Indexed OCR Text

Pages 541-560

الآية : ١١٤
٥٤١
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
(لا تُؤْذوا الأحياءَ بسبِّ الأموات))(١) و((مِن حسن إسلام المرءِ تركُهُ مالا يعنيه))(٢).
وزعَمَ بعضُهم أنَّ الآية نزلَت في غير ذلك، فقد أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل))
وغيرُه عن ابن مسعود قال: خرَجَ النبيُّ ◌َله يوماً إلى المقابر، فجاء حتى جلسَ إلى
قبرٍ منها، فناجاه طويلاً ثم بَكَى، فبكينا لبكائه، ثم قام فصلَّى ركعتين، فقام إليه
عمر، فدعاه ثم دعانا فقال: ((ما أَبْكَاكُم؟)) قلنا: بَكَينا لبُكائك. قال: ((إنَّ القبر
الذي جلسْتُ عندَه قبرُ آمنة، وإِنِّي استأذنتُ ربِّي في زيارَتِها فأذِنَ لي، واستأذنتُه في
الاستغفار لها فلم يأَذَنْ لي، وأَنْزَل عليَّ (مَا كَانَ لِلنَّبِ) إلخ، فأخَذنَي ما يأخُذُ
الولدَ للوَالدَةِ مِن الرِّقةِ، فذاك الذي أبكاني)» (٣) ولا يخفى أنَّ الصحيحَ في سبب
النزول هو الأول.
نعم خبرُ الاستئذان في الاستغفار لأُمِّه عليه الصلاة والسلام وعدم الإذن جاء
في روايةٍ صحيحةٍ، لكنْ ليس فيها أنَّ ذلك سببُ النزول؛ فقد أخرج مسلم وأحمدُ
وأبو داود وابن ماجه والنسائيُّ عن أبي هريرة قال: أَتَى رسولُ الله ◌ِنَّهِ قِبْرَ أمِّه فبكى
وأبْكَى مَن حوله، فقال عليه الصلاة والسلام: ((استأذنتُ ربي أنْ أَستغفرَ لها فلم
يأُذَن لي، واستأذنتُ أنْ أَزورَ قبرَها فأَذِنَ لي، فزوروا القبورَ فإنَّها تُذكِّركم
الموت)»(٤) واستدلَّ بعضُهم بهذا الخبر ونحوِه على أنَّ أمَّه عليه الصلاة والسلام
ممن لا يُستغفَرُ له، وفي ذلك نزاعٌ شهيرٌ بين العلماء، ولعل النوبةَ تُفضي إلى تحقيق
الحقِّ فيه إن شاء الله تعالى.
﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ﴾ آزَرَ بقوله: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِ﴾ [الشعراء: ٨٦]
أي: بأنْ تُوفِّقه للإيمان وتهديَه إليه، كما يلوح به تعليلُه بقوله: ﴿إِنَُّ كَانَ مِنَ
(١) أخرجه أحمد (١٨٢١٠)، والترمذي (١٩٨٢)، وابن حبان (٣٠٢٢) من حديث المغيرة بن
شعبة وبه بلفظ: ((لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)».
(٢) أخرجه أحمد (١٧٣٢) من حديث الحسين بن علي رؤيا، وهو حديث حسن بطرقه
وشواهده، وتنظر شواهده في حاشية المسند.
(٣) دلائل النبوة ١٨٩/١، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٤، والحاكم ٣٦٦/٢.
(٤) صحيح مسلم (٩٧٦)، ومسند أحمد (٩٦٨٨)، وسنن أبي داود (٣٢٣٤)، وسنن ابن ماجه
(١٥٦٩)، والمجتبى ٤ / ٩٠.

سُورَةُ التَّوَنَّتِ
٥٤٢
الآية : ١١٤
الضَّالِينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] والجملةُ استئنافٌ لتقريرِ ما سبق، ودَفْع ما يَتَراءى - بحَسَب
الظاهر - من المخالفة.
وأخرج أبو الشيخ وابنُ عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بنِ دينار
قال: لمَّا مات أبو طالب قال له رسول الله وَّهِ: ((رحمَكَ الله وغفَرَ لك لا أزالُ
أستغفرُ لك حتى يَنهاني الله تعالى)) فأخَذَ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا
وهم مشركون، فأنزل الله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)
الآيةَ، فقالوا: قد استغفر إبراهيمُ لأبيه. فأنزل سبحانه (وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ
لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ)(١).
وقرأَ طلحةٌ: ((وما استَغْفَرَ))، وعنه: ((وما يَسْتَغْفِرُ))(٢) على حكاية الحال الماضية،
لا أنَّ الاستغفار سوف يقع بعد يوم القيامة كما يتوهّم مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والاستثناءُ مقَّرٌِّ من أعمِّ العلل، أي: لم يكن استغفارُه عليه السلام لأبيه ناشئاً
عن شيءٍ من الأشياء ﴿إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ أي: إبراهيم عليه السلام ﴿إِيَّاهُ﴾
أي: أباه بقوله ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾
[مريم: ٤٧] فالوعدُ كان من إبراهيم عليه السلام.
ويدلُّ على ذلك ما روي عن الحسن وحمَّاد الراوية وابنِ السّمَيفع وابن نهيك
ومعاذ القارئ أنَّهم قرؤوا: ((وعدها أباه)) بالموحّدة(٣). وعدُّ ذلك أحدَ الأحرف
الثلاث(٤) التي صحَّفها ابنُ المقفَّع في القرآن، مما لا يُلتَفَت إليه بعد قراءة غيرِ
واحدٍ من السلف به وإن كانت شاذةً.
(١) تاريخ ابن عساكر ٣٣٦/٦٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر٢٨٣/٣، وأخرجه أيضاً
ابن سعد ١٢٤/١. ووصله الحاكم ٣٣٥/٢ من حديث جابر رؤيته، وقال: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه، وقال لنا أبو علي على إثره: لا أعلم أحداً وصل هذا الحديث غير أبي حمة
اليماني، وهو ثقة، وقد أرسله أصحاب ابن عيينة.
(٢) المحتسب ٣٠٥/١، والبحر٥/ ١٠٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ٥٥، والكشاف ٢١٧/٢، والبحر٥/ ١٠٥ وعنه نقل المصنف.
(٤) جاء في هامش الأصل و(م): ثانيها ﴿فِى عِزَّقِ وَشِقَاقٍ﴾ حيث قرأ: ((غرَّةٍ)، وثالثها: ﴿شَأْنٌ يُغِهِ﴾
حيث قرأ: ((يَعْنِيه)) بالياء المفتوحة والعين المهملة. اهـ منه. والكلام منقول من حاشية
الشهاب ٤/ ٣٧٠.

