Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ١٥
٦١
تبارك وتعالى يَرى ويُرى، والشروطُ في الشاهد ليست شروطاً عقلية، كما حُقِّق في
موضعه(١). وإنَّ الرؤية صفةٌ مغايرةٌ للعلم، وكذا السمع أيضاً.
وممَّن يقول أيضاً: إنَّ صُورَ الماهياتِ الحادثةَ مشهودةٌ لله تعالى أزلاً في حالٍ
عَدَمِها في أنفُسِها في مرايا الماهيات الثابتة عنده جلَّ شأنه، بل هو مبنيٌّ على
اقتضاء المعنى له، فإنك إذا قلتَ: أكرمتُك لأرى ما تصنعُ، فمعناه: أكرمتُك
لأختبرَك وأعلمَ صُنعَك فأجازيَك عليه.
ومن هنا يُعلم أنَّ حَمْلَ النظر على الانتظارِ والتربُّص كما هو أحدُ معانيه ليس
بشيءٍ، وبعضُ الناس حَمَل كلامَ بعضِ الأفاضل عليه، وارتكب شططاً وتكلَّم غلطاً.
هذا وقرئ: ((لِنَظُر)) بنون واحدة وتشديد الظاء(٢)، ووُجِّه ذلك أنَّ النون الثانية
قُلبت ظاءً وأُدغمَت.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَةٍ﴾ التفاتُ من خطابهم إلى الغيبة،
إعراضاً عنهم، وتوجيهاً للخطاب إلى سيِّد المخاطَبين ◌َّه بتعديد جناياتهم المضادَّة
لِمَا أُرِيدَ منهم بالاستخلاف، من التكذيب والكفرِ بالآيات البيِّنات وغير ذلك،
كدأب مَن قبلَهم مِن القرون المهلكة. وصيغةُ المضارع للدلالة على تجدُّد جوابهم
الآتي حَسْبَ تجدُّدِ التلاوة.
والمرادُ بـ ((الآيات)): الآياتُ الدالة على التوحيد وبطلان الشرك. وقيل: ما هو
أعمُّ من ذلك. والإضافة لتشريف المضافِ، والترغيبٍ في الإيمان به، والترهيبٍ
عن تكذيبه.
ونصب ((بيناتٍ)) على الحال، أي: حالَ كونها واضحاتِ الدلالة على
ما تضمَّنته.
وإيرادُ فِعْلِ التلاوة مبنيّاً للمفعول، مُسنداً إلى الآيات دون رسول الله وَطُفي ببنائه
للفاعل؛ للإشعار بعدم الحاجة لتعيين التالي، وللإيذان بأنَّ كلامهم في نفس المتلوِّ
ولو تلاه رجلٌ مِن إحدَى القريتين عظيمٌ.
(١) ينظر بحث رؤية الله تعالى ٣٤٦/٨ وما بعدها.
(٢) المحتسب ٣٠٩/١، والبحر ١٣١/٥.

سُؤَلُونِّ
٦٢
الآية : ١٥
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآَمَ نَا﴾ وُضع الموصول موضعَ الضمير إشعاراً بعلِّية
ما في حيِّز الصلة المعظّمة المحكيَّة عنهم، وذمّاً لهم بذلك، أي: قالوا لمن يتلوها
عليهم وهو رسولُ اللهِ وَّه ﴿أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا﴾ أشاروا بهذا إلى القرآن
المشتملِ على تلك الآياتِ لا إلى أنفسها فقط، قصداً إلى إخراج الكلِّ مِن البين،
أي: ائت بكتابٍ آخرَ نقرؤه، ليس فيه ما نستبعدُهُ من البعث وتوابعِهِ، أو ما نكرهُه
مِن ذِّ آلهتنا والوعيدِ على عبادتها ﴿أَوَ بَدِّهُ﴾ بأن تجعلَ مكان الآيةِ المشتمِلَة على
ذلك آیةً أُخرى.
ولعلَّهم إنَّما سألوا ذلك كيداً وطمعاً في إجابته عليه الصلاة والسلام؛ ليتوسَّلوا
إلى الإلزام والاستهزاء، وليس مرادُهم أنَّه عليه الصلاة والسلام لو أجابهم آمنوا.
﴿قُلْ﴾ أيُّها الرسول لهم ﴿مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أُبَدَِّهُ ﴾ المصدرُ فاعلُ ((يكون))،
وهي من ((كان)) التامَّة، وتُفسَّر بـ ((وُجِدَ))، ونَفْيُ الوجود قد يُراد به نَفْيُ الصحة، فإنَّ
وجودَ ما ليس بصحيح كَلا وجودٍ، فالمعنى هنا: ما يصحُّ لي أصلاً تبديله ﴿مِن
تلفآې نَفسِىّ﴾ أي: من جهتي ومن عندي.
وأصلُ ((تلقاء)» مصدرٌ على تِفْعال بكسر(١) التاء، ولم يَجِئُ مصدرٌ بكسرها غيرُه
وغير تبيان في المشهور. وقرئ شاذاً بالفتح(٢)، وهو القياس في المصادر الدالة
على التكرار كالتَّطواف والتَّجوال، وقد خَرَجَ هنا من ذلك إلى الظرفية المجازية،
والجرُّ بـ ((مِن)) لا يُخرِجُ الظرفَ عن ظرفيته، ولذا اختصَّت الظروف الغيرُ المتصرِّفةِ
كـ : عند، بدخولها عليها .
ومن الناس مَن وَهِمَ في ذلك وقَصَر الجوابَ ببيانِ امتناع ما اقترحوه على
اقتراحهم الثاني، للإيذان بأنَّ استحالة ما اقترحوه أولاً من الظهور بحيث لا حاجةً
إلى بيانها؛ لأنَّ ما يدلُّ على استحالة الثاني يدلُّ على استحالة الأول بالطريق
الأَولَى، فهو بحَسَبِ المآل والحقيقة جوابٌ عن الأَمْرين.
﴿إِنْ أَتَبِعُ﴾ أي: ما أَتَّبِعُ فيما آتِي وَأَذَرُ ﴿إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىٌ﴾ من غير تغييرٍ له في
(١) قوله: بكسر، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٤/٥، والكلام منه.
(٢) الكشاف ٢٢٩/٢، والبحر ١٣٢/٥، وحاشية الشهاب ١٤/٥.

