: ((البصير)) هو الذي يشهد أفعالَه بعلم اليقين، وصفاته بعينِ اليقين، وذاتَه بحقِّ اليقين، فالغائباتُ له حضورٌ، والمستوراتُ له كشفٌ. و((السميع)): مَن يسمعُ من دواعي العلم شرعاً، ثمَّ من خواطر التعريف قَدْراً، ثمَّ يكاشَفُ بخطابٍ من الحقِّ سِرّاً. وقيل: ((السميع)): مَن لا يسمعُ إلا كلامَ حبيبِهِ، و((البصير)): من لا يشاهدُ إلا أنوارَه، فهو في ضيائِها ليلاً ونهاراً، وإلى هذا يشير قولُ قائلهم: وإنَّما السُّدفة(١) في الجَوْ ليلي مِنْ وجهك شمسُ الضُّحى ونحن من وَجهِك في الضَّوْ الناسُ في الظُلمة من ليلِهم وفُشِّر كلٌّ من ((الأعمى)) و((الأصمِ)) بضدٍّ ما فُسِّر به ((البصير والسميع)). والمراد من قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ أنَّهما لا يستويان؛ لِمَا بينهما من التقابُل والتباعد إلى حيث لا تتراءى ناراهما. ثم إنَّه تعالى ذكر من قصَّة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه إرشادٌ وتهديدٌ، وعِظةٌ ما عليها مزيد ﴿فَقَالَ الْعَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ.﴾ أي: الأشراف المليئون بأمور الدُّنيا، الذين حُجبوا بما هم فيه عن الحقِّ ﴿مَا نَرَكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا﴾ لكونهم واقفين عند حدِّ العقل المشوب بالوَهم، فلا يرون لأحدٍ طوراً وراءَ ما بلغوا إليه، ولم يشعروا بمقام النبوَّة ومعناها . لو أنصفوني لكنت أركب قال حمار الطبيب توما = لأنني جاهل بسيط وراكبي جهله مركّب (١) السدفة في لغة نجد: الظلمة، وفي لغة غيرهم: الضوء، وهو من الأضداد. الصحاح (سدف).