الآية : ١١٤
٥٤٣
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
وحاصلُ معنى الآية: ما كان لكم الاستغفارُ بعد التّبيُّن، واستغفارُ إبراهيمَ عليه
الصلاة والسلام إنَّما كان عن موعدةٍ قبل التبيُّن، ومالُه أنَّ استغفار إبراهيم عليه
السلام كان قبل التبيُّن، ويُنْبِئُ عن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ﴾﴾ أي: لإبراهيم
عليه السلام ﴿أَنَّهُ﴾ أي: أنَّ أباه ﴿عَدُوٌّ لِلِّ﴾ أي: مستمرٌّ على عداوتِهِ تعالى وعدمِ
الإيمان به، وذلك بأنْ أُوحي إليه عليه السلام أنَّه مُصرٌّ على الكفر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعةٌ عن ابنِ عباسٍ ﴿مّ أنَّ ذلك التبيُّنَ كان
بموتِهِ كافراً (١)، واليه ذهب قتادةٌ.
قيل: والأنسبُ بوصفِ العداوة هو الأولُ، والأمرُ فيه هيِّنٌ.
﴿تَبَرََّ مِنْهُ﴾ أي: قَطَعَ الوصلةَ بينه وبينه، والمرادُ: تنزَّهَ عن الاستغفار له،
وتَجَانَبَ كلَّ الثَّجَانُبِ، وفيه مِن المبالغة ما ليس في: تَرَكَه، ونظائرِه.
﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ﴾ أي: لكثيرُ التأوُّه، وهو عند جماعةٍ كنايةٌ عن كمال الرأفة
ورقَّة القلب، وأخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم وغيرُهما عن عبد الله بن شدَّاد قال:
قال رجلٌ: يا رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: ((الخاشعُ المتضرِّعُ الدَّغَاء))(٢).
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم: أنَّه الدعَاءُ المستكين (٣) إلى الله تعالى،
كهيئة المريضِ المتأَوِّه من مرضه. وهو قريبٌ مما قبله.
وعن ابنِ عباس ◌ِّ ومجاهدٍ وقتادةً وعطاءٍ والضحاكِ وعكرمةَ: أنَّه («الموقرُ))
بلغة الحبشة .
وعن عمرو بنٍ شرحبيل: أنَّه الرحيم بتلك اللغة، وأَطلَق ابنُ مسعود تفسيرَه
بذلك.
وعن الشعبيّ: أنَّه المُسَبِّح.
(١) تفسير الطبري ٣٠/١٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر٢٨٥/٣، وأخرجه أيضاً ابن
أبي حاتم ٦ / ١٨٩٤.
(٢) تفسير الطبري ٤٣/١٢-٤٤، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٩٥/٦-١٨٩٦، وفي إسناده شهر بن
حوشب وهو ضعيف.
(٣) في (م) المستكن، والمثبت من الأصل والدر المنثور ٢/ ٢٨٥، والكلام منه.

سُورَةُ التَّوَتَّةِ
٥٤٤
الآية : ١١٤
وأخرج البخاري في ((تاريخه)): أنَّه الذي قلبُهُ مُعلَّقٌ عند الله تعالى(١).
وأخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وغيرُه عن كعبِ أنَّ إبراهيم وُصِفَ بالأوَّاه؛
لأنَّه كان إذا ذَكَر النارَ قال: أَوَّه من النار أَوَّه(٢). وأخرج أبو الشيخ(٣) عن
أبي الجوزاء مثله.
وإذا صحَّ تفسير رسولِ اللهِوَ ﴿ له لا ينبغي العدولُ عنه. نعم ما ذهبَ إليه
الجماعةُ غيرُ منافٍ له، ومناسبتُه لِمَا نحنُ فيه ظاهرةٌ كما لا يخفَى.
وقد صرَّح غيرُ واحدٍ أنَّه فعَّالٌ للمبالغة من التأوُّه؛ وقياسُ فِعْلِهِ أنْ يكون ثلاثيًّا؛
لأنَّ أمثلة المبالغة إنَّما يَظَردُ أخذُها منه، وحكى قُطرب له فعلاً ثلاثياً فقال: يقال:
آه يَؤُوهُ - كقام يقوم - أَوْهاً، وأنكره عليه غيرُه، وقال: لا يُقال إلَّا أَوَّهَ وتَأَوَّهَ، قال
المثقِّب العبديُّ:
إذا ما قمتُ أرحَلُها بليلٍ
تَأَوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزينِ(٤)
وأصلُ التأوُّه قوله: آه، ونحوَه مما يقولُه الحزين. وفي ((الدرَّة)) للحريري: أنَّ
الأفصحَ أنْ يُقال في التأوُّه: أَوْهِ، بكسر الهاء وضمِّها وفتحِها، والكسرُ أغلب،
وعليه قول الشاعر:
فأَوْهِ لذِكْراها إذا ما ذكرتُها ومِن بُعْدِ أرضٍ بيننا وسماءٍ(٥)
وقد شدَّد بعضُهم الواوَ وأَسْكَنَ الهاءَ فقال: أَوَّه، وقلَبَ بعضُهم الواوَ ألفاً
فقال: آه، ومنهم مَن حَذَفَ الهاء وكَسَرَ الواوَ فقال: أَوِّ. ثم ذكر أنَّ تصريفَ الفعل
مِن ذلك: أَوَّهَ وتَأَوَّه، وأنَّ المصدر الآهةُ والأّةُ، ﴿حَلِيمٌ ﴾ أي: صبورٌ على
الأذى صفوحٌ عن الجناية، أخرجَ ابنُ أبي حاتم(٦) عن ابن عباس ظًا قال: كان
(١) التاريخ الكبير ٣٢٦/٢ عن الحسن.
(٢) شعب الإيمان (٩١٦)، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٢/١٢-٤٣ .
(٣) كما في الدر المنثور ٢٨٥/٣.
(٤) ديوان المثقب ص ١٩٤ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٤٣/٢، والخصائص لابن جني ٣٨/٣، وشرح المفصل ٣٨/٤، ودرة
الغواص ص ٢٠٥.
(٦) في تفسيره ٦/ ٢٠٥٨.