الآية : ١٥
٦٣
سُاَلُ كُونُسَ
شيءٍ أصلاً، على معنى قَصْرِ حاله عليه الصلاة والسلام على اتّباع ما يُوحَى،
لا قَصْرِ اتِّباعه على ما يُوحَى إليه، كما هو المتبادرُ من ظاهر العبارة، فكأنَّه قيل:
ما أفعلُ إلَّا اتِّباعَ ما يُوحَى إليَّ، والجملةُ مستأنفةٌ لما يكونُ، فإنَّ مَن شأنُه اتِّباعُ
الوحي على ما هو عليه لا يستقلُّ بشيءٍ دونه أصلاً .
وفي ذلك - على ما قيل - جوابٌ لنقضٍ مقدَّرٍ، وهو أنَّه: كيف هذا وقد نَسغَ
بعضَ الآيات ببعض؟ وردٌّ لِمَا عَرَّضُوا له بهذا السؤال مِن أنَّ القرآن كلامُهُ وَّهِ .
وكذا تقييدُ التبديل في الجواب بقوله: ((مِن تلْقاءِ نفسي)) لردِّ تعريضهم بأنَّه مِن
عنده عليه الصلاة والسلام، ولذلك أيضاً سمّاه عصياناً عظيماً مُستَتْبِعاً لعذابٍ عظيم
بقوله عز وجل: ﴿إِّ ◌َغَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ وهو تعليلٌ
لمضمون ما قبلَه مِن امتناع التبديل، واقتصارِ أمره وَّهِ على اتِباع الوحي، أي: إنِّي
أخافُ إنْ عصيتُه تعالى بتعاطي التبديل والإعراض عن الوحي عذابَ يومٍ عظيمٍ، هو
يومُ القيامة ويومُ اللقاء الذي لا يرجونه، وفيه إيماءٌ بأنَّهم استوجبوا العذاب بهذا
الاقتراح؛ لأنَّ اقتراح ما يوجبه يستوجبه أيضاً، وإنْ لم يكن كفعله.
والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام لتهويل أمر
العصيان، وإظهارٍ كمالٍ نَزاهته وَّ، وفي إيرادِ اليوم بالتنوين التفخيميِّ، ووصْفِهِ
بـ ((عظيم)) ما لا يخفَى ما فيه من العذاب وتفظيعه.
وجوَّز العلّامة الطيبيُّ كونَ الجواب المذكور جواباً عن الاقتراحَين من غير
حاجةٍ إلى شيءٍ، وذلك بحَمْلِ التبديل فيه على ما يعمُّ تبديلَ ذاتٍ بذاتٍ أُخرَى كـ :
بدَّلتُ الدنانير دراهمَ، وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: ((ائت بقرآنٍ غير هذا»،
وتبديلَ صفةٍ بصفةٍ أُخرَى ك : بدَّلتُ الخاتمَ حلقةً، وهو الذي أشاروا إليهم بقولهم:
(أو بدِّله)).
وأُورد عليه بأنَّ تقييد التبديل بقوله سبحانه: (مِن تِلْقَآِى نَفْسِىِّ) يمنعُ حمله على
الأعمّ؛ لأنَّه يُشعر بأنَّ ذلك مقدورٌ له وَّهِ، ولكنْ لا يفعله بغير إذنه تعالى، والتبديلُ
الذي أشاروا إليه أوَّلاً غيرُ مقدورٍ له عليه الصلاة والسلام، حتى إنَّ المقترحِينَ
يعلمون استحالةَ ذلك، لكن اقترحوه لِمَا مرَّ، وقالوا: لو شئنا لقلنا مثل هذا،
مكابرةً وعناداً.

سُولُونِسََّ
٦٤
الآية : ١٥
ثمّ إنَّ الظاهر أنَّهم اقترحوا التبديلَ والإتيانَ بطريق الافتراء، قيل: لا مساغَ
للقول بأنَّهم اقترحوا ذلك من جهة الوحي، فكأنَّهم قالوا: ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو
بدِّله من جهة الوحي، كما أتيت بالقرآن من جهتِهِ، ويكون معنى قوله: «ما يكون
لي)) إلخ: ما يَتَسهَّل لي ولا يُمكنني أنْ أبدِّله = لِمَا في ((الكشاف)) مِن أنَّ قوله: ((إنِّي
أخافُ إنْ عصيتُ ربي)» يردُّ ذلك(١).
ووُجِّه بأنهم لم يطلبوا ما هو عصيانٌ على هذا التقدير حتى يقولَ في جوابهم
ما ذكر.
ونُظِرَ فيه بأنَّ الطلب مِن غير إذنٍ عصيانٌ، فإنْ لم يُحْمَلْ: ما يتسهَّل لي، على
أنَّ ذلك لكونه غيرَ مأذونٍ، كان الجوابُ غيرَ مطابقٍ لسؤالهم؛ لأنَّ السؤال عن
تبديلٍ من الله تعالى، وهو عليه الصلاة والسلام قال: لا يُمكنني التبديلُ من تلقاء
نفسي، في الجواب. وإنْ حُمِلَ عليه فالعصيانُ أيضاً منزل عليه.
وأُجيب بأنَّ صاحب ((الكشاف)) حمل ((ما يكون)) على أنَّه: لا يُمكن
ولا يتسهّل. والعصيانُ يقع على الممكن المقدور، لا أنَّهم طلبوا ما هو عصيان أو
ليس، والمطابقةُ حاصلةٌ بل أشدُّها؛ لأنَّ الحاصل إمَّا التبديلُ من تلقاء نفسي، فغيرُ
ممكن، وإمَّا من قبل الوحي، فأنا تابعٌ غيرُ متبوع. نعم لا يُنكَر أنَّه يُمكن أنْ يأتي
وجْهٌ آخرُ بأنْ يحمل على أنَّه: لا يحلُّ لي ذلك دونَ إذنٍ، وصاحب ((الكشاف)) لم
ینْفِه.
وذكر بعضُ المحقّقين أنَّه لا مساغَ لحمل مُقترحِهم على ما هو من جهة الوحي،
لمكان التعليل بـ ((إِنِّي أخاف)) إلخ، إذ المقصودُ بما ذُكر فيه معصيةُ الافتراء،
کما يُرشد إلی ذلك صریحُ ما بعده من الآيتين الکریمتین، وحينئذٍ لا یتحقَّق فيه تلك
المعصية، ومعصيةُ استدعاء تبديلِ ما اقتضته الحكمةُ التشريعيةُ لا سيَّما بموجب
اقتراحِ الكفرة ليسَت مقصودةً، فلا ينفعُ تحقُّقها، وهو كلامٌ وجيهٌ يُعلم منه ما في
الكلام السابق من النظر.
بقيَ أنَّه يُفْهَم من بعض الآثار أنَّهم طلبوا الإتيان من جهة الوحي، فعن
(١) الكشاف ٢٢٩/٢.

الآية : ١٦
٦٥
سُورَلاثُونِسَ
مقاتل(١): أنَّ الآية نزلتَ في خمسة نفرٍ: عبد الله بن أبي أميَّةَ(٢) المخزوميِّ،
والوليدٍ بن المغيرةً، ومكرز بنِ حفصٍ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيسٍ العامريِّ،
والعاصٍ بن عامر بن هشام، قالوا للنبيِّ وَّهِ: إنْ كنتَ تريدُ أنْ نؤمنَ لك، فائتِ
بقرآنٍ ليس فيه تركُ عبادة اللَّات والعُزَّى ومناة، وليس فيه عيبُها، وإنْ لم يُنزل الله
تعالى عليك فقل أنت مِن نفسك، أو بدِّله فاجْعَل مكانَ آيةٍ عذاب آيةَ رحمة، ومكانَ
حرامٍ حلالاً ومكانَ حلالٍ حراماً.
وربَّما يقال: إنَّ هذا - على تقديرٍ صحته - لا يأَبَى أنْ يكونَ ما في الآيةِ ما أشار
إليه تالي الشرطيةِ الثانيةِ مِن كلامهم، فتدَبَّر.
وقوله سبحانه: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ، عَلَيَّكُمْ﴾ تحقيقٌ لحَقِّيَّة القرآن، وأنَّه
من عنده سبحانه، إثْرَ بيانِ بطلانِ ما اقترحوه على أتمٍّ وجهٍ، وصُدِّر بالأمر المستقلِ
إظهاراً لكمال الاعتناء بشأنه، وإيذاناً باستقلاله مفهوماً وأسلوباً، فإنَّه برهانٌ دالٌ
على كونه بأمر الله تعالى ومشيئته كما ستعلمه إنْ شاء الله تعالى. وما سَبَق مجرَّدُ
إخبارٍ باستحالة ما اقترحوه.
ومفعولُ المشيئة محذوفٌ يُنْبئُ عنه الجزاء كما هو المطَّرَدُ في أمثاله - ويُفهَم
من ظاهر كلام بعضهم أنَّه غيرُ ذلك، وليس بذلك - وهو ظاهرٌ، والمعنى: أنَّ
الأمر كلَّه منوط بمشيئته تعالى، وليس لي منه شيءٌ أصلاً، ولو شاء سبحانه عدمَ
تلاوتي له عليكم، وعدَم إدرائكم به بواسطتي، بأنْ لم يُنزِّله جلَّ شأنُه عليَّ ولم
يأمرني بتلاوته ما تَلَوْتُه عليكم ﴿وَلَّ أَذْرَنَكُمْ بِ﴾ أي: ولا أَعْلَمَكم به بواسطتي.
والتالي - وهو عدمُ التلاوة والإدراء - مُنْتَفٍ، فينتفي المقدَّمُ وهو مشيئتُه العدمَ،
وهي مسلتزمةٌ لعدم مشيئته الوجودَ، فانتفاؤه مستلزمٌ لانتفائه، وهو إنَّما يكون
بتحقُّق مشيئة الوجود، فثبت أنَّ تلاوته عليه الصلاة والسلام للقرآن وإدراءَه تعالى
بواسطته بمشيئته تعالى.
(١) كما في أسباب النزول للواحدي ص٢٦٧، وتفسير البغوي ٣٤٧/٢.
(٢) في الأصل و(م) وتفسير البغوي: عبد الله بن أمية، والمثبت من الإصابة ١١/٦، وأسباب
النزول.

