Indexed OCR Text
Pages 561-580
الآية : ١١٨ ٥٦١ سُورَةُ التَّوَتَّةِ حتى إذا طال عليَّ ذلك مِن هَجْرِ المسلمين مشَيتُ حتى تسوَّرتُ حائط أبي قتادة - وهو ابنُ عمي وأحبُّ الناس إليَّ - فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام فقلتُ له: أبا قتادةَ، أنْشُدُكَ الله تعالى هل تعلم أنَّي أُحبُّ الله تعالى ورسوله بَّله؟ قال: فسكتَ، فعدتُ فنشدتُه فسكتَ، فعدتُ فنشدتهُ فقال: اللهُ تعالى ورسوله أعلم، ففاضَت عيناي وتولَّيتُ حتى تسوَّرتُ الجدار. فبينا أنا أمشي بسوقِ المدينة إذا نَبَطيٌّ من أنباط الشام(١)، ممَّن قدِم بطعامٍ يبيعُه بالمدينة يقول: مَن يدُلُّ على كعب بن مالك؟ فَطَفِقَ الناسُ يشيرون له إليَّ، حتى جاء فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسان، وكنتُ كاتباً، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فقد بلغَنَا أنَّ صاحبك قد جَفَاك، ولم يَجْعَلْكَ الله بدارِ هَوَانٍ ولا مَضْيعَةٍ، فالْحَقْ بنا نُواسِكَ. فقلتُ حين قرأتُها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيمَّمتُ بها التُّورَ فسَجَرْتُه فيها . حتى إذا مضَتْ أربعون ليلةً من الخمسين إذا برسولِ رسولِ اللهِ وَ ليه يأتيني فقال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ يأمرُك أنْ تَعتزِلَ امرأتَك. قلتُ: أُطلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها. وأرسل إلى صاحبَيَّ مثلَ ذلك. فقلتُ لامرأتي: الْحقِي بأهلك لتكوني(٢) عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر. فجاءت امرأةُ هلال بنِ أميةَ رسولَ الله ◌ِّهِ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ هلالاً شيخٌ ضائعٌ، ليس له خادمٌ، فهل تَكْرَهُ أنْ أخدمَه؟ فقال: ((لا، ولكِنْ لا يقربَنَّك)» قالت: وإنَّه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، والله مازال يَبكي من لَدُنْ أنْ كان مِن أَمْره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ اللهِصَ ﴿ في امرأتك، فقد أَذنَ لامرأة هلالٍ أنْ تخدمَه، فقلتُ: واللهِ لا أستأذنُ فيها رسولَ اللهِ وَّ﴾، وما أدري ماذا يقولُ إذا استأذنتُه، وأنا رجلٌ شابٌ. قال: فلبثتُ عشرَ ليالٍ فَكَمَلَ لنا خمسون ليلةً من حين نُهِيَ عن كلامنا. ثم صلَّيتُ صلاة الفجر صباحَ خمسينَ ليلةً على ظهرٍ بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله تعالى عنَّا، قد ضاقَت عليَّ نفسي وضاقَت عليَّ (١) وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفِلَاحة، وهذا النبطيُّ الشامي كان نصرانياً كما وقع في رواية معمر: إذا نصراني جاء بطعام له يبيعه. فتح الباري ٨/ ١٢٠. (٢) في صحيح البخاري: فتكوني، وفي مسند أحمد وصحيح مسلم: فكوني. سِوَرَةُ التَّوَيَّةِ ٥٦٢ الآية : ١١٨ الأرضُ بما رحُبَت، سمعتُ صارخاً أوفَى على جبلٍ سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بنَ مالك أبْشِرْ. فخرَرْتُ ساجداً، وعرفتُ أنْ قد جاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ اللهِ وَه بتوبةِ الله تعالى علينا حين صلَّى الفجر، فذهبَ الناسُ يُبَشِّروننا، وذهبَ قِبَلَ صاحبَيَّ مبشِّرون، وركض إليَّ رجلٌ فرساً، وسعَى ساعٍ مِن أسلَمَ وأوفى الجبلَ(١)، فكان الصوتُ أسرعَ من الفرس، فلمّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبِشِّرني نزعتُ له ثوبَيَّ وكسوتُهما إياه ببشارته، واللهِ ما أَملِكُ غيرَهما يومئذٍ، فاستعرتُ ثوبَين فلبستُهما، فانطلقتُ أَوْمُّ رسولَ الله ◌ِّهِ، فتلقَّاني الناسُ فوجاً بعد فوجٍ يُهنّؤُونَني بالتوبة، يقولون: لتهنِكَ توبةُ الله تعالى عليك، حتى دخلتُ المسجد، فإذاَ رسولُ اللهِ وَّ جالسٌ في المسجد حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنَّأني، واللهِ ماقام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيرهُ. قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحةً. قال كعبٌ: فلمَّا سلَّمتُ على رسول الله وَّهِ قال وهو يَبرُقُ وجهُه من السرور: (أُبْشِر بخيرٍ يوم مرَّ عليك مُنذُ ولدتكَ أمُّك)) قلتُ: أَمِن عندك يا رسول الله أمْ من عند الله؟ قال: ((لا، بل مِن عندِ الله))، وكان رسول اللهَ وَّل إذا سُرَّ استنار وجْهُهُ حتى كأنَّه قطعةُ قمرٍ. فلمَّا جلستُ بين يديه قلت: يا رسول الله، إنَّ من توبتي أنْ أنخلعَ مِن مالي صدقةً إلى الله تعالى ورسوله نَّهِ. قال: ((أمسك بعضَ مالكَ فهو خيرٌ لك)) قلت: إني أمسكُ سهمي الذي بخيبرَ، وقلت: يا رسولَ الله إنَّما نجَّاني الله تعالى بالصدق، وإنَّ مِن توبتي أنْ لا أحدِّثَ إلا صدقاً ما بقيتُ، فوالله ما أعلمُ أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى في الصدق بالحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله وَ﴿ أحسنَ مما أبلاني(٢) الله تعالى، واللهِ ما تعمَّدتُ كذْبةً منذ ذلك إلى يومي هذا، وإنِّي لأَرْجو أن يحفظَني الله تعالى فيما بقي، قال: وأنزل الله تعالى: (لَّقَد تَّابَ) الآية. (١) في (م): وأوفى على الجبل. (٢) أي: أنعم عليَّ، والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر، لكن إذا أطلق كان للشر غالباً، فإذا أريد الخير قيِّد كما قيِّد هنا، فقال: أحسن مما أبلاني. شرح صحيح مسلم للنووي ١٧ / ٩٧. الآية : ١١٨ ٥٦٣ سُورَةُ التَّوَّةِ فوالله ما أنعمَ الله تعالى عليَّ من نعمةٍ قٌّ بعدَ أنْ هَدَاني الله سبحانه للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله عليه الصلاة والسلام يومئذ أنْ لا أكونَ كذبتُه(١)، فأهلِك كما هلك الذين كَذَبُوه، فإنَّ الله تعالى قال للذين كَذْبَوه حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ فقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ) إلى قوله سبحانه: (الْفَسِقِينَ)(٢). وجاء في روايةٍ عن كعب ◌َّه قال: نَهى رسولُ اللهِ وَّ عن كلامي وكلام صاحبيَّ، فلبثتُ كذلك حتى طال عليَّ الأمرُ، وما من شيءٍ أهمُ إليَّ مِن أنْ أموتَ فلا يُصلِّي عليَّ رسولُ اللهِّهِ، أو يموتَ رسولُ الله ◌ِوَّهِ فأكونَ من الناس بتلكَ المنزلةِ، فلا يُكلمُني أحدٌ منهم ولا يُصلِّ عليَّ، فأنزلَ الله تعالى توبتنا على نبيِّه وَلَيه حين بقي الثلثُ الأخير من الليل، ورسول اللهَ وَّ﴿ عند أمِّ سلمة، وكانت مُحسِنةً في شأني مَعْنَيَّة في أمري، فقال رسول الله وَّهِ: ((يا أمَّ سَلمةَ تِيْبَ على كعبِ بنِ مالك» قالت: أَفلا أُرسلُ إليه أُبشِّرُه؟ قال ((إذاً تَحِطِمَكم الناسُ فَيَمْنعَونَكم الَّوم سائرَ الليل)) حتى إذا صلَّى نََّ صلاة الفجرِ آذَنَ بتوبة الله تعالى علينا(٣). هذا وفي وَصْفِه سبحانه هؤلاء بما وصَفَهم به دلالةٌ وأَيَّةُ دلالةٍ على قوَّة إيمانهم وصِدْقٍ توبتهم. وعن أبي بكر الورَّاق(٤) أنَّه سئل عن التوبة النَّصوح، فقال: أنْ تَضِيقَ على التائبِ الأرضُ بما رحُبتْ وتَضِيقَ عليه نفسُه، كتوبةٍ كعب بن مالك وصاحبيه. (١) قال النووي ٩٨/١٧: هكذا هو في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري، قال العلماء: لفظة ((لا)) في قوله: ألا أكون، زائدة، ومعناه: أن أكون كذبته، كقوله تعالى ﴿مَا مَنََّكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتٌُ﴾. (٢) مصنف عبد الرزاق (٩٧٤٤)، ومصنف أبن أبي شيبة ٥٤٠/١٤-٥٤٥، ومسند أحمد (١٥٧٨٩)، وصحيح البخاري (٤٤١٨)، وصحيح مسلم (٢٧٦٩)، وسنن البيهقي ٣٦٦/٢. (٣) أخرجه البخاري (٤٦٧٧). (٤) محمد بن عمر الحكيم، أصله من ترمذ، وأقام ببلخ، له الكتب المشهورة في أنواع الرياضيات والمعاملات والآداب. طبقات الصوفية ص٢٢١. وذكر قوله الزمخشري في الكشاف٢١٩/٢، والقرطبي ٤٢٠/١٠. سُورَةُ التَّوَّةِ ٥٦٤ الآية : ١١٩ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما لا يرضاه ﴿وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ أي: مِثْلَهم في صِدْقِهم، وأخرج ابنُ الأنباري(١) عن ابن عباس أنَّه كان يقرأ: ((وكونوا من الصادقين))، وكذا رَوَى البيهقيُّ وغيرُه عن ابن مسعود أنَّه كان يقرأ كذلك(٢). والخطابُ قيل: لمن آمَن مِن أهل الكتاب، ورُوي ذلك عن ابن عباس، فيكونُ المرادُ بالصادقين: الذينَ صَدَقوا في إيمانهم ومُعاهَدَتِهِم اللهَ تعالى ورسولَه وَلِّ على الطاعة . وجوِّز أنْ يكونَ عامًّا لهم ولغيرهم، فيكونُ المرادُ بالصادقين: الذين صَدَقوا في الدِّين نيةً وقولاً وعملاً. وأنْ يكونَ خاصًّا بمن تخلَّف ورَبَطَ نفسَه بالسَّواري، فالمناسبُ أنْ يُراد بالصادقين الثلاثةُ، أي: كونوا مثلَهم في الصِّدْقِ وخلوصِ النية. وأخرج ابنُ المنذر وابنُ جرير عن نافع: أنَّ الآية نزلت في الثلاثة الذين خلِّفوا، والمرادُ بالصادقين محمدٌ رَّهِ وأصحابه(٣). وبذلك فسَّرِه ابنُ عمر كما أخرجه ابنُ أبي حاتم (٤) وغیرُه. وعن سعيد بن جبير أنَّ المرادَ: كونوا مع أبي بكر وعمرَ رًِّا. وأخرج ابنُ عساكر وآخرون عن الضحَّاك أنَّه قال: أُمِرُوا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما(٥). وأخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس، وابنُ عساكر عن أبي جعفر، أنَّ المراد: كونوا مع عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(٦). وبهذا استَدَلَّ بعضُ الشيعة على أَحقّيَّته (١) في المصاحف كما في الدر المنثور٢٩٠/٣. (٢) شعب الإيمان (٤٧٨٩) و(٤٧٩٠)، وأخرجه أيضاً الطبري ١٩/١٢، وابن أبي حاتم ٦ / ١٩٠٦، وجاء في الشعب: ((وكونوا مع الصادقين)). (٣) تفسير الطبري ٦٨/١٢، وتفسير ابن أبي حاتم ١٩٠٦/٦، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٨٩/٣. (٤) في تفسيره ٦/ ١٩٠٦ . (٥) تاريخ ابن عساكر ٣١٠/٣٠، وأخرجه أيضاً الطبري ١٢/ ٦٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٦. (٦) خبر ابن عباس عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣/ ٢٩٠، وخبر أبي جعفر في تاريخ ابن عساكر ٣٦١/٤٢. الآية : ١١٩ ٥٦٥ سُؤَةُ التَّوَتَّةِ كرم الله تعالى وجهه بالخلافة، وفسادُه - على تسليم(١) صحة الرواية - ظاهرٌ. وعن السُّدي أنَّه فسَّر ذلك بالثلاثة ولم يتعرَّض للخطاب. والظاهرُ عمومُ الخطاب، ويندرجُ فيه التائبون اندراجاً أوَّليًّا، وكذا عمومُ مفعولٍ (اثَّقوا))، ويدخُلُ فيه المعاملةُ مع رسول الله وَّر في أمر المغازي دخولاً أوَّلِيًّا أيضاً، وكذا عمومُ ((الصادقين)) ويُراد بهم ما تقدَّم على احتمال عمومِ الخطاب. وفي الآية ما لا يخفَى من مدْحِ الصِّدقِ، واستَدلَّ بها - كما قال الجلالُ السيوطيُّ(٢) - مَن لم يُبحِ الكذب في موضعٍ من المواضع لا تصريحاً ولا تعريضاً. وأخرج غيرُ واحد عن ابن مسعود أنَّه قالَ: لايصلُح الكذب في جدِّ ولا هَزْلٍ، ولا أنْ يَعِدَ أحدُكم صبيَّه شيئاً ثم لا يُنجِزُه، وتلا الآية(٣). والأحاديثُ في ذمِّه أكثرُ من أنْ تُحصَى، والحقُّ إباحتُه في مواضعَ؛ فقد أخرج ابنُ أبي شيبة وأحمدُ عن أسماءَ بنتِ يزيد عن النبيِّ وَِّ قال: ((كلُّ الكَذِبِ يُكتَبُ على ابن آدم إلا رجلٌ كذَبَ في خَديعَةِ حربٍ، أو إصلاحٍ بين اثنين، أو رجلٌ يُحدِّث امرأتَه ليُرْضِيَها))(٤). وكذا إباحةُ المعاريض، فقد أخرج ابنُ عديّ عن عِمْران بنِ حُصين قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ في المعاريضِ لمندوحةً عن الكذبِ))(٥). (١) في (م): على فرض. (٢) في الإكليل ص ١٤٥ . (٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٤٨ - تفسير)، والطبري ١٢ / ٦٩ . (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ٨٥، ومسند أحمد (٢٧٥٧٠)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٩٣٩). وفي إسناده شهر بن حوشب وهو ضعيف. وأخرج مسلم (٢٦٠٥) من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمّه أُمِّ كلثوم بنت عقبة، عن النبي ◌َّ: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً ويَنْمي خيراً)) قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخّص في شيءٍ مما يقول الناس كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها . (٥) الكامل لابن عدي ٣/ ٩٦٣، وأخرجه أيضاً البيهقي ١٩٩/١٠، وأخرجه موقوفاً البخاري في الأدب المفرد (٨٥٧)، والبيهقي ١٩٩/١٠ وقال: هذا هو الصحيح موقوف. سُورَةُ التَّوَّةِ ٥٦٦ الآية : ١٢٠ ﴿مَا كَانَ﴾ أي: ما صحَّ ولا استقام ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ﴾ كمُزينة وجُهينة وأَشجع وغِفَار وأَسلم وأضرابِهِم ﴿أَن يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ عند توجّهه عليه الصلاة والسلام إلى الغزو ﴿وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي: لا يَصْرفوها عن نفسه الكريمة، ولا يصونوها عمَّا لم يَصُنها عنه، بل يُكابدون ما يُكابِدُه من الشدائد. وأصلُه: لا يترقَّعوا بأنفسِهم عن نفسه بأنْ يَكرَهوا لأنفسهم المكارِه ولا يَكْرَهوها له عليه الصلاة والسلام، بل عليهم أنْ يعكسوا القضيةَ، وإلى هذا يُشير كلامُ الواحديِّ حيث قال: يقال: رغبتُ بنفسي عن هذا الأمر، أي: ترفّعتُ عنه(١). وفي ((النهاية)) يقال: رغبتُ بفلانٍ عن هذا الأمر، أي: كرهتُ له ذلك(٢) . وجوِّز في ((يَرْغَبوا)) النصبُ بعَظْفِه على ((يتخلَّفوا)) المنصوبِ بـ ((أنْ))، وإعادةٌ ((لا)) لتذكير النفي وتأكيدِه، وهو الظاهرُ، والجزمُ على النهي وهو المرادُ من الكلام، إلّا أنَّه عَبَّر عنه بصيغة النفي للمبالغة. وخُصَّ أهلُ المدينة بالذكر لقُرْبِهِم منه عليه الصلاة والسلام، وعِلْمِهم بخروجه. وظاهرُ الآية وجوبُ النفير إذا خرج رسول الله وَ ط فيه إلى الغزو بنفسه. وذَكَر بعضُهم أنَّه استُدِلَّ بها على أنَّ الجهاد كان فرضَ عينٍ في عهده عليه الصلاة والسلام، وبه قال ابنُ بطال، وعلَّله بأنَّهم بايعوه عليه عليه الصلاة والسلام، فلا يجبُ النفيرُ مع أحدٍ من الخلفاء مالم يُلِمَّ العدوُّ ولم يُمْكِنْ دفعُه بدونه. وقدَّر بعضُهم في الآية مضافاً إلى ((رسول))، أي: أنْ يتخلَّفوا عن حُكُمٍ رسول الله وَللتر، وهو خلافُ الظاهر، وعليه يكون الحكم عامًّا، وفيه بحث. وأخرج ابنُ جرير وغيرُه عن ابن زيد أنَّ حُكم الآية حين كان الإسلامُ قليلاً، فلمَّا كثُر وفَشَا قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَفَّةٌ)(٣). وأنت تعلمُ أنَّ الإسلام كان فاشياً عند نزول هذه السورة. (١) الوسيط ٢/ ٥٣٤. (٢) النهاية(رغب). (٣) تفسير الطبري ١٢/ ٧٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٧. الآية : ١٢٠ ٥٦٧ سُورَةُ التَّوَنَّةِ ولا يخفى ما في الآية من التعريض بالمتخلِّفين رغبةً باللذائد، وسكوناً إلى الشهوات، غيرَ مُكترثين بما يكابد عليه الصلاة والسلام، وقد كان تخلَّفَ جماعةٌ عنه وٌَّ كما علمتَ لذلك. وجاء أنَّ أناساً من المسلمين تخلَّفوا، ثم إنَّ منهم مَن نَدِمَ وكَرِهِ مكانه فَلَحِقَ برسول الله وَّ، غيرَ مبالٍ بالشدائد كأبي خيثمة. فقد رُوي أنَّه رَبِهِ بَلَغْ بُستانه، وكانت له امرأةٌ حسناءُ، فرشَتْ(١) له في الظلّ، وبسطَّت له الحصيرَ، وقَرَّبت إليه الرُّطَبَ والماءَ البارد، فنظر فقال: ظلٌ ظليلٌ، ورُطَبٌ يانِعٌ، وماءٌ باردٌ، وامرأةٌ حسناء، ورسولُ اللهِوَِّ في الضِّحِّ والرِّيحِ، ما هذا بخيرٍ. فقام (٢) فرحَل ناقَتَه وأَخذَ سيفَه ورُمحه، ومرَّ كالريح، فمدَّ رسول الله وَّل طرفَه إلى الطريق فإذا براكبٍ يزهاه السرابُ فقال عليه الصلاة والسلام: ((كُن أبا خيثمة)) فكانه، ففرحَ به رسولُ الله ◌َلّر واستغفر له(٣). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما دلَّ عليه الكلام من وجوب المشايعة ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسببٍ أَنَّهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ﴾ أي: شيءٌ من العطش، وقرئ بالمدَّ والقصر(٤) ﴿وَلَا نَصَبٌّ﴾ ولا تعبِّ ما ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ ولا مجاعةٌ ما ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في جهاد (١) مِن رشّ الماء، ويجوز أن يكون: فَرشَتْ، من الفرش، فيكون قوله بعده: بسطت، حينئذ تفسيراً له، حاشية الشهاب ٤/ ٣٧٤. (٢) في الأصل و(م): مقام، والمثبت من الكشاف ٢١٩/٢، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤/ ٣٧٤. (٣) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف ٢١٩/٢، والبيضاوي ٣٧٤/٤، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢٢٢/٥ من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن أبا خيثمة ... ، وهو في سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٠ عن ابن إسحاق قوله. وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (٥٤١٩) من حديث سعد بن خيثمة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٩٣/٦: فيه يعقوب بن محمد الزهري وهو ضعيف. وورد ذكرُ لحاق أبي خيثمة بالنبي وَ﴿ وقولُه عليه الصلاة والسلام ((كن أبا خيثمة)) ضمن حديث كعب السالف في رواية مسلم (٢٧٦٩). وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص ٨٢. قوله: يزهاه السراب، أي: يرفع شخصه للناظر. حاشية الشهاب ٤/ ٣٧٤. (٤) الكشاف ٢/ ٢٢٠، والبحر ١١٢/٥. سُورَةُ التَّوَّة ٥٦٨ الآية : ١٢٠ أعدائه، أو في طاعته سبحانه مطلقاً ﴿وَلَا يَطَّقُونَ مَوِْئًا يَغِيَظُ الْكُفَّارَ﴾ أي: يُغْضِبُهم ويُضيِّق صدورهم. والوظء: الدوس بالأقدام ونحوِها كحوافرِ الخيل، وقد يُفسَّر بالإيقاع والمحاربة، ومنه قوله بَله: ((آخِر وَظْأةٍ وَطِئها الله تعالى بِوَجٍ))(١) والموطِئ اسمُ مکان على الأشهر الأظهر. وفاعل ((يغيظُ)) ضميرُه بتقديرٍ مضافٍ، أي: يَغيُ وَظْؤُه، لأنَّ المكان نفسَه لا يَغيظُ، ويحتمل أنْ يكون ضميراً عائداً إلى الوطءِ الذي في ضِمْنِهِ، وإذا جُعِلَ الموطِئُ مصدراً کالمؤرِدِ فالأمرُ ظاهرٌ. ﴿وَلَا يَنَالُونَ﴾ أي: ولا يأخذون ﴿مِنْ عَدُوٍ ثَّيْلًا﴾ أي: شيئاً من الأَخْذِ، فهو مصدرٌ كالقَتْلِ والأسر، والفعلُ نال يَنيل، وقيل: نال ينول، فأصل ((نَيْلا)»: نَوْلاً، فأُبدلَت الواوُ ياءً على غير القياس. ويجوز أنْ يكون بمعنى المأخوذ، فهو مفعولٌ به لـ ((ينالون)»، أي: لا ينالون شيئاً من الأشياء ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ﴾ أي: بالمذكور، وهو جميعُ ما تقدَّم ولذا وَخَّدَ الضمير. ويجوز أنْ يكونَ عائداً على كلِّ واحدٍ من ذلك على البدل، قال النسفي(٢): وَحَّدَ الضميرَ لأنَّه لمَّا تكرَّرتْ ((لا)) صار كلُّ واحدٍ منها على البدل مفرداً بالذِّكر مقصوداً بالوعد، ولذا قال فقهاؤنا: لو حلفَ لا يأكلُ خبزاً ولا لحماً حَنَثَ بواحدٍ منهما، ولو حلفَ لا يأكلُ لحماً وخبزاً لم يَحْنَث إلا بالجمع بينهما . والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من ((ظمأ)) وما عُطِفَ عليه، أي: لا يُصيبهم ظمأُ ولا كذا إلا مكتوباً لهم به ﴿عَمَلٌ صَلِحٌ﴾ أي: ثوابُ ذلك، فالكلام بتقدیرِ (١) أخرجه أحمد (١٧٥٦٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٦٤) من حديث يعلى بن مرة العامري رائه وإسناده ضعيف، وأخرجه أحمد أيضاً (٢٧٣١٤) من حديث خولة بنت حكيم ثنا، وإسناده ضعيف أيضاً. قال البيهقي: الوطأة المذكورة في هذا الحديث عبارة عن نزول بأسه به، قال أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي: معناه عند أهل النظر أن آخر ما أوقع الله سبحانه بالمشركين بالطائف، كان آخر غزوة غزاها رسول الله وصله. ووجٌّ وادٍ بالطائف. (٢) كما في حاشية الشهاب ٤/ ٣٧٦، وعنه نقل المصنف. الآية : ١٢١ ٥٦٩ سُورَةُ التَونِيّ مضافٍ، وقد يُجْعَل كنايةً عن الثواب وأُوِّلَ به، لأنَّه المقصودُ من كتابة الأعمال، والتنوينُ للتفخيم. والمرادُ أنَّهم يستحقُون ذلك استحقاقاً لازماً بمقتضى وعدِهِ تعالی، لا بالوجوب علیه سبحانه. واستُدلَّ بالآية على أنَّ مَن قَصَدَ خيراً كان سعيُه فيه مشكوراً، من قيام وقعودٍ ومَشْيٍ وكلامٍ وغيرٍ ذِلك، وعلى أنَّ المَدَدَ يُشارك الجيْشَ في الغنيمة بعد انقضاء الحرب، لأنَّ وَظْءَ ديارهم مما يَغيظهم. ولقد أَسْهَم النبيُّ ◌َِّ لابنَيْ عامٍ وقد قَدِما بعد تَقَضِّي الحرب(١). واستدلَّ بها - على ما نقَلَ الجلالُ السيوطيُّ - أبو حنيفة رَُّه على جواز الزنا بنساءِ أهلِ الحرب في دار الحرب(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ ﴾ على إحسانهم، والجملةُ في موضع التعليل للكُثْب، والمرادُ بـ ((المحسنين)) إمَّا المبحوثُ عنهم، ووُضِعَ المُظْهرُ موضعَ المُضْمَرِ لمْحِهم والشهادةِ لهم بالانتظام في سِلْك المحسنين، وأنَّ أعمالهم من قَبِيل الإحسانِ، وللإشعار بعلِّية المأخذ للحكم، وإمَّا الجنسُ وهم داخلون فيه دخولاً أوليًّا. ﴿وَلَا يُفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً﴾ ولو تَمْرَةً، أو عِلَاقةَ سَوطِ ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ كما أنفقَ عثمان رُهُ في جيشِ العُسْرَة، وذَكَر الكبيرةَ بعد الصغيرة وإِنْ عُلِمَ مِن الثواب على الأُولَى الثوابُ على الثانية، لأنَّ المقصودَ التعميمُ لا خصوصُ المذكورِ، إذ المعنى: ولا يُنفقون شيئاً ما، فلا يُتُوهَّم أنَّ الظاهر العكس. وفي ((إرشاد العقل السليم))(٣): أنَّ الترتيب باعتبارِ كَثْرةِ الوقوع وقِلَّتِهِ، وتوسيط ((لا)) للتنصيص على استبدادِ كلٌّ منهما بالكَتْبِ والجزاء، لا لتأكيدِ النفي كما في (١) الكشاف ٢٢٠/٢، وتفسير النسفي ٢/ ٢٦٠، وعنه نقل المصنف. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٨٢: لم أره هكذا، ثم ذكر حديث أبي موسى ربه في صحيح البخاري (٤٢٣٣)، وصحيح مسلم (٢٥٠٢)، ولفظه عند البخاري: قدمنا على النبي ◌َّر بعد أن افتتح خیبر فقسم لنا ولم یقسم لأحد لم یشهد الفتح غیرنا. (٢) الإكليل ص ١٤٥ . (٣) ٤ /١١١. سُوَّةُ التَّوَنَّةِ ٥٧٠ الآية : ١٢١ قوله تعالى شأنه: ﴿وَلَا يَقْطَّعُونَ﴾ أي: ولا يتجاوزون في سيرهم لِغَزْوٍ ﴿وَادِيًا﴾ وهو في الأصل اسمُ فاعلٍ من وَدى: إذا سال، فهو بمعنى السيل نفسِهِ، ثم شاعَ في محلِّه، وهو المنفرجُ(١) من الجبال والآكام التي يسيلُ فيها الماء، ثم صار حقيقةً في مطلق الأرض، ويُجمع على أَوْدٍةٍ، كَنَادٍ على أنْدية، ونَاجٍ على أَنْجِيَة، ولا رابعَ لهذه على ما قيل في كلام العرب. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أي: أُثبتَ لهم، أو كُتب في الصحف أو اللوح، ولا يفسّر الكَتْبُ بالاستحقاق لمكان التعليل بعدُ، وضميرُ ((كُتِبَ)) على طرز ما سبق، أي: المذكور، أو كلّ واحدٍ. وقيل: هو للعمل، وليس بذاك. وفُصِل هذا وأُخِّر، لأنَّه أهونُ مما قبله. