Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ٣٩
١٤١
◌َةُ تُونس
وأُجِيبَ بأنَّه ◌َليهِ وإنْ كان في أقصى الغايات من الفصاحة، حتى كأنَّ الله تعالى
شأنُه وعزَّت قُدرتُه مَخَضَ اللسانَ العربي وألقَى زُبدتَه على لسانه وَّهِ فما مِن خطيبٍ
يقاومُه إلا نكَصَ متفكِّكَ الرِّجل(١)، وما مِن مِصْقع يُناهزُه إلَّا رجع فارغ السَّجْل،
إلا أنَّ كلامه وَِّ لا يُشبه ما جاء به القرآن(٢)، وكلامُ شخصٍ واحدٍ متشابهٌ
كما لا يخفى على ذوي الأذواق الواقفين على كلام البلغاء قديماً وحديثاً.
وتعقِّب بأنَّه لا يدفع ذلك الزَّعْمَ، لِمَا فيه ظاهراً مِن تسليم كونِ كلامه عليه
الصلاة والسلام مُعْجِزاً لا تُستَطاع مُعارضتُه، وحينئذٍ العجزُ عن معارضةِ القرآن
يجعَلُهُ(٣) دائراً بين كونه كلامَه تعالى وكونه كلامَه ◌ََّ، ولا يثْبُتُ كونُه كلامَ الله عزَّ
وجلَّ إلا بضمِّ امتيازه على كلامه وََّ، والزاعمُ لم يَدَّعِ إلا عدمَ لزومٍ كونه مِن
عند الله تعالى قطعاً من عجزهم عن الإتيان بذلك.
وأيضاً يُنافي هذا التسليمُ ما تقدَّم في بيان حاصل ((فأتوا بسورةٍ مثله)»، حيثُ
علِّل بـ : إنكم مثلي في العربية والفصاحة .. إلخ.
ومن هنا قيل: الأوجَهُ في الجواب أنْ يُلتزمَ عدمُ إعجازِ كلامه وَّرِ، مع كونه
عليه الصلاة والسلام أفصحَ العرب، ولا منافاة بينهما كما لا يخفَى على المتأمِّل.
وأطالَ بعضُهم الكلام في هذا المقام، وبعضٌ أدرَجَ مسألةَ خَلْقِ الأفعال في
البين، وجعَلَ مدار الجواب مذهَب الأشعريِّ فيها، ولعل الأمر غنيٌّ عن الإطالة
عند مَن انْجَابَ عن عينٍ بصِيرته الغَین.
﴿بَلَ كَذَُّواْ بِمَا لَ يُحِيطُواْ بِعِهِ﴾ قيل: هو إضرابٌ وانتقالٌ عن إظهار بطلانِ
ما قالوا في حقِّ القرآن العظيم بالتحدِّي إلى إظهاره ببيانِ أنَّه كلامٌ ناشئٌ عن عدم
علمهم بكنهِ أمره، والاطلاع على شأنه الجليل، فـ ((ما)) عبارةٌ عن القرآن، وهو
المرويُّ عن الحسن، وعليه محقِّقو المفسِّرين.
(١) في الأصل: الرحل. وقوله: متفكك الرجل، لعله كناية عن العيِّ والعجز. ينظر الفائق
١١/١.
(٢) في (م): من القرآن.
(٣) في الأصل: بجعله.

سُوَلٌ لُونَ
١٤٢
الآية : ٣٩
وقيل: هي عبارةٌ عمَّا ذُكر فيه مما يخالفُ دينَهم كالتوحيدِ والبعثِ والجزاء.
وليس بذاك سواءٌ كانت الباء للتعدية - كما هو المتبادِر - أم للسببية.
والمرادُ أنَّهم سارَعوا إلى تكذيبه مِن غير أنْ يتدبّروا ما فيه، ويقفوا على ما في
تضاعيفه من الشواهد الدالّة على كونه كما وُصِف آنَفاً، ويعلموا أنَّه ليس مما يُمكن
أنْ يُؤتَی بسورةٍ مثله.
والتعبيرُ عنه بهذا العنوان، دون أنْ يقال: بل كذَّبوا به من غير أنْ يُحيطوا
بعلْمِه، أو نحوِهِ، للإيذان بكمالٍ جَهْلِهِم به، وأنَّهم لم يَعْلَموه إلَّ بعنوانِ عدم العلم
به، وبأنَّ تكذيبَهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه، لِمَا أنَّ تعليق الحكم
بالموصول مشعرٌ بعلِيَّة ما في حيِّز الصلَة له، وأصلُ الكلام: بما لم يحيطوا به
علماً، إلا أنَّه عدَلَ عنه إلى ما في النظم الكريم لأنَّه أبلغ.
﴿وَلَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُّهُ﴾ عطفٌ على الصِّلة أو حالٌ من الموصول، أي: ولم يقفوا
بعدُ على معانيه الوضعية والعقلية المنبئةِ عن علوِّ شأنه وسطوعٍ برهانه، فالتأويلُ نوعٌ
من التفسير، والإتيانُ مجازٌ عن المعرفة والوقوف، ولعلَّ اختياره للإشعار بأنَّ تلك
المعاني متوجّهةٌ إلى الأذهان، مُنْساقةٌ إليها بنفسها .
وجوِّز أن يُراد بالتأويل وقوعُ مدلوله، وهو عاقبتُه وما يَؤولُ إليه، وهو المعنَى
الحقيقيُّ عند بعضٍ، فإتيانُه حينئذٍ مجازٌ عن تَبِيُّنْه وانكشافه، أي: ولم يَتَبيَّن لهم إلى
الآن تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يَظهرَ أنَّه صدقٌ أم كذبٌ، والمعنى: أنَّ
القرآن معجِزٌ من جهة النَّظْم والمعنَى، ومن جهة الإخبار بالغيب، وهم فاجَؤوا
تكذيبَه قبل أن يتدبَّروا نظمَه ويتفكّروا في معناه، أو ينتظروا وقوعَ ما أَخبر به من
الأمور المستقبلة.
ونفيُ إتيان التأويل بكلمةِ ((لمَّا)) الدالَّةِ على توقُّع منفيِّها بعد نفْي الإحاطة بعِلْمِه
بكلمةِ ((لم))؛ لتأكيد الذمِّ وتشديدِ التشنيع، فإنَّ الشناعة في تكذيب الشيء قبل عِلْمِه
المتوقَّع إتيانُه أفحشُ منها في تكذيبه قبل عِلْمِه مطلقاً .
وادَّعى بعضُهم أنَّ الإضراب عن التكذيب عناداً المدلولِ عليه بقوله سبحانه:
(ثُلْ فَأَتُوأ) إلخ، فإنَّ الإلزام إنَّما يأتي بعد ظهور العجز، ومعنَى هذا الإضرابِ ذمُّهم