سُالآلُونِسَ
٦٦
الآية : ١٦
وتقييدُ الإدراء بذلك(١) هو الذي يقتضيه المقامُ، وحيثُ اقتصرَ بعضُهم في تقدير
المفعول في الشرط على عدم التلاوة علَّل التقييدَ بأنَّ عدمَ الإعلام مطلقاً ليس مِن
لوازم الشرط، الذي هو عدمُ مشيئة تلاوتِه عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز نَظْمُه
في سلك الجزاء(٢). ولم يظهر وجهُ الاقتصار على ذلك، وعدمُ ضمِّ عدمِ الإدراء
إليه، مع أنَّ العطفَ ظاهرٌ فيه. وفي إسناد عدم الإدراء إليه تعالى، المنبئ عن
استناد الإدراء إليه سبحانه، إعلامٌ بأنَّه لا دخلَ له عليه الصلاة والسلام في ذلك
حسبما يقتضيه المقامُ إليه.
ورواية أبي ربيعة عن ابن كثير: ((ولأدراكم)) بلام التوكيد(٣)، وهي الواقعةُ في
جواب ((لو)) أي: لو شاء الله ما تلوتُه عليكم ولأَعْلَمَكم به على لسان غيري، على
معنى: أنَّه الحقُّ الذي لا محيصَ عنه، لو لم أُرسَل به لأُرسل به غيري، وجيءَ
باللام هنا للإيذان بأنَّ إعلامهم به على لسان غيرِهِ وَّرِ أشدُّ انتفاءً وأقوى.
ولعلَّ((لا)) في القراءة الأُولى لأنَّه يُغتفر في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع، وإلَّا
فهي لا تقعُ في جواب ((لو))، فلا يقال: لو قام زيد لا قامَ عمرو، بل: ما قام، ومِن
هنا نصَّ السمين على أنَّها زائدةٌ مؤكّدة للنفي (٤).
وروي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين أنهم قرؤوا: ((ولا أَدْرَاتُكم))(٥)
بإسنادِ الفعل إلى ضميره وَ ل# كالفعل السابق، والأصل: ولا أَدريتُكم، فقُلبت الياءُ
ألفاً على لغة مَن يقلب الياءَ الساكنةَ المفتوحَ ما قبلها ألفاً، وهي لغة بَلْحَارث بن
(١) أي: بكونه بواسطته بَله. تفسير أبي السعود ١٢٩/٤ - ١٣٠.
(٢) تفسير أبي السعود ٤/ ١٣٠.
(٣) التيسير ص١٢١، والنشر ٢/ ٢٨٢. وأبو ربيعة هو محمد بن إسحاق بن وهب بن أعين
الرَّبَعي المكي المقرئ، قرأ على البزي، وهو أنبل أصحابه في وقته، توفي سنة (٢٩٤هـ).
معرفة القراء الكبار ٤٥٤/١. وروى غيره عن البزي بإثبات الألف. وبذلك قرأ الباقون.
(٤) الدر المصون ٦/ ١٦٤.
(٥) أي: بالألف، وكذا ذكرها الشهاب في الحاشية ١٥/٥ لكن دون نسبة، وينظر القراءات
الشاذة ص٥٦. والمروي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين أنهم قرؤوا: ((ولا أدرأتكم))
بالهمزة بعد الراء، كما في القراءات الشاذة ص٥٦، والمحتسب ٣٠٩/١، والبحر ١٣٣/٥،
وسترد قريباً عن الحسن.

الآية : ١٦
٦٧
سُورَةُ تُونِسَ
كعب وقبائلَ مِن اليمن، حتى قلبوا ياء التثنية ألفاً وجعلوا المثنَّى في جميع الأحوال
على لفظٍ واحد، وحكى ذلك قطرب عن عُقَيل(١).
وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وغيرُهما عن الحسن أنَّه قرأ: ((ولا أَدرأُتُكم))
بهمزةٍ ساكنة(٢)، فقيل: إنَّها مبدَلةٌ من الألف المنقلبة عن الياء كما سمعتَ، وقيل:
إنَّها مبدلةٌ من الياء ابتداءً كما يقال في لَبَّيْتُ: لبَّات. وعلى القولَين هي غيرُ أصليةٍ،
وجاء ذلك في بعضِ اللغات كما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ.
وجوِّز أنْ تكونَ أصليةً على أنَّ الفعل من الذَّرْءِ، وهو الدفعُ والمنع، ويقال:
أدرأتُه، أي: جعلتُه دارئاً ودافعاً(٣)، والمعنى: ولا جعلتُكم بتلاوته خُصماء
تَدرؤونني بالجدال.
وقرئ: ((ولا أدراكم)) بالهمز وتركه(٤) أيضاً، مع إسناد الفعل إلى ضمير الله
تعالی.
وأخرج سعيد بنُ منصور وابنُ جرير أنَّ ابنَ عباسٍ ﴾ كان يقرأ: ((ولا أنذرتُكم
به)»(٥).
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ نوعُ تعليلٍ للملازمة المستلزِمَةِ لكون ذلك
بمشيئة الله عزَّ وجلَّ حسبما مرَّ آنفاً، واللبثُ: الإقامة.
ونُصِبَ (عُمُراً)) على التشبيه بظرفِ الزمان، والمرادُ منه: مدَّةً. وقيل: هو على
تقدير مضافٍ، أي: مقدارَ عُمُرٍ. وهو بضمِّ الميم، وقرأ الأعمش بسكونها
للتخفيف(٦).
(١) يعني عن بني عقيل. المحتسب ١/ ٣١٠، والبحر ١٣٣/٥، والدر المصون ١٦٤/٦.
(٢) تفسير الطبري ١٣٩/١٢، وعزاها لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٠٢/٣.
(٣) في (م): أي دافعاً، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٥/٥، والكلام منه.
(٤) القراءة بترك الهمزة هي قراءة العشرة، والقراءة بالهمز ذكرها العكبري في الإملاء ٢٢٠/٣،
والبيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٥/٥ .
(٥) سنن سعيد بن منصور (١٠٥٦ - تفسير)، وتفسير الطبري ١٤١/١٢، وهي في القراءات
الشاذة ص٥٦.
(٦) البحر ١٣٣/٥، وهي دون نسبة في الكشاف ٢٢٩/٢.

