Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٦٢ ٢٠١ فيما يعمُّها والآخرة؛ لأنَّ في ذلك أمناً من مكر الله تعالى، ولا يأمنُ مكر الله إلا القومُ الخاسرون. وهذا مبنيٌّ على أنَّ الخوفَ المنفيَّ مُسندٌ إليهم، وليس بالمتعيِّن. فقد ذهب بعضُ الجلَّة إلى أنَّه مسنَدٌ إلى غيرهم، أي: غيرُهم لا يَخاف عليهم، ولا يلزمُ من ذلك أنَّهم لا يخافون ليجيءَ حديثُ لزومِ الأمن. وجَعَل ذلك نُكتَةَ اختلافِ أسلوب الجملتَين، والعدولِ عن: لا هم يخافون، الأنسبِ بـ ((لا هم يحزنون)) إلى ما في النظم الجليل. وقد يقال: إذا كان المرادُ: لا يعتريهم ما يوجب الخوف والحزن، لا يبقَى الحديث لزوم الأمن مِن مكر الله تعالى مجالٌ على ما لا يخفى على المتدبِّر، لكن لا يظهرُ عليه نُكتةُ اختلاف أسلوب الجملتين. وکونُها اختلاف شأن الخوف والحزن بشیوع وَصْف الأخیر بعدم الثبات کما قيل: فلا حزنٌ يدومُ ولا سُرورٌ(١) دون الأول، ولذا ناسَبَ أن يُعبَّرَ بالاسم في الأول، وبالفعل المفيد للحدوث والتجدُّدِ في الثاني = كما ترى. وقيل: إنَّ المراد نَفْيُ استيلاء الخوف عليهم، ونَفْيُ الحزن أصلاً، ومفادُ ذلك اقِّصافُهم بالخوف في الجملة، ففيه إشارةٌ إلى أنَّهم بين الرجاء والخوف غير آيسين ولا آمنين، ولهذا لم يُؤتَ بالجملتَين على طرزٍ واحدٍ، وكذا لم يقل: لا خوفٌ لهم، مثلاً . والأوجهُ عندي ما نُقِلَ عن بعض الجلَّة، من أنَّ معنى («لا خوفٌ عليهم)): لا يَخافُ عليهم غيرُهم، وتجعل(٢) الجملةَ الأولى عليه كنايةً عن حُسْنِ حالهم، وأنت في الجملة الثانية بالخيار. والخوفُ على ما قال الراغب: توقُّع المكروه، وضدُّه الأمنُ. والحزنُ من (١) عجز بيت ورد في الديوان المنسوب لعلي جه ص٦٧، وصدره: رأيت الدهر مختلفاً يدور. وذكره صاحب الوافي بالوفيات ١٥٥/١٨-١٥٦ عن أبي النصر الهروي عبد الرحمن بن عبد الجبار على أنه صدر بيت وعجزه: ولا هجر يدوم ولا وصال. (٢) في (م): ويجعل. سُوَالُدُونِسَ ٢٠٢ الآية : ٦٣ الحَزَن بالفتح، وهو خشونةٌ في النفس لِمَا يحصلُ من الغمِّ، ويضادُّه الفرح(١). وعلى هذا قالوا في بيان المعنى: لا خوفٌ عليهم من لُحوق مكروهٍ، ولا هم يحزنون من فواتِ مأمول. ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بكلِّ ما جاء من عند الله تعالى ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ عما يحقُّ الاتِّقاءُ منه من الأفعال والتروك اتِّقاءً دائماً، حَسْبَما يُفيده الجمع بين صيغتَي الماضي والمستقبل. والموصولُ في محلِّ الرفع على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: مَن أولئك، وما سببُ فوزهم بما أشار إليه الكلامُ السابق؟ فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى المفضيَيْنِ إلى كلِّ خيرِ المنجيين(٢) عن كلِّ شرّ؟ ولك أن تقتصر(٣) في السؤال على: مَن أولئك؟ فيكونُ ذلك بياناً وتفسيراً للمراد من الأولياء فقط، وعلى الأول هذا مع الإشارة إلى ما به نالوا ما نالوا(٤). وقيل: محلُّه النصبُ أو الرفعُ على المدح، أو على أنَّه وصفٌ للأولياء. ورُدَّ بأنَّ في ذلك الفصلَ بين الصفة والموصوف بالخبر، وقد أباه النحاة. نعم جوَّزه الحفيد(٥)، وجوَّز فيه البدلية أيضاً. والمراد من التقوى عند جمع المرتبةُ الثالثة منها، وهي التقوى المأمورُ بها في قوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وفُسِّرت بتنزُّه الإنسان عن (١) مفردات الراغب (خوف) و(حزن)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤٥/٥. (٢) في (م): المجنبين، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٥٩/٤. (٣) في (م): تقصر. (٤) في (م): مالوا، وهو تصحيف. (٥) حفيد التفتازاني أحمد بن يحيى بن محمد بن سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، سيف الدين الحنفي رئيس العلماء بهراة، له: الفرائد والفوائد، وشرح تهذيب المنطق والكلام لجده سعد الدين التفتازاني، وغيرها، قتله الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي مع جماعة من علماء هراة، ونُعت بالشهيد، سنة (٩١٦هـ). هدية العارفين ١٣٨/١، والأعلام ٢٧٠/١. ونقل المصنف كلامه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤٦/٥. الآية : ٦٣ ٢٠٣ سُؤَةُ يُونِسَ كلِّ ما يَشغل سرَّه عن الحقِّ والتبتُّل إليه بالكلِّية، وبذلك يحصُل الشهودُ والحضور والقرب الذي يدور إطلاقُ الاسم عليه، وهكذا كان حالُ مَن دخل معه وَلِّ تحت الخطاب في قوله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) إلخ خلا أنَّ لهم في شأن التبتُّل والتنزُّه درجاتٍ متفاوتةً حَسْبَ تفاوتِ درجاتٍ(١) استعداداتهم، وأقصى الدرجاتِ ما انتهى إليه هِمَمُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى جمعوا بذلك بين رياستَي(٢) النبوّة والولاية، ولم يَعُقْهُم التعلُّق بعالَم الأشباح عن الاستغراق في عالَم الأرواح، ولم تصدَّهم الملابسةُ بمصالح الخَلْقِ عن التبثُّل إلى جَنابِ الحقِّ سبحانه عزَّ وجلَّ، لكمال استعداد نفوسهم الزكيةِ المؤيَّدةِ بالقوة القدسية، كذا قیل. وفي كون حالٍ كلِّ مَن دخل معه ◌ِّهِ تحت الخطاب مراداً به جميعُ الصحابة ﴿ه، ما أشار إليه من التقوى الحقيقية المأمورِ بها في الآية التي بها يحصُل الشهود والحضور والقرب = بحثٌ، وقُصارَى ما تحقَّق بعد نزاعٍ طويل ذكرناه في جوابنا لسؤال أهل لاهور: أنَّ الصحابة ﴿هَ كلُّهم عدولٌ، مَنَ لابَسَ منهم الفتنةَ ومَن لم يُلابِسْها، ودَعْوَى أنَّ العدالة تستلزمُ الولاية بالمعنى السابق إنْ تَمَّت تمَّ المقصود وإلا فلا. والآية ظاهرةٌ في أنَّ الأولياء هم المؤمنون المتقون، وأقلُّ ما يكفي في إطلاق الوليِّ التقرُّبُ إليه سبحانه بالفرائض، من امتثالِ الأوامر واجتنابِ الزواجر، والأكملُ التقرُّبُ إليه جلَّ شأنُه بكلِّ ما يمكنُ من القُرَب. وفي ((المبين المعين)): الوليُّ هو من يتولَّى اللهُ تعالى بذاته أمرَه، فلا تصرُّفَ له أصلاً، إذ لا وجودَ له ولا ذاتَ ولا فِعْلَ ولا وَصْفَ، والتركيبُ يدلُّ على القرب، فكأنه قريبٌ منه عزَّ وجل، لاستدامة عباداته واستقامةِ طاعاته، أو الاستغراقِه في بحر معرفته ومشاهدةٍ طَلْعةٍ عَظَمَتِهِ(٣). انتهى، وفيه القولُ بأنَّ الوليَّ فعيلٌ بمعنى: مفعول. (١) في (م): حسبما درجات تفاوت. (٢) في (م): رياسة. (٣) المبين المعين لفهم الأربعين النووية للعلامة علي القاري ص٢١٤. سُدُكُونِسَ ٢٠٤ الآية : ٦٣ وجوِّز أن يكون بمعنى فاعل، وفشِّر بأنَّه مَن يتولَّى عبادةَ الله تعالى وطاعته على التوالي من غيرِ تخلُّلِ معصيةٍ. وعن القشيري(١): أنَّ كلا الوصفَين: تولِّي اللهِ تعالى أمرَه، وتولِّيه عبادةَ الله تعالى وطاعته، شرطٌ في الولاية، غير أنَّ الوصف الأول غالبٌ على المجذوب المراد، والثاني على السالك المريد. ولا يخفى أنَّ هذا الكلام وكذا ما قبله يدلُّ على أنَّ تخلُّل المعصية منافٍ للولاية، وهو الذي يُشير إليه كلامُ غيرٍ واحدٍ من الفضلاء، وليس في ذلك قولٌ بالعصمة التي لم يُثبتها الجماعة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل قُصارى ما فيه القولُ بالحفظ. وقد قيل: الأولياء محفوظون، وفُسِّر بعدم صدور الذنب مع إمكانه، والقيدُ لإخراج العصمة. نعم جاءت العصمةُ بمعنى الحفظِ المفسَّر بما ذُكر، وعلى ذلك خُرِّج قولُ صاحب ((حزب البحر))(٢): اللهمَّ اعْصِمْني في الحركات والسكنات؛ لأنَّ الدعاء بما هو من خواصِّ الأنبياء عليهم السلام لا يجوز، كالدعاء بسائر المستحيلات كما حُقِّق في محلِّه. وأطلق بعضُهم القول بأنَّ تخلُّل ذلك غيرُ منافٍ، احتجاجاً بما حُكي عن الجنيد قدّس سرُّه، أنَّه سئل: هل يزني العارفُ؟ فقال: نعم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وتُعقّب بأنَّه محمولٌ على الإمكان سؤالاً وجواباً، ولا كلامَ فيه، وإنَّما الكلام في أنَّ الوقوع منافٍ أو غيرُ منافٍ. وقال بعضُهم: لا شبهةَ في عدم بقاءِ وصفِ الولايةِ حالَ التلبُّسِ بالمعصية، إذ لا تقوى حينئذٍ بالإجماع(٣)، ومدارُ هذا الوصف عليها، وكذا على الإيمان، وهو (١) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك أبو القاسم الخراساني الصوفي صاحب الرسالة القشيرية، وتنظر ٢١٠/٣-٢١١. (٢) هو الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله. (٣) قوله: بالإجماع، ليس في الأصل. الآية : ٦٣ ٢٠٥ سُدَّ لُونِسَ غيرُ كاملٍ إذ ذاك عند أهل الحقِّ، وغيرُ متحقِّقٍ أصلاً، بل المتحقِّقُ الفسقُ المعنيُّ بالواسطة، أو الكفرُ عند آخرين. وكذا لا شبهةَ في عدم منافاة وقوع المعصيةِ الاتِّصافَ بالولاية بعده، بأنْ يعود مَن ابتُلي بذلك إلى تقوى الله تعالى، ويتَّصفَ بما تتوقّفُ الولاية عليه، وهو نظيرُ من يتَّصف بالإيمان أو بالعدالة مثلاً، بعد أنْ لم يكن متَّصفاً بذلك. بقي الكلامُ في منافاة الوقوع الاتِّصافَ قبلُ، فإنْ قيل: إنَّه منافٍ له بمعنى أنَّه لذلك لم يكن متَّصفاً قبلُ بما هو إيمانٌ وتقوى عند الناس، فلا شبهة أيضاً في عدم المنافاة بهذا المعنى، وهو ظاهرٌ. وإنْ قيل: إنَّه منافٍ له بمعنى أنَّه لم يكن لذلك متَّصفاً بما ذكر عند الله تعالى، بناءً على أنَّ المراد بالتقوى - التي هي شرطُ الوليِّ - التقوى الكاملةُ التي يترتَّب عليها حبُّ الله تعالى، المترتّبُ عليه الحفظُ، كما أُشير إليه فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ تعالى قال: مَن عادَى لي ولياً فقَدْ آذنْتُهُ بالحربِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افْتَرِضْتُ عليه، ولا زال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أُحِبَّه، فإذا أَحببتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمعُ به، وبَصَرَه الذي يُبْصِرُ به، ويَدَه التي يَبْطِشُ بها، وَرِجْلَه التي يمشي بها)) الحديث(١). وقد قال غيرُ واحدٍ في معنى الشرطية: فإذا أحببتُه كنتُ حافظاً حواسَّه وجوارحَه، فلا يسمعُ ولا يُبصر ولا يأخذُ ولا يمشي إلا فيما أَرْضَى وأُحِبُّ، وينقلعُ عن الشهوات ويستغرقُ في الطاعات. وقريبٌ منه قول الخطّابي(٢): المرادُ من ذلك توفيقُه في الأعمال(٣) التي يُباشرها بهذه الأعضاء، يعني: ييسِّر عليه فيها سبيل ما يحبُّه، ويَعصِمه عن موافقةٍ ما يكرهُه، من إصغاءٍ إلى لهوٍ يسمَعُه، ونظرٍ إلى ما نُهي عنه ببصرِهِ، وبَظْشٍ بما لا يَحِلُّ بيده، وسَعْىٍ في باطلٍ برجله . (١) صحيح البخاري (٦٥٠٢). (٢) في أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ٢٢٥٩/٣. (٣) في أعلام الحديث: توفيقه للأعمال. سُودُدُونَِّ ٢٠٦ الآية : ٦٣ وكذا قولُ بعضهم: المعنى: أَجْعَلُ سلطان حبِّي غالباً عليه، حتى أَسلُبَ عنه الاهتمامَ بشيءٍ غيرِ ما يقرِّبه إليَّ، فيصيرُ متخلِّياً عن اللَّذات، متجنِباً عن الشهوات، متى ما يتقلَّب وأينما يتوجَّه لقي الله تعالى بمرأى منه (١) ومسمع منه، ويأخذ حبُّ الله تعالى مجامعَ قلبه، فلا يسمعُ ولا يَرَى ولا يفعلُ إلا ما يحبُّه، ويكونُ له في ذلك عوناً ومؤيِّداً ووكيلاً، يحمي جوارحَه وحواسَّه = فله وجهٌ(٢)؛ لأنَّه إذا وقعَت المعصيةُ يُعلَم أنَّه لم يكن محفوظاً، وبه يُعلم