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ أي: أحسنَ جزاءٍ أعمالهم، على معنى: أنَّ لأعمالهم جزاءً حسناً وأَحْسَنَ، وهو سبحانه اختار لهم أحسنَ جزاء، فانتصابُ ((أحسنَ)) على المصدرية لإضافته إلى مصدرٍ محذوف. وقال الإمام: فيه وجهان: الأول: أنَّ الأحسن صفةُ عَمَلِهم، وفيه الواجبُ والمندوبُ والمباح، فهو يجزيهم على الأوَّلَين دون الأخير(٢). والظاهرُ أنَّ نَصْبَ ((أحسن)) حينئذٍ على أنَّه بدلُ اشتمالٍ من ضمیرٍ ((یجزیھم)» كما قيل. وأورد عليه أنَّه ناءٍ عن المقام مع قِلَّة فائدته، لأنَّ حاصله أنَّه تعالى يجزيهم على الواجب والمندوب، وأنَّ ما ذكر منه، ولا يخفَى ركاكتهُ وأنَّه غيرُ خفيٍّ على أحدٍ. وكونُه كنايةً عن العفو عمَّا فَرَط منهم في خلاله إنْ وقع، لأنَّ تخصيص الجزاء به يُشعر بأنَّه لا يُجازي على غيره = خلافُ الظاهر. (١) في الأصل و(م): المنعرج، والمثبت من الكشاف ٢/ ٢٢٠، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٧٦/٤، وتفسير أبي السعود١١١/٤. وفي القاموس (ودى): الوادي: مَفْرَجُ ما بين جبالٍ أو تلالٍ أو آكام. (٢) تفسير الرازي ٢٢٤/١٦-٢٢٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤/ ٣٧٧، وما سيأتي منه. الآية : ١٢٢ ٥٧١ سُورَةُ التَّوَّةِ ثم قال: الثاني: أنَّ الأحسنَ صفةٌ للجزاء، أي: ليجزيَهم جزاءً هو أحسن من أعمالهم وأفضلُ، وهو الثوابُ(١). واعترضه أبو حيان: بأنَّه إذا كان الأحسنُ صفةَ الجزاء كيف يُضاف إلى الأعمال وليس بعضاً منها؟ وكيف يفضَّل عليهم بدون ((من))(٢). ولا وجْهَ لدْعِه بأنَّ أصله: مما كانوا إلخ، فحَذَفَ ((مِن)) مع بقاء المعنَى على حاله كما قيل، لأنَّه لا محصِّل له. هذا ووَصَف النفقة بالصغيرةِ والكبيرةِ دون القليلةِ والكثيرة، مع أنَّ المراد ذلك، قيل: حملاً للطاعة على المعصية، فإنَّها إنَّما تُوصَفُ بالصغيرة والكبيرة في كلامهم دون القليلةِ والكثيرة، فتأمَّل. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ أي: ما استقام لهم أنْ يَخرجوا إلى الغزو جميعاً. روى الكلبيُّ عن ابن عباس ◌ُها: أنَّه تعالى لمَّا شدَّد على المتخلِّفين قالوا: لا يتخلَّفُ منا أحدٌ عن جيشٍ أو سَرِيَّةٍ أبداً، ففعلوا ذلك وبقي رسولُ الله ◌ِلمه وَحْدَه، فنزل (وَمَا كَانَ) إلخ، والمرادُ نهيُهُم عن النفير جميعاً لِمَا فيه من الإخلال بالتعلُّم. ﴿فَوْلَا نَفَرَ﴾ ((لولا)) هنا تحضيضيَّة، وهي مع الماضي تُفيد التوبيخَ على تَرْكِ الفعل، ومع المضارع تُفيد طلبَه والأمرَ به، لكنَّ اللوم على الترك فيما يُمكن تَلافيه قد يُفيد الأمرَ به في المستقبل، أي: فهلَّا نفَرَ ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ أي: جماعةٍ كثيرةٍ هُمْ﴾ كأهل بلدةٍ أو قبيلةٍ عظيمةٍ ﴿طَآئِفَةٌ﴾ أي: جماعةٌ قليلةٌ، وحَمْلُ الفرقةِ والطائفة على ذلك مأخوذٌ من السياق و ((مِن)) التبعيضية، لأن البعضَ في الغالب أقلُّ من الباقي، وإلَّا فالجوهريُّ لم يفرِّق بينهما(٣). وذكر بعضُهمِ أنَّ الطائفة قد تَقَعُ على الواحد، وآخرون أنَّها لا تقع، وأنَّ أقلّها اثنان، وقيل: ثلاثة. (١) تفسير الرازي ٢٢٥/١٦. (٢) البحر ١١٣/٥، وحاشية الشهاب ٤/ ٣٧٧. (٣) ينظر الصحاح (طوف) و(فرق). سُؤَدَّةُ الْتُوَّةِ ٥٧٢ الآية : ١٢٢ ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الذِينِ﴾ أي: ليتكلَّفوا الفقاهة فيه، فصيغةُ التفعُّل للتكلُّف، وليس المرادُ به معناه المتبادرَ، بل مُقاساةَ الشدّة في طلب ذلك لصعوبته، فهو لا يحصل بدون جدِّ وجهدٍ. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (٣)﴾ أي: عمَّا يُنذَرُون منه، وضميرُ (يتفقهوا)) و((ينذروا)) عائدٌ إلى الفرقة الباقيةِ المفهومة من الكلام. وقيل: لابدَّ من إضمارٍ وتقديرٍ، أي: فلولا نَفَر مِن كل فرقةٍ طائفةٌ وأقام طائفةٌ ليتفقهوا . . إلخ. وكان الظاهرُ أنْ يقال: ليُعلِّموا، بَدَلَ ((ليُنذروا))، ويَفْقَهون بدل ((يحذرون))، لكنَّه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنَّه ينبغي أنْ يكونَ غرضُ المعلِّم الإرشادَ والإنذار، وغرضُ المتعلُّم اكتسابَ الخشيةِ لا التبسُّطَ والاستكبار. قال حجَّةُ الإسلام الغزالي(١) عليه الرحمة: كان اسمُ الفقه في العصر الأول اسماً لعِلْم الآخرة، ومعرفةٍ دقائق آفات النفوسِ ومُفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارةِ الدنيا، وشدَّة التطلّع إلى نعيم الآخرةِ، واستيلاءِ الخوفِ على القلب، ويدلُّ عليه هذه الآية، فما به الإنذارُ والتخويف هو الفقه دون تعريفات الطلاق واللِّعان والسَّلَم والإجارة(٢). وسأل فرقدُ السبخيُّ الحسنَ عن شيءٍ فأجابه، فقال: إنَّ الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتكَ أمُّك، هل رأيتَ فقيهاً بعينك(٣)؟ إنما الفقيهُ: الزاهدُ في الدنيا، الراغبُ في الآخرة، البصيرُ بدينه، المداوِمُ على عبادة ربِّه، الورِعُ الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيفُ عن أموالهم، الناصحُ لجماعتهم. ولم يقل في جميع ذلك: الحافظُ لفروعِ الفتاوى. اهـ. وهو من الحُسْن بمكان، لكنَّ الشائعَ إطلاقُ الفقيه على مَن يحفظ الفروعَ مطلقاً، سواءٌ كانت بدلائلها أم لا، كما في ((التحرير))(٤). وفي ((البحر)) عن (١) في الإحياء ٣٢/١. (٢) في (م): والإجارات. (٣) في(م) يعينك. (٤) لابن الهمام مع شرحه التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢٩١/٣-٢٩٢. الآية : ١٢٢ ٥٧٣ سُوَّةُ التَّوَنَّةِ ((المنتقى)) ما يُوافِقُه. واعتَبَر في ((القنية)) الحفظَ مع الأدلَّة، فلا يدخلُ في الوصية للفقهاء مَن حَفِظَ بلا دليلٍ . وعن أبي جعفر أنَّه قال: الفقيهُ عندنا مَن بلغ في الفقه الغايةَ القصوى، وليس المتفقِّهُ بفقيهٍ، وليس له من الوصية نصيبٌ. والظاهرُ أنَّ المعتبر في الوصية ونحوها العرفُ، وهو الذي يقتضیہ کلامُ کثیرٍ مِن أصحابنا . وذكَرَ غيرُ واحدٍ أنَّ تخصيصَ الإنذارِ بالذِّكر لأنَّه الأهمُّ، وإلا فالمقصودُ الإرشادُ الشاملُ لتعليم السُّنن والآداب والواجبات والمباحات، والإنذارُ أخصُّ منه، ودعوى أنَّهما متلازمان وذكرُ أحدِهما مغنٍ عن الآخر غفلةٌ أو تغافلٌ. وذهب كثيرٌ من الناس إلى أنَّ المراد من النَّفْرِ: النَّفْرُ والخروجُ لطلب العلم، فالآيةُ ليست متعلِّقةً بما قبلها من أمر الجهاد، بل لمَّا بَيَّن سبحانه وجوبَ الهجرة والجهاد، وكلٌّ منهما سفرٌ لعبادة، فبعدَ مَا فضَّل الجهاد ذكَرَ السفر الآخَرَ وهو الهجرةُ لطلب العلم، فضميرُ ((يتفقَّهوا)) و((ينذروا)) للطائفة المذكورة، وهي النافرة، وهو الذي يقتضيه كلامُ مجاهد، فقد أخرج عنه ابن جرير وابنُ المنذر وغيرهما أنَّه قال: إنَّ ناساً من أصحاب رسولِ الله وَّه خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً، ومن الخِصب ما ينتفعون به، ودعَوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتُم أصحابكم وجئتُمونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرُّجاً، وأقبلوا من البادية كلُّهم، حتى دخلوا على النبي ◌َّ، فنزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ) إلخ، أي: لولا خرج بعضٌ وقعد بعضٌ يبتغون الخير ليتفقَّهوا في الدِّين وليسمعوا ما أُنزل، وليُنذروا الناسَ إذا رجَعُوا إليهم(١). واستُدلَّ بذلك على أنَّ التفقّه في الدِّين من فروض الكفاية. وما في ((كشف (١) تفسير الطبري ٧٦/١٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/ ٢٩٣. سُوَّةُ التَّوَّةِ ٥٧٤ الآية : ١٢٣ الحجاب))(١) عن أبي سعيد: ((طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم))(٢)- على تضعيف الصَّغانيِّ له - ليس المرادُ من العلم فيه إلَّا ما يتَوقَّفُ عليه أداءُ الفرائض، ولاشكَّ في أنَّ تعلُّمه فرضٌ على كلِّ مسلم. وذكر بعضُهم(٣) أنَّ في الآية دلالةٌ على أنَّ خبر الآحاد حجَّةٌ، لأنَّ عموم كلِّ فرقةٍ يَقتضي أنْ ينفرَ من كلِّ ثلاثةٍ تفرَّدوا بقريةٍ طائفةٌ إلى التفقُّه لتنذرَ قومها كي يتذكَّروا ويَحْذَروا، فلو لم يعتبر الأخبار ما لم تتواتَرْ لم يُقِدْ ذلك. وقرَّر بعضُهم وجْه الدلالة بأمرين : الأول: أنَّه تعالى أمَرَ الطائفة بالإنذار، وهو يقتضي فعلَ المأمور به، وإلا لم یکن إنذاراً. والثاني: أَمْرُه سبحانه القومَ بالحذر عند الإنذار؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ): لِيَحْذَروا، وذلك أيضاً يتضمَّن لزومَ العملِ بخبر الواحد. وهذه الدلالةُ قائمةٌ على أيِّ تفسيرٍ شئتَ من التفسيرَين، ولا يتوقَّفُ الاستدلالُ بالآية على ما ذكر على صِدْق الطائفة على الواحد الذي هو مبدأ الأعداد، بل يكفي فيه صدقُها على مالم يبلغ حدَّ التواتر وإن كان ثلاثةً فأكثر، وكذا لا يتوقَّف على أنْ لا يكونَ الترجِّي من المنذرين، بل يكونُ من الله سبحانه ويُراد منه الطلب مجازاً، كما لا يخفى. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ أي: الذين يَقْربون منكم قُرْباً مكانيًّا، وخُصَّ الأمرُ به مع قوله سبحانه في أوَّل السورة: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ (١) كشف الحجاب عن أحاديث الشهاب، لحسن بن محمد الصغاني، أصلح فيه كتاب شهاب الأخبار للقضاعي، ووضع علامة للصحيح والضعيف والمرسل، ورتَّبه على الأبواب. (٢) مسند الشهاب (١٧٤)، وأخرجه ابن الجوزي في العلل ٦٤/١-٧٥ من حديث عليٍّ وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبي سعيد، ثم قال: قال أحمد بن حنبل: لا يثبت عندنا في هذا الباب شيء. اهـ. لكن قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٢٧٦ : قال العراقي: قد صحح بعضُ الأئمة بعضَ طرقه كما بيَّنْته في تخريج الإحياء. ثم قال: قال المزي: إن طرقه تبلغ به رتبة الحسن. وينظر فيض القدير ٤ / ٦٧ . (٣) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٧٨/٤. الآية : ١٢٣ ٥٧٥ سُورَةُ التّوَّةِ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ونحوِه، قيل: لأنَّه من المعلوم أنَّه لا يُمكن قتالُ جميع الكفار وغزوُ جميع البلاد في زمانٍ واحدٍ، فكان مَن قَرُب أَوْلى ممن بَعُد، ولأنَّ تركَ الأقرب والاشتغالَ بقتال الأبعد لا يؤمَنُ معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضاً الأبعدُ لا حدَّ له بخلاف الأقرب، فلا يؤمَر به، وقد لا يُمكن قتالُ الأبعدِ قبل قتال الأقرب. وقال بعضُهم: المرادُ: قاتلوا الأقربَ فالأقربَ حتى تَصِلُوا إلى الأبعد فالأبعد، وبذلك يحصُل الغرضُ من قتال المشركين كافَّةً، فهذا إرشادٌ إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتَلَ بَِّ أولاً قومَه، ثم انتقل إلى قتال سائر العرب، ثم إلى قتال قريظةَ والنضيرِ وخيبرَ وأضرابِهم، ثم إلى قتال الروم، فبدأ عليه الصلاة والسلام بقتال الأقرب فالأقرب، وجرَى أصحابُه على سَنَنِهِ وَلِّ إلى أنْ وصلَت سراياهم وجيوشُهم إلى ماشاء الله تعالى، وعلى هذا فلا نَسْغَ. ورُوي عن الحسن أنَّ الآية منسوخةٌ بما تقدَّم، والمحقِّقون على أنَّه لا وجْهَ له. وزعم الخازن تبعاً لغيره أنَّ المراد من الوَلْي ما يعمُّ القُرْبَ المكانيَّ والنَّسَبِيَّ(١)، وهو خلافُ الظاهر. وقيل: إنه خاصٌّ بالنَّسَبِيِّ لأنَّها نزلت لمَّا تحرَّج الناس من قتال(٢) أقربائهم، ولا يخفى ضَعْفُه. ﴿وَلْيَجِدُواْ فِكُمْ غِظَةٌ﴾ أي: شدَّةً كما قال ابنُ عباس، وهي مثلَّئةُ الغَيْنِ، وقرئ بذلك(٣)، لكنَّ السبعة على الكسر، والمرادُ من الشدَّة ما يَشْمَلُ الجراءةَ والصَّبَرَ على القتال، والعنفَ في القتل والأسرِ ونحو ذلك، ومن هنا قالوا: إنَّها كلمةٌ جامعةٌ، والأمرُ على حدٍّ: لا أريَكَ هاهنا، فليس المقصودُ أمرَ الكفار بأنْ يجدوا في المؤمنين ذلك بل أَمْرَ المؤمنين بالاتِّصاف بما ذكر حتى يَجِدَهم الكفار متَّصفین به. (١) تفسير الخازن ١٦٩/٣، وقاله أيضاً البغوي في تفسيره ٤٠/٢. (٢) في (م): قتل. (٣) القراءة بالضم وبالفتح في القراءات الشاذة ص ٥٥-٥٦. والقراءة بالكسر هي قراءة العشرة. سُورَةُ التَوَّة ٥٧٦ الآية : ١٢٤ بالعصمة والنصرة، والمرادُ بهم: إمّا ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ المخاطَبون، والإِظهارُ للتنصيص على أنَّ الإيمان والقتالَ على الوجه المذكور من باب التقوى، والشهادةِ بكونهم مِن زُمرة المثَّقين، وإمّا الجنسُ، وهم داخلون فيه دخولاً أوَّليًّا، وأيًّا ما كان فالكلامُ تعليلٌ وتأكيدٌ لِمَا قبله. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من سُوَر القرآن ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين کما رُوي عن قتادة وغيرِهِ ﴿مَن يَقُولُ﴾ على سبيل الإنكار والاستهزاء، لإخوانه ليُثَّتَهم على النفاق، أو لضَعَفَة المؤمنين ليصدَّهم عن الإيمان ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السورةُ ﴿إِيمَنَّ﴾. وقرأ عبيد بنُ عمير: ((أيَّكم)) بالنصب(١) على تقدير فعلٍ يُفسِّرُه المذكور، ويقدَّر مؤخّراً، لأنَّ الاستفهام له الصَّدْر، أي: أيَّكم زادَتْ زادَتْه إلخ. واعتبارُ الزيادةِ على أوَّلِ الاحتمالَينِ في المخاطَبينَ باعتبار اعتقادِ المؤمنين. ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ جوابٌ من جهته تعالى شأنُه، وتحقيقٌ للحقِّ، وتعيينٌ لحالهم عاجلاً وآجلاً . وقال بعضُ المدقِّقين: إنَّ الآية دلَّت على أنَّهم مستهزئون، وأنَّ استهزاءهم منكَرٌ، فجاء قولُه تعالى: (فَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ) إلخ تفصيلاً لهذَين القِسْمَين. وجَعَلَ ذلك الطيبيُّ تفصيلاً لمحذوفٍ، وبَيَّنه بما لا يميلُ القلب إليه. وأيّا ما كان فجوابُ ((إذا)) جملةُ ((فمنهم)) إلخ، وليس هذا وما بعده عطفاً عليه. أي: فأمَّا الذين آمنوا بالله سبحانه وبما جاء من عنده ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾ أي: تصديقاً، لأنَّ ذلك هو المتبادر من الإيمان كما قرِّر في محلِّه. وقبولُ التصديق نفسِه الزيادةَ والنقصَ والشدَّة والضَّعْفَ مما قال به جمعٌ من المحقّقين، وبه أقولُ لظواهر الآيات والأخبار، ولو كُشِف لي الغطاءُ ما ازدَدْتُ يقيناً . (١) الكشاف ٢٢٢/٢، والبحر ١١٦/٥، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٥ وقال: حكاه الكسائي عن بعض القراء. الآية : ١٢٥، ١٢٦ ٥٧٧ سُؤَّةُ التَّوَنَّةِ ومَن لم يَقْبَلْ قبولَه للزيادة، ولم يُدخِلِ الأعمال في الإيمان، قال: إن زيادته بزيادةٍ متعلقه والمؤمَن به، وإليه يُشير كلامُ ابن عباس ◌ًِّا. قيل: ويَلْزَمُه أنْ لا يزيد اليومَ لإكمال الدين وعَدَمِ تجدُّدٍ متعلقٍ، وفيه نظرٌ وإنْ قاله مَن تُعقَد عليه الخناصر وتَعْتقِدُ بكلامه الضمائر. ومَن لم يقبل وأَدخَل الأعمال فالزيادةُ وكذا مقابلُها ظاهرةٌ عنده. ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ((٣)﴾ بنزولها لأنَّه سببٌ لزيادةِ کمالِهم ورفع درجاتهم، بل هو لَعَمْرِي أجدَى مِن تَفَاريقِ العصا. ﴿وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمِ مَّرَضٌ﴾ أي نفاقٌ ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: نفاقًا مضمومًا إلى نفاقهم، فالزيادةُ متضمّنةٌ معنى الضمِّ، ولذا عُدِّيت بـ ((إلى)). وقيل: (إلى) بمعنى ((مع))، ولا حاجةَ إليه. ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ (9)﴾ واستَحْكُم ذلك فیھم إلی أن يموتوا علیه. ﴿أَوْلَا يَرَوّنَ﴾ يعني المنافقين، والهمزةُ للإنكار والتوبيخ، والكلام في العطف شهير. وقرأ حمزةُ ويعقوبُ وأبيُّ بنُ كعب بالتاء الفوقانية(١)، على أنَّ الخطاب للمؤمنين . والهمزةُ للتعجيب، أي: أولا يعلمون، وقيل: أولا يُبصرون ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: المنافقين ﴿يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ﴾ من الأعوام ﴿قَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بأفانينِ البليَّات من المرض والشدَّة، مما يُذكِّر الذنوبَ والوقوفَ بين يدي علام الغيوب، فيؤدِّي إلى الإيمان به تعالى والكفِّ عمَّا هم عليه، وفي الخبر: إذا مَرِضَ العبدُ ثمَّ عُوفي ولم يزدَدْ خيرًا قالت الملائكةُ: هو الذي داويناهُ فلم يَنفَعْهُ الدواءُ(٢). فالفتنةُ هنا بمعنى البليَّةِ والعذاب. وقيل: هي بمعنى الاختبار، والمعنى: أو لا يَرَون أنَّهم يُختَبَرُون بالجهاد مع رسول الله وَله، فيُعايِنونَ ما يَنزل عليه من الآيات، لاسيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم . (١) التيسير ص ١٢٠، والنشر ٢٨١/٢ عن حمزة ويعقوب. وقراءة أبيٍّ في المحرر الوجيز ٩٩/٣، والبحر ١١٦/٥ . (٢) أخرجه أبو الشيخ عن العتبي، كما في الدر المنثور ٢٩٣/٣. سُورَةُ التَّوَيَّةِ ٥٧٨ الآية : ١٢٧ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ عمَّا هم فيه ﴿وَلَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾﴾﴾ ولا يعتبرون. والجملةُ على قراءة الجمهور عطفٌ على ((يرون)) داخلٌ تحت الإنكارِ والتوبيخ، وعلى القراءة الأخرى عطفٌ على ((يفتنون)). والمرادُ من المرَّة والمرَّتَين على ما صرَّح به بعضُهم مجرَّدُ التكثير، لا بيانُ الوقوع على حَسَبِ العدد المزبور. وقرأ عبد الله: ((أو لا يَرَونَ أنَّهم يُفتَنونَ في كُلِّ عامِ مرَّةً أو مرَّتين وما يتذكّرون))(١). ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بيانٌ لأحوالهم عند نزولها وهم في محفِل تبليغ الوحي، كما أنَّ الأول بيانٌ لمقالاتهم وهم غائبون عنه. ﴿َنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ليتواطؤوا على الهرب كراهةَ سماعِها، قائلين إشارةً: ﴿هَلْ يَرَنكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ أي: هل يراكم أحدٌ من المسلمين إذا قُمْتُم من المجلس، أو تَغَامَزوا بالعيون إنكارًا وسُخريةً بها قائلين: هل يراكم أحدٌ لتنصرفَ، مُظهِرين أنَّهم لا يصطبرون على استماعها، ويغلبُ عليهم الضحك فَيُفتَضَحون، والسورة على هذا مُطلقةٌ. وقيل: إنَّ نظرَ بعضِهم إلى بعضٍ وتَغامُزَهم كان غيظًا لِمَا في السورة من مخازيهم وبيانِ قبائحهم، فالمرادُ بالسورة سورةٌ مشتملةٌ على ذلك. والإطلاقُ هو الظاهر. وأيًّا ما كان فلا بدَّ من تقدير القولِ قبلَ الاستفهام ليرتبطَ الكلامُ، فإنْ قُدِّر اسمًا كان نَصْبًا على الحال كما أشرنا إليه، وإنْ قُدِّر فعلاً كانت الجملة في موضع الحال أيضًا، ويجوزُ جَعْلُها مستأنفةً. وإيرادُ ضمير الخطاب لبَعْثِ المخاطَبين على الحزم، فإِنَّ المرء بشأنه أكثرُ اهتمامًا منه في شأن أصحابه كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]. ﴿ِثُمَّ أَنصَرَفُواْ﴾ عطفٌ على ((نظر بعضهم))، والتراخي باعتبارٍ وجودِ الفرصة، والوقوفِ على عدم رؤية أحدٍ من المؤمنين، أي: ثم انصرفُوا جميعًا عن محفل (١) البحر ١١٧/٥ . الآية : ١٢٨ ٥٧٩ سُؤَرَّةُ التَّوَيَّةِ الوحي لعدم تحمُّلهم سماعَ ذلك؛ لشدَّة كراهتهم، أو مخافةَ الفضيحة بغَلَبةِ الضحك أو الاطلاع على تغامُزهم، أو انصرفوا عن المجلس بسبب الغيظ. وقيل: المراد انصرافُهم عن الهداية، والأول أظهرُ. ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الإيمان حسبَ انصرافهم عن ذلك المجلس، والجملةُ تَحتمِلُ الإخبارَ والدعاءَ، واختار الثاني أبو مسلم وغيره من المعتزلة. ودعاؤه تعالى على عباده وعيدٌ لهم وإعلامٌ بلُحوق العذاب بهم. وقوله سبحانه: ﴿ِأَنَّهُمْ﴾ قيل: متعلِّقٌ بـ ((صَرَفَ)) على الاحتمال الأولِ، وبـ ((انصرفوا)) على الثاني، والباءُ للسببية، أي: بسبب أنَّهم ﴿قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ لسوءٍ فَهْمِهم، أو لعَدَمِ تدبُّرهم، فهم إمَّا حَمْقَى أو غافلون. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ الخطابُ للعرب ﴿رَسُولٌ﴾ أي: رسولٌ عظيمُ القدر ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم ومن نَسبكم، عربيٍّ مثلُكم. أخرج عبد بن حميد وغيرُه عن ابن عباس ﴿ًّا أَنَّه قال: ليس من العرب قبيلةٌ إلا وقد وَلَدت النبي ◌َِّ مُضَرِيُّها ورَبَعِيُّها ويمانيُّها(١). وقيل: الخطابُ للبشر على الإطلاق، ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام من أنفسهم أنه من جنس البشر. وقرأ ابنُ عباس ﴿ّ وابنُ محيصن والزهريُّ: ((مِن أَنْفسِكم))(٢) أفعل تفضيل من النفاسة، والمرادُ الشرفُ، فهو ◌َّ من أشرف العرب. أخرج الترمذيُّ وصحَّحه والنَّسائيُّ عن المطّلب بنِ ربيعة(٣) قال: قال (١) الدر المنثور ٢٩٤/٣، وأخرجه أيضًا ابن عساكر في تاريخه ٩٥/٣. ووقع في (م): وربيعتها، وفي الأصل والدر: وربيعيها، والمثبت من تاريخ ابن عساكر، وينظر الأنساب ٧٦/٦. (٢) القراءات الشاذة ص٥٦، والمحتسب ٣٠٦/١، ومجمع البيان ١٦٦/١١، والبحر ١١٨/٥، وقوله: من، ليس في (م). (٣) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٢٩٥/٣، والحديث عند الترمذي (٣٦٠٧) من حديث العباس بن عبد المطلب، و(٣٦٠٨) من حديث المطلب بن أبي وداعة، ولم نقف عليه عند النسائي. وهو عند أحمد (١٧٥١٧) من حديث عبد المطلب (ويقال: المطلب) بن سُورَةُ التَّوَنَّةِ، ٥٨٠ الآية : ١٢٨ رسول الله وَّ﴿ وقد بَلَغَه بعضُ ما يقول الناس، فصعِد المنبر فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال: ((مَن أنا؟)) قالوا: أنت رسولُ الله. قال: ((أنا محمد بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطّلب، إنَّ الله تعالى خَلَق الخلْقَ فَجَعَلَني في خَيرِ خَلْقِهِ، وجَعَلَهم فرقَتَين فَجَعَلني في خير فرقَةٍ، وجَعَلهم قبائلَ فجَعَلني في خَيرهم (١) قبيلةً، وجعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيرُكم بيتًا وخيرُكم نَفْسًا)). وأخرج البخاري والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَلِه قال: (بُعثتُ مِن خَيرِ قرون بني آدمَ قَرْنًا فقرنًا، حتى كنتُ من القرن الذي كنتُ فيه))(٢). وأخرج مسلم وغيرُه عن وائلةَ بن الأسقع قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله تعالى اصطفَى من وَلدِ إبراهيمَ إسماعيل، واصطفَى من ولد إسماعيل بني كِنانةَ، واصطفَى من بني كِنانةً قريشًا، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)(٣). وروى البيهقيُّ(٤) عن أنسٍ، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((ما اقْتَرَقَ الناسُ فرقتين إلا جَعَلني الله تعالى في خيرهما، فأُخرِجْتُ من بين أَبويّ، فلم يُصبني شيءٌ من عُهرِ الجاهلية، وخَرْجتُ من نكاح ولم أُخرَجْ من سفاحٍ من لَدُن آدَمَ حتى انتهيتُ إلى أبي وأمي، فأنا خيرُكم نَفْسًا وخيرُكم أبًا)»(٥) . ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ أي: شديدٌ شاقٌّ، مِن عزَّ عليه بمعنى صعُب وشقَّ ﴿مَا عَنِتُمْ﴾ أي: عَنْتُكم، وهو بالتحريك: ما يُكره، أي: شديدٌ عليه ما يَلحقُكم من المكروه، = ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وسبب الاختلاف في الحديث هو اضطراب الراوي وهو يزيد بن أبي زياد. وجاء في مطبوع سنن الترمذي إثر الحديثين: حديث حسن، ومثله في تحفة الأشراف ٢٦٧/٤ و٣٩٠/٨. وفي تحفة الأحوذي ٧٧/١٠ إثر حديث عبد المطلب بن وداعة: حديث حسن صحيح غريب. (١) في الأصل: خير. (٢) صحيح البخاري (٣٥٥٧)، ودلائل النبوة ١/ ١٧٥، وهو عند أحمد (٨٨٥٧). (٣) صحيح مسلم (٢٢٧٦)، وهو عند أحمد (١٦٩٨٦). (٤) في الدلائل ١/ ١٧٤ . (٥) في الدلائل: أبوين.