سَُّلُ بُونَ
٦٨
الآية : ١٦
والمعنى: قد أقمتُ فيما بينكم مدةً مديدةً، وهي مقدارُ أربعين سنةً، تحفظونَ
تفاصيلَ أحوالي، وتُحيطون خبراً بأقوالي وأفعالي.
﴿مِّن قَبْلِّهِ﴾ أي: مِن قَبْلِ نزول القرآن، أو من قَبْلِ وقتٍ نزوله - ورجوعُ
الضمير للتلاوة ليس بشيءٍ - لا أتعاطى شيئاً مما يتعلَّق بذاك، لا مِن حيثُ نظمُه
المعجِزُ، ولا من حيث معناه الكاشفُ عن أسرار الحقائق وأحكامِ الشرائع.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: ألا تلاحظون ذلك فلا تَعْقِلون امتناعَ صدورِه عن
مثلي، ووجوبَ كونه منزلاً من عند الله العزيز الحكيم، فإنَّ ذلك غيرُ خافٍ على مَن
له عقلٌ سليم وذهنٌ مستقيم، بل لَعمري إنَّ مَن كان له أدنَى مُسكةٍ مِن عقل إذا تأمَّل
في أمره وَله، وأنَّه نشأ فيما بينهم هذا الدهرَ الطويلَ من غير مصاحبةِ العلماء في
شأنٍ من الشؤون، ولا مراجعةٍ إليهم في فنٌّ من الفنون، ولا مخالطةٍ للبلغاءِ في
المحاوَرةِ والمفاوضة، ولا خوضٍ معهم في إنشاء الخطب والمقارضة(١)، ثم أتَى
بكتابٍ بَهَرَت فصاحتُه كلَّ ذي أَدَبٍ، وحَيَّرَت بلاغتُه مصاقِعَ العرب، واحتوَى على
بدائعِ أصنافِ العلوم، ودقائقٍ حقائق المنطوق والمفهوم، وغدا كاشفاً عن أسرار
الغيبَ التي لا تنالُها الظنون، ومُعرباً عن أقاصيص الأوَّلِينَ وأحاديثِ الآخرينَ من
القرون، ومصدِّقاً لما بين يديه مِن الكتب المنزَّلة، ومهيمناً عليها في أحكامه
المجملة والمفصّلة، لا يبقَى عنده اشتباهٌ في أنَّه منزَلٌ من عند الله جلَّ جلاله وعمّ
إفضاله، هذا هو الذي اتَّفقت عليه كلمةُ الجمهور، وهو أوفقُ بالردِّ عليهم
كما لا يخفَى على المتأمِّل.
وقيل(٢): إنَّ الأنسب ببناء الجوابِ فيما سلف على امتناعٍ صدورِ التغيير
والتبديل عنه عليه الصلاة والسلام، لكونه معصيةً موجبةً للعذاب العظيم،
واقتصاره وَه على اتِّباع الوحي، وامتناع الاستبداد بالرأي، مِن غير تعرُّضٍ هناك
ولا هنا لكون القرآن في نفسه أمراً خارجاً عن طَوْق البشر، ولا بكونه عليه الصلاة
والسلام غيرَ قادرٍ على الإتيان بمثله = أنْ يُستَشْهَدَ هاهنا بما يلائم ذلك من
(١) في (م): المعارضة. وجاء في تفسير أبي السعود ١٣٠/٤ (والكلام فيه بنحوه): في إنشاء
الخطب والأشعار.
(٢) القائل هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٣٠.

الآية : ١٧
٦٩
سُوَاُلُونس
أحواله ◌َ﴿ المستمِرَّة في تلك المدَّة المتطاولة، مِن كمال نزاهتِهِ عليه الصلاة
والسلام عما يُوهم شائبةَ صدورِ الكذب والافتراء عنه في حقِّ أحدٍ كائناً مَن كان،
كما يُنبئ عنه تَعقيبه بتَظْليم المفتري على الله تعالى، والمعنى: قد لبثتُ فيما بين
ظهرانَيكم قبل الوحي لا أَتعرَّضُ لأحدٍ قٌّ بتحكُّم ولا جدالٍ، ولا أَحومُ حول مقالٍ
فيه شائبةُ شبهةٍ فضلاً عما فيه كذبٌ وافتراءٌ، ألا تلاحظونَه فلا تعقلون أنَّ مَن هذا
شأنُه المطَّرِدُ في هذا العهد البعيد، يستحيلُ أنْ يفتري على الله عزَّ وجلَّ، ويتحكّمَ
على كافَّة الخلقِ بالأوامر والنواهي، الموجبةِ لسَلْبِ الأموال، وسَفْكِ الدماء، وغير
ذلك، وأنَّ ما أتَى به وحيٌّ مبينٌ تنزيلٌ مِن ربِّ العالمين. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ هذا غيرُ منساقٍ إلى الذهن، وأنَّ الكلام الأول مشيرٌ في الجملة
إلى كون القرآن أمراً خارجاً عن طوق البشر، وأنَّهِ ﴿ غيرُ قادرٍ على الإتيان بمثله،
على أنَّه بَعْدُ لا يخلو عن مقالٍ فتأمَّل.
وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ افْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ ◌ِتَابَةِ﴾ استفهامٌ
إنكاريٌّ معناه النفيُ، أي: لا أحدَ أَظلَمُ من ذلك، ونَفْيُ الأظلمية كما هو المشهورُ
كنايةٌ عن نفي المساواة، فالمرادُ أنَّه أَظلَمُ مِن كلِّ ظالمٍ وقد مرَّ تحقيق ذلك(١).
والآيةُ مرتبطةٌ بما قبلها على أنَّ المقصودَ منها تفاديه وَّهِ مما لَوَّحوا به مِن نسبةٍ
الافتراء على الله سبحانه إليه عليه الصلاة والسلام وحاشاه، وتظليمٌ للمشركين
بتکذیبھم للقرآن وکفرهم به.
وزيادةُ ((كذباً) مع أنَّ الافتراء لا يكونُ إلا كذلك للإيذان بأنَّ ما لوَّحوا به
ضِمْناً، وحَمَلوه - عليه الصلاة والسلام - عليه صريحاً، مع كونه افتراءً على الله
سبحانه، كذبٌ في نفسه، فرُبَّ افتراءٍ يكونُ كذبُه في الإسناد فقط، كما إذا أَسندْتَ
ذْبَ زيدٍ إلى عمرٍو، وهذا للمبالغة منه وَّه في التفادي مما ذُكر.
والفاءُ لترتيب الكلام على ما سَبَقَ من بيان كون القرآن بمشيئته تعالى وأمره،
أي: وإذا كان الأمرُ كذلك، فمَن افترَى عليه سبحانه بأن يخلق(٢) كلاماً فيقول:
(١) ٣٩٩/٢ -٤٠٠.
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ٤ / ١٣١ (والكلام منه): يختلق.