أنَّه لم يكن محبوباً، وبذلك يُعلم أنَّه لم يكن متقرِّباً إليه تعالى شأنُه، متَّقياً إِيَّه حقَّ تُقاته، وإنْ ظنَّه الناس كذلك، فهو ليس من أوليائه سبحانه في نفس الأمر. نعم مَن اتَّصف بصفاتِ الأولياء ظاهراً يجبُ تعظيمُه واحترامُه والتأدُّبُ معه، والكفُّ عن إيذائه بشيءٍ من أنواع الإيذاء التي لا مسوِّغَ لها شرعاً، كالإنكارِ عليه عناداً أو حسداً، دون المنازعةِ في محاكمةٍ أو خصومةٍ راجعةٍ لاستخراجٍ حقٍّ، أو كشفِ غامضٍ ونحوِ ذلكَ، لِمَا دلَّ عليه الحديثُ السابقُ المشتمِلُ مِن تهديد المؤذي على الغاية القصوى. والحُكم على مَن ذُكر بالولاية(٣) إذا لم يكن هناك نصٌّ من معصوم على ما يدُلُّ على تحقُّقها في نفس الأمر، إنَّما هو بالنظر إلى الظاهر لا إلى ما عند الله تعالى، لِمَا أنَّ من الذنوب ما لا يمكن أنْ يطَّلع عليه إلا علام الغيوب، ومنها الذنوبُ القلبية التي هي أدواءٌ قاتلةٌ وسمومٌ ناقعةٌ، مع أنَّ الأعمال بخواتيمها، وهي مجهولةٌ إلَّا للمُبْدِئ المُعيدِ جلَّ جلاله. هذا وهو تحقيقٌ يلوح عليه مخايلٌ القبول. ومن الناس مَن قسم الولايةَ إلى صغرى قد يقعُ فيها الذنبُ على الندرة، لكن يبادر للتنصُّل منه فوراً، وعدَّ العلّامةُ ابن حجرٍ عليه الرحمة مَن وقع منه الذنبُ كذلك فبادَرَ للتنصُّل محفوظاً، فالوقوعُ عنده على الندرة مع المبادَرَة للتنصُل لا ينافي الحفظَ، وإنما يُنافيه تكرُّرُ الوقوع وكثرتُه، وكذا نذرتُه مع عدم المبادرة للتنصُّل. (١) في (م): فيه. (٢) قوله: فله وجه، هو جواب الشرط في قوله: وإن قيل إنه منافٍ له بمعنى أنه لم يكن لذلك متصفاً بما ذكر عند الله. (٣) في (م): ذكره لولاية. ٢٠٧ الآية : ٦٣ وكُبَرَى لا يقع فيها الذنبُ أصلاً، مع إمكان الوقوع، ولو قيل: أو مع استحالته كما في ولاية الأنبياء عليهم السلام، وادُّعي أنَّ ذلك من خصوصيات ولايتهم، فيكون الحفظُ أعمَّ من العصمة = لم يبعد. وأنت تعلم أنَّ قولهم: الأنبياءُ معصومون، ظاهرٌ في كون العصمة من توابع النبوّة، ومعلَّلةً بها، وهو مخالفٌ لتلك الدعوى كما لا يخفى، وما ذُكر من التقسيم حسنٌّ، ويُعلم منه أنَّ الكثير ممن يدَّعي الولاية في زماننا أو تُدَّعَى له ليس له فيها سوى الدعوى، الإصراره - والعياذُ بالله تعالى - على كبائرَ تقع منه في اليوم مراراً، عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك. وقد جاء عن النبيِّ وَّه في تفسير الأولياء ما يُظَنُّ أنَّه مخالفٌ لِمَا دَّت عليه الآيةُ في ذلك، فقد أخرج ابن المبارك والترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) وأبو الشيخ وابنُ مردويه وآخرون عن ابن عباس ﴿هَا قال: قيل: يا رسولَ الله، مَن أولياءُ الله؟ قال: ((الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله تعالى))(١) أي لحُسْنِ سَمْتهم وإخباتهم. وأخرج أحمد وابنُ أبي حاتم والبيهقيُّ وجماعةٌ عن أبي مالكِ الأشعريِّ قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله تعالى عباداً ليسُوا بأنبياءَ ولا شُهداءَ، يغبطُهم النبيُّون والشهداءُ على مَجالِسِهم وقُربهم مِن الله تعالى)). قال أعرابيّ: يا رسول الله انْعَتْهُم لنا. قال: ((هم أُناسٌ مِن أفْناءِ الناسِ ونَوازِعِ القبائلِ، لم تَصِلْ بِينَهم أَرحامٌ متقاربةٌ، تَحابُّوا في الله وتَصافَوا في الله، يَضَعُ الله تعالى لهم يومَ القيامةِ مَنابرَ مِن نورٍ، فيجلسون عليها، يَفزَعُ الناسُ وهم لا يفزعون، وهم أَولياءُ الله لا خَوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)(٢). ولا مخالفةَ في الحقيقة، فإنَّ ما أُشيرَ إليه مِن حُسنِ السَّمْتِ والإخباتِ والتَّحابِّ في الله تعالى من الأحكام اللازمة للإيمان والتقوى، والآثارِ الخاصَّة بهما، الحقيقةِ بالتخصيص بالذكر لظهورها وقُرْبِها من أفهام الناس، وقد أَوردَ رسولُ الله ◌َّهِ كلّاً (١) الزهد لابن المبارك (٢١٨)، ونوادر الأصول ص ١٤٠، وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه السيوطي في الدر ٣٠٩/٣ -٣١٠، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٤. (٢) مسند أحمد (٢٢٩٠٦)، وتفسير ابن أبي حاتم ١٩٦٣/٦، وشعب الإيمان (٩٠٠١). سُولَلاَمُونِّن ٢٠٨ الآية : ٦٣ من ذلك حَسْبَما يقتضيه مقامُ الإرشاد والتذكير، ترغيباً لسائلٍ أو حاضرٍ فيما خصَّه بالذکر من أحکامها . وأُريدَ بوصفهم بأنَّهم يغبِطُهم النبيون على مجالسهم وقُرْبهم الإشارةُ إلى راحتهم ممَّا يعتري الأنبياء عليهم السلام من الاشتغال بأُممهم، والمرادُ أنَّهم يغبطونَهم على مجموع الأمرین. وعن الكواشي: أنَّ ذلك خارجٌ مخرَج المبالغة، والمعنى: أنَّه لو فُرِضَ قومٌ بهذه الصفة لكانوا هؤلاء. وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ ذلك تصويرٌ لحُسْن حالهم على طريقة التمثيل. وأيّاً ما كان فلا دليلَ فيه على أنَّ الولاية أفضلُ من النبوَّة، وقد كفِّر مُعتقِدُ ذلك، وقد يؤوَّل له بحمل ذلك على أنَّ ولاية النبيِّ أفضلُ من نبؤَّته، كما حُمِلَ ما قاله العزُّ بنُ عبد السلام - المخالفُ للأصَحِّ - من أنَّ النبوة أفضلُ من الرسالة (١)، على نحو ذلك. وكذا - لنظير ما ذكرنا - لا يخالف ما دلَّت الآيةُ عليه تفسيرَ عيسى عليه السلام لذلك؛ فقد أخرج أحمد في ((الزهد)) وابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن وَهْب قال: قال الحواريُّون: يا عيسى مَن أولياءُ الله تعالى الذين لا خَوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حينَ نظَرَ الناسُ إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجِلِ الدنيا حين نظر الناسُ إلى عاجلها، وأماتوا منها ما يخشَون أنْ يميتَهم، وتركوا ما علموا أنْ سيترُكهم، فصار استكثارُهم منها استقلالاً، وذكرُهم إِيَّاها فَواتاً، وفرحُهم بما أصابوا منها حُزناً، وما عارَضَهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رِفعتها بغير الحقِّ وَضَعوه، خَلِقَت الدنيا عندهم فليسوا يُجدِّدونها، وخَرِبَت بينهم فليسوا يَعْمُرونها، وماتَت في صدورهم فليسوا يُحْيُونها، يَهدِمونها فيبنون بها آخرتهم، ويَبيعونَها فيشترون بها ما يَبقَى لهم، رفضوها فكانوا برفْضِها هم الفَرِحين، باعوها فكانوا ببيعها هم الرابحين، ونظروا إلى أهلها صرعَى قد خلَت فيهم المَثُلَات، فَأَخْيَوا ذِكْرَ الموت وأماتوا ذِكْرَ الحياة، (١) قواعد الأحكام ٢/ ٩٩. الآية : ٦٤ ٢٠٩ سُوَلا تُونِسَ يُحبُّون الله سبحانه وتعالى، ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبرٌ عجيبٌ وعندهم الخبرُ العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نَطَق الكتاب وبه نطقوا، وبهم عُلِمَ الكتاب وبه عُلِموا، ليس يَرَون نائلاً مع ما نالوا، ولا أمانيَّ دون ما يرجون، ولا فَرَقاً دون ما يَحْذَرون(١). ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىْ فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ استئنافٌ جيء به في موضع التعليل النفي حُزنهم والخوفِ عليهم في قولٍ، وفي آخرَ جيء به بياناً لِمَا أولاهم سبحانه من خيرات الدارَين، بعد أنْ أَخبرَ جلَّ وعلا بإنجائهم من شرورهما ومَكارِهِهِما، وكأنَّه على هذا قيل: هل لهم وراءَ ذلك من نعمةٍ وكرامةٍ؟ فقيل: لهم البشرى .. إلخ. وتقديمُ الأوَّل لِمَا أَنَّ التَّخْليةَ سابقةٌ على التَّحْلية، مع ما فيه من رعاية حقِّ المقابلة بين حُسْنِ حالِ المؤمنين وسوءٍ حال المفترين، وتعجيل إدخال المسرَّة بتبشير الخلاص عن الأهوال، وتوسيطُ البيان السابق بينَ التخليةِ والتحلية لإظهار كمال العناية به(٢)، مع الإيذان بأنَّ انتفاء ما تقدَّم لإيمانهم واتِّقائهم عما يؤدِّي إليه من الأسباب. ومن الناس مَن فسَّر الأولياء بالذين يتولَّونه تعالى بالطاعة ويتولَّاهم بالكرامة، وجَعَل ((الذين آمنوا)) إلخ تفسيراً لتولِيهم إياه تعالى، وهذه الجملةَ تفسيراً لتَوَلِّيه(٣) تعالى إياهم. وتعقّب بأنَّه لا ريبَ في أنَّ اعتبار القيدِ الأخير في مفهوم الولاية غیرُ مناسبٍ لمقام ترغيب المؤمنين في تحصيلها والثباتِ عليها، وبشارتهم بآثارها ونتائجها، بل مُخلِّ بذلك؛ إذ التحصيلُ إنما يتعلَّق بالمقدور، والاستبشارُ لا يحصلُ إلا بما عُلم وجودُ سببه، والقيدُ المذكور ليس بمقدورٍ لهم حتى يُحصِّلوا الولايةً بتحصيله، ولا بمعلومٍ لهم عند حصوله حتى يعرِفوا حصولَ الولاية لهم ويستبشروا بمحاسنٍ آثارها، بلّ التولِّي بالكرامة عينُ نتيجةِ الولاية، فاعتبارُه في عنوان الموضوع، ثم (١) الزهد لأحمد ص٧٨، وتفسير ابن أبي حاتم ١٩٦٤/٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٠٩/٣. ﴾ بين بشارة الخلاص عن (٢) أي: توسيط قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ◌َّ المحذور وبشارة الفوز بالمطلوب لإظهار كمال العناية بتفسير الأولياء. تفسير أبي السعود ١٦٠/٤، والكلام منه. (٣) في الأصل و(م): لتوليته، والمثبت من تفسير أبي السعود. سُۈاُلُونَِّ ٢١٠ الآية : ٦٤ الإخبارُ بعدم الخوف والحزن، مما لا يليقُ بشأن التنزيل الجليل. انتهى. وأنت تعلم أنَّ ما ارتكبه ذلك البعضُ تكلُّفٌ وعدولٌ عن الظاهر، فلا ينبغي العدول إليه، وإنْ كان ما ذكره المتعقّب لا يخلو عن نظر. وجوِّز كونُ الموصول مبتدأً وهذه الجملة خبرهُ، وفي بعض الأخبار ما يؤيِّده. و[البُشرَى] في الأصل: الخبرُ بما يُظِهِرُ السرورَ في بَشَرة الوجه، ومثلُها البِشارةُ، وتُطلق على المبشَر به من ذلك، وإلى إرادة كلِّ ذهب بعضِ. والظرفان بعده على الأول متعلِّقان به، وعلى الثاني في موضع الحال منه، والعاملُ ما في الخبر من معنى الاستقرار، أي: لهم البشرى حالَ كونها في الدنيا وحالَ كونها في الآخرة، أي: عاجلةً وآجلةً، أو من الضمير المجرور، أي: حالَ كونهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. والثابتُ في أكثر الروايات أَنَّ البشرَى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحةُ التي هي ((جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة)) (١) كما هو المشهور. أو((جزءٌ من سبعين جزءاً منها)) كما أخرجه ابنُ أبي شيبة عن ابن عمر وأبي هريرة، وهو وابنُ ماجه عن الأول(٢). فقد أخرج الطيالسي وأحمد والدارميُّ والترمذيُ وابنُ ماجه والطبرانيُّ والحاكم وصححه والبيهقيُّ وغيرُهم عن عبادةَ بنِ الصامت قال: سألتُ رسول الله وَل# عن قوله سبحانه: (الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا) قال: ((هيَ الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى لَهُ»(٣). (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٢٠٣٧)، والبخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٤) عن أنس ﴿. وأخرجه أحمد (٢٢٦٩٧)، والبخاري (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤) عن عبادة بن الصامت ته. وأخرجه أحمد (٧٦٤٢)، والبخاري (٦٩٨٨)، ومسلم (٢٢٦٣) عن أبي هريرة ﴿ه. وأخرجه البخاري (٦٩٨٩) عن أبي سعيد الخدري (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥٢/١١ و٥٤، وسنن ابن ماجه (٣٨٩٧). وحديث ابن عمر أخرجه أيضاً أحمد (٤٦٧٨)، ومسلم (٢٢٦٥). (٣) مسند