الآية : ٣٩
١٤٣
سُؤَدْلٌ لُونْسَ
على التقليد وتَرْكِ النظر مع التمكُّنِ منه، وهو أَدخَلُ في الذمِّ من العناد من وجْهٍ،
وذلك لأنَّ التقليد اعترافٌ من صاحبه بالقصور في الفطنة، ثُم لا يعذَرُ فيه،
فلا يرتَضي ذو عقلٍ أنْ يُقُلِّد رجلاً مثلَه من غيرِ تقدُّم عليه بفطنةٍ وتجربةٍ، وأمَّا العنادُ
فقد يحمَدُه بعضُ النفوس الأبيَّةِ، بل في أشعارهم ما يدلُّ على أنَّهم مفتخرون بذلك
کقولهم :
فعانِدْ مَن تُطيقُ له عناداً(١)
ولا يَرِدُ أنَّ العناد لمَّا كان بعد العلم كان أَدْخَلَ في الذمِّ، فلا نُسلِّم أنَّه أَدخَلُ فيه
من التقليد، بل من الجهل قبل التدبُّر دون اقتران التقليد به، وإنْ سُلِّم فهذا أيضاً
أدخَلُ من وجهٍ، وإن جُعِلَ مصبُّ الإنكار على جَمْعهم بينَ الأمرَين - والجمعُ على كلِّ
حالٍ أدخَلُ من التفرُّد بواحدٍ - صح الإضراب، فكأنه قيل: دَعْ تحدِّيهم وإلزامَهم،
فإنَّهم لا يستأهلون الخطابَ؛ لأنَّهم مقلِّدون متهافتون في الأمر لا عن خبرٍ وحِجّى.
وقد ذكَرَ الزمخشريُّ في هذا المقامِ ثلاثةَ أوجه(٢):
الوجهُ الأول: أنَّ التقدير: أم كذَّبوا وقالوا: هو مفترَى، بعد العلم بإعجازه
عناداً، بل كذَّبوا به قبلَ أنْ يأتيَهم العلمُ بوجهِ إعجازه أيضاً، فهم مستمرُّون على
التكذيب في الحالَين، مذمُومون به مَوسُومُون برذيلتَي التقليد والعناد، جامعون
بينهما بالنسبة إلى وقتَين.
ووجَّهَ ذلك بأنَّ (بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعِلْمِه)) صريحٌ في تكذيبهم قبل العلم
بوجهِ الإعجاز، و((لمَّا يأتهم تأويله)) يدلُّ على امتداد هذا التكذيب إلى مجيء
التأويل المنتظر بالنسبة إلى تكذيبهم قبلُ، لا بالنسبة إلى زمان الإخبار، فإنَّ التأويل
أيضاً واقعٌ، وحينئذٍ إمَّا أنْ يكونَ التكذيبُ قد زال فلا يتوجَّه عليهم الذُّ بالتكذيب
الأول، وإمَّا أن يكون مستمرّاً، وهو الواجب ليصحَّ كونُه وارداً ذمّاً لهم بالتسرُّع إلى
التكذيب الذي هو منطوقُ النصِّ، فيجبُ أنْ يكونَ العطفُ على قوله سبحانه: (أَمَ
(١) وصدره: أرى العنقاءَ تكبرُ أن تُصادا، والبيت لأبي العلاء المعري، وهو في شروح سقط
الزند ٥٥٣/٢.
(٢) ينظر الكشاف ٢٣٨/٢.

سُولُلُونَ
١٤٤
الآية : ٣٩
يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ) ويكون ذلك لبيان أنَّهم كذَّبوا عن علم، وهذا لبيان تكذيبهم قبلَه
أيضاً، ويكون الجهتان منظورتَين، وأنَّهم مذمومون فيهما .
والحاصل أنَّ ((أم يقولون افتراه)) لا مِريّةً فيه أنَّه تكذيبٌ بعد العلم؛ لمكان الأمر
بعده، لكن لمَّا جُعلَ التوقُّع المفاد بـ ((لمَّا)) لعِلْمِ الإعجاز لَزِمَ أنْ يكونَ بالنسبةِ إلى
حالهم الأولى، وهو التكذيبُ قبلَ العلم، فإنَّ النبيَّ بَِّ كان يتوقَّعُ زوالَه بالعلم،
ويكون معنَى المبالغة في ((لمَّا)) الإشعارَ باستغراق الوقت للتكذيب إلى زمان التأويلٍ
المنتَظَّرِ الواقع الذي كذَّبوا فيه عناداً وبَغْياً .
الوجه الثاني: حَمْلُ التأويل على المعنى الثاني الذي ذكرناه، والمعنَى: بل
سارَعُوا إلى التكذيب قبل الإحاطة بعلمه ليعرفوا إعجازَ نَظْمِه، وقبل(١) إتيانِ التأويلِ
المنتظر، وهو ما يَؤُولُ إليه من الصِّدق في الإخبار بالمغيَّبات. والمقصودُ من هذا
ذُّهم بالتسارُع إلى التكذيب من الوجهَين، لكنْ لمَّا كان مع الوجهَين علمُ ما يتضمَّنه
لو يدَّبروا، لم يكن فيه شيءٌ منتظرٌ، والثاني لمَّا لم يكن كذلك كان فيه أمرٌ منتظرٌ،
وأتَى بحرف التوقُّع دليلاً عن أنَّ هذا المنتظرَ كائنٌ، وسيظهر أنَّهم مُبطلون فيه أيضاً
كالأول، ولا نظرَ إلى أنَّهم مذمومون حالتَي العناد والتقليد، بل المقصودُ کمالٌ
إظهار الإلزام بأنَّه مفروٌ عنه مع أمثالهم للتهافُت المذكور.
الوجه الثالث: أنْ ((أمْ يقولون افتراه)» ذٌّ لطائفة كذَّبوا عن علم، وهذا ذٌّ لأُخرَى
كَذَّبَت عن شكِّ، ولمَّا وُجد فيما بينهم القسمان أسنَدَ الكلَّ إلى الكَلِّ، وليس بِدعاً في
القرآن، والغرضُ من الإضراب تعميمُ التكذيبِ، وأنه كان الواجب على الشاهِ
التوقفَ لا التسرُّعَ إلى التكذيب، ومعنَى التوقّع أنَّه سيزول شكُهم فيُسْلِم(٢) بعضُهم
ويبقى بعضٌ على ما هو عليه، والآيةُ ساكتةٌ عن التفصيل ناطقةٌ بزوال الشكِّ،
ولا خفاءَ أنَّ الشاًّ ينتظر، وكذلك كان ێ یتوقَّعُ زوال شگھم. انتھی.
ولا يخفَى أنَّ ما نقلناه(٣) أوَّلاً أَولَى بالقبول(٤) عند ذوي العقول.
(١) في (م): وقيل، وهو تصحيف.
(٢) في (م): فسيعلم.
(٣) في (م): نقلنا.
(٤) قوله: بالقبول، ليس في الأصل.

الآية : ٣٩
١٤٥
سُوَ لُ كُونَ
وأُورد على دعوَى أنَّ ((أم يقولون افتراه)) تكذيبٌ بعد العلم، أنَّها ناشئةٌ من عدم
العلم، وما سيقَ لإثباتها في حيِّ المنع، فإنَّ الإلزام بعد التحدِّي وذلك القولُ قبلَه،
وكونُه مسبوقاً بالتحدِّي الوارد في سورة البقرة(١) يردُّه أنَّها مدنيةٌ وهذه مكيةٌ.
نعم ربما يقال في الاستدلال على كون ذلك القولِ بعدَ العلم بوقوعٍ حكايته في
النظم الكريم بعدَ حكاية الإشارة إلى مضمونه بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
لِقَآَنَا أَنْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، وردّه بما سمعتَه هناك حَسْبَما قَرَّره
الجمهور.
وبيانُ ذلك: أنَّهم نُقل عنهم أولاً الإشارةُ إلى نسبة الافتراء إلى سيد
الصادقين وَّه، ثم نُقل عنهم التصريحُ بذلك، والظاهر أنَّ الأمرَ حسبما نُقل لكثرة
وقوع التصريح بعد الإشارة، وقد تخلَّل ردُّ ما أشاروا إليه في البين، فيحتمل أنَّهم
عقلوه وعلموا الحقَّ، لكنهم لم يقرُّوا به عناداً وبغياً فصرَّحوا بما صرَّحوا، فيكونُ
ذلك منهم بعد العلم، ولِتَرَفِّيهم من الإشارة إلى التصريح ترقّى في إلزامهم، فإنَّ هذا
التحدِّي أظهرُ في الإلزام مما تقدَّم كما هو ظاهر، لكنْ للمناقشة في هذا مجال.
ويخطر بالبال أنَّه يحتمل أنْ يكونَ الإضراب عن ذمِّهم بالتكذيب بالقرآن إلى
ذمِّهم بالمسارعة إلى تكذيب ما لم يحيطوا به علماً، وأنَّ الوقوف على العلم به
متوقَّعٌ سواءٌ كان قرآناً أو غيره، فـ ((ما)»(٢) عامَّةٌ للأمرَين، ويدخل القرآنُ في العموم
دخولاً أوليّاً، ولعله أَولَى مما قيل: إنَّه إضرابٌ عن مقدَّر، وينبغي أنْ تسمَّى ((بل))
هذه فصيحةٌ، فإنَّ المعنى: فما أجابوا، أو ما قدروا أن يأتوا، بل كذبوا .. إلخ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ تكذيبهم من غير تدبُّرٍ وتأمُّلٍ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي:
فعلوا التكذيبَ، أو كذَّبوا أنبياءهم فيما أَتَوا به.
﴿فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِينَ ﴾﴾ خطابٌ لسيد المخاطَبين ◌َّهِ،
ويحتمل أنْ يكونَ عاماً لكلِّ مَن يَصلُح له. والمراد بـ ((الظالمين)): الذين مِن قَبْلِهم،
ووُضِعَ المُظْهَر موضع المضمَرِ للإيذان بكون التكذيبِ ظلماً، وبعلِّيته لإصابةِ
(١) الآية (٢٣) منها.
(٢) بعدها في الأصل: به.