سُوَلةُ كُونس)
٧٠
الآية : ١٨
هذا مِن عند الله تعالى، أو يُبدِّلُ بعضَ آياته ببعضٍ، كما تجوِّزون ذلك في شأني،
وكذلك مَن كَذَّب بآياته جلَّ شأنه كما تفعلونه أنتم = أَظلَمُ من كلِّ ظالم.
وقيل: المقصودُ مِن الآية تظليم المشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم:
إِنَّه - تعالى عمَّا يقولون - ذو شريكٍ وذو ولد، وتكذيِهم بآياته سبحانه، وهي مرتبطةٌ
إمَّا بما قبلها أيضاً على معنى: إنِّي لم أَفترِ على الله تعالى ولم أكذب عليه، وقد قام
الدليل على ذلك، وأنتم قد فعلتُم ذلك حيث زعمتُم أنَّ لله تعالى شريكاً، وأنَّ له
ولداً، وكذَّبْتُم نبيّه ◌َليل وما جاء به من عنده سبحانه.
وإمَّا بقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ) إلخ على أنْ يكون
قولُه تعالى: (ُّ جَعَلْنَكُمْ خَيْفَ) وقولُه سبحانه: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنٍَ) إلى
هنا إعلاماً بأنَّ المشركين الذين بُعِثَ إليهم رسولُ اللهِ وَه استُّوا(١) بسَنَن مَن قبلَهم
في تكذيب آيات الله تعالى والرسل عليهم الصلاة والسلام، ويكونُ هذا عوداً إلى
الأوَّل بعد الفراغ من قصة المشركين.
وقيل: وجهُ تعلُّقِها بما تقدَّم أنَّهم سألوه وَ﴿ تبديلَ القرآن لما فيه من ذمّ آلهتهم
الذين افتروا في جعلها آلهةً.
وقيل: إنَّ الآية تَوطئةٌ لما بعدها .
ولا يَخْفَى أنَّ الأول هو الأنسبُ بالمقام، وأوفقُ بالفاء، وأَبعدُ عن التكلُّف،
وأقربُ انْسِياقاً إلى الذهن السليم.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ أي: لا ينجُون من محذورٍ،
ولا يفوزون بمطلوبٍ، والمرادُ جنسُ المجرمين، فيندرجُ فيه المفتري والمكذِّبُ
اندراجاً أوليّاً، ولا يخفى ما في اختيار ضمير الشأن من الاعتناء بشأن ما يُذكر بعده
من أوَّل الأمر.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ﴾ حكايةٌ لجنايةٍ أُخرَى لهم،
وهي عطفٌ على قوله سبحانه: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ) الآية عطفَ قصةٍ على قصة. و(من
دون)) في موضع الحال من فاعل ((يعبدون)) أي: مُتجاوِزِين الله تعالى، إمَّا بمعنى
(١) في (م): واستنوا.

الآية : ١٨
٧١
سُوَل ◌ُونَ
تركِ عبادتِهِ سبحانه بالكلَِّّة؛ لأنَّها لا تصحُّ ولا تقعُ عبادةٌ مع الشّركة، أو بمعنى عدمِ
الاكتفاء بها وجَعْلِها قريناً لعبادة غيره سبحانه كما اختاره البعض.
و((ما)) إمَّا موصولةٌ أو موصوفةٌ، والمرادُ بها الأصنام، ومعنى كونِها لا تضرُّ
ولا تنفعُ: أنَّها لا تقدِرُ على ذلك لأنَّها جماداتٌ، والمقصودُ مِن هذا الوصفِ نفيُّ
صحةٍ معبوديَّتها؛ لأنَّ مِن شأن المعبود القدرةَ على ما ذكر.
وقيل: المعنى: لا تضرُّهم إنْ تركوا عبادتها ولا تنفعهم إنْ عبدوها، والمقصود
أيضاً نفيُ صحة معبوديتها؛ لأنَّ مِن شأن المعبود أنْ يُثيبُ عابدَه، ويُعاقبَ مَن لم
يعبده .
والفرقُ بين التفسيرَين على ما قاله القطبُ: إطلاقُ النفع والضرِّ في الأول،
والتقييدُ بالعبادة وتركِها في الثاني.
وقيل: المقصودُ على الأول من الموصول الأصنامُ بعينها، وعلى الثاني فاقدُ
أوصافِ المعبودية(١)، ويجوز أنْ يدخل فيه غيرُ الأصنام من الملائكة والمسيحِ
عليهم السلام.
والظاهرُ أنَّ المراد هنا الأصنامُ؛ لأنَّ العرب إنَّما كانوا يعبدونها، وكان أهلُ
الطائف يعبدون اللاتَ، وأهلُ مكةَ العزَّى ومناةَ وهُبَلَ وإسافاً ونائلة.
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَتُؤُنَا عِندَ الَّهِ﴾ أخرج ابنُ أبي حاتم عن عكرمة قال: كان
النضر بن الحارث يقول: إذا كان يومُ القيامة شفَعَت لي اللاتُ والعزَّى، وفيه نزلت
الآية (٢) .
والظاهرُ أنَّ سائرَ المشركين كانوا يقولون هذا القولَ، ولعلَّ ذلك منهم على
سبيل الفَرَضِ والتقدير، أي: إن(٣) كان بعثٌ كما زعمتُم فهؤلاء يشفعون لنا،
فلا يقال: إنَّ المتبادر من الشفاعة عند الله تعالى أنَّه في الآخرة، وهو مستلزِمٌ
للبعث، وهم ينكرونه كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَتْمَانِهِمٌّ لَا
(١) في الأصل: العبودية.
(٢) الدر المنثور ٣٠٢/٣.
(٣) في الأصل: إذا.

سُولُ دُونِسَ
٧٢
الآية : ١٨
يَبعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. وكذا ما تقدَّم آنفاً من قوله سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) فيلزمُ المنافاةُ بين مفاهيم الآيات.
وكأنَّه لذلك قال الحسن عليه الرحمة: إنَّهم أرادوا مِن هذه الشفاعةِ الشفاعةَ في
الدنيا لإصلاح المعاش. وحينئذٍ لا(١) منافاةَ، والجمهورُ على الأول، ومَن سَبَرَ
حالَ القومِ رآهم متردِّدين، ولذلك اختلفَت كلماتُهم.
ونسبةُ الشفاعةِ للأصنام؛ قيل: باعتبارِ السببية، وذلك لأنَّهم كما هو المشهورُ
وضعوها على صور رجالٍ صالحين وذوي(٢) خطرٍ عندهم، وزعموا أنَّهم متى
اشتغلوا بعبادتها فإنَّ أولئك الرجال يشفعون لهم.
وقيل: إنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ المتولِّيَ لكلِّ إقليمٍ روحٌ معيَّنٌ من أرواح
الأفلاك، فعيَّنوا لذلك الروح صنماً من الأصنام واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة
الكواكب. وقيل غير ذلك. والحقُّ أنَّ من الأصنام ما وُضع على الوجه الأول،
ومنها ما وُضع لكونها كالهياكل للروحانيات.
﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم ﴿أَتْنَبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ أي: أتخبرونه سبحانه بما لا وجودَ
له ولا تحقُّق أصلاً، وهو كونُ الأصنام شفعاءَهم عند الله سبحانه(٣)، فإنَّ ما لا يعلمه
عَلَّامُ الغيوبِ، المحيطُ علمُه بالكلِّيات والجزئيات، لا يكون له تحقُّقٌ بالكلِّية.
وذكروا أنَّ مثلَ ذلك لا يسمَّى شيئاً، بناءً على أنَّه كما قال سيبويه: ما يصحُّ أنْ
يُعلم ويُخبر عنه(٤)، وهو يَشمل الموجودَ والمعدومَ كما حقَّقه بعضُ أصحابنا،
كالمعتزلة، وسمّوا ما لا يُعلم بالمنفي كالشريك وكاجتماع الضدَّين، وحقَّقَ ذلك
الشيخ إبراهيم الكوراني في رسالة مستقلّة أتَى فيها بالعَجَبِ العُجاب.
ويجوزُ أن يُراد بالموصول: أنَّ له - سبحانه - شريكاً. والمقصود على الوجهَين
مِن ذِكْرٍ إنباءِ الله تعالى بما لا تحقَّقَ له ولم يتعلَّق به علمُه التهكُم والهزءُ بهم،
وإلا فلا إنباء.
(١) في الأصل: فلا.
(٢) في (م): ذوي.
(٣) في (م): عنده جلَّ شأنه.
(٤) سلف كلام سيبويه ٤٩٤/١، و٣٩٤/٢، و٩٠/٨، وينظر الكشاف ٢٢٢/١.