الآية : ١١٤
٥٤٥
سُورَةُ التَّوَنَّةِ)
مِن حِلْمِه عليه السلام أنَّه إذا آذاه الرجلُ من قومه قال له: ((هدَاكَ الله تعالى)). ولعلَّ
تفسيرَه بالسيِّد - على ما رُوي عن الحبر - مجازٌ.
والجملةُ استئنافٌ لبيان ما حَمَلَه عليه الصلاة والسلام على الموعدَةِ بالاستغفار
لأبيه مع شكاسته عليه وسُوءٍ خُلُقه معه، كما يُؤْذِنُ بذلك قولُه له (١) عليه الصلاة
والسلام: ﴿لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْسُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦].
وقيل: استئنافٌ لبيانِ ما حَمَلَه على الاستغفار. وأُوْرِدَ عليه أنَّه يُشعر بظاهره أنَّ
استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كان عن وُفورِ الرحمة(٢) وزيادة الحِلْم، وهو
يُخالف صَدْرَ الآية حيث دلَّ على أنَّه كان عن موعدةٍ ليس إلَّا. ولعلَّ المراد أنَّ سبب
الاستغفار ليس إلَّا الموعدةَ الناشئةَ عما ذُكر، فلا إشكال، وفيها تأكيدٌ لوجوب
الاجتناب بعد التبيُّن، كأنَّه قيل: إنَّه عليه الصلاة والسلام تبرَّأ منه بعد التبيُّن، وهو في
كمال رِقَّةِ القلب والحلم، فلابدَّ أنْ يكونَ غيرُه أكثرَ منه اجتناباً وتبرُّؤاً.
وجوَّز بعضُهم أنْ يكونَ فاعلُ ((وَعَدَ)) ضميرَ الأب، و((إياه)) ضميرَ إبراهيم عليه
الصلاة والسلام، أي: إلا عن موعدةٍ وعدها إبراهيمَ أبوه، وهي الوعدُ بالإيمان.
قال شيخُ مشايخنا صبغةُ الله أفندي الحيدريُّ: لعلَّ هذا هو الأظهرُ في التفسير،
فإن ظاهرَ السياق أنَّ هذه الآيةَ دفعٌ لما يَرِدُ على الآية الأولى من النقضِ باستغفار
إبراهيمَ لأبيه الكافرِ، ويكفي فيه مجرَّدُ كونه في حياةٍ أبيه، حيث يُحمل ذلك على
طلب المغفرة له بالتوفيق للإيمان كما قُرِّر سابقاً، من غير حاجةٍ إلى حديث
الموعدة، فيصير ((إلا عن مَوعدةٍ وعدها إياه)) كالحشو على التوجيه الأول للضميرَين
بخلاف هذا التوجيه، فإنَّ محصِّله عليه هو أنَّه لا يَرِدُ استغفارُ إبراهيم لأبيه نقضاً
على ما ذكرنا، إذ هو إنَّما صدر عن ظنِّ منه عليه الصلاة والسلام بإيمانه، حيث
سبق وعدُه به معه عليه الصلاة والسلام، فظنَّ أنَّه وَفَى بالوعد وجَرَى على مقتضَى
العهد، فاستغفرَ له، ولمَّا (٣) تبيَّن له أنَّه لن يَفيَ ولن يؤمنَ قط، أو لم يفِ ولم
يؤمنْ، تبرّأ منه.
(١) قوله: له، ساقط من (م).
(٢) في الأصل: الرأفة.
(٣) في (م) : فلما.

سُورَةُ التَّوَتَّةِ
٥٤٦
الآية : ١١٤
ويُمكن أنْ يوجَّه ذكرُ الموعدةِ على التوجيه الأول أيضاً بأن يقال: أرادَ سبحانه
وتعالى تضمينَ الجواب بكون ذلك الاستغفار في حال حياة المستغفر له، وحملُه
على الطلب المذكور فائدةٌ أخرى، هي أنَّه وَليهِ لغاية تصلُّبه في الدين وفَرْطِ تعصُّبه
على اليقين ما كان يستغفرُ له وإنْ كان جائزاً، لكنْ تأوَّه وتحلَّم فاستغفر له وفاءً
بالموعدة التي وَعَدَها إياه، فتفطّنْ. انتهى.
وأنت تعلم أنَّه على التوجيه الثاني لا يستقيمُ ما قالوه في استئناف الجملة من
أنَّه لبيان الحامل، وكان عليه أن یذکر وجْه ذلك علیه.
وأيضاً قولُه رحمه الله تعالى في بيان الفائدة: لكنَّه تأوَّه وتَحلَّم، حيث نَسَبَ فيه
الحِلْمَ إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بصيغة التفعُّل، مع وَصْفِه تعالى له عليه
الصلاة والسلام بالحليم = عثرةٌ لا يُقالُ لصاحبها لعاً (١)، وحمْلُ ذلك على
المشاكلة مع إرادة فعلٍ، مما لا يُوافِقِ غرضَه وسوقَ كلامه.
فالحقُّ الذي ينبغي أنْ يعوَّل عليه التفسيرُ الأولُ للآية، وهو الذي يقتضيه
ما رُوي عن الحسن وغيرِهِ من سَلَفِ الأمَّةِ ﴿ه. وذكر حديث الموعدة لبيان الواقع
في نفس الأمر، مع ما فيه من الإشارة إلى تأكيد الاجتناب وتقويةِ الفرق، كأنَّه قيل:
فرقٌ بَيِّنٌ بَيْنَ الاستغفار الذي نُهيتُم عنه، واستغفار إبراهيم عليه السلام، فإنَّ
استغفارَه كان قبل التبيُّن، وكان عن موعدةٍ دعاه إليها فرط رأفته وحِلْمِه، وما نهيتُم
عنه لیس کذلك.
بقيَ أنَّ هذه الآيةَ يُخالفها ظاهرُ ما رواه البخاريُّ في ((الصحيح)) عن أبي هريرة،
أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((يلقىَ إبراهيمُ عليه السلام أباه يومَ القيامَةِ، وعلى وَجْهِهِ قَتَرة
وغَبَرَةٌ، فيقولُ إبراهيمُ عليه الصلاةُ والسلامِ: أَلَم أَقُل لكَ لا تَعْصِني! فيقولُ أبوه:
اليومَ لا أَعصيكَ. فيقولُ إبراهيمُ عليه الصلاةُ والسلام: يا ربِّ إنَّك وعدْتَني أنْ
لا تُخْزِيَني يومَ يُبعثون، فأيُّ خِزْيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إنِّي
حرَّمتُ الجنَّة على الكافرين. ثم يُقال: يا إبراهيم، ما تحتَ رجليك؟ فينظرُ فإذا هو
(١) يقال للعائر: لعاً له، إذا دَعَوْا له، و: لا لعاً له، إذا دَعَوا عليه، أي: لا أقامه الله من
سقطته. مجمع الأمثال ٢ / ٢٢٥.