سُورَةُلُونس
١٤٦
الآية : ٤٠
ما أصابهم من سوء العاقبةِ، وبدخول هؤلاء الذين حُكي عنهم ما حُكي في زمرتهم
جرماً ووعيداً دخولاً أوليّاً .
والفاءُ لترتيبٍ ما بعدها على محذوفٍ ينساقُ إليه الكلام، أي: فأهلكناهم
فانظر .. إلخ.
و (كيف)) في موضع نصبٍ خبرِ ((كان))، وقد يُتصرَّف فيها فتوضعُ موضعَ
المصدر، وهو: كيفية، ويخلع عنها معنى الاستفهام بالكلية، وهي هنا تَحْتمِلُ
ذلك، وكذا قولُ البخاريِّ رَبّه: كيف كان بدءُ الوحي(١)، كما قال السمين(٢).
ونُقِلَ عنه أنَّ فعل النظر معلَّقٌ عن العمل لمكان ((كيف))؛ لأنَّهم عاملوها في كلِّ
موضعٍ معاملةَ الاستفهام المحض(٣).
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وصفٌ لحالهم بعد إتيانِ التأويل المتوقَّع - كما قيل - إذ
حينئذٍ يُمكن تنويعُهم إلى المؤمن به وغيرِ المؤمن به، ضرورةً امتناعِ الإيمانِ بشيءٍ
من غير علمٍ به، واشتراكِ الكلِّ في التكذيب قبل ذلك، فالضمير للمكَذِّبين.
ومعنى الإيمانِ به إمَّا الاعتقاد بحقِّيَّته فقط، أي: منهم مَن يُصدِّق به في نفسه
أنَّه حقٌّ عند الإحاطةِ بعلمه وإتيانٍ تأويله، لكنه يُعاند ويكابِر. وإما الإيمان
الحقيقي، أي: منهم مَن سيؤمنُ به ويتوبُ عن الكفر.
﴿وَمِنْهُمْ مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أي: لا يصدِّقُ به في نفسه، كما لا يُصدِّق به
ظاهراً، لفَرْطِ غَباوَتِه المانعةِ عن الإحاطة بعلمه كما ينبغي، أو لسخافةِ عَقْلِه
واختلالِ تمييزه، وعجزِه عن تخليص علومه عن معارضة الظنونِ والأوهام التي
أَلِفَها، فيبقَى على ما كان عليه من الشكِّ، أو لا يؤمنُ به فيما سيأتي، بل يموت
على كفره مُعانداً كان أو شاّاً.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: بكِلا الفريقَين على الوجه الأول من التفسير،
لا بالمعاندين فقط؛ لاشتراكهما في أصل الإفساد المستدعي لاشتراكهما في الوعيد
(١) الباب الأول في صحيح البخاري.
(٢) في الدر المصون ٢٠٦/٦ نقلاً عن المحرر الوجيز ١٢١/٣.
(٣) الدر المصون ٢٠٥/٦ -٢٠٦.

التفسير الإشاري (٢١-٤١)
١٤٧
سُؤَلُّ لُونِسَ
المراد من الكلام، أو بالمصرِّين الباقين على الكفر على الوجه الثاني منه.
﴿وَإِن كَذَّبُوَكَ﴾ أي: أصرُّوا على تكذيبك بعد إلزام الحجَّة، وأُوِّل بذلك لأنَّ
أصل التكذيب حاصلٌ، فلا يصحُّ فيه الاستقبال المفاد بالشرط، وأيضاً جوابه وهو
قوله سبحانه: ﴿فَقُل ◌ِّيِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ المرادُ منه التبرُّؤ والتَّخْلِيةُ، إنَّما يُناسبُ
الإصرارَ على التكذيب واليأسَ من الإجابة، والمعنَى: لي جزاءُ عملي ولكم جزاء
عملکم کیفما كانا.
وتوحيدُ العمل المضاف إليهم باعتبار الاتِّحاد النوعيِّ، ولمراعاة كمال المقابلة
كما قيل.
وقولُه سبحانه: ﴿أَنتُم بَرِيِّئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَأْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (١)﴾ تأكيدٌ لِمَا أفاده
لامُ الاختصاص من عدم تعدِّي جزاء العمل إلى غير عامله، أي: لا تُؤاخذون بعملي
ولا أُؤْاَخَذُ بعملكم، وعلى هذا فالآيةُ محكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ بآية السيف، لِمَا أنَّ مدلولها
اختصاصُ كلِّ بأفعاله وثمراتِها من الثواب والعقاب، وآيةُ السيف لم تَرفع ذلك.
وعن مقاتل والكلبيِّ وابن زيد: أنَّها منسوخةٌ بها، وكأنَّ ذلك لمَّا فهموا منها
الإعراضَ وتركَ التعرُّض بشيءٍ.
ولعلَّ وجهَ تقديمٍ حُكم المتكلم أولاً وتأخيرِه ثانياً، والعكسٍ في حكم
المخاطبين، ظاهرٌ مما ذكرناه في معنى الآية. فافهم.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا
لَهُم ◌َكْرُ فِ ءَايَانِنَّأَ﴾ وهو احتجابُهم عن قبول صفاتِ الحقِّ؛ وذلك لأنَّ بتوقُّر النعم
الظاهرةِ والمراداتِ الجسمانية يقوَى ميلُ النفس إلى الجهة السفلية، فتحتَجبُ عن
قبول ذلك، كما أنَّه بأنواع البلاء تنكسرُ سَوْرَةُ النفس، ويتلطّفُ القلب، ويحصلُ
الميلُ إلى الجهة العلويَّة، والتهيُّؤُ لقبول ذلك.
﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ بإخفاءِ القهرِ الحقيقيِّ في هذا اللطف الصُّورِيِّ ﴿إِنَّ رُسُلَنَا
يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ في ألواح الملكوت.