٧٣
الآية : ١٩
وقوله سبحانه: ﴿فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ﴾ في موضع الحال من العائد
المحذوفِ، أي: بما لا يعلمه كائناً في ذلك، والمقصودُ منه تأكيدُ النفي المدلولِ
عليه بما قبله؛ فإنَّه قد جرى في العرف أن يقال عند تأكيد النفي للشيء: ليس هذا
في السماء ولا في الأرض؛ لاعتقاد العامَّة أنَّ كلَّ ما يوجد إمَّا في السماء وإمَّا في
الأرض، كما هو رأيُ المتكلِّمين في كلِّ ما سوى الله تعالى إذ هو سبحانه المعبودُ
المنزَّه عن الحلول في المكان، والآيات التي ظاهرها ذلك من المتشابه، والمذاهبُ
فيه شهيرةٌ، وهذا إذا أُريد بالسماء والأرض جهتا العلوِّ والسفل.
وقيل: الكلام إلزاميٌّ لِزَعْمِ المخاطَبين الكافرين أنَّ الأمر كذلك.
وقيل: إنَّ معنى الآية: أتخبرونَه تعالى بشريكٍ أو شفيع لا يعلم شيئاً في
السماوات ولا في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ
لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النحل: ٧٣]. وليس بشيءٍ.
﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: عن إشراكهم المستلزِم لتلك المقالة
الباطلة، أو عن شركائهم الذين يعتقدونَهم شركاء.
وقرئ: ((أتُنْبِئون)) بالتخفيف(١). وقرأ حمزة والكسائي ((تشركون)) بتاء
الخطاب(٢) على أنَّه من جملة القول المأمور به، وعلى الأول هو اعتراضٌ تذييليٍّ
من جهته سبحانه وتعالى.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أَنَةً وَحِدَةً﴾ أي: وما كان الناس كافَّةً من أول الأمر
إلا مثَّفقين على الحقِّ والتوحيدِ من غير اختلاف، وروي هذا عن ابن عباس
والسديٌّ ومجاهدٍ والجبائيِّ وأبي مسلم، ويؤيِّده قراءةُ ابنٍ مسعود څله: ((وما كان
الناس إلا أمةً واحدة على هدى))(٣)، وذلك من عَهْدِ آدمَ عليه الصلاة والسلام إلى
أَنْ قَتَل قابيلُ هابيلَ.
وقيل: إلى زمن إدريس عليه الصلاة والسلام.
(١) القراءات الشاذة ص٥٦، وتفسير القرطبي ٤٧٠/١٠، والبحر ١٣٤/٥، ونسبها القرطبي
لأبي السمال.
(٢) التيسير ص١٢١، والنشر ٨٢/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.
(٣) مجمع البيان ١١/ ٢٧.

سُوَلا تُونِسَ
٧٤
الآية : ١٩
وقيل: إلى زمن نوحِ عليه الصلاة والسلام، وكانوا عشرةَ قرونٍ. وقيل: كانوا
كذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام بعد أنْ لم يَبْقَ على الأرض من الكافرين ديَّارٌ،
إلى أنْ ظهر بينهم الكفر.
وقيل: من لَدُنْ إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أنْ أَظهرَ عمرو بنُ لحيٍّ عبادةَ
الأصنام، وهو المروي عن عطاء، وعليه فالمراد من ((الناس)): العربُ خاصّةً، وهو
الأنسبُ بإيراد الآية الكريمة إثْرَ حكاية ما حُكي عنهم (١) من الهنات، وتنزيه ساحةٍ
الکبریاء عن ذلك.
﴿فَأَخْتَلَفُواْ﴾ بأنْ كَفَر بعضُهم وثبتَ الآخرون على ما هم عليه، فخالَفَ كلٌّ مِن
الفريقَين الآخَرَ، والفاء للتعقيب، وهي لا تُنافي امتدادَ زمانِ الاتفاق؛ إذ المرادُ
بيانُ وقوعِ الاختلاف عقيبَ انصرام مدَّة الاتِّفاق لا عقيبَ حدوثه.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيِّكَ﴾ بتأخير القضاءِ بينهم - أو العذابِ الفاصل
بينهم - إلى يوم القيامة، فإنَّه يومُ الفصل والجزاء.
﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلاً ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بأنْ يُنزل عليهم آياتٍ ملجثةً
إلى اتِّباعِ الحقِّ ورفع الاختلاف، أو بأنْ يُهلكَ المُبْطِلَ ويُبْقِيَ المُحِقَّ، وصيغة
الاستقبال لحكاية الحال الماضيةِ والدلالةِ على الاستمرار.
ووجّهُ ارتباطِ الآيةِ بما قبلها أنَّها كالتأكيد لِمَا أشار إليه من أنَّ التوحيد هو
الدِّينُ الحقُّ، حيث أفادت أنَّه ملَّةٌ قديمةٌ اجتمعَت عليها الأمم قاطبةً، وأنَّ الشرك
وفروعَه جهالاتٌ ابتدعها الغواةُ خلافاً للجمهور وشقّاً لعصا الجماعة.
وقيل: وجْهُ ذلك أنَّه سبحانه بيَّن فيما قبلُ فسادَ القوم بعبادة الأصنام، وبيَّن في
هذه أنَّ هذا المذهبَ ليس مذهباً للعرب من أول الأمر، بل كانوا على الدِّين الحقِّ
الخالي عن عبادة الأصنام، وإنَّما حدثَت فيهم عبادتُها بتسويل الشياطين.
قيل: والغرضُ من ذلك أنَّ العرب إذا علموا أنَّ ما هم عليه اليوم لم يكن من
قبلُ فيهم، وإنَّما حدَثَ بعد أنْ لم يكن، لم يتعصَّبوا لنصرته، ولم يتأذَّوا من تزييفه
وإبطاله .
(١) في (م): منهم.

التفسير الإشاري (١ - ١٩)
٧٥
سُؤَرَّ تُونِسَ
وعن الكلبيِّ أنَّ معنى كونِهم أمةً واحدةً: اتِّفاقُهم على الكفر، وذلك في زمن
إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وروي مثلُه عن الحسن، إلا أنَّه قال: كانوا كذلك
من لَدُن وفاةٍ آدم إلى زمن نوح عليهما السلام، ثم آمَن مَن آمَن وبَقِيَ مَن بقي على
الكفر. وفائدةُ إيرادِ هذا الكلام في هذا المقام تسليتُهُ وَِّ، كأنَّه قيل: لا تطمع في
أنْ يصيرَ كلُّ مَن تدعوه إلى الإيمان والتوحيد مجيباً لك قابلاً لدينك، فإنَّ الناس
كلَّهم كانوا على الكفر، وإنَّما حَدَثَ الإيمان في بعضهم بعد ذلك، فكيف تطمعُ في
اتِّفاقِ الکلِّ علیه.
واعتُرض بأنَّه يلزم على هذا خلوُّ الأرض في عصرٍ من مؤمنٍ بالله تعالى عارفٍ
به، وقد قالوا: إنَّ الأرض في كلِّ وقتٍ لا تخلو عن ذلك.
وأُجيبَ بأنَّ عدمَ الخلوِّ في حيِّز المنع، فقد ورَدَ في بعض الآثار أنَّ الناس قبل
يوم القيامة ليس فيهم مَن يقول: الله الله، وعلى تقدير التسليم المرادُ بالاتّفاق على
الكفر اتفاقُ الأكثر. والحقُّ أنَّ هذا القولَ في حدِّ ذاته ضعيفٌ، فلا ينبغي التزامُ دَفْعٍ
ما يَرِدُ علیه.
وأَضعفُ منه - بل لا يكاد يصُ - كونُ المراد أنَّهم كانوا أمةً واحدةً، فاختلفوا
بأنْ أحدَثَ كلٌّ منهم ملَّةً على حدَة من مِلَلِ الكفر مخالفةً لملَّة الآخر؛ لأنَّ الكلام
ليس في ذلك الاختلاف، إذ كلٌّ مِن الفريقَين مُبْطِلٌ حينئذٍ، فلا يُتصوَّر أنْ يُقضَى
بينهما بإبقاء المحقِّ وإهلاك المبطل، أو بإلجاء أحدهما إلى اتِّباع الحقِّ ليرتفع
الاختلاف، كما لا يخفى.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿الَرَّ﴾ ((١)) إشارةٌ إلى الذات الذي هو أَوَّلُ
الوجود، و((ل)) إشارةٌ إلى العقل المسمَّى جبريل عليه السلام، وهو أوسطُ الوجود،
الذي يستفيضُ من المبدأ ويُفيض إلى المنتهى، و((ر)) إشارةٌ إلى الرحمة التي هي
الذاتُ المحمدية، وهي في الحقيقة أوَّل ووسطٌ وآخِر، لكنَّ الاعتباراتِ مختلفةٌ،
وكأنَّ ذلك قَسَمٌ منه تعالى بالحقيقة المحمَّديَّة على أنَّ ما تضمَّنَتْه السورةُ أو القرآن
من الآي آياتُ الكتاب المتقَن.