الآية : ١١٤
٥٤٧
سُورَةُ التَّوَنَّة
بِذِيْخِ مُتلطّخٍ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقَى في النار))(١) ورواه غيرُه بزيادة:
((فيتبرأ منه))(٢) = فإنَّ الآية ظاهرةٌ في انقطاع رجاءِ إبراهيمَ عليه السلام اتِّصافَ أبيه
بالإيمان وجَزْمِه بأنَّه لا يُغفر له، ولذلك تبرَّأ منه وتَرَك الاستغفارَ له، فإنَّ الاستغفار
له مع الجزم بأنَّه لا يُغفر له مما لا يُتصوَّر وقوعُه من العارف، لاسيما مثل الخليل
عليه الصلاة والسلام، وقد صرَّحوا بأنَّ طلب المغفرة للمشرك طلبٌ لتكذيب الله
سبحانه نفسَه، والحديثُ ظاهرٌ في أنَّه عليه الصلاة والسلام يطلبُ ذلك له يوم
القيامة ولا ييأس من نجاته إلا بعد المسخ، فإذا مُسخ ينس منه وتبرَّأ.
وأجابَ الحافظ ابنُ حجر عن المخالفة بجوابَين بحث فيهما بعضُ فضلاء
الروم، ومن الغريب قولُه في الجواب الثاني: إنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم
يتيقَّن موتَ أبيه على الكفر؛ لجواز أنْ يكون آمَنَ في نفسه ولم يطَّلع عليه الصلاة
والسلام على ذلك، ويكون وقتُ تبرِّه منه بعد الحالة التي وقعت في الحديث(٣).
فإنَّه مخالفٌ مخالفةً ظاهرةً لِمَا يُفهم من الآية، من أنَّ التبيُّن والتبرِّيَ كان كلٌّ
منهما في الدنيا .
وأجاب ذلك البعضُ: بأنَّا لا نُسلّم التخالفَ بينَ الآية والحديث، وإنَّما يكون
بينهما ذلك لو كان في الحديث دلالةٌ على وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلبٍ
الشفاعة له، وليس فليس. وقوله: ((يا ربِّ إِنَّك وَعَدْتَني)) إلخ أراد به عليه الصلاة
والسلام محضَ الاستفسار عن حقيقة الحال، فإنَّه اختَلَجَ في صدره الشريف أنَّ هذه
الحالَ الواقعةَ على أبيه خزيٌ له، وأنَّ خزيَ الأب خزيُ الابن، فيؤدِّي ذلك إلى
خُلْفِ الوعدِ المشار إليه بقوله: ((إنَّك وعدْتَني أنَّ لا تخزيَني يوم يُبعثون)).
وأنت خبيرٌ بأن الخبر ظاهرٌ في طلب(٤) الشفاعة، وهي استغفارٌ كما يدلُّ عليه
كلامُ المتكلِّمين في ذلك المقام، ويزيدُ ذلك وضوحاً أنَّ الحاكم أخرج عن
(١) صحيح البخاري (٣٣٥٠) والذِّيخ بكسر الذال: ذكّر الضباع، وقيل: لا يقال له ذيخ إلا إذا
کان کثیر الشعر. وقوله متلطّخ، أي: في رجيع أو دم أو طين. فتح الباري ٥٠٠/٨.
(٢) أخرجه الطبري ٣٢/١٢-٣٣ عن سعيد بن جبير وعبيد بن عمير.
(٣) الفتح ٨/ ٥٠١.
(٤) قوله: طلب، ليس في (م).

سُوَةُ التَّوَقِّية
٥٤٨
الآية : ١١٤
أبي هريرة أيضاً وصحَّحه وقال: على شرط مسلم: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((يلقَى رجلٌ
أباه يوم القيامة فيقول: يا أبتِ، أيَّ ابنٍ كنتُ لك؟ فيقولُ: خيرَ ابن. فيقول: هل
أنت مُطيعي اليومَ؟ فيقول: نعم، فيقولُ: خُذْ بإزْرَتِي، فيأخذ بإزْرَتِهِ، ثم يَنطلقُ حتى
يأتيَ الله تعالى وهو يفصلُ بينَ الخلق، فيقولُ: يا عبدي، ادخُل مِن أيِّ أبوابٍ
الجنة شئتَ. فيقول: أيْ ربِّ، وأبي معي فإنَّك وعدْتَني أنْ لا تُخزيَني. قال:
فيَمْسَخ أباهُ ضَبُعاً فيهوي في النار، فيأخذ بأَنْفِهِ، فيقول سبحانه: يا عبدي هذا
أبوك، فيقول: لا وعزَّتِكَ))(١).
وقال الحافظ المنذري: إنَّه في صحيح البخاري إلا أنَّه قال: ((يلقَى إبراهيمُ
أباه» وذكر القصة (٢)، إذ يُفهم من ذلك أنَّ الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيمُ
عليه الصلاة والسلام، وطلبُه المغفرةَ لأبيه فيه وإدخالَه الجنة أظهرُ منهما في حديث
البخاري.
وما ذكره الزمخشريُّ - مخالفاً على ما قيل لما شاع عن المعتزلة - أنَّ امتناع جوازِ
الاستغفار للكافر إنَّما عُلم بالوحي لا بالعقل؛ لأنَّ العقل يجُوِّزُ أنْ يغفرَ الله تعالى
للكافر، ألا ترى إلى قوله وَّ﴿ لأبي طالب: ((لأستغفرَنَّ لك ما لم أُنْهَ))(٣) = لا ينفعُ في
هذا الغرض إلَّا إذا ضُمَّ إليه عَدَمُ عِلْمِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ذلك بالوحي إلى
يوم القيامة، وهو مما لا يكاد يُقدِمُ علیه عاقلٌ فضلاً عن فاضل.
وأجاب بعضُ المعاصرين: أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفر
أبيه، ومتيقٌّناً بأنَّ الله تعالى لا يغفرُ أنْ يشركَ به، إلا أنَّ الشفقةَ والرأفة الطبيعية
غلبَت عليه حين رأى أباه في عَرَصَات يوم القيامة وعلى وجْهِهِ قَتَرة، فلم يملك نفسَه
أنْ طَلَب ما طَلَب، ونظيرُ ذلك من وجهٍ قولُ نوح عليه الصلاة والسلام لربه
سبحانه: ﴿رَبِّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥ ]ولا يخفى أنَّه من الفساد
بمكان.
(١) المستدرك ٥٨٩/٤، وأخرجه بنحوه البزار (٩٧-كشف) وفيه: (( ... فيهوي في النار،
فيقول: أبوك. فيقول: لا أعرفك)).
(٢) الترغيب والترهيب ٣٣٠/٤.
(٣) الكشاف ٢١٧/٢.