سُورَةٌ تُونشر
١٤٨
التفسير الإشاري (٢١-٤١)
﴿هُوَ اَلَّذِىِ يُسَتِرَّكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَعْرِ﴾ أي: يُسيِّر نفوسَكم في بَرِّ المجاهدَات،
وقلوبَكم في بحر المشاهدَات.
وقيل: يسيِّر عقولَكم في بَرِّ الأفعال، وأرواحَكم في بحر الصفات والذات.
﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِي الْقُلْكِ﴾ أي: فلكِ العناية الأزلية ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج ◌َطَيِّبَةِ﴾
وهي ريحُ صَبَا وِصَالِه سبحانه ﴿وَفَرِجُواْ بِهَا﴾ لإيذانها بذلك، وتعطّرها بشذا دیارِ
الأُنس ومرابع القُدْسِ :
تَقَرَّبْتَ منَّا زادَ نَشْرُكَ طِيْبا
أَلَا يا نسيمَ الريح مالَكَ كلَّما
فأعطتكَ ريَّاها فجئتَ طَبيبا(١)
أظنُّ سُلَیمی خُبِّرَتْ بسقامنا
﴿ََّتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ وذلك عاصفُ القَهْرِ وأمواجُ
صفاتِ الجلال، وهذه سنَّةٌ جاريةٌ في العاشقين، لا يستمرُّ لهم حالٌ ولا يدومُ لهم
وصالٌ، ولله درُّ من قال:
شراب کریح المسكِ شیبَ بهِ الخمرُ
فَبِتْنا على رَغْم الحسود وبيننا
وقلتُ لِلَيْلِي ظُلْ فَقَد رَقَدَ البدرُ
فوسَّدتُها كفِّي وبتُّ ضَجيْعَها
وأيُّ نعيمٍ لا يُكَدِّرُهُ الدهرُ (٢)
فلمَّا أضاءَ الصبحُ فرَّق بَيْننا
﴿وَنُواْ أَنَّهُمْ أُحِطَ بِهِمٌ﴾ أي: أنَّهم مِن الهالكين في تلك الأمواج ﴿رَعَوَّا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بالتبرِّي من غير الله تعالى، قائلين: ﴿لَيْنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَتَكُونَ
مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ لك بك.
﴿فَلَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو تجاوزُهم عن حدِّ العبودية
بسُكْرِهم في جمال الربوبية، وذلك مثلُ ما عرا الحلَّاجَ وأضرابَه، ثم إنَّه سبحانه
نَبَّههم بعدَ رجوعهم من السُّكْرِ إلى الصَّحْوِ على أنَّ الأمر وراءَ ذلك، بقوله جلَّ
وعلا: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: إنَّه يرجعُ إليكم ما ادَّعيتُم لا إليه
تعالى، فإنَّه سبحانه الوجود(٣) المطلق حتى عن قيدِ الإطلاق، كذا قالوا.
(١) البيتان في المدهش لابن الجوزي ص٤٦٨ .
(٢) الأبيات لصريع الغواني، وهي في ديوانه ص٣١٧.
(٣) في (م): الموجود.

١٤٩
التفسير الإشاري (٢١-٤١)
وقال ابنُ عطاء في الآية: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا﴾ مراكبَ المعرفة، وجرَت بهم رياحُ
العناية، وطابَت نفوسُهم وقلوبُهم بذلك، وفرحوا بتوجُّههم إلى مقصودهم ﴿جَاءَتُهَا
رِيعُ عَاصِفٌ﴾ أَفْنتْهم عن أحوالهم وإرادتهم ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّواْ أَهُمْ
أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: تيقَّنوا أنَّهم مأخوذون عنهم، ولم يبق لهم ولا عليهم صفةٌ
يرجعون إليها، وأنَّ الحقَّ خصَّهم من بين عبادِه بأنْ سَلَبهم عنهم ﴿دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ أَلِينَ﴾ حيث صفَّى سبحانه أسرارَهم، وطهَّرها مما سواه ﴿فَلَّاً أَنْجَنَهُمْ﴾ أي:
ردَّهم إلى أوصافهم وأشباحهم، رجعوا إلى ما عليه عوامُّ الخلق من طلَب المعاش
للنفوس. انتهى.
وكأنَّه حمل البغيَ على الطلب، وضمَّنه معنَى الاشتغال، أي: يطلبون في
الأرض مشتغلينَ بغير الحقِّ سبحانه، وهو المعاشُ الذي به قوامُ أبدانهم.
ويُشْكِلُ أمرُ الوعيدِ المنبئ به ﴿فَنُِّئُكُمْ﴾ إلخ على هذا التأويل وما قبله؛ لأنَّ
ما يقع في السكر لا وعيدَ عليه، وكذا طلبُ المعاش. وانظر هل يصحُّ أنْ يقال: إنَّ
الأمر من باب: حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقرَّبين؟ .
ثم إنَّه سبحانه مثَّل الحياةَ في سرعة زوالها وانصرام نعيمها غِبَّ إقبالها واغترار
صاحبها بها بما أشار إليه سبحانه بقوله جلَّ وعلا: ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ﴾ إلخ، وفيه إشارةٌ
إلى ما يَعْرِض - والعياذُ بالله تعالى - لمن سبقَت شقاوتُه في الأزل من الحَوْرِ بعد
الكَوْرِ، فبينما تراه وأحوالُه حالِيَّةٌ، وأعوامُه عن شوائب الكَدَر خاليةٌ، وغصونُ أُنْسِه
متدلِّيّةٌ، ورياضُ قُرْبِهِ مُؤْنِقةٌ، قَلَبَ الدهرُ له ظهْرَ المِجَنِّ، وغزاه بجيوشِ المحَنِ،
وهبَّت على هاتيك الرياض عاصفاتُ القضاء، وضاقت عليه فسيحاتُ الفضاء،
وذهَبَ السرورُ والأنس، وجُعل حصيداً كأن لم يَغْنَ بالأمس، وأنشد لسانُ حاله:
تبكي (١) الأحبةَ حسرةً وتَشَوُّقا
قِف بالديار فهذه آثارُهم
عن أهلها أو صادقاً أو مُشْفِقا
كم قد وَقفتُ بها أُسائلُ مُخيِراً
فارقْتَ مَن تَهَوى فعزَّ الملتقَى (٢)
فأجابني داعي الهوى في رسمها
(١) في (م): نبكي.
(٢) حلية الأولياء ٣٤٨/١٠، وتاريخ بغداد ٤٣٣/٤، وطبقات الصوفية ص٢٦٤.

سُؤَلُ كُونُسَ
١٥٠
التفسير الإشاري (٢١-٤١)
﴿وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ وهو العالَمُ الروحانيُّ السليمُ من الآفات ﴿وَيَهْدِى
مَن يَشَّهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا شُعوبَ فيه، وهو طريقُ الوحدة.
وقد يقال: يدعو الجميعَ إلى داره، ويَهدي خواصَّ العارفين إلی وِصاله، أو:
يدعو السالكينَ إلى الجنة، ويَهدي المجذوبينَ إلى المشاهدةِ.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وهم خواصُ الخواصِّ ﴿اَلْمُسْنَ﴾ وهي رؤيةُ الله تعالى
﴿وَزِيَادَةٌ ﴾ وهي دوامُ الرؤية. أو: للذين جاؤوا بما يَحسُنُ به حالُهم من خيرٍ قلبيٍّ
أو قالبيٍّ، المثوبةُ الحسنَى من الكمال الذي يُفاضُ عليهم، وزيادةٌ في استعداد قبول
الخیر إلى ما كانوا عليه قبلُ.
وقد يقال: ((الحسنى)) ما يقتضيه قربُ النوافل، والزيادة ما يقتضيه قربُ
الفرائض.
﴿وَلَا يَهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ﴾ أي: لا يُصيبُهم غبارُ الخجالة ولا ذلُّ الفرقة.
﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ﴾ التي تقتضيها أفعالُهم ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ .
ثم ذكر سبحانه حالَ الذين أساؤوا بقوله جلَّ شأنه: ﴿وَلَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ إلخ
وأشار إلى أنه على عكس حالٍ أولئك الكرام.
﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ في المجمع الأكبر ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُوا﴾ منهم، وهم
المحجوبون الواقفون مع الغير بالمحبةِ والطاعة ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ﴾ قِفُوا جميعاً
وانتظروا الحكم.
﴿فَيَّنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: قَطَعْنا الأسباب التي كانت بينهم ﴿وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُ
إِنَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بل كنتم تعبدون أشياءَ اخترعتُمُوها في أوهامكم الفاسدة. ﴿فَكَفَى
بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ﴾ لم نطلبها منكم لا بلسان حالٍ
ولا بلسان قالٍ.
﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الموقف ﴿تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: تذوقُ وتختبرُ ﴿مّاً
أَسْلَفَتْ﴾ في الدنيا ﴿وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ المتولِّي لجزائهم بالعدل والقِسْط
﴿وَضَلَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من اختراعاتهم وتَوهُّماتهم الكاذبة وأمانيهم الباطلة.

التفسير الإشاري (٢١-٤١)
١٥١
سُولُونِسَ
ثم ذكر سبحانه مما يَدُلُّ على التوحيد ما ذكر، والرزقُ من السماء عند العارفين
هو رزقُ الأرواح، ومن الأرض رزقُ الأشباح، والحيُّ عندهم العارفُ، والميتُ
الجاهل.
﴿وَمَا يَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا لَنَّا﴾ ذٌّ لهم بعَدَمِ العلم بما يجبُ لمولاهم، وما يمتنع
وما يجوز، ولا يكادُ ينجو من هذا الذمِّ إلا قليلٌ، ومنهم الذين عرفوه جلَّ شأنه به
لا بالفكر، بل قد يكاد يقصر العلم عليهم، فإنَّ أدلَّةَ أهل الرسوم من المتكلِّمين
وغيرِهم متعارضةٌ، وكلماتهم متجاذبةٌ، فلا تكاد تَرَى دليلاً سالماً من قيلٍ وقال،
ونزاعٍ وجدال، والوقوفُ على علم من ذلك مع ذلك أمرٌ أبعدُ من العيُّوق، وأعزُّ مِن
بَيَضَ الأنُوق:
وسرَّحتُ طَرْفي بين تلك المعالم
لقد طُفْتُ في تلكَ المعاهدِ كلِّها
على ذقنٍ أو قارعاً سنَّ نادمِ(١)
فلمْ أَرَ إلا واضعاً كفَّ حائرٍ
فَمَن أرادَ النجاةَ فليفعلْ ما فعل القومُ ليَحْصُلَ له ما حَصَلَ لهم، أو لا فليتّبع
السَّلفَ الصالح فيما كانوا عليه في أمر دينهم، غيرَ مُكترثٍ بمقالات الفلاسفة ومَن
حذا حَذْوَهم من المتكلِّمين، التي لا تزيدُ طالبَ الحقِّ إلا شكّاً.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيِّهِ﴾ من اللوحِ
المحفوظِ ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ﴾ الذي هو الأمُّ، أي: كيف يكون مختلفاً وقد أثبتَ قبلَهَ
في كتابين مُفصَّلاً ومجملاً.
﴿بَ كَذَّبُواْ بِمَا لَ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ﴾ ذمّ لهم بالمسارَعةِ إلى تكذيب
الحقِّ قبل التأمُّلِ والتدبرِ والاطلاع على الحقيقة، وهذه عادةُ المنكرين أهلِ الحجاب
مع كلمات القوم، حيث إنَّهَم يُسارعون إلى إنكارها قبل التأمُّل فيها،
وتدبُّرِ مضامينها، والوقوفِ على الاصطلاحات التي بُنْيَتْ عليها، وكان الحرِيُّ بهم
التثبتُ والتدبُّرُ. والله تعالى ولي التوفيق.
(١) البيتان لابن سينا كما في وفيات الأعيان ١٦١/٢، وقد سلفا ٣٠٧/٤.

سُوَلاتُونس
١٥٢
الآية : ٤٢
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكٌ﴾ بيانٌ لكونهم مطبوعاً على قلوبهم بحيث لا سبيل إلى
إيمانهم، ((ومَن)) مبتدأ خبرُه مقدَّمٌ عليه، وهو إمَّا موصولٌ أو نكرةٌ موصوفةٌ،
والجملةُ بعده إمَّا صلةٌ أو صفةٌ، وجُمِعَ الضمير الراجع إليه رعايةً لجانبِ المعنَى،
كما أُفرد فيما بعدُ رعايةً لجانب اللفظ، ولعل ذلك للإيماءِ إلى كثرة المستمعين بناءً
على عدم توقُّف الاستماع على ما يتوقَّفُ عليه النظر من الشروط العادية أو العقلية،
والمعنَى: ومِن المكذِّبين الذين - أو أُناسٌ - يُصغون إلى القرآن، أو إلى كلامك إذا
علَّمتَ الشرائع، وتَصِلُ الألفاظُ لآذانهم، ولكنْ لا ينتفعون بها ولا يقبلونها،
كالصُّمِّ الذين لا يسمعون.
﴿أَفَنْتَ تُتْمِعُ اَلُّمَّ﴾ أي: تقدرُ على إسماعهم ﴿وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي:
ولو انضمَّ إلى صَمَمِهم عدمُ عقلهم؛ لأنَّ الأصمَّ العاقل ربَّما تفرَّس إذا وصل إلى
صِماخه دويٌّ، وأمَّا إذا اجتمع فقدانُ السمع والعقلِ فقد تمَّ الأمرُ.
وإنَّما جُعلوا كالصُّمِّ الذين لا عقْلَ لهم مع كونهم عقلاء؛ لأنَّ عقولَهم قد
أُصيبَت بآفةِ معارضةِ الوهم لها، وداءِ متابعة الإلْفِ والتقليد، ومِن هنا تَعذَّر عليهم
فهمُ معاني القرآن والأحكام الدقيقة، وإدراكُ الحِكَم الرشيقة الأنيقة، فلم ينتفعوا
بسَرْدِ الألفاظ عليهم غيرَ ما تنتفعُ به البهائم من كلام الناعق.
وتقديمُ المسند إليه في ((أفأنت)) للتقوية عند السكاكي(١)، وجَعَله العلَّامةُ
للتخصيص، ففي تقديم الفاعل المعنويِّ وإيلائه همزةَ الإنكارِ الدلالةُ على أنَّ
نبيَّ الله ◌َّيَ تَصوَّر في نفسه - مِن حِرْصِه على إيمان القوم - أنَّه قادرٌ على الإسماع.
أو نُزِّل مَنزلةَ مَن تَصوَّر أنَّه قادرٌ عليه، وأنَّه تعالى شأنُه نفَى ذلك عنهِوَِّ وأثبتَه
لنفسه سبحانه على الاختصاص، كأنَّه قيل: أنتَ لا تقدرُ على إسماع أولئك، بل
نحن القادرون عليه. كذا قيل، وفي القلب منه شيءٌ، ولذا اختير هنا مذهبُ
السكاكي. وجُعل إنكار الإسماع متفرِّعاً على المقدّمة الاستدراكية المطويّة المفهومة
من المقام حسبما أُشيرَ إليه، وفيه اعتبارُ كونِ الهمزة مُقدَّمةً من تأخيرٍ لاقتضائها
الصدارةَ، وهو مذهبٌ لبعضهم.
(١) مفتاح العلوم ص ١٩٥ و٢٢١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٢/٥.