سُدَلُونِسَن
٧٦
التفسير الإشاري (١ - ١٩)
وقيل: المعنى: ما أُشير إليه بهذه الأحرف أركانُ كتاب الكلِّ ذي الحكمة أو
المحکم ومعظم تفاصيله.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ إنكارٌ لتعجُّبهم مِن سنَّة الله
الجارية، وهي الإيحاءُ إلى رجلٍ، وكان ذلك لبُعدهم عن مقامه (١)، وعدمٍ مناسبةٍ
حالِهم لحاله، ومنافاةٍ ما جاء به لِمَا اعتقدوه.
﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أي: خَوِّفْهم مِن أنْ يشركوا بي شيئاً ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ
قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ سابقةً عظيمةً وقربةً ليس لأحد مثلُها. وقيل: سابقةً رحمةٍ
أودَعَها في محمد أَّد.
﴿قَالَ الْكَفِرُونَ﴾ أي: المحجوبون عن الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: الكتاب
الذي جاء به محمدٌ وَلَ﴿ ﴿لَسَجِرٌ مُبِينٌ﴾، لمَّا رَأَوه خارجاً عن قُدَرِهم، واحتَجبوا
بالشَّيْطَنةِ عن الوقوف على حقيقة الحال قالوا ذلك.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: أوقاتٍ مقدارُ كلِّ
يوم(٢) منها دورةُ الفَلَكِ الأعظم مرَّةً واحدةً، كما نصَّ عليه الشيخ الأكبر(٣). والستةُ
عددٌ تامٌّ، واختاره الله تعالى لِمَا فيه من الأسرار (٤).
﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: المُلْكِ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرِّ﴾ على وفق حكمته بيد قُدرته.
وقد يُفسَّر العرشُ بقَلْبِ الكامل، فالكلامُ إشارةٌ إلى خَلْقِ الإنسان الذي انطوَى فيه
العالمُ بأسره.
﴿مَا مِن شَفِيع﴾ يَشفَعُ لأحدٍ بدَفْعِ ما يضرُّه أو جَلْبٍ ما ينفعُه ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِهِ﴾
بموهبة الاستعداد، ثم بتوفيق الأسباب.
﴿ذَلِكُمُ﴾ الموصوفُ بهذه الصفات الجليلة ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الذي يَربُّكم
ويُدبِّرُ أمرَكم ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فخصُّوه بالعبادة، واعْرِفوه بهذه الصفات، ولا تعبدوا
(١) في (م): مقامهم.
(٢) في الأصل: وقت.
(٣) في الباب التسعين وثلاث مئة من الفتوحات.
(٤) جاء في حاشية الأصل: وسينكشف البعض إن شاء الله تعالى في ((الدخان)).

التفسير الإشاري (١ - ١٩)
٧٧
سُورَةُلُونِسَ
الشيطان، ولا تحتَجِبُوا عنه تعالى فتنسبوا قولَه وفعله إلى الشيطان ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾
آياتِه التي خطّها بيد قدرته في صحائف الآفاق والأَنفُس، فتتفكّروا فيها وتَنْزَجِروا
عن الشرك به سبحانه.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا﴾ بالعود إلى عين الجمع المطلَقِ في القيامة الصغرَى، أو
إلى عينٍ جمع الذات بالفناء فيه تعالى عند القيامة الكبرى، كذا قيل(١).
وقال بعضُ العارفين: إنَّ مرجع العاشقين جمالُه، ومَرْجِعَ العارِفین جلالُه،
ومَرْجِعَ الموحِّدين كبرياؤه، ومَرْجِعَ الخائفين عَظَمتُه، ومَرْجِعَ المشتاقين وِصالُه،
ومَرْجِعَ المحبِّينَ دُنوُّهُ، ومَرْجِع أهل العناية ذاتُه.
وقال الجنيد قدِّس سرُّه في الآية: إنَّه تعالى منه الابتداء وإليه الانتهاء، وما بين
ذلك مرابعُ فضْلِه وتواتُرُ نعمه.
﴿وَعْدَ الَّهِ حَقًّاْ إِنَّهُ يَبْدَوَّا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يبدؤه في النشأة الأُولى ثم يُعيدُه
في النشأة الثانية، أو: يبدأ الخلقَ باختفائه وإظهارهم ثم يُعيدُه بإفنائهم وظهوره.
﴿لِجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ بَلْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ
وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ أي: يفعل ذلك ليجزيَ المؤمنَ والكافرَ على حَسَبٍ
ما يقتضيه عملُ كلِّ.
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ﴾ أي: جعَلَ شمسَ الروح ضياءً الوجود.
﴿وَالْقَمَرَ﴾ أي: قمرَ القلب ﴿نُرًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي: مقاماتٍ ﴿لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ
اُلْسِنِينَ﴾ أي: سِني مراتِكم وأطوارِكم في المسير إليه وفيه تعالى ﴿وَالْحِسَابَّ﴾ أي:
حسابَ درجاتكم ومواقعَ أقدامكم في كلِّ مقامٍ ومرتبةٍ.
ويقال: جعَلَ شمسَ الذات ضياءً للأرواح العارفةِ، وجعَلَ قمر الصفات نوراً
للقلوب العاشقة، ففنيَت الأرواحُ بصَوْلةٍ الذات في عين الذات، وبقيَت القلوبُ
بمشاهدة الصفات في عين الصفات. وهذه الشمسُ المشارُ إليها لا تغيبُ أصلاً عن
بصائر الأرواح، ومن هنا قال قائلهم:
(١) في تفسير ابن عربي ٣٠١/١.