الآية : ١١٤
٥٤٩
سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ
ومثلهُ ما قيل: إنَّه ظَنَّ استثناءً أبيه من عموم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾
[النساء: ٤٨] لأنَّ الله وعدَه أنَّ لا يُخْزيَه فقدم على الشفاعة له. ولعمري لا يُقدِمُ عليه
إلا جاهلٌ بجَهْلِه:
أما الأول: فلأنَّ الأنبياء عليهم السلام أجلُّ قَدْراً مِن أنْ تَغلبَهُم أنفسُهم على
الإقدام على ما فيه تكذيبُ الله تعالى نفسَه.
وأمَّا الثاني: فلأنَّه لو كان لذلك الظنِّ أصلٌ، ما كان يتبرَّأ منه عليه السلام في
الدنيا، بعد أنْ تبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله، وهو الأوَّاهُ الحليم.
وقيل: إنَّ الأحسنَ في الجواب التزامُ أنَّ ما في الخبرَين ليس من الشفاعة في
شيءٍ، ويقال: إنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ظنَّ أنَّ خِزْيَ أبيه في معنى الخِزْي
له، فطلب - بحُكم وعدِ الله سبحانه إياه أنْ لا يُخزيَه - تخليصَه مِن ذلك حَسْبمًا
يمكن، فخلَّصَه منه بمَسْخه ذِيْخاً، ولعلَّ ذلك مما يعدُّه إبراهيمُ عليه السلام تخليصاً
له من الخِزْي؛ لاختلاف النوع، وعَدَمِ معرفةِ العارفين لأبيه بعدُ أنَّه أبوه، فكأنَّ
الأُبوَّة انقطعَت من البَيْن، ويُؤْذِن بذلك أنَّه بعد المسخ يَأخذُ سبحانه بأنفه فيقول له
عليه السلام: يا عبدي، هذا أبوك؟ فيقول: لا وعزَّتِكَ. ولعلَّ المراد من التبرِّي في
الرواية السابقة في الخبر الأول هو هذا القول.
وتوسيطُ حديثٍ تحريم الجنةِ على الكافرين ليس لأنَّ إبراهيم عليه السلام كان
طالباً إدخالَ أبيه فيها، بل لإظهارِ عَدَمِ إمكانِ هذا الوجه من التخليص، إقناطاً
لأبيه وإعلاماً له بعظم ما أَتَى به، ويُحمَل قولُه عليه السلام في خبر الحاكم حين
يقال له: ((يا عبدي ادخُل من أيِّ أبواب الجنة شئتَ: أيْ رَبِّ، وأبي معي)) على
معنى: أأدخلُ وأبي واقفٌ معي، والمراد: لا أدخُل وأبي في هذه الحال وإنَّما أدخلُ
إذا تغيَّرَت، ويكونُ قوله عليه السلام: ((فإنَّكَ وَعَدْتَني أنْ لا تُخْزِيَني)» تعليلاً للنفي
المدلولِ عليه بالاستفهام المقدَّر، وحينئذٍ يَرجعُ الأمر إلى طلب التخليص عمَّا ظنَّه
خِزياً له أيضاً، فيُمسخ ضَبُعاً لذلك.
ولا يَرِدُ أنَّ التخليص ممكنٌ بغير المسخ المذكور؛ لأنَّا نقول: لعلَّ اختيار ذلك
المسخِ دون غيره من الأمور الممكنةِ ما عدا دخولِ الجنة، لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو
سبحانه.

سُورَةُ التَّوَتِيِ
٥٥٠
الآية : ١١٤
وقد ذكروا أنَّ حكمةَ مَسْخِهِ ضَبُعاً دون غيره من الحيوانات أنَّ الضَّبُع أحمقُ
الحيوانات، ومن حُمقه أنَّه يَغفَل عما يجبُ له التيقُّظ، ولذلك قال عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه: لا أكونُ كالضَّبُع يسمعُ اللدم(١) فيخرج له حتى يُصاد(٢)، وآزَرُ لمَّا لم يقبل
النصيحةَ مِن أشفقِ الناس عليه زمانَ إمكان نَفْعها له، وأَخَذَ بإزْرَته حين لا ينفعُه ذلك
شيئاً، كان أشبهَ الخلق بالضَّبُع، فمُسِخ ضبعاً دون غيره لذلك. ولم يذكروا حكمةً
اختيارِ المسخ دون غيره، وهو لا يخلو عن حكمةٍ، والجهل بها لا يضُّر. انتهى.
ولا يخفَى ما في هذا الجواب من التكلُّف، وأولى منه التزامُ كونٍ فاعلٍ ((وَعَد»
ضميرَ الأب، وضميرٍ ((إياه)) راجعاً إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكونِ التبيُّن
والتبرِّي واقعَين في الآخرة حَسْبما تضمَّنه الخبران السابقان، فحينئذٍ لا يَبعُدُ أنْ يكونَ
إبراهيمُ مستغفراً لأبيه بعد وَعْدِهِ إِيَّه بالإيمان طالباً له الجنة؛ لظنِّ أنَّه وفَّى بوعده،
حتى يُمسخ ذِيخاً، لكنْ لا يُساعدُ عليه ظاهرُ الآية، ولا المأثورُ عن سَلَفِ الأمة، وإنْ
صَحَّ كونُ الآيةِ عليه دفعاً لمِاَ يَرِدُ على الآية الأولى من النقض أيضاً بالعناية.
ولعلَّ أخفَّ الأجوبة مؤنةً كونُ مرادِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام من تلك
المحاورةِ التي تَصْدُرُ منه في ذلك الموقف إظهارَ العُذْرِ فيه لأبيه وغيرِه على أتمِّ
وجهٍ، لا طلبَ المغفرة حقيقةً، وهذا كما قال المعتزلةُ في سؤالِ موسى عليه السلام
رؤيةَ الله تعالى مع العِلْمِ بامتناعها في زَعْمِهم. والقولُ بأنَّ أهلَ الموقف الأنبياءَ
عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من سائر المؤمنين والكفارِ سواءٌ في العلمِ بامتناع
المغفرة للمشرك(٣) مثلاً = في حيّز المنع.
وربما يُدَّعَى عدمُ المساواة لظاهرٍ طلب الكفار العفوَ والإخراجَ من النار ونحوَ
ذلك، بل في الخبرَين السابقين ما يدلُّ على عَدَمِ عِلْم الأبِ بحقيقة الحال، وأنَّه
لا يُغْفَرُ له، فتأمَّل ذاك والله سبحانه يتولَّى هُداك.
(١) في الأصل و(م): الكدم، وهو خطأ، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤٣٦/٣، وذكره صاحب النهاية (لدم)، وفيه: اللدم:
ضرب جُخْرها بحجرٍ؛ إذا أرادوا صيد الضَّبُع ضربوا جُخْرها بحجر أو بأيديهم، فتحسبه
شيئاً تصيده، فتخرج لتأخذه فتُصْطاد.
(٣) في الأصل: للمشركين.