الطيالسي (٥٨٣)، ومسند أحمد (٢٢٦٨٧)، وسنن الدارمي (٢١٣٦)، وسنن الترمذي (٢٢٧٥)، وسنن ابن ماجه (٣٨٩٨)، والمستدرك ٣٩١/٤، وشعب الإيمان (٤٧٥٣). وفي الباب عن أبي الدرداء عند الترمذي (٣١٠٦). الآية : ٦٤ ٢١١ سُولُ دُونِّ وأخرج ابنُ مردويه عن ابن مسعود أنَّه سأل رسول الله وَّهِ عن ذلك فأُجيبَ بما ذكر أيضاً. وأخرج مِن طريق أبي سفيان عن جابر مثل ذلك(١). وأخرج ابنُ أبي الدنيا وأبو الشيخ وأبو القاسم ابنُ منده من طريق أبي جعفر عن جابرٍ المذكورِ قال: أتى رجلٌ من أهل البادية رسولَ الله وَ له فقال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله تعالى: (الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى) إلخ؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((أمَّا قولُه تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا) فهي الرؤيا الحسنةُ تُرَى للمؤمنِ فَيُبَشَّر بها في دنياه، وأمَّا قوله سبحانه: (وَفِي الْآَخِرَةِ) فإنَّها بِشارةُ المؤمن عند الموتِ: أنَّ الله قد غَفَرَ لك ولمن حَمَلك إلى قبرِك))(٢) وجاء مرفوعاً وموقوفاً عن غيرٍ واحدٍ تفسيرُها بما ذُكر. وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر من طريق عليّ بنِ أبي طلحةً عن ابنِ عباس أنَّ البشرى في الحياة الدنيا هي قولُه تعالى لنبيِّهِ وَّهِ: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧](٣). وعن الزجَّاج والفرَّاء: أنَّها هذا وما شاكله(٤) من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] وقوله سبحانه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ الآية [التوبة: ٢١]، وقوله جل وعلا: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلى غير ذلك(٥) . وأخرج ابنُ أبي شيبة وغيرُه عن الضحاك أنَّه قال في ذلك: أنَّهم يعلمون أين هم قبل أن يموتوا(٦). وجاء في تفسير ((البشرى)) في الآخرة ما سمعتَ في الخبر الأخير عن جابر(٧). وأخرجَ ابنُ جرير وغيرُه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أنَّها الجنة))(٨). (١) ذكرهما عن ابن مردويه السيوطي في الدر ٣١٢/٣. (٢) الدر المنثور ٣١٢/٣. (٣) تفسير الطبري ٢٢٣/١٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣١٣/٣. (٤) في (م): یشاكله. (٥) معاني القرآن للفراء ٤٧١/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٦/٣-٢٧. (٦) مصنف ابن أبي شيبة ٥٨١/١٣. (٧) في (م): عن جابر الأخير. (٨) تفسير الطبري ٢١٨/٢ وأخرجه الطبري أيضاً ص٢١٦ من حديث أبي الدرداء ، ٢١٢ الآية : ٦٤ وعن عطاء: أنَّ البشرى في الدنيا أنْ تأتيهم الملائكةُ عند الموت بالرحمة، قال الله تعالى: ﴿تَتَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] وأمَّا البشرى في الآخرة فتلَقِّي الملائكةِ إياهم مُسلِّمين مبشِّرين(١) بالفوز والكرامة، وما يَرَون من بياض وجوههم وإعطاءِ الصحائف بأيمانهم، وما يقرؤون منها، وغير ذلك من البشارات. وقيل: المرادُ بالبشرى: العاجلةُ، نحو: النصرُ والفتحُ والغنيمة، والثناءُ الحسنُ، والذِّكْرُ الجميل، ومحبةُ الناس، وغيرُ ذلك، وأما البشرى الآجلةُ فغنيَّةٌ عن البيان. وأنت تعلم أنَّه لا ينبغي العدول عمَّا وَرَدَ عن رسول الله وَّه في تفسير ذلك إذا صحَّ، وحيث عَدَل - لعدم وُقوفه على ذلك فيما أظنُّ - فالأَ ولَى أن يُحمل ((البشرى)) في الدارَين على البشارة بما يُحقِّق نفْيَ الخوفِ والحزن كائناً ما كان، ويُرشد إلى ذلك السياق(٢)، ومِن أَجلِّ ذلك بُشرى الملائكة لهم بذلك وقتاً فوقتاً حتى يدخلوا الجنة، وقد نَطَق الكتاب العزيز في غير موضعٍ بهذه البشرى مَنَّ الله تعالى علينا بها برحمته وكرمه. ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ أي: لا تغييرَ لأقواله التي من جملتها مواعيدُه الواردةُ بشارةً للمؤمنين المتقين، فيدخل فيها البشاراتُ الواردةُ ها هنا دخولاً أوَّليّاً، ويثبتُ امتناعُ الإخلاف فيها لطفاً وكرماً ثبوتاً قطعيًّاً. وأريدَ من عدم تبديل كلماته سبحانه - على تقدير أنْ يُراد من ((البشرى)) الرؤيا الصالحة - عدمُ الخلف بينها وبين ما دلَّ على ثبوتها ووقوعها فيما سيأتي بطريق الوعدِ من قوله تبارك اسمه: (لَهُمُ اٌلْبُثْرَى)، لا عدمُ الخلف بينها وبين نتائجها الدنيوية والأخروية(٣). ولم يظهر لي وجهه بعد التدبُّر، والمشهورُ أنَّ = وص٢١٨-٢١٩ من حديث عبادة بن الصامت ه. وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص٨٤-٨٥ . (١) في الأصل: ومبشرين، والمثبت من (م)، والكشاف ٢/ ٢٤٣، وتفسير أبي السعود ٤/ ١٦٠. (٢) في (م): السباق. (٣) تفسير أبي السعود ٤/ ١٦١ . الآية : ٦٥ ٢١٣ سُؤَ ل ◌ُونَ الرؤيا الصالحةَ لا يتخلَّف ما تدُلُّ عليه. وقد جاء من حديث الحكيم الترمذي وغيره عن عبادةَ ◌َُ أنَّهِ وَّه قال له في الرؤيا الصالحة: ((كلامٌ يُكلِّمُ به ربُّك عبدَه في المنام))(١). (٦٤) ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من أنَّ لهم البشرى في الدارَين ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا فوزَ وراءه. وجوِّز أنْ تكون الإشارة إلى ((البشرى)) بمعنى التبشير. وقيل: إنَّ (ذلك)) إشارةٌ إلى النعيم الذي وقعَت به البشرى. وجَعَل غيرُ واحدٍ الجملة الأولى وهذه الجملة اعتراضاً جيء به لتحقيق المبشَر به وتعظيم(٢) شأنه، وهو مبنيٌّ على جواز تعدُّد الاعتراض، وعلى أنَّه يجوز أنْ يكونَ في آخر الكلام، ولذا قال العلامة الطيبي: لو جُعلت الأولى معترضةً، والثانيةُ تذليلاً للمعترِض