سُوٌَّل ◌ُونَ
٧٨
التفسير الإشاري (١ - ١٩)
هي الشمسُ إلَّا أنَّ للشمسِ غيبةً وهذا الذي نَعنيه ليس يغيبُ(١)
﴿إِنَّ فِ اخْتِلَفِ اَلَّلِ﴾ أي: غَلَبةِ ظُلمة النفس على القلب. ﴿وَاَلنََّارِ﴾ أي: نهارٍ
إشراق ضوءِ الروح عليه ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ﴾ أي: سماوات الأرواح
﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي: أرض الأجساد ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ حُجُبَ صِفاتِ النفس
الأمَّارة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ﴾ أي: يُوْصِلُهم إلى
الجنات الثلاث بحَسَبٍ نور إيمانهم، فقولُه سبحانه: ﴿تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ في
جَنَتِ الَّعِيمِ﴾ كالبيان لذلك ﴿دَعْوَهُمْ﴾ الاستعداديُّ ﴿فِيهَا﴾ أي: في تلك الجنات
﴿سُبْحَتَكَ الَّهُمَّ﴾ إشارةٌ إلى تنزيهه تعالى، والتنزيهُ في الأُولى عن الشرك في الأفعال
بالبراءة عن حَوْلِهم وقوتهم، وفي الثانية عن الشرك في الصفات بالانسلاخ عن
صفاتهم، وفي الثالثة عن الشرك في الوجود بفنائهم.
﴿وَغَمِنَُّهُمْ﴾ أي تحيةُ بعضِهم لبعض، أو تحيةُ اللهِ تعالى ﴿فِيهَا سَلَمْ﴾ أي:
إفاضةُ أنوارِ التزكية وإمدادُ التصفية، أو إشراقُ أنوارِ التجلِيات وإمدادُ التجريدِ وإزالة
الآفات ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَيِينَ﴾ أي: آخِرُ ما يقتضيه استعدادُهم
قيامُهم بالله تعالى في ظهور كمالاته وصفاتٍ جلاله وجماله عليهم، وهو الحمدُ
الحقيقيُّ منه وله سبحانه.
﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْيِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآَيِيمًا﴾ أي: استَغْرقَ أوقاتَه في
الدعاء ﴿فَلَا كَثَفْنَا عَنْهُ مُرَّهُ مَزَ كَأَن ◌َّْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَةُ﴾ هذا وَصْفُ الذين لم
يدركوا حقائقَ العبوديةِ في مَشَاهِدِ الربوبية، فإنَّهم إذا أَظلمَ عليهم ليلُ البلاء قاموا
إلى إيقاد مصباح التضرُّع، فإذا انْجَلَتْ عنهم الغَياهِبُ بسطوع أنوار فَجْرِ الفَرَجِ،
نسُوا ما كانوا فيه، ومُرُّوا كأنْ لم يَدْعوا مولاهم إلى كشفِ ما عنَّاهم:
كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكْتَسَی
ولم يَكُ صُعلوكاً إذا ما تموَّلا(٢)
(١) البيت بهذه الرواية في لطائف الإشارات ٢/ ٨٠، وهو في البيان والتبيين ٢/ ١٨٧ برواية: هو
الشمس ... وهذا الفتى الجرمي ليس يغيب.
(٢) البيت لجابر بن ثعلب الطائي، كما في الكامل للمبرد ٢/ ٦٤٤، وشرح ديوان الحماسة
للمرزوقي ٣٠٥/١.

الآية : ٢٠
٧٩
سُنَ ◌ّ ◌ُونِسَ
ولو كانوا عارفين لم يَبَرَحوا دارةَ التضرُّع وإظهارِ العبودية بين يديه تعالى في كلِّ
حین.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَةُ وَحِدَةٌ﴾ على الفطرة التي فطَرَ اللهُ الناسَ عليها،
متوجِّهين إلى التوحيد، متنوّرين بنور الهداية الأصلية ﴿فَأَخْتَلَفُواْ﴾ بمقتضيات
النشأة، واختلافِ الأَمْزِجةِ والأهويةِ والعاداتِ والمخالطاتِ.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ وهو قضاؤه سبحانه الأزليُّ بتقدير الآجال
والأرزاق ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاك المبطِل وإبقاء المحقِّ، والمرادُ
أنَّ حكمة الله تعالى اقتضَت أنْ يبلغ كلٌّ منهم وجهتَه التي ولَّى وَجْهَهُ إليها بأعماله
التي يُزاولها هو وإظهار ما خفي في نفسه، وسبحان الحكيم العليم.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ حكايةٌ لجنايةٍ أُخرَى لهم، وفي ((الكشاف)) تفسيرُ المضارع
بالماضي، أي: وقالوا (١)، وجُعِلَ ذلك إشارةً إلى أنَّ العَطْفَ ليس على ((ويقولون
هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا)) كما يقتضيه ظاهرُ اللفظ، وإنَّما هو على قوله سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أَنْتٍ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ) وما بينهما اعتراضٌ، وأُوثِرَ المضارع على
الماضي ليؤذنَ باستمرار هذه المقالةِ، وأنَّها من دَأُبهم وعادتهم، مع ما في ذلك من
استحضار صورته الشنيعة.
وجوِّز العطف على ((يعبدون))، وهو الذي اقتصرَ عليه بعضُ المحقّقين، وأبقَى
بعضُهم الفعلَ على ظاهره، وله وجْهٌ. والقائلُ كفارُ مكة.
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَبِِّ﴾ أرادوا: آية من الآيات التي اقترحوها، كآيةٍ
موسى وعيسى عليهما السلام، ومعنى إنزالها عليه: إظهارُ اللهِ تعالى لها على
يده ﴿، وطلبوا ذلك تعثّاً وعناداً، وإلا فقد أتَى وَّهِ بآياتٍ ظاهرةٍ ومعجزاتٍ باهرةٍ
تعلو على جميع الآياتِ، وتفوقُ سائرَ المعجزات لاسيما القرآن العظيم الباقي
إعجازه على وجْهِ الدهر إلى يوم القيامة، ولَعمري لو أنصفوا لاستغنَوا عن كلِّ آيةٍ
(١) الكشاف ٢٣٠/٢.

سُۈۈلادُونِّن
٨٠
الآية : ٢٠
غيرِهِ عليه الصلاة والسلام، فإنَّه الآيةُ الكبرَى، ومَن رآه وسبَرَ أحواله لم يَكَدْ يشُ
في أنَّه رسول الله وَهـ
﴿فَقُلْ﴾ لهم في الجواب ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْنَظِرِينَ
٢٠
وهو جوابٌ - على ما قرَّره الطيبيُّ - على الأسلوب الحكيم، فإنَّهم حين طلبوا
ما طلبوا مع وجود الآيات المتكاثِرَةِ، دلَّ على أنَّ سؤالهم للتعنُّت كما علمتَ
آنفاً، فَأُجِيبُوا بما أُجيبوا ليؤذنَ بأنَّ سؤالهم سؤالُ المقترحِين يستحقُّون به نقمةَ الله
تعالى وحلولَ عقابه، يعني: أنَّه لابدَّ أنْ يستأصل شأفتكم لكنْ لا أعلمُ متى
يكونُ، وأنتم كذلك؛ لأنَّ ذلك من الغيب وهو مختصٍّ به تعالى لا يعلمه أحدٌ
غيرُه جلَّ شأنه، وإذا كان كذلك فانتظروا ما يُوجبه اقتراحُكم إنِّي معكم من
المنتظرين إياه.
وقيل: إنَّ المراد أنَّه تعالى هو المختصُّ بعلم الغيب، والصارفُ عن إنزال
الآيات المقترَحَة أمرٌ مُغَيَّبٌ، فلا يعلمه إلا هو.
واعتُرضَ عليه بأنَّه معيَّنٌ وهو عنادُهم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩].
وأُجيب: بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ عنادَهم هو الصارف فقد (١) يُجاب المعانِدُ، والآية
وإنْ دلَّت على بقائهم على العناد وإنْ جاءت لم تَدلَّ على أنَّ العناد هو الصارف.
واختارَ بعضُ المحقّقين(٢): أنَّ ما اقترحتُموه وزعمتُم أنَّه من لوازم النبوّة،
وعلَّقْتُم إيمانكم بنزوله، من الغيوب المختصَّة به سبحانه، لا وقوفَ لي عليه
((فانتظروا)» نزولَه ((إنِّي معكم من المنتظرين)) لِمَا يفعلُ الله تعالى بكم؛ لاجترائكم
على مثل هذه العظيمةِ من جحود الآيات واقتراحِ غيرها. واعترض على ما قيل بأنَّه
يأباه ترتيبُ الأمر بالانتظار على اختصاص الغيب به تعالی.
والذي يخطر بالبال أنَّ سؤال القوم - قاتلهم الله تعالى - متضمِّنٌ لدعوَى أنَّ
الصلاح في إنزال آيةٍ مما اقترحوه، حيثُ لم يعتبروا ما نَزَل ولم يلتفتوا إليه، فكأنَّهم
(١) في (م): وقد، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٦/٥، والكلام منه.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ١٣٣/٤.