الآية : ١١٥
٥٥١
سُورَةُ التَّوَّةِ
وبقي أيضاً أنَّه استشكل القَولُ بأنَّ استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه
حتى تبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله كان في حياته بما في سورة الممتحنة من قوله سبحانه:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُنْتُوَّةُ حَسَنَةٌ فِىَّ ◌َِهِيمَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِلَّ قَوْلَ إِزَّهِيَمَ لِأَيْهِ
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] حيث منع من الاقتداء به فيه، ولو كان في حياته لم يمنع
منه؛ لأنَّه يجوزُ الاستغفار بمعنى طلب الإيمان لأحياء المشركين.
وأُجَيبَ بأنَّه إنَّما منع من الاقتداء بظاهرهِ وظنِّ أنَّه جائزٌ مطلقاً، كما وقَعَ لبعض
الصحابة ﴿ه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك بإذن الله تعالى الهادي.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أي: ما يستقيمُ من لُظْفِ الله تعالى وأفضالِهِ أنْ
يَصِفَ قوماً بالضلال عن طريق الحقِّ ويذمَّهم ويُجريَ عليهم أحكامَه ﴿بَعْدَ إِذْ
هَدَنْهُمْ﴾ للإِسلام ﴿حَّى يُبَيِّنَ لَهُم﴾ بالوحي صريحاً أو دلالةٌ ﴿مَّا يَتَّقُونَ﴾ أي:
ما يجبُ اتِّقاؤه من محذورات الدين، فلا يَنْزَجِروا عمَّا نُهُوا عنه، وكأنَّه تسليةٌ للذين
استغفروا للمشركين قبل البيان، حيث أفاد أنَّه ليس من لُطفه تعالى أنْ يذمَّ المؤمنين
ويؤاخِذَهم في الاستغفار قبل أنْ يُبيِّن أنَّه غيرُ جائزٍ لمن تحقَّق شِرْكُه، لكنَّه سبحانه
يذمُّ ويؤاخذُ مَن استغفَرَ لهم بعد ذلك.
والآيةُ على ما رُوي عن الحسن نزلَت حين مات بعضُ المسلمين قبل أنْ تَنزِلَ
الفرائضُ، فقال إخوانُهم: يا رسول الله، إخوانُنا الذين ماتوا قبل نزول الفرائضٍ،
ما منزلتُهم وكيف حالهم؟(١).
وعن مقاتل والكلبِّي: أنَّ قوماً قَدمِوا على النبيِّ وَِّ قبل تحريم الخمرِ
وصَرفِ القبلة إلى الكعبة، ثم رجعوا إلى قومهم، فحُرِّمَت الخمر وصُرفَت القبلة،
ولم يعلموا ذلك حتى قدِموا بعد زمانٍ إلى المدينة فعلموا ذلك، فقالوا:
يا رسول الله، قد كنتَ علی دینٍ ونحن على غيره، فنحن في ضلالٍ. فأنزل الله
تعالى الآية (٢).
وحملُ الإضلال فيها على ما ذكرنا هو الظاهرُ، وليس من الاعتزال في شيءٍ
(١) مجمع البيان ١١/ ١٥٢.
(٢) تفسير البغوي ٣٣٣/٢.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٥٥٢
الآية : ١١٦ - ١١٧
كما تُوهِّم، وكأنَّه لذلك عدَلَ عنه الواحديُّ حيث زعَمَ أنَّ المعنى: ما كان الله لِيُوْقعَ
في قلوبهم الضلالة(١).
واستُدلَ بها على أنَّ الغافلَ - وهو مَن لم يسمع النصَّ والدليلَ السمعيَّ - غيرُ
مكلَّفٍ، وخَصَّ ذلك المعتزلةُ بما لم يُعلَم بالعقل كالصِّدق في الخبر وردِّ الوديعة،
فإنَّه غيرُ موقوفٍ على التوقيف عندهم، وهو تفريعٌ على قاعدة الحُسْنِ والقبحِ
العقليَّين، ولأهل السنَّةِ فيها مقالٌ.
﴿إِنَّ اللَّ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ تعليلٌ لِمَا سبق، أي: إنَّ الله تعالى عليمٌ بجميع
الأشياء التي من جملتها حاجتُهم إلى البيان فيُبيِّن(٢) لهم.
وقيل: إنَّه استئنافٌ لتأكيد الوعيدِ المفهوم مما قبله، وكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ
اللهَ لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ من غيرٍ شريكٍ له فيه ﴿يُّهِ، وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن
دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ وقال غيرُ واحدٍ: إنَّه سبحانه لمَّا منعهم عن
الاستغفار للمشركين وإنْ كانوا أولي قُرْبَى، وتَضَمَّن ذلك وجوبَ التبرِّي
عنهم(٣) رأساً بيَّن لهم أنَّ الله سبحانه مالكُ كلِّ موجودٍ ومتولِّي أمرِهِ والغالبُ عليه،
ولا يتأتَّى لهم ولايةٌ ولا نصرٌ إلا منه تعالى؛ ليتوجَّهوا إليه جلَّ شأنه بشَراشِرِهم(٤)
متبرِّئين عمَّا سواه غيرَ قاصدينَ إلا إياه.
﴿لَقَدِ تَابَ اَللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ﴾ قال أصحاب المعاني: المرادُ
ذِكْرُ التوبة على المهاجرين والأنصار، إلا أنَّه جيءَ في ذلك بالنبيِّ وَّ تشريفاً لهم
وتعظيماً لقَدْرِهم، وهذا كما قالوا في ذِكْرِه تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وَلِلَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] إلخ، أي: عفا سبحانه عن زلَّاتٍ سبقَت منهم يوم أحدٍ ويوم
◌ُنین.
وقيل: المرادُ ذِكْرُ التوبة عليه - عليه الصلاة والسلام - وعليهم، والذنبُ بالنسبة
إليه وَّ﴿ مِن باب خلافِ الأَوْلَى، نظراً إلى مقامه الجليل، وفُسِّر هنا على ما رُوي
(١) الوسيط ٥٢٩/٢.
(٢) في الأصل: فبين.
(٣) في الأصل: منهم، والمثبت من (م) وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٧١/٦.
(٤) أي: بجملتهم وكلُّيتهم، جمع شرشرة. حاشية الشهاب ٣٧١/٦ .