الآية : ٤٣
١٥٣
سُوَلَكُونَ
وقيل: إنَّها في موضعها، وأُدخلت الفاءُ لإنكار ترتُّبِ الإسماع على الاستماع،
لكن لا بطريق العطف على فعله المذكور الواقع صلةً أو صفةً، للزوم اختلال
المعنَى على ذلك(١)، بل بطريق العطف على فعلٍ مثله، مفهومٍ من فحوَى النظم غيرِ
واقعٍ موقعه، كأنَّه قيل: أيستمعون إليك فأنت تُسمعهم، وقد يُّراد إنكارُ إمكان وقوع
الإسماع عقيبَ ذلك وترتُّبه عليه، كما يُنبئ عنه وضْعُ الصمِّ موضعَ ضميرهم
ووصفُهم بعدم العقل.
وجواب ((لو) محذوفٌ لدلالة ما قبله(٢) عليه، والجملةُ معطوفةٌ على جملةٍ
مقدَّرةٍ مقابلة لها، والكلُّ في موضع الحال من مفعول الفعل السابق، أي: أفأنت
تُسمع الصَّ لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون، على معنَى: أفأنت تُسمعهم على
كلِّ حالٍ مفروضٍ، ويقال لـ (لو)) هذه: وصلية، وذلك أمرٌ مشهور.
واستشكل الإتيان بها هنا بأنَّ الأصل فيها أنْ يكون الحُكم على تقدير تحقق
مدخولها ثابتاً، كما أنَّه ثابتٌ على تقديرٍ عَدَمِه، إلا أنَّه على تقدير عدمه أَولَى،
والأمرُ هنا بالعكس.
وأُجيبَ بأنَّ اتِّصال الوصلِ بالإثبات جارٍ على المعروف، فإنَّ تقديره: تُسمعهم
ولو كانوا لا يعقلون، وظاهرٌ أنَّ إسماعهم مع العقل بطريق الأَولَى، والاستفهامُ إثباتٌ
بحسب الظاهر، فإنْ نُظِرَ إليه فذاك، وإنْ نُظِرَ إلى الإنكار وأنَّه نَفْيٌ بحسب المعنى اعتُبر
أنَّه داخلٌ على المجموع بعد ارتباطه، وكذا يقال فيما بعدُ، فتأمَّل فيه ولا تغفل.
﴿وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ويُعاينُ دلائلَ نُبوَّتك الواضحة، ولكن لا يهتدي بها
كالأعمى ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ﴾ تقدرُ على هدايتهم ﴿وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ
أي: ولو انضمَّ إلى عدم البصر عدمُ البصيرة، فإنَّ المقصود من الإبصار هو الاعتبارُ
والاستبصار، والعمدةُ في ذلك هي البصيرة، ولذلك يَحدِسُ الأعمى المستَبْصِرُ
وَيَتَفظَّن لِمَا لا يُدركُ البصير الأحمقُ، فلا يقال: كيف أُثبِتَ لهم النظر والإبصارُ
أولاً ونُفي عنهم ثانياً .
(١) لأنه سواء كان هذا الفعل صلة أو صفة فالعطف عليه يستدعي دخول المعطوف في حيِّزه،
وتوجّهَ الإنكار عليه من تلك الحيثية، ولا ريب في فساده. تفسير أبي السعود ١٤٨/٤ .
(٢) في الأصل: قبل.

١٥٤
الآية : ٤٤
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ﴾ أي: لا يَنقُصُهم ﴿شَيْئًا﴾ مما نيطَت به مصالحهم
وكمالاتُهم، من مبادي الإدراكات وأسبابِ العلوم، والإرشادِ إلى الحقِّ بإرسال
الرسل عليهم السلام ونَصْبِ الأدلة، بل يُوفِيهم ذلك فضلاً منه جلَّ شأنه وكرماً.
﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ أي: ينقصون ما ينقصون من ذلك لعدم
استعمال مشاعرهم فيما خُلقَت له، وإعراضِهم عن قبول الحقِّ، وتكذيبهم للرسل،
وتَرْكِ النظر في الأدلة، فـ ((شيئاً) مفعولٌ ثانٍ لـ ((يظلم)) بناءً على أنَه مُضمَّنٌ معنَى
ينقُصُ كما قيل، أو أنَّه بمعناه من غير حاجةٍ إلى القول بالتضمين كما نقول، وأنَّ
النقص يتعدَّى لاثنين، كما يكون لازماً ومتعدِّياً لواحد.
ولم يُذكر ثاني مفعولي الثاني لعدم تعلُّقِ الغرض به. وتقديمُ المفعول الأول
يحتملُ أنْ يكون لمجرَّد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة، من غير قصدٍ إلى قصْرٍ
المظلومية عليهم على رأي مَن لا يَرَى التقديمَ موجباً للقصر، كابنِ الأثير(١) ومَن
تبعه، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١].
ويحتمل أنْ يكونَ لقَصْرِ المظلومية على رأي من يَرى التقديمَ موجباً لذلك،
كالجمهور ومَن تبعهم. ولعل إيثارَ قَصْرِها على قَصْرِ الظالمية عليهم للمبالغة في
بطلان أفعالهم وسخافةِ عقولهم، على أنَّ قَصْرَ الأولى عليهم مستلزمٌ - كما قيل - لِمَا
يقتضيه ظاهرُ الحال من قَصْرِ الثانية عليهم، فاكتفَى بالقصر الأول عن الثاني مع
رعاية ما ذكر من الفائدة.
وجوَّز بعضُهم كونَ ((أنفسهم)) تأكيداً للناس، والمفعولُ حينئذٍ محذوفٌ، فيكونُ
بمنزلة ضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنْ كَنُواْ هُمُ الَِّمِينَ﴾
[الزخرف: ٧٦] في قَصْر الظالمية عليهم.
والتعبيرُ عن فِعْلِهم ذلك بالنقص مع كونه تفويتاً بالكلِّية لمراعاة جانبٍ قرينه.
وصيغةُ المضارع للاستمرار نفياً وإثباتاً، أمَّ الثاني فظاهرٌ، وأمَّا الأول، فلأنَّ حرفَ
النفي إذا دخل على المضارع يفيد بحسب المقام استمرارَ النفي لا نفي الاستمرار
كما مرَّ غيرَ مرةٍ.
(١) في المثل السائر ٣٩/٢.

الآية : ٤٤
١٥٥
سُؤَدَةُ تُونِسَ
وقيل: المعنَى: إنَّ الله لا يظلمُ الناسَ بتعذيبهم يوم القيامة شيئاً من الظلم،
ولكنَّ الناس أنفسَهم يظلمون ظلماً مستمرّاً، فإنَّ مباشرتَهم المستمرَّة للسيئات
الموجبةِ للتعذيب عينُ ظلمهم لأنفسهم، فالظلمُ على معناه المشهور، و((شيئاً»
مفعولٌ مطلقٌ، والمضارعُ المنفيُّ للاستقبال، والمثبَتُ للاستمرار.
ومساقُ الآية الكريمة على الأول لإلزام الحَجَّةِ، وعلى الثاني للوعيد، وعلى
الوجهَين هي تذييلٌ لِمَا سبق. وجَعْلُها على الأول تذييلاً لجميع التكاليفِ
والأقاصيصِ المذكورة من أول السورة - وإنْ كان مُتَّجهاً - خلافُ الظاهر،
لاسيَّما وما بعدُ ليس ابتداءَ شروعٍ في قصةِ آخرين.
وقيل: معنَى الآيةِ: إنَّ الله لا يظلمُ الناسَ شيئاً بسَلْبٍ حواسِّهم وعقولهم إنْ
سَلَبها، لأنَّه تصرُّفٌ في خالص مُلكه، ولكنَّ الناسَ أنفسَهم يظلمون بإفساد ذلك
وصَرْفِهِ لِمَا لا يليقُ، وهي جوابٌ لسؤالٍ نشأ من الآية السابقة، والظلمُ فيها على
ظاهره أيضاً.
واستُدلَّ بها على أنَّ للعبد كَسْباً، وليس مسلوبَ الاختيارِ بالكلية كما ذهبَ
إليه الجبرية، والمختارُ عند كثير من المحقّقين أنَّ نفْيَ ظلم الناس عنه تعالى شأنُه
لأنَّه سبحانه جوادٌ حكيم يُفيضُ على القوابل حَسْبَ استعدادها الأزليِّ الثابت في
العلم، فما مِن كمالٍ أو نقصٍ في العبد إلا هو كمالُه أو نقصُه الذي اقتضاه
استعدادُه، كما يُرشد إلى ذلك قولُه جلَّ وعلا: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠]
وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَهَا تُؤْرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨]. وأنَّ إثبات ظلم الناس
لأنفسهم باعتبار اقتضاءِ استعدادِهم الثابت في العلم الأزليِّ ما أُفيض عليهم
مما استحقُّوا به التعذيب.
وقد ذكروا أنَّ هذا الاستعدادَ غيرُ مجعولٍ، ضرورةَ أنَّ الجَعْلَ مسبوقٌ بتعلُّق
القدرة المسبوق بتعلَّق الإرادة المسبوقِ بتعلُّق العلم، والاستعدادُ ليس كذلك؛ لأنَّه
لم يثبت العلم إلا وهو متعلِّق به، بل بسائر الأشياء أيضاً؛ لأنَّ التعلّق بالمعلوم من
ضروريات العلم، والتعلُّقُ بما لا تُبوتَ له أصلاً مما لا يُعقَلُ، ضرورةَ أنَّه نسبةٌ،
وهي لا تَتَحقَّق بدون ثبوت الطرفَين.

