Indexed OCR Text
Pages 361-380
الآية : ٧ ٣٦١ واعتبار خلق السماوات في ضمن المفرَّع عليه لِمَا أن في السماوات مما هو من مبادي النظر وتهيئة أسباب المَعاش الأرضية التي بها قوامُ القالب(١) ما لا يخفى. وقريبٌ من هذا أن ذِكْرَ السماواتِ وخلقها لتكون أمكنةَ الكواكب والملائكة العاملين فيها لأجل الإنسان. وقال بعضُ المُحقِّقين: إنَّ كونَ خلق الأرض وما فيها للابتلاء ظاهرٌ، وأما خلق السماوات فذُكر تتميماً واستطراداً، مع أن السماواتِ مقرُّ الملائكة الحفظة وقِبلةُ الدعاء ومهبط الوحي، إلى غير ذلك مما له دخل في الابتلاء في الجملة. ولعل ما أُشير إليه أولاً أولى. وجملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني لفعلِ البلوى على المشهور، وجعل في ((الكشاف))(٢) الفعل هنا معلّقاً؛ لِمَا فيه من معنى العلم، ومنعَ في سورة ((الملك)) تسمية ذلك تعليقاً مُدَّعياً أنه إنما يكون إذا وقع بعد الفعل ما يسدُّ مَسَدَّ المفعولين جميعاً كـ : علمت أيّهما فعل كذا. وعلمت أزيد منطلق(٣). وبَيْنَ كلاميه في السورتين اضطرابٌ بحسب الظاهر، وأجاب عنه في ((الكشف)» بما حاصله: أن للتعليق معنيين: مصطلح ويُعدَّى بعن، وهو المنفي في تلك السورة. ولُغوي، ويُعدَّى بالباء وعلى، وهو خاصٌّ بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدِّية إلى مفعولين، ولا يكون إلا في الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء ونحوه، ومعنى تعليق الفعل على ما فيه ذلك أن يرتبط به معنّى وإعراباً، سواء كان لفظاً أو محلّاً، وهو المُثبت هاهنا. وقال الطيبي: يمكن أن يكون ما هنا على إضمار العلم، كأنه قيل: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً، والتعليق فيه ظاهر، وما هناك على تضمين الفعل معنى العلم، كأنه قيل: ليعلمكم أيُّكم ... إلخ فيصحّ النفي. ولا يخفى على مَن راجع كلامه أن فيه ما یأبی ذلك. (١) في الأصل: القلب. (٢) ٢٥٩/٢. (٣) الكشاف ٤/ ١٣٤. ٣٦٢ الآية : ٧ وقد يقال: إن التعليقَ لا يختصُّ بما كان من الأفعال بمعنى العلم، كما ذهب إليه ثعلب والمبرد وابن كيسان(١)، وإن وجَّهه إدريس(٢) بما في ((همع الهوامع))(٣)، ورجَّحه الشَّلَوْيِين، ولا بالفعل القلبي مطلقاً، بل يكون فيه وفي غيره مما ألحق به، لكن مع الاستفهام خاصة، واقتصر بعضهم في الملحق على أبصر(٤)، وتفكّر، وسأل. وزاد ابن خروف: نظر، ووافقه ابن عصفور وابن مالك، وزاد الأخير: نسي(٥)، كما في قوله: ومَن أنتم إنَّا نسينا مَنْ أنتم(٦) ونازعه أبو حيان بأن ((مَنْ)) تحتمل الموصولية والعائد محذوف، أي: مَنْ هم أنتم. وكذا زاد (٧) أيضاً ما قارب المذكورات من الأفعال التي لها تعلَّق بفعل القلب، كـ (ترى)) البصرية في قوله: أما ترى أيُّ برق هاهنا(٨) وكـ : (يستنبئون)) في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ﴾ [يونس: ٥٣] وكـ (نبلو)) فيما نحن فيه، ونازعه أبو حيان بأن ترى في الأول علمية، و((أيّكم)) في الأخير موصولة حُذف صدر صلتها، فَبُنِيت، وهي بدل من ضمير الخطاب بدل بعض، (١) فقد ذهبوا إلى أنه لا يعلق من الأفعال إلا ما كان بمعنى العلم. همع الهوامع ١/ ٥٥٧. (٢) في الأصل و(م): أويس، والمثبت من همع الهوامع ٥٧٧/١، وينظر التعليق الذي بعده. (٣) ٥٧٧/١، وفيه: ووجّهه إدريس بأن آلة التعليق في الأصل حرف الاستفهام وحرف التأكيد؛ أما التحقيق فلا يكون بعد الظن لأنه نقيضه، وأما الاستفهام فتردّدٌ والظن أيضاً تردُّدٌ فلا يدخل على مثله. (٤) في (م): بصر. (٥) التسهيل ص٧٢، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في همع الهوامع ٥٥٩/١. (٦) قائله زياد الأعجم، وعجزه: وريحكم مِنْ أيِّ ريح الأعاصر. شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٥٣٩/٣، والكلام من همع الهوامع. (٧) يعني ابن مالك كما في همع الهوامع ٥٥٩/١ . (٨) في الأصل و(م): هنالك، بدل: هاهنا، وفي الهمع: هنا، والمثبت من مغني اللبيب ص٥٤٤، ولم نقف على قائل هذا البيت. الآية : ٧ ٣٦٣ ◌ُوَلاَ هُود! ونقل ذلك عنه الجلال السيوطي(١)، ولم أجده في بحره. وفي الرضي أن جميعَ أفعال الحواسّ تُعلَّق عن العمل، وفي ((التسهيل))(٢) ما يُؤْيِّده، وأجاز يونس تعليقَ كل فعل غير ما ذكر، وخرِّج عليه ﴿ثُمَّ لَنَفِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، والجمهور لم يُوافقوه على ذلك. وقد ذكر بعض الفضلاء أن الفعل القلبي وما جرى مَجراه إما متعدٍّ إلى واحد أو اثنين، فالأول يجوز تعليقُه سواء تعدَّى بنفسه كعَرَفَ، أو بحرف كتفكّر؛ لأن معمولَه لا يكون إلا مفرداً، وبالتعليق بطل عملُه في المفرد الذي هو مقتضاه وتعلق بالجملة، ولا معنى للتعليق إلا إبطال العمل لفظاً لا محلّاً، وإن تعدَّى لاثنين، فإما أن يجوزَ وقوعُ الثاني جملة كما في باب علم أَوْ لا، فإن جاز علِّق عن المفعولين نحو: علمتُ لَزِيدٌ قائمٌ، لا عن الثاني؛ لأنه يكون جملةً بدون تعليق، فلا وجه لِعَدِّه منه إذ لا فرق بين [وجود](٣) أداة التعليق وعدمها، فالتعليق لا يُبطل عملَ الفعل أصلاً، كما في: علمتُ زيداً أبوه قائم، و: علمتُ زيداً لأبوه قائم، فإنَّ عمله في محل الجملة لا فرقَ فيه بين وجود حرف التعليق وعدمه، وإن لم يَجُزْ وورد فیه كلمة تعليق كان منه، نحو: (يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ) فإنَّ المسؤول عنه لا يكون إلا مفرداً. والفعل فيما نحن فيه يحتمل أن يكون عاملاً فيما بعدَه، وهو المُختبر