الآية : ١١٧
٥٥٣
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
لا مانعَ من أنْ
عن ابنِ عباس بالإذن للمنافقين في التخلَّف. وبالنسبة إليهم
يكون حقيقيًّا، إذ لا عصمةً عندنا لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويُفسَّر
بما فُسِّر أولاً. وجوِّز أيضاً أنْ يكون من باب خلافِ الأَوْلَى بناءً على ما قيل: إنَّ
ذنبهم كان الميل إلى القعود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقتٍ شديدٍ.
وقد تُفسَّر التوبةُ بالبراءة عن الذنب والصونِ عنه مجازاً، حيث إنَّه لا مؤاخذةً
في كلٌّ، وظاهرُ الإطلاق الحقيقةُ.
وفي الآية ما لا يخفَى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلِّهم.
﴿الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ﴾ ولم يتخلَّفوا عنه ◌َِّ ﴿فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي: في وقت
الشدّةِ والضِّيق، والتعبيرُ عنه بالساعة لزيادةٍ تعيينه، وكانت تلك الشدَّةُ حالَهم في
غزوة تبوك، فإنَّهم كانوا في شدَّةٍ من الظّهر، يعتقبُ العشرةُ على بعيرٍ واحدٍ، وفي
شدَّةٍ من الزاد تزوَّدوا التمرَ المدوِّد والشعيرَ المسؤِّس والإهالةَ الزَّنِخَة، وبلغَت بهم
الشدَّة أنْ قَسَم التمرةَ اثنان، وربمًا مصَّها الجماعةُ ليشربوا عليها الماءَ، كما رُوي
عن قتادة، وفي شدَّةٍ من الماء حتى نحروا الإبلَ واعتصروا فُرُوثَها، كما رُوي عن
عمر بنِ الخطاب رَظُه، وفي شدَّةِ زمانٍ من حَمَارَّةِ القيظِ ومن الجَذْب والقَحْط،
ومن هنا قيل لتلك الغزوةِ غزوةُ العُسْرة، ولجيشها جيشُ العسرة.
ووصف المهاجرين والأنصارِ بالاتِّباع في هذه الساعة، للإشارة إلى أنَّهم
حَرِيُّون بأنْ يتوب الله عليهم لذلك، وفيه أيضاً تأكيدٌ لأمر التحريض السابق.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ بيانٌ لِتَنَاهي الشدّةِ وبلوغِها الغايةَ
القصوى، وهو إشرافُ بعضهم إلى أنْ يَميلوا إلى التخلّف عن النبيِّ وَلِهِ.
وقيل: هو إشرافُ بعضهم إلى أنْ يميلوا عن الثبات على الإيمان. وحُمل ذلك
على مجرَّد الهمِّ والوسوسة.
وقيل: كان ميلاً من ضُعفائهم وحديثي عهدِهم بالإسلام.
وفي ((كاد)) ضميرُ الشأن، و((قلوبُ)) فاعلُ ((يَزِيغُ))، والجملةُ في موضع الخبر
لـ ((كاد)) ولا تحتاجُ إلى رابطٍ لكونها خبراً عن ضمير الشأن، وهو المنقول عن

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥٥٤
الآية : ١١٧
سيبويه(١)، وإضمارُ الشأن على ما نُقِل عن الرضيِّ ليس بمشهورٍ في أفعالِ المقاربة
إلا في (كاد))، وفي الناقصةِ إلَّا في ((كان)) و((ليس)).
وجوِّز أنْ يكون اسمُ ((كاد)) ضميرَ القوم، والجملة في موضع الخبر أيضاً،
والرابط عليه الضميرُ في ((منهم))، وهذا على قراءة: ((يَزيغُ)) بالياء التحتانية، وهي
قراءةُ حمزةَ وحفصٍ والأعمش(٢).
وأمَّا على قراءة: (تَزِيغُ)) بالتاء الفوقانية، وهي قراءة الباقين، فيحتمل أنْ يكون
(قلوبُ)) اسمَ ((كاد)) و((تزيغُ)) خبرَها، وفيه ضميرٌ يعودُ على اسمِها، ولا يصحُّ هذا
على القراءة الأولى؛ لتذكير ضمير ((يزيغ))، وتأنيثٍ ما يعود إليه، وقد ذكر هذا
الوجهَ منتجبُ الدين الهمداني(٣) وأبو طالب المكي(٤) وغيرُهما.
وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّ في جَعْلِ ((القلوب)) اسمَ ((كاد)) خلافَ وَضْعِه، من
وجوب تقديم اسمه على خبره، كما ذكره الشيخ ابنُ الحاجب في ((شرح المفصل))،
وفي ((البحر)): أنَّ تقديمَ خبر ((كاد)) على اسمها مبنيٌّ على جوازِ تركيبٍ: كان يقومُ
زيدٌ، وفيه خلافٌ والأصحُّ المنعُ(٥).
وأجاب بعضُ فضلاء الروم: بأنَّ أبا عليٍّ جوَّز ذلك(٦)، وكفى به حجةً، وبأنَّ
عليه كلامَ ابنِ مالك في ((التسهيل))(٧)، وكذا كلامُ شُرَّاحه ومنهم أبو حيان، وجَرَى
عليه في ((ارتشافه)) أيضاً، ولا يُعْبأ بمخالفته في ((البحر))؛ إذ مَبنىَ ذلك القياسُ على
(١) الكتاب ٧١/١.
(٢) التيسير ص ١٢٠، والنشر ٢٨١/٢ عن حفص وحمزة. وذكرها عن الأعمش ابن عطية في
المحرر ٩٣/٣.
(٣) ابن أبي العز بن رشيد أبو يوسف، صاحب شرح الشاطبية، وشرح المفصل، كان رأساً في
القراءات وعللها، والعربية ووجوهها، صالحاً متواضعاً صوفياً متصاوناً، توفي سنة
(٦٤٣هـ). طبقات القراء الكبار٣/ ١٢٦٥. ووقع في الأصل و(م): منتخب، بدل: منتجب.
(٤) في الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥١٠، ومشكل إعراب القرآن ٣٣٨/١.
(٥) البحر ١٠٩/٥.
(٦) الحجة لأبي علي الفارسي ٢٣٦/٤.
(٧) ص ٥٩ - ٦٠.