سُوُدَلُونَ
١٥٦
الآية : ٤٥
ولا يَرِدُ على هذا أنَّه يلزَمُ منه استغناءُ الموجوداتِ عن المؤثِّر؛ لأنَّا (١)
نقول: إنْ كان المراد استغناءَها عن ذلك نظراً إلى الموجود العِلْميِّ القديم
فالأمرُ كذلك، ولا محذورَ فيه، وإنْ كان المراد استغناءها عن ذلك نظراً إلى
وجودها الخارجيِّ الحادث، فلا نُسلِّم اللزوم. وتحقيقُ ذلك بما له وما عليه(٢)
في محلِّه.
وفي الآية على هذا تنبيهٌ على أنَّ كون أولئك المكذِّبين كما وُصفوا إنما نَشَأ عن
اقتضاءِ استعدادِهم له، ولذلك ذُمُّوا به، لا عن مَحْضٍ تقديره عليهم من غير أنْ
يكونَ منهم طلبٌ له باستعدادهم، ولعل تسميةَ التصرُّف على خلافٍ ما يقتضيه
الاستعداد لو كان ظلماً من باب المجاز وتنزيلِ المقتضي منزلةً الملك، وإلا فحقيقةُ
الظلم مما لا يصحُّ إطلاقه على تصرُّفٍ من تصرُّفاته تعالى كيف كان، إذ لا ملك
حقيقةً لأحدٍ سواه في شيءٍ من الأشياء.
ووُضع الظاهرُ في الجملة الاستدراكية موضعَ الضمير لزيادة التعيين والتقرير.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بتخفيف ((لكنْ)) ورَفْع ((الناس))(٣).
وَبَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء وهي قراءةُ حفصٍ عن عاصم(٤)، وقرأ الباقون بالنون على
الالتفات. و((يوم)) عند الأكثرين منصوبٌ بمضمرٍ، أي: اذكُر لهم - أو أَنذرهم - يومَ
نجمعُهم لموقف الحساب.
﴿كَن لَّ يَلْبَثُوا﴾ أي: كأنَّهم أُناسٌ لم يلبثوا(٥) ﴿إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّارِ﴾ أي: شيئاً
قليلاً منه، فإنَّها مَثَلٌ في غاية القِلَّة، وتخصيصُها بالنهار لأنَّ ساعاته أعرفُ حالاً من
ساعات الليل.
(١) جاء في هامش الأصل: ذهب بعض المحققين إلى أن المعلومات في العلم صادرة منه تعالى
(وبعدها كلمة غير مجودة) فلا تغفل. اهـ منه.
(٢) في الأصل: بما له وعليه.
(٣) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢١٩/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.
(٤) في الأصل: حمزة عن عاصم، وفي (م): حمزة على عاصم، والصواب ما أثبتناه، وهي
عن حفص في التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٢/٢ .
(٥) في (م): يلبسوا، وهو تصحيف.

الآية : ٤٥
١٥٧
والجملةُ في موقع الحال من مفعول («نحشرُهم»، أي: نحشرُهم مشبَّهين بمَن لم
يَلْبَثْ في الدنيا أو في البرزخ إلَّا ذلك القدرَ اليسير.
وليس المرادُ من التشبيه ظاهرَه على ما قيل، وقد صرَّح في (شرح المفتاح))(١)
أنَّ التشبيه كثيراً ما يُذكر ويُراد به معانٍ أُخَرُ تَتَرتَّب عليه. فالمرادُ إمَّا التأسُّفُ على
عدم انتفاعهم بأعمارهم، أو تمنّ أنْ يطولَ مُكثُهم قبل ذلك حتى لا يشاهدوا
ما شاهدوه من الأهوال، فمآلُ الجملة في الآخرة: نحشرُهم متأسِّفين أو متمنِين
طول مكثهم قبل ذلك.
ويجوزُ أنْ يراد: تحشرُهم مُشبَّهين في أحوالهم الظاهرة للناس بمن لم يلبث في
الدنيا ولم يتقلَّب في نعيمها إلا يسيراً، فإنَّ مَن أقام بها دهراً وتمتَّع بمتاعها لا يخلو عن
بعض آثارٍ نعمةٍ وأحكام بهجةٍ منافيةٍ لما بهم من رثاثة الهيئة وسوء الحال، وإليه ذهب
بعضُهم، والظاهرُ أنَّه تكلَّفٌ لإبقاء التشبيه على ظاهره، والأول أَولَى كما لا يخفَى.
وأيّاً ما كان ففائدةُ التشبيه كنارٍ على علم، والعجبُ ممن لم يَرَها فقال: الظاهرُ
أنَّ («كأنْ)) للظنِّ.
وادَّعى البعض(٢) أنَّ فائدةَ التقييد على تقدير أنْ يرادَ اللبثُ في البرزخ بيانُ
كمال يُسْرِ الحشر بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد دهرٍ طويلٍ، وإظهارُ بطلان
استبعادهم وإنكارهم بقولهم: ﴿أَِذَا مِثْنَا وَكُنَّا تُرَبًا وَعِظَمَا أَوْنَا لَمَبْعُونُونَ﴾
[المؤمنون: ٨٢]، ونحو ذلك، أو بيانُ تمام الموافقةِ بين النشأتين في الأشكال
والصُّورِ، فإنَّ قلَّةَ اللُّبث في البرزخ من موجبات عدم التبدُّلِ والتغيُّر. ولعلَّ مآل
الحال على هذا: ويوم نحشرُهم على صورهم وأشكالهم غيرَ متغيِرين.
وجوَّزَ أبو عليٍّ(٣) كونَ الجملة في موضع الصفة لـ ((يوم))، والعائدُ محذوفٌ
تقديره: كأن لم يلبثوا قبله، أو لمصدرٍ محذوفٍ والعائدُ كذلك، أي: حشراً كأن لم
يلبثوا قبله.
(١) كما في حاشية الشهاب ٦/ ٣٣، وعنه نقل المصنف.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٦/ ١٥٠ .
(٣) هو الفارسي، وكلامه في مجمع البيان ٥٤/١١ -٥٥ .