به، غير متضمِّنٍ علماً، وفِعْلُ البلوى إذا كان كذلك يتعدّى بالباء إلى المُختبر به، ولا يكون إلا مفرداً كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٥٥] والاستفهام قد أبطل مقتضاه لفظاً، وهو التعليق، ويحتمل أن يكون متضمناً معنى العلم ويكون العلم عاملاً فيه، وهو مفعوله الثاني، وحينئذ لا تعليق، ومن هنا يظهر أنَّ تعليقَ الفعل في الآية إنما هو على تقدير إعمال فعل البلوى، وعدم تعليقه على تقدير إعمال العلم، فلا مُنافاة بین الکلامین. انتھی. وهو تفصيلٌ حسن. وفي ((الهمع)): أن الجملة بعد المُعلَّق في باب عَلِمَ وأخواتها في موضع المفعولين، فإن كان التعليقُ بعد استيفاء المفعول الأول، فهي في موضع المفعول (١) في همع الهوامع. (٢) ص٧٢. (٣) ما بين حاصرتين في حاشية الشهاب ٧٤/٥، والكلام منه. سُوَلاَ هُود! ٣٦٤ الآية : ٧ الثاني، وأما في غير هذا الباب فإنْ كان الفعل مما يتعدَّى بحرف الجر فالجملة في موضع نصب بإسقاطه، نحو: فكّرت أهذا صحيحٌ أَمْ لا، وجعل ابن مالك منه ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّ أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] وإنْ كان مما يتعدَّى لواحد فهي في موضعه، نحو: عَرَفتُ أيهم زيد، فإنْ كان مفعوله مذكوراً نحو: عَرَفتُ زيداً أبو مَنْ هو، فالجملة بدلٌ منه على ما اختاره السيرافي وابن مالك، وهو بدلُ كلٌّ مِن كل بتقدير مضاف - أي: قصةً زيد أو أَمْرَه - عند ابن عصفور، والتزم ذلك ليكون المُبدل منه جملةً في المعنى، وبدل اشتمال ولا حاجةً إلى التقدير عند ابن الصائغ(١)، وذهب المبرد والأعلم وابن خروف وغيرهم إلى أنَّ الجملة في موضع نصب على الحال، وذهب الفارسي إلى أنها في موضع المفعول الثاني لِعِرَفتُ على تضمينه معنى عَلِمْتُ، واختاره أبو حيان(٢). وفيه نوعُ مُخالفةٍ في الظاهر لما تقدَّم تظهر بالتأمُّل، إلا أنه اعترض القول بأنَّ ما بعدَ فعل البلوى مُختبرٌ به بأن المُختبر به إنما هو خلق السماوات والأرض. وأُجيب بأنَّ ذلك وإن كان في نفس الأمر مُختبراً عنه، والمُختبر به ما ذُكر إلا أنه جعل مختبراً به باعتبار ترُّبه على ذلك، ولا يخفى ما فيه. وقال بعضُ أرباب التحقيق(٣) في دفع المُخالفة: إنَّ الزمخشري جعل قولَه سبحانه هنا: (لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) بجملته استعارةً تمثيليةً، فتكون مفرداتُه مستعملةً في معناها الحقيقي معطاةً ما تستحقُّه، وفِعْلُ البلوى يعلق عن المفعول الثاني، لأنه لا يكون جملةً إذ هو يتعدّى له بالباء، وحرف الجر لا يدخل على الجُمل، وجرى التعليق فيه بناءً على أنه مناسبٌ لفعل القلوب معنًى، وقد صرَّح غیرُ واحد بجَريانه في ذلك، وجَعَله ثمة(٤) مستعاراً لمعنى العلم، والفعل إذْ(٥) تجوز به عن معنى فعل آخر عَمِلَ عملَه وجرى عليه حُكمه، وعَلِمَ لا يعلق عن المفعول الثاني، (١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ابن الضائع، وهو أبو الحسن علي بن محمد الإشبيلي شيخ أبي حيان. (٢) همع الهوامع ١/ ٥٦٠. (٣) هو الشهاب في الحاشية ٧٥/٥. (٤) يعني في سورة الملك، وقوله: جعله، يعني به الزمخشري. (٥) في الحاشية: إذا. الآية : ٧ ٣٦٥ سُورَةُ هُود فكذا ما هو بمعناه، فيكون قد سلك في كلٍّ من الموضعين مَسْلكاً؛ تفنناً، وكثيراً ما يفعل ذلك في كتابه، ولعله لم يعكس الأمر؛ لأن ما فعله في كلِّ أنسبُ بما قبله مِنْ خَلْق السماوات والأرض وما فيها من النعم والمنافع وخلق الموت والحياة. ولا يخفى أنَّ هذا قريب مما تقدَّم، وفيه ما فيه. والإتيان بصيغة التفضيل الدالّة على الاختصاص بالمُختبرين الأحسنين أعمالاً مع شمول الاختبار لفرق المُكلَّفين وتفاوت(١) أعمال الكفار منهم إلى حَسَن شرعي وقبيح، لا إلى حسن وأحسن كما في أعمال المؤمنين، للتحريض على أحاسنٍ المحاسن، والتحضيض على الترقِّي دائماً؛ لدلالته على أن الأصلَ المقصود بالاختبار ذلك الفريق لِيُجازيهم أكملَ الجزاء، فكأنه قيل: المقصود أن يظهرَ أفضلیتکم لأفضلکم، فإن ذلك مفروٌ عنه لا یحید عنہ ذو لبّ. وجوز أن یکون من باب الزيادة المطلقة، وأن يكونَ من باب: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ [مريم: ٧٣]. وأيّاً ما كان فالخطاب ليس خاصّاً بالمؤمنين؛ لأن إظهارَ حال غيرهم مقصودٌ أيضاً، لكنه لا بالذات على الوجه الأول. ﴿وَلَيْنِ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ ◌ُبِينٌ ﴾﴾ أي: مثله في الخَديعة والبطلان، فالتركيبُ من التشبيه البليغ، والإشارةُ إلى القولِ المذكور، وجوز أن تكون للقرآن، كأنه قيل: لو تلوتَ عليهم من القرآن ما فيه إثباتُ البعث لقالوا: هذا المَتلوُّ سحرٌ، والمرادُ إنكارُ البعث بطريق الكناية الإيمائية؛ لأن إنكارَ البعث إنكارٌ للقرآن. وقيل: إنَّ الإخبارَ عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب عن كونه بطريق الوحي المتلو إلا أنهم عند سماعهم ذلك تخلَّصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضع وكونه علماً عندهم في ذلك، فعمدوا إلى تكذيبه وتسميته سحراً؛ تمادياً منهم في العناد وتفادياً عن سَنَن الرَّشاد. وهو خلاف الظاهر. وقيل: الإشارة إلى نفس البعث. وتُعقِّب بأنه لا يُلائمه التسمية بالسحر، فإنه إنما يطلق على شيء موجود ظاهراً لا أصل له في الحقيقة، ونفس البعث عندهم (١) في (م): وتتفاوت. سُؤَةُ هُودا ٣٦٦ الآية : ٧ معدومٌ بحت، وفيه بحثٌ؛ لجواز أنهم أرادوا من السحر الأمرَ الباطل والشيء الذي لا أصلَ له ولا حقيقةَ لِشيوعه فيما بينهم بذلك حتى كأنه عَلَمٌ له. وجُوِّز أن تكون الإشارة إلى القائل، والإخبار عنه بالسحر للمبالغة. والخطاب في ((إنكم)) إنْ كان لجميع المُكلَّفين فالموصول مع صِلته للتخصيص، أي: لَيقولَنَّ الكافرون منهم. وإنْ كان للكافرين فذكر الموصول لِیتوصّل به إلى ذَمِّهم بعنوان الصِّلة. وتَعلُّقُ الآية الكريمة بما قبلها إما من حيث إن البعثَ من تَتمات الابتلاء المذكور فيه، كأنه قيل: الأمرُ كما ذكر، ومع ذلك إنْ أخبرتَهم بمقدِّمة فذَّة من مُقدِّماته وقضية فردة من تتماته يقولون ما يقولون فضلاً عن أنهم يُصدِّقون بما وقع هذا تتمة له، وإما من حيث إن البعثَ خلقٌ جديد، فكأنه قيل: وهو الذي خلق جميعَ المخلوقاتِ ليترتَّب عليها ما يترتَّب، ومع ذلك إن أخبرتَهم بأنه سبحانه يُعيدهم تارةً أُخرة وهو أهونُ عليه يعدُّون ذلك ما يعدُّون، فسبحان الله عما يَصِفون. وقرأ عيسى الثقفي: ((ولئن قلتُ)) بضم التاء على أن الفعل مسندٌ إليه تعالى(١)، أي: ولئن قلتُ ذلك في كتابي المُنزل عليكَ ليقولنَّ الذين كفروا ... إلخ، وفي ((البحر)) أن المعنى على ذلك: ولئن قلتُ مستدِلّاً على البعث من بعد الموت، إذ في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ) إلخ دلالة على القدرة العظيمة، فمتى أخبر بوقوعِ ممكنٍ وَقَعَ لا محالة، وقد أخبر بالبعث فوجب قبولُه وتيقُّنُ وقوعه (٢). انتهى. وهو لدى الذوق السليم كماء البحر. وقرأ الأعمش: ((أَنَّكم)) بفتح الهمزة(٣) على تضمين ((قلتَ)) معنى ذكرتَ، أي: ولئن قلت ذاكراً أنكم مبعوثون. فـ ((أنَّ) وما بعدها في تأويل مصدر مفعول الذِّكر، واستظهر بعضُهم كونَ القول بمعنى الذكر مجازاً، وتُعقّب بأنَّ الذِّكر والقول (١) البحر المحيط ٢٠٥/٥. (٢) المصدر السابق. (٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٩ عن عيسى. الآية : ٨ ٣٦٧ مترادفان، فلا معنى للتجوّز حينئذ، ولما كان القول باقياً في التضمين جاء الخطاب على مقتضاه. وجوِّز أن تكون ((أنَّ) بمعنى علَّ، ونقل ذلك عن سيبويه، وجاء: انت السوقَ علَّك تشتري لحماً، و: أنَّك تشتري لحماً، وهي لتوقُّع المخاطب، لكن لا على سبيل الإخبار، فإنهم لا يتوقَّعون البعثَ، بل على سبيل الأمر، كأنه قيل: توقَّعوا بَعْتَكُم، ولا تَبُّوا القولَ بإنكاره، وبذلك يندفعُ ما يقال: إنَّ النبيَّ نَّهِ قاطعٌ بالبعث، فكيف يقول: لعلَّكم مبعوثون، وأيضاً القراءةُ المشهورة صريحةٌ في القطع والبتّ، وهذه صريحةٌ في خلافه فيَتنافيان. ومنهم من قال: يجوز أن يكون هذا من الكلام المنصف والاستدراج، فربما ينتبهون إذا تفكّروا، ويقطعون بالبعث إذا نَظَروا. وقرأ حمزة والكسائي: ((إلا ساحر))(١) والإشارة إلى القائل، ولا مبالغةً في الإخبار كما كانت على هذا الاحتمال في قراءة الجمهور، ويجوز أن تكون للقول أو للقرآن، وفيه من المبالغة ما في قولهم: شعر شاعر. ﴿وَلَيْنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ أي: المُترتِّبَ على بعثهم، أو الموعودَ بقوله سبحانه: ﴿وَإِن تَوَلَّوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] وقيل: عذاب يوم بدر، وعن ابن عباس هما أنه قَتْلُ جبريل عليه السلام المستهزئين، وهم خمسةُ نفر أهلكوا قبل بدر. والظاهر أن المرادَ العذابُ الشامل لِلِكَفَرة، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما نزل ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] قال ناسٌ: إن الساعة قد اقتربَتْ فتناهوا، فتناهى القومُ قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء، فأنزل الله سبحانه ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١] فقال أناسٌ من أهل الضلالة: هذا أمرُ الله تعالى قد أتى. فتناهى القومُ ثم عادوا إلى عِكْرهم عِكْرِ السوء(٢)، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣). (١) التيسير ص ١٠١، والنشر ٢٥٦/٢. (٢) في هامش الأصل: لعله كذا: أي: إلى أصل مذهبهم الرديء، ومنه المثل: عادت لِعِكْرها لمیس، وقيل: المِگرُ العادة والدیون، وروي: عَگرهم بفتحتین؛ ذهاباً إلى الدنس والدرن، من عَكّر الزيت. والوجه الأول. اهـ. قلنا: هذا كلام ابن الأثير في النهاية (عكر). (٣) الدر المنثور ٣٢٢/٣. سُوَلاَ هُود! ٣٦٨ الآية : ٨ ﴿إَِّ أُمٍَّ مَّعْدُودَةٍ﴾ أي: طائفة من الأيام قليلة؛ لأنَّ ما يحصرُه العَدُّ قليلٌ. وقيل: المراد من الأمة الجماعة من الناس، أي: ولئن أَخَّرنا عنهم العذابَ إلى جماعة يتعارفون ولا يكون فيهم مؤمن، ونقل هذا عن علي بن عيسى. وعن الجبائي أن المعنى: إلى أُمَّة بعد هؤلاء نُكَلِّفهم فيعصون، فتقتضي الحكمةُ إهلاكَهم وإقامةَ القيامة . وروى الإمامية - وهم بيت الكذب - عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﴿بًا أن المرادَ بالأُمَّة المعدودةِ أصحابُ المهدي في آخر الزمان، وهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً كعِدَّة أهل بدر(١). ﴿لَيْقُولَُّ مَا يَحْيِسُهُ﴾ أي: أيُّ شيء يمنعه من المجيء، فكأنه يُريده ويمنعه مانع، وكانوا يقولون ذلك بطريق الاستعجال، وهو كناية عن الاستهزاء والتكذيب؛ لأنهم لو صدَّقوا به لم يستعجلوه، وليس غرضُهم الاعترافَ بمجيئه والاستفسار عن حابسه کما يُرشد إليه ما بعد. ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْنِهِمْ﴾ ذلك العذابُ الأُخروي أو الدنيوي ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنَّهُمْ﴾ أي: أنه لا يرفعه رافعٌ أبداً، أو لا يدفعه عنهم دافعٌ، بل هو واقعٌ بهم، والظاهر أن ((يوم)) منصوب بـ ((مصروفاً)) الواقع خبرَ ((ليس))، واستدل بذلك جمهور البصريين على جواز تقديم خبرها عليها كما يجوز تقديمه على اسمها بلا خلافٍ معتَدٍّ به، لأن تقديمَ المعمول يُؤذن بتقديم العامل بطريق الأَولى، وإلا لَزِمَ مزية الفرع على أصله، وذهب الكوفيون والمبرد إلى عدم الجواز، وادَّعوا أن الآيةَ لا تصلحُ حُجةً؛ لأنَّ القاعدةَ المشار إليها غير مُطَّردة، ألا ترى قوله سبحانه: ﴿فَمَّا ◌ٌلْيَّتِيَمَ فَلَا نَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] كيف تقدَّم معمول الفعل مع امتناع تقديمه؛ لأن الفعل لا يلي ((أما))، وجاء عن الحجازيين أنهم يقولون: ما اليومَ زيد ذاهباً، مع أنه لا يجوز تقديمُ خبر ((ما)) اتفاقاً، وأيضاً المعمول فيها ظرف والأمر فيه مبني على التسامح، مع أنه قيل: إنه متعلق بفعل محذوف دلَّ عليه ما بعده، والتقدير: ألا يصرف عنهم العذاب أو يلازمهم يوم يأتيهم، ومنهم مَن جعله متعلِّقاً بيخافون محذوفاً، أي: ألا يخافون يومَ ... إلخ. (١) مجمع البيان ١١٩/١٢ . الآية : ٩ ٣٦٩ سُوَبَةُ هُود! وقيل: هو مبتدأ لا متعلق بـ ((مصروفاً)) ولا بمحذوف، وبُني على الفتح لإضافته للجملة، ونظيرُ ذلك قوله سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] على قراءة الفتح(١). وأنت تعلم أن في بناء الظرف المضاف لجملة صَدْرُها مضارع مُعرب خلافاً بين النحاة، وأن الظاهرَ تعلُّقه بـ ((مصروفاً))، نعم عدم صلاحية الآية للاحتجاج بما لا ريب فيه، وفي ((البحر))(٢): قد تَتَبَّعتُ جملةً من دواوين العرب فلم أَظْفَرْ بتقديم خبرٍ ليس عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دلّ عليه ظاهرُ هذه الآية الكريمة، وقول الشاعر: فيأبَى فما يزدادُ إلا لَجاجةً وكنت أبيّاً في الخنا(٣) لستُ أُقدِمُ ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: نزل وأَحاط، وأصله حقَّ، فهو كَزَلَّ وزال، وذمّ وذامَ. والمراد: يحيق بهم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ إلا أنه عبَّر بالماضي لتحقق الوقوع. والمرادُ بالموصول العذابُ، وعبَّر به عنه تهويلاً لمكانه، وإشعاراً بعلية ما ورد في حيِّز الصلة من استهزائهم به لِنزوله وإحاطته، ووُضِعَ الاستهزاء موضعَ الاستعجال لأنه كان استهزاءً. ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا اُلْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ﴾ أي: أعطيناه نعمةً من صحةٍ وأمنٍ وجِدَةٍ وغيرها، وأوصلناها إليه بحيث يَجِدُ لَذَّتها، فالإذاقةُ مجازٌ عن هذا الإعطاء ﴿ثُمَّ نَزَعْنَهَا﴾ أي: سلبنا تلك الرحمة ﴿مِنْهُ﴾ صلة النزع، والتعبير به (٤) للإشعار بشدة تعلُّقه بها وحِرْصه عليها ﴿إِنَّهُ، لَيَّئُوسُ﴾ شديدُ اليأس كثيرُه قطوع رجاءه من عَوْد مِثْلِ تلك النعمة عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى، لعدم صبره وتوُّله عليه سبحانه وثقته به . ﴿كَفُورُ ﴾﴾ كثير الكفران لما سلف لله تعالى عليه من النعم، وتأخيرُ هذا (١) وهي قراءة نافع. التيسير ص١٠١، والنشر ٢٥٦/٢. (٢) ٢٠٦/٥. (٣) في البحر المحيط: الخفا، ولم نقف على البيت في غيره. (٤) يعني التعبير بالنزع. سُدَلُ هُودا ٣٧٠ الآية : ١٠ الوصفِ عن وَصْفِ يأسهم لرعايةِ الفواصل، على أن اليأس من باب الكفران للنعمة السالفة أيضاً. ﴿وَلَيْنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ﴾ كصحةٍ وأمنٍ وجِدَة ﴿بَعْدَ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ﴾ كسقم وخوف وعُدْم. وفي إسناد الإذاقة إليه تعالى دون المس إشعارٌ بأنَّ إذاقةَ النعمة مقصودةٌ بالذات دون مسِّ الضر، بل هو مقصود بالعرض، ومن هنا قال بعضهم: إنه ينبغي أن تُجعل ((من)) في قوله سبحانه: ((منه)) للتعليل، أي: نزعناها من أجل شؤمه وسوءٍ صنيعه وقُبِحِ فِعْله، ليكون ((منَّا)) و((منه)) مشيراً إلى هذا المعنى ومنطبقاً عليه، كما قال سبحانه: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَهْرِ فِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَيْنِ نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩]. ولا يخفى أن تفسيرَ («منه» بذلك خلافُ الظاهر المتبادر، ولا ضرورة تدعو إليه . وإنما لم يؤتَ ببيان تحوّل النعمة إلى الشدة وبيان العكس على طرْز واحد، بل ◌ُولف التعبيرُ فيهما، حيث بُدئ في الأول بإعطاء النعمة وإيصال الرحمة، ولم يبدأ في الثاني بإيصال الضُّرِّ على نمطه؛ تنبيهاً على سبق الرحمة على الغضب واعتناءً بشأنها . وفي التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق المُؤذِنِ - على ما قيل - بلذتهما وكونهما مما يُرغَب فيه، وعن ملابسة الضراء بالمس المُشعر بكونها في أدنى ما يُطلق عليه اسمُ الملاقاة من مراتبها، من اللَّطف ما لا يخفى، ولعلَّه يقوِّي عظم شأن الرحمة. وذكر البعض أن في لفظِ الإذاقةِ والمَسّ بناءً على أنَّ الذوقَ ما يختبر به الطعوم، والمَسَّ أولُ الوصول = تنبيهاً على أنَّ ما يَجِدُ الإنسانُ في الدنيا من المِنح والمحن نموذجٌ لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَ﴾ أي: المصائب التي تسوءني ولن يَعتريَني بعدُ أمثالُها ﴿إِنَّهُ، لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ بالنعمةُ مغترٌّ بها، وأصله: فارح، إلا أنه حُوِّل لما ترى؛ للمبالغة، وفي ((البحر) (١) أنَّ فَعِلاً - بكسر العين - هو قياسُ اسم الفاعل من فَعِلَ اللازم. (١) ٢٠٦/٥. الآية : ١١ ٣٧١ سُوَلُ هُود! وقرئ: ((فَرُح)) بضم الراء (١)، كما تقول: نَدُس، ونَطُس، وأكثرُ ما ورد الفرح في القرآن للذمِّ، فإذا قُصِدَ المدح قُيِّد؛ كقوله سبحانه: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. ﴿فَخُورُ ﴾﴾ مُتعاظِمٌ على الناس بما أُوتي من النعم، مشغولٌ بذلك عن القيام بحقٌّها . واللام في (((لئن)) في الآيات الأربع موطئة للقسم، وجوابُه سادٌّ مسدًّ جواب الشرط كما في قوله : لئن عادَ لي عبدُ العزيز بمثلها وأَمكنني منها إذن لا أُقيلُها(٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ استثناءٌ من الإنسان، وهو متصلٌ إنْ كانت ((أل)) فيه الاستغراق الجنس، وهو الذي نَقله الطبرسي(٣) - مُخالفاً للخازن(٤) - عن الفراء، ومنقطعٌ إنْ كانت للعهد إشارةً إلى الإنسان الكافر مطلقاً . وعن ابن عباس أن المرادَ منه كافرٌ معيّن، وهو الوليد بن المغيرة. وقيل: هو عبد الله بن أمية المخزومي، وذكره الواحدي(٥). وحديث الانقطاع على الروايتين متصل، ونُسِب غيرَ مقيَّدٍ بهما إلى الزجاج والأخفش(٦)، وأيًّا ما كان فالمراد: صبروا على ما أَصابهم من الضرَّاء سابقاً أو لاحقاً إيماناً بالله تعالى واستسلاماً لقضائه تعالى. ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ شكراً على نعمه سبحانه السابقة واللاحقة. قال المدقق في ((الكشف)): لمَّا تضمَّن اليأسُ عدمَ الصبر، والكفرانُ عدمَ الشكر، كان المستثنى من ذلك ضدَّه ممن اتَّصفَ بالصبر والشكر، فلما قيل: (إلَّا (١) القراءات الشاذة ص٥٩. (٢) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص٢٦٨. (٣) في مجمع البيان ١٢٠/١٢ . (٤) في تفسيره ٢/ ٢٢٠. (٥) في الوسيط ٥٦٦/٢. (٦) معاني القرآن للزجاج ٤١/٣، ومعاني القرآن للأخفش ٥٧٥/٢. سُوَلاَ هُودٍ ٣٧٢ الآية : ١١ الَّذِينَ) إلخ كان بمنزلة: إلا الذين صبروا وشكروا، وذلك من صفاتِ المؤمن، فكنَى بهما عنه، فلذا فسَّره الزمخشري(١) بقوله: إلا الذين آمنوا، فإنَّ عادتَهم إذا أَتَتْهم رحمةٌ أن يشكروا وإذا زالَتْ عنهم نعمةٌ أن يصبروا، فلذا حَسُنت الكناية به عن الإيمان. ثم عرَّض(٢) بشيخه الطيبي بقوله: وأما دلالة ((صبروا)) على أن العمل الصالحَ شكرٌ؛ لأنه ورد في الأثر: ((الإيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر))(٣)، ودلالة ((عملوا)) على أنَّ الصَّبر إيمانٌ لأنهما مجتمعان(٤) في الأكثر، فغيرُ مُطابقٍ لما نحن فيه، إلا أنْ يُرادَ وجهٌ آخر، كأنه قيل: إلا المؤمنَ الصالحَ الصابرَ الشاكرَ، وهو وجه، لكن القول ما قالت حَذام(٥)؛ لأن الكنايةَ تُفيد ذلك مع ما فيها من الحسن والمبالغة. ﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيِّز الصلة، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة، أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الحميدة ﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ لذنوبهم ما كانت ﴿وَأَجْرٌ﴾ ثوابٌ لأعمالهم الحسنة. ﴿كَبِيرٌ ﴾﴾ وُصِفَ بذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، ورَفْعِ التكاليف، والأَمْنِ من العذاب، ورضا الله سبحانه عنهم، والنظرِ إلى وجهه الكريم في جنة عرضها السماوات والأرض. ووجهُ تعلُّقِ الآيات الثلاث بما قبلهنَّ على ما في ((البحر)): أنه تعالى لَمَّا ذكر أن عذابَ الكفَّار وإن تأخر لا بدَّ أن يحيق بهم ذَكَر ما يدلُّ على كُفرهم وکونھم (١) في الكشاف ٢٦٠/٢. (٢) يعني صاحب الكشف. (٣) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٥٩) من حديث أنس بن مالك عليه، وفي إسناده عتبة بن السكن ويزيد بن أبان الرقاشي، وهما متروكان. ميزان الاعتدال ٢٨/٣ و٤١٨/٤. وأخرج نحوه ابن أبي الدنيا في الشكر (٥٧) عن الشعبي قوله. (٤) في (م): ضميمتان. (٥) ذكره الميداني في مجمع الأمثال ١٠٦/٢، وهو جزء من بيت شعر هو: إذا قالت حذام فصدِّقوها فإن القول ما قالت حذامٍ وحذام هي امرأة القائد لُجيم بن صعب. التفسير الإشاري (١-١١) ٣٧٣ سُورَةُ هُود مستحقين العذابَ؛ لِمَا جُبلوا عليه من كُفر نعماء الله تعالى، وما يترتَّب على إحسانه تعالى إليهم مما لا يليق بهم من البَطَر والفخر(١). قيل: وهو إشارةٌ إلى أن الوجه تضمُّن الآياتِ تعليل الحيق، ويُبعده تعليله بما في حيِّز الصلة قبلُ، واختار بعضهم أنه الاشتراك في الذم، فما تضمنه الآياتُ قبلُ بيانُ بعض هناتهم، وما تضمنته هذه بيانُ بعض آخر. وقال بعض المحققين(٢): إن وجه التعلُّق من حيث إنَّ إذاقةَ النعماء ومساسَ الضراء فصلٌ من باب الابتلاء واقعٌ موقعَ التفصيل من الإجمال في قوله سبحانه: (ِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) والمعنى: إن كلّ من إذاقةِ النعماء ونزعها مع كونه ابتلاءً للإنسان أيشكُر أمْ يَكفُر لا يهتدي إلى سَنَن الصواب، بل يحيد في كلتا الحالتين عنه إلى مَهاوي الضلال، فلا يظهر منه حُسْنُ عمل إلا من الصابرين الصالحين. أو من حيث إن إنكارهم البعثَ واستهزاءهم بالعذاب بسبب بَطَرهم وفَخْرهم، كأنه قيل: إنما فعلوا ما فعلوا لأنَّ طبيعةَ الإنسان مجبولةٌ على ذلك. انتهى، ولا يخفى ما في الأول من البعد، والثاني أقربُ، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿الَرَ﴾ إشارةٌ إلى ما مرَّت الإشارة إليه ﴿أُعْكَِّتْ ءَتُهُ﴾ أي: حقائقُه وأعيانه في العالم الكلّي، فلا تتبدَّل ولا تتغير ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ في العالم الجزئي، وجُعلت مبيّنة معيَّنة بقَدْرٍ معلوم ﴿مِن لَُّنْ حَكِيمٍ﴾ فلذا أُحكمت ﴿خَبِيرٍ﴾ فلذا فصلت. وقد يقال: الإشارة إلى آيات القرآن قد ((أُحكمت)) في قلوب العارفين ((ثم فصلت)) أحكامُها على أبدان العاملين. وقيل: ((أحكمت)) بالكرامات ((ثم فصلت)) بالبيِّنات. (١) البحر ٢٠٦/٥. (٢) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٩٠. سُوَلاَ جُود ٣٧٤ التفسير الإشاري (١-١١) ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: أن لا تُشركوا في عبادته سبحانه، وخَصِّصوه عز وجل بالعبادة ﴿إِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾ عقاب الشرك وتَبِعته ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بثواب التوحيد وفائدته. وقيل: ((نذير)) بعظائم قهره ((وبشير)) بلطائف وَصْله. ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ اطلبوا منه سبحانه أن يَسْتُرَكم عن النظر إلى الغير حتى أفعالكم وصفاتكم ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ارجعوا بالفناء ذاتاً . وقيل: (استغفروا ربَّكم)) من الدعاوى ((وتوبوا إليه)) من الخَطَرات المذمومة. ﴿يُمَنِعَكُم مَّنَعَا حَسَنًا﴾ بتوفيقكم لاتِّباع الشريعة حالَ البقاء بعد الفناء. ويقال: المتاعُ الحسن صفاءُ الأحوال، وسناءُ الأذكار، وحلاوة الأفكار، وتجلّي الحقائق، وظهور اللطائف، والفرح برضوان الله تعالى، وطِيبُ العيش بمشاهدة أنواره سبحانه، والمتاعُ كلُّ المتاع مشاهدةُ المحبِّ حبيبَه، ولله دَرُّ مَنْ قال: فإِنْ نِلتُها استوفيتُ كلَّ منائيا مُنايَ من الدنيا لقاؤك مَرَّةً ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ هو وقتُ وفاتكم ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ﴾ بالسعي والاجتهاد وبذلِ النفس ﴿فَضْلَةٌ﴾ في الدرجات والقرب إليه سبحانه. ويقال: (يُؤتِ كلَّ ذي فَضْل)) في الاستعداد ((فَضْلَه)) في الكمال. وسُئل أبو عثمان عن معنى ذلك فقال: يُحقِّق آمالَ من أحسن به ظنَّه. ﴿وَإِن تَوَلَّوْ﴾ أي: تُعرضوا عن امتثال الأمر والنهي ﴿فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يومُ الرجوع إلى الله تعالى الذي يظهر فيه عجزُ ما سواه تعالى، ويتبين قبحُ مُخالفةٍ ما أمر به وفظاعة ارتكاب ما نهى عنه. ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ﴾ يعطفون ﴿صُدُورَهُمْ﴾ على ما فيها من الصِّفات المذمومةِ ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ وذلك لمزيد جَهْلهم بما يجوز عليه جلَّ شأنُه وما لا يجوز ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الأقوال والأفعال وسائر الأحوال. وقيل: ((ما يُسِرُّون)) من الخَطَرات ((وما يعلنون)) من النَّظَرات. وقيل: ((ما يُسِرُّون)) بقلوبهم ((وما يُعلنون)) بأفواههم. وقيل: ((ما يُسِرُّون)) بالليل ((وما يُعلنون)) بالنهار. والتعميمُ أولى. التفسير الإشاري (١-١١) ٣٧٥ سُوٌَّلُ هُود! ومن الناس مَنْ جعلَ ضميرَ ((منه)) للرسولِ وَّله، وقد علمتَ أنه يُبعِدُه ظهورُ أنَّ ضمير (يعلم) له تعالى، لكن ذكر في ((أسرارِ القرآن)) أنه تعالى كسا أنوارَ جلاله أفئدةَ الصدِّيقين فيرون بأبصارٍ قلوبهم ما يجري في صدور الخلائق من المُضمرات والخَطَرات، كما يرونَ الظواهرَ بالعيون الظاهرة، وقد جاء: ((اتقوا فِراسةً المؤمن، فإنه ينظرُ بنور الله تعالى))(١) وعلى هذا فيمكن أن يكون ضميرُ ((يعلم)) للرسول عليه الصلاة والسلام، وأيّاً ما كان فالآية نازلةٌ في غير المؤمنين حسبما يقتضيه الظاهر، وقد تقدَّم لك أنَّ الأمرَ على ما رُوي عن الحِبْر رضي الله تعالى عنه(٢) مُشكل. وقال بعضُ أرباب الذوق: إنَّ الآية عليه إشارة إلى أنَّ أولئك الأُناس لم يَصِلوا إلى مقام الجمع، ولم يتحقَّقوا بأعلى مراتبِ التوحيد، وفيه خَفاءٌ أيضاً فتفطّن. ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أي: ما تتغذّى به شبحاً وروحاً، ويقال: لكلِّ رزقٌ عليه تعالى بَقْدٍ حوصلته، فرزقُ الظاهر للأشباح، ورزقُ المُشاهدةِ للأرواح، ورزقُ الوصلة للأسرار، ورزقُ الرهبة للنفوس، ورزقُ الرغبةِ للعقول، ورزقُ القربة (٣) للقلوب، وهذا بالنظر إلى الإنسان، وأما بالنظرِ إلى سائر الحيوانات فلها أيضاً رزقٌ محسوس ورزقٌ معقولٌ يعلمه اللهُ تعالى. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَفَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ فمستقرُّ الجميع أصلابُ العَدَم، ومستودعُها أرحامُ الحدوث. ﴿وَهُوَ اَلَّذِيِ خَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما في كلِّ ﴿فِى سِتَّةِ أَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ. عَلَى الْمَآءِ﴾ أي: كان حيّاً قيوماً. كما قال ابن الكمال. وقيل: الماء إشارة إلى المادة الهيولانية، والمعنى: وكان عرشه قبلَ خلق السماوات والأرض بالذات لا بالزمان، مستعلياً على المادة فوقها بالرُّتبة. وقيل غير ذلك. وإنْ شئتَ التطبيقَ على ما في تفاصيل وُجودك، فالمعنى على ما قيل: خلق (١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري، وسلف ١١٦/١٠. (٢) سلف خبر ابن عباس ظه ص٣٣٦ من هذا الجزء. (٣) في الأصل: الغربة. سُؤَلُ هُودٍ ٣٧٦ التفسير الإشاري (١-١١) سماوات قوى الروحانية وأرض الجسد في الأشهر الستة التي هي أقلُّ مُدَّةِ الحَمْل، وكان عرشُه الذي هو قلبُ المؤمن على ماءٍ مادة الجسد مستولياً عليه، متعلِّقاً به تعلُّقَ التصوير والتدبير. ﴿ِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قيل: جعلَ غايةَ الخَلْقِ ظهورَ الأعمال، أي: خلقنا ذلك لنعلمَ العلمَ التفصيليَّ التابعَ للوجود الذي يترتَّب عليه الجزاء أيكم أحسن عملا . ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا اُلْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ﴾ إلخ تضمن الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون في السراء والضراء واثقاً بربّه تعالى، متوكِّلاً عليه، غيرَ مُحتجب عنه برؤية الأسبابِ، لئلا يحصل له اليأسُ والكُفران والبَطَر والفخر بذلك وجوداً وَعَدماً، فإن آتاه رحمة شَكَرَه أولاً برؤية ذلك منه جلَّ شأنُه بقلبه، وثانياً باستعمال جوارحهِ في مراضيه وطاعاتهِ والقيام بحقوقه تعالى فيها، وثالثاً بإطلاق لسانِه بالحمد والثناءِ على الله تعالى، وبذلك يتحقَّق الشُّكر المُشارُ إليه بقوله تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وإلى ذلك أشار مَن قال: أفادَتْكُم النعماءُ مني ثلاثةً يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا(١) وبالشكر تزدادُ النعم كما قال تعالى: ﴿لَبِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: إذا وصلَتْ إليكم أطرافُ النعم فلا تُنفِّروا أقصاها بقلة الشُّكر. ثم إنْ نزعها منه فَلْيصبِرْ ولا يَتَّهم الله تعالى بشيء، فإنه تعالى أبرُّ بالعبدِ وأرحمُ وأخبرُ بمصلحته وأعلمُ، ثم إذا أعادها عليه لا ينبغي أن يَبْطَرَ ويغتَرَّ ويفتخر بها على الناس، فإنَّ الاغترارَ والافتخارَ بما لا يملكه مِن الجَهْل بمكان، وقد أفاد سبحانه أنَّ من سجايا الإنسان في الشِّدة بعد الرحمة اليأسَ والكُفرانَ، وبالنعماء بعد الضرَّاء الفَرَحَ والفَخْرَ. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ مع الله تعالى في حالتي النعماء والضرَّاء، والشدةِ والرَّخاء، فالفقر والغنى مثلاً عندهم مَطيتانِ لا يُبالون أيهما امتطَوْا ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ ما فيه (١) سلف ٣٥٩/٦. الآية : ١٢ ٣٧٧ سُوَلاَ هُود! صلاحهم في كل أحوالهم ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ تَغْفِرَةٌ﴾ من ذنوب ظهور النفس باليأس والكُفران والفَرح والفخر ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ من ثوابٍ تجلّيات الأفعال والصفات وجنانهما. والله تعالى وليُّ التوفيق. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِهُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي: تترك تبليغَ بعضِ ما يُوحى إليك، وهو ما يخالفُ رأيَ المشركين مخافةَ ردِّهم واستهزائهم به، فاسمُ الفاعل للمستقبل ولذا عَمِلَ، و(لعل)) للترجِّي، وهو يقتضي التوقُّع، ولا يلزم من توقّع الشيء وقوعُه، ولا ترجُّحُ وقوعهِ؛ لجواز أن يوجد ما يمنع منه، فلا يُشكل بأنَّ توقَّعَ التبليغ منه وَله مما لا يليق بمقام النبوة، والمانع من ذلك فيه عليه الصلاة والسلام عصمتُه كسائر الرُّسُل الكرام عليهم السلام عن كَتْم الوحي المأمور بتبليغه والخيانة فيه وتركه تَقِيَّةً، والمقصودُ من ذلك تحريضُهُ وَّ وتهييجُ داعيته لأداء الرسالة، ويقال نحو ذلك في كل توقُّعٍ نظير هذا التوقع. وقيل: إن التوقُّعَ تارةً يكون للمتكلِّم وهو الأصل، لأن المعاني الإنشائية قائمةٌ به، وتارةً للمخاطب، وأُخرى لغيره ممن له تعلُّقٌ وملابسةٌ به، ويَحتمِلُ أن يُراد هنا هذا الأخيرَ ويجعل التوقُّع للكُفَّار، والمعنى: أنك بلغ بكَ الجهد في تبليغهم ما أُوحِي إليك أنهم يتوقَّعون منك ترك التبليغ لبعضه. وقيل: إن (لعل)) هنا ليست للترجِّي، بل هي للتبعيد، وقد تستعمل لذلك كما تقول العرب: لعلك تفعلُ كذا، لمن لا يقدرُ عليه، فالمعنى: لا تترك. وقيل: إنها للاستفهام الإنكاري، كما في الحديث ((لعلنا أعجلناك))(١). واختار السمين(٢) وغيره كونَها للترجّي بالنسبة إلى المُخاطَب على ما علمت آنفاً. ولا يجوز أن يكون المعنى: كأني بك ستتركُ بعضَ ما أُوحي إليك مما شقَّ عليك بإذني ووحي مني، وهو أن يُرخّصَ لك فيه، كأمر الواحدِ بمقاومة عشرة، إذْ (١) أخرجه أحمد (١١١٦٢)، ومسلم (٣٤٥) من حديث أبي سعيد الخدري (٢) في الدر المصون ٢٩٣/٦. سُوَلاَ هُود! ٣٧٨ الآية : ١٢ أُمروا بمقاومة الواحد لاثنين، وغير ذلك من التخفيفات؛ لأنه وإنْ زال به الإشكالُ إلا أن قوله تعالى بعدُ: (أَنْ يَقُولُوا) يأباه. نعم قيل: لو أُريد تركُ الجِدال بالقرآن إلى الجلاد والضرب والطعان - لأنَّ هذه السورة مكية نازلةٌ قبلَ الأمر بالقتال - صح، لكن في ((الكشف)) بعدَ كلام: اعلَمْ لو أخذت التأمل لاستبانَ لك أنَّ مَبْنى هذه السورة الكريمة على إرشادِه تعالی کبریاؤه نبيَّهَ وَله إلى كيفية الدعوة من مُفتتحها إلى مُختمها، وإلى ما يعتري لمن تصدَّى لهذه الرُّتبة السَّنية من الشدائد، واحتماله لما يترتَّب عليه في الدارين من العوائد، لا على التسلِّي له عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يُطابق المقام، وانظُر إلى الخاتمة الجامعة - أَعني قوله سبحانه: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] - تَقْضِ العجب، وهو يُبعد هذه الإرادة إنْ قلنا: إنّ ذلك من باب التخفيف المُؤذن بالتسلِّي، فتأمَّله. والضمير في قوله سبحانه: ﴿وَضَآَبِقٌ بِهِ.