والمعتَرَض فيه ومؤكِّدةً لهما كان أحسنَ. بناءً على أنَّ ما في آخر الكلام يُسمَّى تذييلاً لا اعتراضاً، وهو مجرَّد اصطلاح. ومَن جعل قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ معطوفاً على الجملة قبلُ، أي: إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون فلا يَحْزُنكَ قولُ أعداء الله تعالى، فالاعتراضُ عنده بين مثَّصلَين، لا في آخر الكلام، لكنَّه ليس بشيء. والذي عليه الجمهور أنَّه استئنافٌ سِيقَ تسليةً للرسولِ وَّهَ عمَّا كان يلقاه من جهة الأعداء من الأذيَّةِ الناشئةِ من مقالاتهم الرديئةِ الوحشيةِ، وتبشيراً له عليه الصلاة والسلام بالنصر والعزِّ إِثْرَ بيانِ أنَّ له ولأتباعه أمناً من كلِّ محذورٍ، وفوزاً بكلِّ مطلوبٍ، فهو متَّصلٌ بقوله سبحانه: (أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ) إلخ معنىً. وقيل: إنه مَّصلٌ بقوله سبحانه: (وَإِن كَذَّبُوَكَ فَقُل لِ عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) الآية واختاره على ما فيه من البعد الطبرسيُّ(٣). (١) نوادر الأصول ص١١٨، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ٢١٤/١، والطبراني في مسند الشاميين ١١٨/٢ . (٢) في الأصل و(م): لتعظيم، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٦/٥، وتفسير أبي السعود ٤/ ١٦١ . (٣) في مجمع البيان ٧١/١١. ٢١٤ الآية : ٦٥ وقرأ نافع: ((ولا يُخْزِنْكَ))(١) من أَحزَنَ، وهو في الحقيقة نَهْيٌّ له وَِّ عن الحزن، كأنَّه قيل: لا تحزن بقولهم، ولا تبالِ بكلِّ ما يتفوَّهون به في شأنك مما لا خيرَ فيه، وإنَّما عدَلَ عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة في النهي عن الحزن؛ لمَا أنَّ النهيَ عن التأثير نهيٌّ عن التأثّر بأصله ونفيٌّ له بالمرة، ونظيرُ ذلك كما مرَّ غيرَ مرةٍ قولُهم: لا أَرَبِنَّكَ ها هنا، و: لا يأكُلْكَ السّبع، ونحوه، وقد وجِّه فيه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هو النهيُ عن الملزوم. قيل: وتخصيصُ النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفْي السابق للخوف أيضاً، لِمَا أَّه لم يكن فيه وَهِ شائبةُ خوفٍ حتى يُنْهَى عنه، وربما كان يَعترِيه ◌َّ فِي بعض الأوقاتِ حزنٌ فسلِّي عنه. ولا يخفى أنَّه إذا قلنا: إنَّ الخوفَ والحزنَ متقاربان، فإذا اجتمعا افْترقا وإذا افترقا اجتَمعا، كما علمتَ آنفاً، كان النهيُ عن الحزن نهياً عن الخوف أيضاً، إلَّا أنَّ الأَولَى عدمُ اعتبار ما فيه توقُّمُ نسبةِ الخوف إلى ساحته عليه الصلاة والسلام، وإنْ لم يكن في ذلك نقصٌ، فقد جاء نهيُ الأنبياء عليهم السلام عن الخوف كنهيهم عن الحزن، بل قد ثبت صريحاً نسبةُ ذلك إليهم، وهو ممَّا لا يُخلُّ بمرتبة النبوّة؛ إذ لیس کلُّ خوفٍ نقصاً ليُنزَّهوا عنه کیف کان. ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيقَ لتعليل النهي. وقيل: جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: لمَ لا يحزنه؟ فقيل: لأنَّ الغلبةَ والقهرَ لله سبحانه، لا يملك أحدٌ شيئاً منها أصلاً، لا هُمْ ولا غيرُهم، فلا يُقْهَر ولا يُغْلَبُ أولياؤه، بل يَقْهَرُهم ويَغْلِبُهم ويَعْصِمُكَ منهم. وقرأ أبو حيوة: ((أنَّ) بالفتح(٢) على صريح التعليل، أي: لأنَّ. وحَمَلَ ابن قتيبة(٣) (١) التيسير ص٩١- ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢. (٢) القراءات الشاذة ص٢٧، والبحر ١٧٦/٥ . (٣) في الأصل و(م): قتيبة بن مسلم، والصواب ما أثبتناه، وكلام ابن قتيبة في هذه المسألة ذكره عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢٩/٣، وأبو حيان في البحر ١٧٦/٥، والسمين في الدر ٢٣٤/٦، والشهاب في الحاشية ٤٦/٥. الآية : ٦٦ ٢١٥ ذلك على البدل، ثم أنكر القراءةَ لذلك؛ لأنَّه يؤدِّي إلى أنْ يقال: فلا يَحْزُنْك أنَّ العزَّة لله جميعاً، وهو فاسدٌ. وذكر الزمخشريُّ: أنَّه لو حُمِلَ على البدل لكان له وجهٌ أيضاً على أسلوب ﴿فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيْرًا لِلْكَفِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ﴾ [القصص: ٨٨] فيكون للتهييج والإلهاب والتعريض بالغير(١). وفيه بعدٌ. ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ يسمعُ أقوالَهم في حقِّك، ويعلم ما يُضمرونه عليك، فيكافؤهم على ذلك. وما ذكرناه في الآية هو الظاهرُ المتبادِر. وأخرج أبو الشيخ(٢) عن ابنٍ عباسٍ هًا أنَّه قال: لمَّا لم ينتفعوا بما جاءهم من الله تعالى، وأقاموا على كفرهم، كَبُرَ ذلك على رسول الله وَّر، فجاءه مِن الله سبحانه فيما يُعاتبه: (وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُزُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يسمع ما يقولون ويعلمُه، فلو شاء بعزَّته لانتصر منهم. ولا يخفَى أنه خلافُ الظاهر جدّاً، مع ما فيه من تعليق العلم بما علق بالسمع، ولعلَّ روايته عن الحبر غيرُ معوَّلٍ عليها . ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَِّ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضُِّ﴾ أي: من الملائكة والثقلَين، كما يدُلُّ عليه التعبير بـ (مَن) الشائع في العقلاء، والتغليبُ غيرُ مناسبِ هنا، ووجْهُ تخصيصِهم بالذِّكر الإيذانُ بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم، فإنَّهم مع شرفهم وعُلوّ طبقتهم إذا كانوا عبيداً لله مملوكين له سبحانه فما عَدَاهم من الموجودات أَولَی بذلك. والجملةُ مع ما فيها من التأكيد لِمَا سبق من اختصاص العزَّةِ به جلَّ شأنه، الموجبٍ لسلوته عليه الصلاة والسلام وعدم مبالاته بمقالات المشركين = تمهيدٌ لِمَا لَحِقَ من قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآَةٌ﴾ ودليلٌ (١) كذا ذكر المصنف هذا الكلام عن الزمخشري، وقول الزمخشري في الكشاف ٢٤٤/٣ هو: مَن جعله بدلاً من «قولُهم)، ثم أنكره، فالمنكَرُ هو تخريجه لا ما أنكره من القراءة به. اهـ. وما ذكره المصنف قاله الشهاب في الحاشية ٤٦/٥ بعد ما أشار لقول الزمخشري المذكور. (٢) كما في الدر المنثور ٣١٣/٣. ٢١٦ الآية : ٦٦ على بطلان ظنونهم وأعمالهم المبنيَّةِ عليها، والاقتصارُ على أحد الأمرَين قصورٌ، فلا تكُن من القاصرين. و((ما)) نافية ((وشركاءَ)) مفعولُ ((يَتَّبَع))، ومفعولُ ((يَدْعُون)) محذوفٌ لظهوره، أي: ما يتَبع الذين يَدْعُون من دون الله شركاءَ شركاءَ في الحقيقة، وإنْ سمَّوها شركاء لجَهْلِهم، فالمرادُ سَلْبُ الصفة في الحقيقة ونفس الأمر، فما ذكره أبو البقاء(١) من عدم جوازٍ هذا الوجه من الإعراب؛ لأنَّ يدُلُّ على نفْي اتِّباعهم الشركاءَ مع أنَّهَم اتّبعوهم، ناشئٌ من(٢) الغفلة عمَّا ذكرنا. وجوِّز أنْ يكون ((شركاء)» المذكورُ مفعولَ ((يَدْعون))، ويكون مفعولُ ((يَّبع)) محذوفاً لِإِنْفهامِهِ من قوله سبحانه: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ﴾ أي: ما يتَّبعون يقيناً وإنما يتبعون ظنَّهم الباطلَ أو ظنَّهم أنَّها شركاء، بتقديرٍ معمول الظنِّ أو تنزيله منزلةً اللازم. وقدَّر بعضُهم مفعولَ (يتَّبعون)): ((شركاء))، ميلاً إلى إعمال الثاني في التنازع، وتعقّب بأنَّه لا يصحُّ أنْ يكونَ من ذلك البابِ؛ لأنْ مفعول الفعل الأول مقيدٌ دون الثاني، فلا يَتَّحد المعمول، والاتِّحادُ شرط في ذلك. وكونُ التقييدِ عارضاً بعد الإعمال بقرينة عاملِهِ فلا ينافي ما شُرط في الباب، بالباب كما لا يخفى(٣). وجوِّز أيضاً أنْ تكون ((ما)) استفهاميةً منصوبةً بـ ((يَتَّبع))، و((شركاءَ)) مفعول (يَدْعون))، أي: أيَّ شيءٍ يتّبع المشركون، أي: ما يتّبعونه ليس بشيء. وأنْ تكونَ موصولةً معطوفةً على ((مَن))، أي: وله تعالى ما يتَّبعه المشركون خَلْقاً ومُلكاً، فكيف يكون شريكاً له سبحانه؟ وتخصيصُ ذلك بالذكر مع دخوله فيما سبَقَ عبارةً أو دلالةً للمبالغة في بيان بطلانِ الاتِّباع، وفسادِ ما بنوه عليه مِن الظنِّ الذي هو من الفساد بمكان. (١) في الإملاء ٣/ ٢٤٠. (٢) في الأصل: عن. (٣) قوله: بالباب ... ، يعني: فيه نظر، كما في حاشية الشهاب ٥/ ٤٧. الآية : ٦٧ ٢١٧ سُولَ لُ دُونِّن وجوِّز على احتمال الموصولية أنْ تكونَ مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: باطلٌ ونحوه، أو الخبرُ قوله سبحانه: ((إنْ يَتَّبعون)» والعائدُ محذوفٌ، أي: في عبادته أو اتِباعه. وقرأ السلمي: ((تدعون)) بالتاء الخطابية، وروي ذلك عن عليٍّ كرم الله وجهه (١)، وهي قراءةٌ متَّجهةٌ خلافاً لزاعم خلافِه، فإنَّ ((ما)) فيها استفهامية للتبكيت والتوبيخ، والعائدُ على ((الذين)) محذوفَ و((شركاء)) حالٌ منه، والمرادُ من ((الذين)» الملائكة والمسيحُ وعزيرٌ عليهم الصلاة والسلام، فكأنَّه قيل: أيَّ شيءٍ يَّبعُ الذين تَدْعونهم حالَ كونهم شركاءَ في زَعْمِکم من الملائكة والنبيين، تقريراً لكونهم متَّبِعِينَ اللهَ تعالى، مطيعين له، وتوبيخاً لهم على عدم اقتدائهم بهم في ذلك، كقوله سبحانه: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وحاصلُه: إنَّ الذين تعبدونهم يعبدون الله تعالى ولا يعبدون غيرَه، فما لكم لا تقتدون بهم ولا تتبعونهم في ذلك. ثم صُرِفَ الكلام عن الخطاب إلى الغيبة، فقيل: إنْ يتَّبعُ هؤلاء إلا الظنَّ، ولا يتَّبعون ما يتَّبِعُه الملائكةُ والنبيُّون عليهم السلام من الحقِّ. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُسُونَ ﴾﴾ أي: يَحزِرون ويُقدِّرون أنَّهم شركاء تقديراً باطلاً، أو يَكذبون فيما ينسبونه إليه سبحانه وتعالى، على أنَّ الخَرْصَ إما بمعنى الحَزْرِ والتخمين، كما هو الأصل الشائع فيه، وإمَّا بمعنى الكذب، فإنَّه جاء استعمالُه في ذلك لغَلَبته في مثله. ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ تنبيهٌ على تفرُّده تعالى بالقدرة الكاملةِ والنعمة الشاملة؛ ليدُلَّهم على تَوَحُّده سبحانه باستحقاق العبادة، فتعريفُ الطرفَين للقَصْر، وهو قَصْرُ تعيينٍ، وفي ذلك أيضاً تقريرٌ لِمَا سَلَفَ من كون جميع الموجوداتِ الممكنةِ تحت قدرتِهِ وملكتِهِ، المفصِح عن اختصاص العزَّة به سبحانه. والجعلُ إنْ كان بمعنى الإبداع والخَلْقِ فـ ((مُبصِراً)) حالٌ، وإنْ كان بمعنى التصيير فـ ((لكم)) المفعولُ الثاني، أو حالٌ كما في الوجه الأول، فالمفعول (٢) الثاني (١) القراءات الشاذة ص٥٧، والمحرر الوجيز ١٣٠/٣، والبحر ١٧٧/٥ . - (٢) في تفسير أبي السعود ١٦٢/٤ (والكلام منه): والمفعول. سُوَ لُ كُونُسَ ٢١٨ الآية : ٦٧ (لتسكنوا فيه))، أو محذوفٌ يدُلُّ عليه المفعول الثاني من الجملة الثانية، كما أنَّ العلة الغائية منها محذوفةٌ اعتماداً على ما في الأولى، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلماً لتَسْكنُوا فيه، والنهارَ مبصِراً لتتحرَّكوا فيه لمصالحكم، فحذَفَ مِن كلٍّ ما ذُكر في الآخر، اكتفاءً بالمذكور عن المتروك، وفيه على هذا صنعةٌ الاحتباك، والآيةُ شائعةٌ في التمثيل بها لذلك، وهو الظاهرُ فيها، وإنْ كان أمراً غيرَ ضروريٍّ، ومن هنا ذهب جمعٌ إلى أنَّه لا احتباك فيها . والعدولُ عن: لتُبْصروا فيه - الذي يقتضيه ما قبلُ - إلى ما في النظم الجليل؛ للتفرقة بينَ الظرف المجرَّد، والظرفِ الذي هو سببٌ يتوقَّف عليه في الجملة. وإسنادُ الإبصار إلى النهار مجازيٌّ کالذي في قول جرير: لقد لُمتِنا يا أمَّ غَيْلانَ في السُّرَى ونمتٍ وما ليلُ المَطِيِّ بنائم(١) وقولِهم: نهارُه صائم، وغيرِ ذلك ممَّا لا يُحصى كثرةً. وإلى هذا ذهب ابنُ عطية(٢) وجماعة. وقيل: إنَّ (مبصراً)) للنسب، كـ: لابِنٍ وتامر، أي: ذا إبصار. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: في الجعل المذكور، أو في الليل والنهار، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذان بُيُعْدِ منزلةِ المشارِ إليه وعلوِّ رُتبته. ﴿لَيَتٍ﴾ أي: حُجَجَاً ودلالاتٍ على توحيد الله تعالى كثيرةً، أو آيات أُخَرَ غيرَ ما ذُكر. ﴿لِّقَوٍْ يَسْمَعُونَ ﴾﴾ أي: الحُجَجَ مطلقاً سماعَ تدبُّرٍ واعتبارٍ، أو: يسمعون هذه الآيات المتلوَّةَ ونظائرَها المنبِّهةَ على تلك الآياتِ التكوينيةِ الآمرةَ بالتأمل فيها ذلك السماع(٣)، فيعملون بمقتضاها، وتخصيصُ هؤلاء بالذكر مع أنَّ الآيات منصوبةٌ لمصلحةِ الكلِّ لِمَا أنَّهم المنتفعون بها. (١) ديوان جرير ٩٩٣/٢، والكتاب ١٦٠/١، والخزانة ٤٦٥/١. (٢) في المحرر الوجيز ٣/ ١٣٠. (٣) أي: يسمعون هذه الآيات .. سماعَ تدبر واعتبار. تفسير أبي السعود ١٦٢/٤، والكلام منه . الآية : ٦٨ ٢١٩ سُوَلاَ كُونُسَ ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾ شروعٌ في ذكر ضربٍ آخرَ من أَباطيلِ المشركين وبيانِ بطلانه، والمرادُ بهؤلاء المشركين على ما قيل: كفارُ قريشٍ والعربِ، فإِنَّهم قالوا: الملائكةُ بناتُ الله تعالى، واليهودُ والنصارى القائلون: عزيرٌ وعيسى عليهما السلام ابناه عزَّ وجل، والاتخاذُ صريحٌ في التبنِّي. وظاهرُ الآية يدُلُّ على أنَّ ذلك قولُ كلِّ المشركين، وإذا ثبتَ أنَّ منهم مَن يقول بالولادة والتوليد حقيقةً، كان ما هنا قولَ البعض، ولْيُنْظَر هل يجري فيه احتمالُ إسناد ما للبعض للكلِّ لتحقُّق شرطه، أم لا يجري لفَقْدِ ذلك؟ والولد يُستعمَل مفرداً وجَمْعاً، وفي (القاموس)): الوَلَدُ محرَّكةً وبالضمِّ والكسر والفتح: واحدٌ وجَمْعٌ، وقد يُجمَع على أَوْلادٍ ووِلْدَةٍ وإِلْدَةٍ بالكسر فيهما، ووُلْدٍ بالضم(١). وهو يشمل الذَّكَر والأنثى. ﴿سُبْحَنَّةٌ﴾ تنزيهٌ وتقديسٌ له تعالى عمَّا نَسبوا إليه، على ما هو الأصل في معنى ((سبحان))، وقد يُستعمل للتعُّب مجازاً، ويصحُّ إرادتُه هنا، والمرادُ التعجُّب من كلمتهم الحمقى. وجَمَع بعضُهم بين التنزيه والتعجّب، ولعلَّه مبنيٌّ على أنَّ التعجُّب معنىّ كنائيٌّ، وأنَّه يصحُّ إرادةُ المعنَى الحقيقي في الكناية، وهو أحدُ قولَين في المسألة. وقيل: إنَّه لا يلزم استفادةُ معنَى التعجُّب منه باستعمال اللفظ فيه، بل هو من المعاني الثواني. وقولُه سبحانه: ﴿هُوَ الْغَنِىُّ﴾ أي: عن كلِّ شيءٍ في كلِّ شيءٍ، علٌ لتنزُّهِهِ تعالى وتَقدُّسِهِ (٢) عن ذلك، وإيذانٌ بأنَّ اتِّخاذ الولد مسبَّبٌ عن الحاجة، وهي التقوِّي أو بقاءُ النوع مثلاً . وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: مِن العقلاء وغيرِهم، تقريرٌ لمعنَى الغَنَى؛ لأنَّ المالك لجميع الكائناتِ هو الغنيُّ، وما عداه فقيرٌ. وقيل: هو علةٌ أُخرى للتنزُّه عن التِّي؛ لأنَّه يُنافي المالكية. (١) القاموس (ولد). (٢) في (م): وتقدس. ◌ُودُمُونِّن ٢٢٠ الآية : ٦٩ وقولُه جلَّ شأنه: ﴿إِنْ عِندَكُمْ مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: حُجَّةٍ ﴿بِهَذَا﴾ أي: بما ذُكر من القول الباطل، توضيحٌ لبطلانه بتحقيق سلامةِ ما أُقيمَ من البرهان الساطع عن المعارِض والمنافي، فـ ((إنْ)) نافية، و((مِن)) زائدةٌ لتأكيد النفي، ومجرورُها مبتدأً، والظرفُ المقدَّم خبرُه، أو مرتفعٌ على أنَّه فاعلٌ له لاعتماده على النفي، و((بهذا)) متعلّقٌ إما بـ ((سلطان)) لأنَّه بمعنى الحُجَّة كما سمعتَ، وإما بمحذوفٍ وقَعَ صفةً له، وقيل: وقع حالاً من الضمير المستتر في الظرف الراجع إليه. وإما بما في ((عندكم)) من معنَى الاستقرار، ويتعيَّن على هذا كون ((سلطان)) فاعلاً للظرف؛ لئلا يلزم الفصلُ بين العامل المعنوي ومتعلِّقه بأجنبي. والالتفاتُ إلى الخطاب لمزيد المبالغةِ في الإلزام والإفحام، وتأكيدِ ما في قوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ من التوبيخ والتقريعِ على جهلهم واختلاقهم. وفي الآية دليلٌ على أنَّ كلَّ قولٍ لا دليلَ عليه فهو جهالةٌ، وأنَّ العقائدَ لا بدَّ لها من قاطع، وأنَّ التقليدَ بمعزلٍ من الاهتداء، ولا تصلُح متَمسَّكاً لنفْي القياسِ والعملِ بخبرِ الآحاد لأنَّ ذلك في الفروع، وهي مخصوصةٌ بالأصول؛ لِمَا قام من الأدلة على تخصيصها وإنْ عمَّ ظاهرُها . تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى سيد المخاطَبين وَّهِ؛ ليبيِّن سوءَ مَغَبَّتهم ووخامةً عاقبتهم، وفي ذلك إنذارٌ لهم عن الاستمرار على ما هم فيه، ولغيرهم عن(١) الوقوع في مثله. ﴿إِنّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في كلِّ أمرٍ، ويدخلُ الافتراءُ بنسبة الولد والشريك إليه تعالى دخولاً أوليّاً، وهو أَوْلَى من الاقتصار على ما الكلامُ فيه، وحينئذٍ فالمرادُ بالموصول ما يَعُمُّ أولئك المخاطَبين وغيرَهم، أي: إنَّ مَن تكونُ هذه صفتَهم كائناً ما كانوا ﴿لَا يُفْلِحُونَ لا يَنْجُون من مكروه، ولا يفوزون بمطلوبٍ أصلاً، ويندرجُ في ذلك عدمُ النجاةِ من النار، وعدمُ الفوز بالجنة، والاقتصارُ عليه في مقام المبالغة في الزَّجْرِ عن (١) في الأصل: من.