سُدَُّ لُونِسَ
١٥٨
الآية : ٤٥
ورُدّا (١) بأنَّ مثل هذا الرابط لا يجوزُ حذفُه، والأولُ بأنَّ المراد بالظرف
المضاف - وهو الموصوف - يومُ القيامة، وهو يومٌ معيَّنٌ، وتقدير الكلام: يومَ
حَشْرِهِ، أو: يومَ حَشْرِنا، فيكون الموصوفُ معرفةً، والجملُ نكرات ولا تُنعت
المعرفة بالنكرة.
وأُجيبَ بأنَّ المنع من جواز حذف مثل ذلك الرابط في حيِّز المنع، وبأنَّ الجمل
التي تضاف إليها أسماء الزمان قد يقدَّر حلُّها إلى معرفةٍ، فيكونُ ما أُضيف إليها
معرفةً، وقد يقدَّر حلُّها إلى نكرة، فيكون ذلك نكرة، ولعل أبا عليٍّ يتكلَّف لا عتبارٍ
حلِّها إلى نكرة، ويكونُ الموصوف هنا نكرةً عنده، فيرتفعُ محذورُ نعتِ المعرفة
بالنكرة.
وأنت تعلمُ أنَّ الجواب إنما يدفعُ البطلانَ لا غير، فالحقُّ ترجيحُ الحالية.
وقولُه سبحانه: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْهُمْ﴾ - أي: يعرفُ بعضُهم بعضاً كأنَّهم لم يتفارَقوا
إلَّا قليلاً - يحتمل أنْ يكونَ استئنافاً، وأن يكونَ بياناً للجملة التشبيهية واستدلالاً
عليها كما قيل، وذلك أنَّه لو طال العهدُ لم يبقَ التعارُفُ؛ لأنَّ طول العهد مُنْسٍ
مُفْضٍ إلى التناكُر، لكنَّ التعارف باقٍ فطولُ العهدِ مُنتفٍ، وهو معنى ((لم يَلبَثوا
إلا ساعةً))، وفيه دغدغة.
وزعَمَ أبو البقاء كونَه حالاً مقدَّرة (٢)، ولا داعيَ لاعتبارٍ كونها مقدَّرة؛ لأن
الظاهر عدمُ تأخّرِ التعارُفِ عن الحشر بزمانٍ طويل ليُحتاجَ إليه، وقد صرَّحوا بأنَّ
التعارُف بينَهم يكون أولَ خروجهم من القبور، ثم ينقطع لشدّة الأهوال المذهلة،
واعتراءِ الأحوال المعضلة المغيِّرة للصُّور والأشكال، المبدِّلة لها من حالٍ إلى
حال.
وعندي أنْ لا تَظْعَ بالانقطاع، فالمواقفُ مختلفةٌ والأحوالُ متفاوتةٌ، فقد
يتعارَفون بعدَ التناكُر في موقفٍ دون موقفٍ وحالٍ دون حال، وفي بعض الآثار
ما يؤيِّد ذلك.
(١) في (م): ورد، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. ينظر حاشية الشهاب ٣٣/٥.
(٢) الإملاء ٢٣٣/٣.

الآية : ٤٥
١٥٩
سؤالُلُونِسَ
وزَعَم بعضُهم المنافاةَ بين ما تدلُّ عليه هذه الآية وما يدلُّ عليه قولُه سبحانه:
﴿فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَلُ حَمِيدٌ
حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] من عَدَم التعارف، لولا اعتبار الزمانين.
وقيل: لا منافاةَ؛ بناءً على أنَّ المثبت تعارُفُ تقريعٍ وتوبيخٍ، والمنفيّ تعارفُ
تواصُلٍ وشفقة .
ولمانع أنْ يمنعَ دلالةَ ما ذُكر من الآيات على نفْي التعارف، وقُصارَى
ما تدلُّ (١) عَليه نفيُّ نَفْعِ الأنساب وسؤالِ بعضِهم بعضاً، والتعارُف الذي تدلُّ عليه
هذه الآيةُ لا ينافي ذلكَ؛ فقد أخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنَّه قال
فيها: يعرِفُ الرجل صاحبَه إلى جنبه فلا يستطيعُ أنْ يكلِّمه(٢).
ثم إنَّ حمْلَ التعارُفِ على معرفة بعضهم بعضاً هو المعروفُ عند المفسرين.
وقيل: المراد به التعريفُ، أي: يعرِّفُ بعضُهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطأ
والكفر، وفيه ما فيه.
وجوَّز بعضُهم أنْ يكونَ الظرفُ السابقُ متعلِّقاً بـ ((يتعارفون))، قيل: فيعطَفُ على
ما سبق. ولا يظهرُ له وجهٌ.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اَللَّهِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقَت للشهادة منه
تعالى على خُسرانهم والتعجيبٍ منه، وهي خبريّةٌ لفظاً، إنشائيةٌ معنّى.
وقيل: مقولٌ لقولٍ مقدَّرٍ وقع حالاً من ضمير ((يتعارفون))، أو من ضمير
(يحشرُهم)) إن كانت جملة ((يتعارفون)) حالاً أيضاً لئلا يفصل بينَ الحال وذِيها
أجنبيٍّ، والاستئنافُ أظهرُ.
والتعبيرُ عنهم بالموصول مع أنَّ المقام مقامُ إضمارٍ، لذمِّهم بما في حيِّز الصلة،
وللإشعار بعلِّيته لِمَا أصابهم. والظاهرُ أنَّ المراد بـ ((لقاء الله)) تعالى مطلقُ الحساب
والجزاء، وبالخسران الوضيعةُ، أي: قد وُضعوا في تجارتهم ومعاملتهم واشترائهم
الكفر بالإيمان.
(١) في (م): يدل.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٩٥٥/٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٣٠٨/٣.

سِڕۆُونِ)
١٦٠
الآية : ٤٦
وجوّز أنْ يُراد بالأول سوءُ اللقاء، وبالثاني الهلاكُ والضلال، أي: قد ضلُّوا
وهلكوا بتكذيبهم بذلك.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾﴾ أي: لطُرقِ التجارة عارٍفينَ بأحوالها، أو ما كانوا
مهتدين إلى طريق النجاة، والجملةُ عطفٌ على جملة ((قد خسر)) إلخ. وجوِّز أن
تكون معطوفةً على صلةِ الموصول على أنَّها كالتأكيد لها .
﴿وَإِمَّا نُيَتَكَ﴾ أصلُه: إنْ نُرينَّك، و((ما)) مزيدة(١) لتأكيد معنى الشرط، ومن ثَمَّةَ
أكّد الفعلُ بالنون، والرؤيةُ بَصَريةٌ، أي: إمَّا نُرِينَك بعينك ﴿بَعْضَ الَّذِى ◌َعِدُهُمْ﴾ من
العذاب، بأنْ نعذِّبهم في حياتك ﴿أَوْ تَنَّنَّكَ﴾ قبل ذلك.
﴿فَإِلَيْنَا خَرْجِعُهُمْ﴾ جوابٌ للشرط وما عُطِفَ عليه، والمعنى: إنَّ عذابهم في
الآخرة مُقرَّرٌ، عُذِّبوا في الدنيا أوْ لا .
وقيل: هو جوابُ ((نَتَوَقََّنَّكَ))، كأنَّه قيل: إمَّا نتوقَّيَنَّك فإلينا مرجعُهم فنُرِيكَه في
الآخرة، وجوابُ الأول محذوفٌ، أي: إمَّا نرينَك فذاك المراد، أو المتمنَّى، أو
نحو ذلك. وقال الطيبيُّ: أي: فذاك حقٌّ وصوابٌ، أو واقعٌ أو ثابتٌ.
واختار الأولَ أبو حيان(٢). والاعتراضُ عليه بأنَّ الرجوع لا يتَرتَّب على تلك
الإراءة، فيحتاجُ إلى التزام كون الشرطية اتِّفاقيةً، ناشئٌ من الغفلة عن المعنى
المرادِ.
والمراد من ((نَعِدُهم)): وَعَدْناهم، إلا أنَّه عدل إلى صيغة الاستقبال لاستحضار
الصورة، أو للدلالة على التجدُّد والاستمرار، أي: نعدُهم وعداً متجدِّداً
حَسْبما تقتضيه الحكمة من إنذارٍ غِبَّ إنذار.
وفي تخصيص البعض بالذِّكر، قيل: رمزٌ إلى أنَّ العِدَةَ بإراءة بعضٍ الموعود،
وقد أَراه ◌َ چ ذلك يوم بدر.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴾﴾ من الأفعال السيئة التي حُكيت عنهم، والمرادُ
من الشهادة لازِمُها مجازاً، وهو المعاقبةُ والجزاءُ، فكأنَّه قيل: ثم الله تعالى معاقِبٌ
(١) في (م): مزيد.
(٢) في البحر ١٦٤/٥ .