﴾ لـ ((ما يُوحَى))، أو للبعض، وهو الظاهر عند أبي حيان(١). وقيل: للتبليغ أو للتكذيب. وقيل: هو مبهم يُفسِّره ((أن يقولوا ... )) إلخ. والواو العطف، و((ضائقٌ)) قيل: عطف على ((تارك)) وقوله تعالى: ﴿صَدْرُكَ﴾ فاعلُه، وجوز أن يكون الوصف خبراً مقدَّماً و((صدرك)) مبتدأ والجملة معطوفةٌ على ((تارك)). وقيل: يتعيَّن أن تكونَ الواو للحال، والجملة بعدَها حالية؛ لأنَّ هذا واقع لا متوقَّع، فلا يصح العطف. ونُظِرَ فيه بأن ضيق صدره عليه الصلاة والسلام بذلك(٢) إنْ حُمل على ظاهره ليس بواقع، وإنما يضيق صدرُه الشريف لما يَعرِضُ له في تبليغه من الشدائد. وعُدل عن ضَيِّق الصفة المشبهة إلى ((ضائق)) اسم الفاعل ليدلَّ على أن الضيقَ مما يعرض له * أحياناً، وكذا كلُّ صفة مشبهة إذا قُصد بها الحدوثُ تحول إلى (١) في البحر المحيط ٢٠٧/٥. (٢) في الأصل: لذلك. الآية : ١٢ ٣٧٩ سُدَلاً هُود! فاعل، فتقول في سيد وجواد وسمين مثلاً: سائد وجائد وسامن، وعلى ذلك قولُ بعض اللصوص يَصِفُ السجنَ ومَنْ سُجِنَ فيه: بمنزلةٍ أما اللئيمُ فسامِنٌ بها وكرامُ الناس بادٍ شحوبُها(١) وظاهر كلام ((البحر)) أن ذلك مقيسٌ، فكل ما يُبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير وزن فاعل يُرَدُّ إليه إنْ أُريد معنى الحدوث من غير توقُّفٍ على سماع، وقيل: إنَّ العدولَ لمشاركة ((تارك)) وليس بذلك. ﴿أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَثْرُ﴾ أي: مالٌ كثير، وعبَّروا بالإنزال دون الإعطاء؛ لأنَّ مُرادهم التعجيزُ بكون ذلك على خلاف العادة؛ لأن الكنوزَ إنما تكون في الأرض ولا تنزلُ من السماء، ويَحتمِلُ أنهم أرادوا بالإنزال الإعطاءَ من دون سببٍ عادي كما يُشير إليه سببُ النزول، أي: لو لا أُعطي ذلك لِيتحقَّقَ عندنا صِدْقُه. ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكُ﴾ يُصدِّقه لِنُصدِّقه، رُوي أنهم قالوا: اجعل لنا جبالَ مكة ذهباً، أو اثتنا بملائكة يشهدون بنبوتك إنْ كنتَ رسولاً، فنزلَتْ. ورُوي عن ابن عباس ﴿ّا أن كلّاً من القولين قالته طائفةٌ، فقال عليه الصلاةُ والسلام: لا أقدرُ على ذلك. فنزلَتْ(٢). وقيل: القائل لكلٍّ عبدُ الله بن أُميةَ المخزومي(٣)، ووَجْهُ الجمع عليه يعلم مما مرَّ غير مرة. ومحل ((أن يقولوا)) نصب أو جر، وكان الأصل: كراهةَ أو مخافةً (أَن يَقُولُواْ) أو لئلا، أو لأنْ، أو بأنْ يقولوا، ولوقوع القول قالوا: إنَّ المضارعَ بمعنى الماضي، و((أن)) المصدرية خارجةٌ عن مُقتضاها، ورجَّحوا تقديرَ الكراهة على المَخافة لذلك، وقد يُراد عند تقديرها مخافة أن يُكرِّروا هذا القول؛ واختار بعضٌ أن يكونَ المعنى على الجميع: بأن يقولوا مثلَ قولهم لولا ... إلخ، فـ ((أن)) على مُقتضاها، ولا يَرِدُ شيءٍ. (١) ذكره أبو حيان في البحر ٢٠٧/٥. (٢) ذكره الرازي في تفسيره ١٧ / ١٩٢ - ١٩٣. (٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣٧٦/٢. سُؤٌوَلا هُوَّد ٣٨٠ الآية : ١٣ ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي: ليس عليك إلا الإنذارُ بما أُوحي غير مبالٍ بما يصدرُ عنهم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ ﴾﴾ أي: قائمٌ به وحافظٌ له، فيحفظ أحوالَكَ وأحوالَهم، فتوثَّل عليه في جميع أمورك، فإنه فاعلٌ بهم ما يَليق بحالهم، والاقتصار على النذير في أقصى غايةٍ من إصابة المَحَزّ. والآية قيل: منسوخة. وقيل: محكمة. ﴿أَمَ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ﴾ إضرابٌ بأَمْ المنقطعة عن ذكر ترك اعتدادهم بما يُوحى وعدم اكتفائهم بما فيه من المُعجزات الظاهرةِ الدالة على صدقِ الدعوى، وشروعٌ في ذِكْر ارتكابِهم لما هو أشدُّ منه وأعظمُ، وتُقدَّر بِبَلْ والهمزةِ الإنكارية، أي: بل أيقولون. وذهب ابنُ القشيري إلى أنَّ((أَمْ)) متصلة، والتقدير: أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون: إنه ليس من عند الله، والأولُ أظهرُ، وأيّاً ما كان فالضمير البارز في ((افتراه» لما يُوحى. إنْ كان الأمرُ كما تقولون ﴿فَأَنُوا﴾ أنتم أيضاً ﴿يَعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البلاغةِ وحُسنِ النَّظْم، وهو نعتٌ لـ ((سور)) وكان الظاهرُ مطابقته لها في الجمع لكنه أُفرد باعتبار مماثلة كَلِّ واحدة منها إذْ هو المقصودُ، لا مماثلة المجموع. وقيل: ((مثل)) وإنْ كان مفرداً يجوز فيه المطابقةُ وَعَدَمُها، فَيُوصَف به الواحدُ وغيره نظراً إلى أنه مصدرٌ في الأصل؛ كقوله تعالى: ﴿أَنِّْنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقد يُطابق؛ كقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقيل: إنه هنا صفةٌ لمفرد مُقدَّر، أي: قَدْر عشر سور مثله. وقيل: إنه وصفٌ لمجموع العَشْر؛ لأنها كلامٌ وشيء واحد، وأيضاً ((عشر)) ليس بصيغة جمع، فَيُعطى حكمَ المفرد، كـ ﴿فَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. وقوله سبحانه: ﴿مُفْتَرَيَةٍ﴾ نعتٌ آخرُ لـ ((سور)) قيل: أُخِّر عن نَعْتها بالمُماثلة لما يُوحى؛ لأنه النعت المقصودُ بالتكليف؛ إذْ به قُعودهم على العَجْز عن المعارضة، وأما نَعْت الافتراء فلا يتعلَّق به غرضٌ يدور عليه شيء في مقام التحدِّي، وإنما ذُكر على نهج المُساهلة وإرخاء العنان، ولأنه لو عُكس الترتيبُ لربما تُؤُهِّم أنَّ المرادَ هو المُماثلةُ له في الافتراء، والمعنى: فأتوا بعشر سور مُماثلةٍ