الآية : ١١٧
٥٥٥
سُوَّةُ التَّوَّةِ
بابٍ كان، وهو لا يصادمُ النصَّ عن أبي عليٍّ - على أنَّ في كون أبي حيان من أهل
القياس منعاً ظاهراً - فالحقُّ الجواز.
ويحتمل أنْ يكون اسمُ («كاد)) ضميراً يعود على جمع المهاجرين والأنصار،
أي: من بعد ما كاد الجمعُ.
وقدَّر ابنُ عطية مَرجع الضمير: ((القوم))، أي: من بعد ما كاد القوم(١).
وضُعِّف بأنه أُضْمِرَ في ((كاد)) ضميرٌ لا يعود إلا على مُتوهّم، وبأنَّ خبرها يكونُ
قد رَفَعَ سبياً، وقد قالوا: إنَّه لا يَرْفَعُ إلا ضميراً عائداً على اسمها، وكذا خبرُ سائر
أخواتها ماعدا ((عسى)) في رأيٍ. ولا يخفى ورود هذا أيضاً على توجيهي القراءة
الأولى، لكنَّ الأمرَ على التوجيه الأول سهلٌ.
وجوَّز الرضيُّ تخريجَ الآية على التنازع، وهو ظاهرٌ على القراءة الثانية، ويتعيَّن
حينئذٍ إعمالُ الأول؛ إذ لو أعمِلَ الثاني لوَجَبَ أنْ يقال في الأول: كادَتْ، كما قرأ
به أبيِّ رَبُ(٢)، ولا يجوز ((كاد)) إلا عند الكِسائي، فإنَّه يحذفُ الفاعل. وكأنَّ
الرضيَّ لم يُبالِ بما لَزِمَ على هذا التخريجِ من تقديم خبر ((كاد)) على اسمه، لِمَا
عرفتَ مِن أنَّه ليس بمحذورٍ على ما هو الحَقُّ.
وذهب أبو حيان إلى أنَّ ((كاد)) زائدةٌ ومعناها مرادٌ كـ ((كان))، ولا عملَ لها في
اسمٍ ولا خبرٍ، لَيَخْلُصَ من القيل والقال، ويُؤيِّده قراءةُ ابن مسعود: ((مِن بعدِ
ما زَّاغَتْ)) بإسقاطِ ((كاد))، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في نحو: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾
[النور: ٤٠]، مع أنَّها عاملةٌ معمولةٌ، فهذا أولى(٣) .
وقرأ الأعمش: (تُزيغُ)) بضمِّ التاء(٤). وجَعَلوا الضميرَ على قراءةِ ابنِ مسعود
للمتخلِّفين سواءٌ كانوا من المنافقين، أم لا كأبي لبابة.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ تكريرٌ للتأكيد بناءً على أنَّ الضمير للنبيِّ وَِّ والمهاجرين
(١) المحرر الوجيز ٩٣/٣.
(٢) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٣/٣، وأبو حيان في البحر ٥/ ١٠٩.
(٣) البحر١٠٩/٦. وقراءة ابن مسعود ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٥.
(٤) البحر ٥/ ١٠٩.

سُورَةُ التَّوَنَّة
٥٥٦
الآية : ١١٨
والأنصارِ ﴿ه، والتأكيدُ يجوزُ عَظْفُهُ بـ (ثم)) كما صرَّح به النحاة، وإنْ كان كلامُ
أهلِ المعاني يُخالفه ظاهراً، وفيه تنبيهٌ على أنَّ توبتَه سبحانه في مقابلةٍ ما قاسَوْه من
الشدائد، كما دلَّ عليه التعليقُ بالموصول.
ويحتمل أنْ يكون الضميرُ للفريق، والمرادُ أنَّه تاب عليهم لكَيْدُودَتهم وقُرِيِهم
من الزَّيغ، لأنَّه ◌ُرٌ محتاجٌ إلى التوبة، وعليه(١) فلا تكرارَ لِمَا سبق.
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ استئنافٌ تعليليٌّ فإنَّ صفةَ الرأفة
والرحمة من دَوَاعي التوبةِ والعفو، وجُوِّز كونُ الأولِ عبارةً عن إزالةِ الضرر،
والثاني عن إيصالِ النفع، وأنْ يكونَ أحدُهما للسوابق والآخَرُ للَّواحق.
﴿وَعَلَى التَّلَثَةِ﴾ عطفٌ على ((النبيِّ)). وقيل: إنَّ ((تاب)) مقدَّرٌ في نَظْم الكلام،
التغايُر هذه التوبة والتوبةِ السابقة، وفيه نظر، أي: وتاب على الثلاثة ﴿الَّذِينَ
◌ُلِقُوا﴾ أي: خُلِّف أمرُهم وأُخِّر عن أَمْر أبي لبابةَ وأصحابه، حيث لم يُقبل منهم
معذرةٌ مثل أولئك ولا رُدَّت، ولم يقطع في شأنهم بشيءٍ إلى أنْ نزل الوحيُّ
بهم(٢)، فالإسنادُ إليهم إمَّا مجازٌ، أو بتقديرِ مضافٍ في النظم الجليل.
وقد يفسّر المتعدِّي باللازم، أي: الذين تخلَّفوا عن الغزو، وهم كعب بن مالك
من بني سلمة، وهلال بنُ أمية من بني واقف، ومرارة بنُ الربيع من بني عمرو بنِ
عوف، ويُقال فيه: ابن ربيعة، وفي مسلم وغيرِه وصفه بالعامري(٣)، وصوَّبَ كثيرٌ
من المحدِّثين العَمْريّ(٤) بدله.
(١) في (م): عليه.
(٢) قوله: بهم، ليس في الأصل.
(٣) صحيح مسلم (٢٧٦٩)، وينظر التعليق الذي بعده.
(٤) صحيح البخاري (٤٤١٨)، وإكمال المعلم ٢/ ٢٧٧، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٧/ ٩٢،
والفتح ١١٩/٨. قال النووي: هو في جميع نسخ مسلم: العامري، وأنكره العلماء وقالوا:
هو غلط، إنما صوابه: العَمْري بفتح العين وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف، وكذا
ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد بن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة. وأما قوله:
مرارة بن ربيعة، فكذا وقع في نسخ مسلم، ووقع في البخاري: ابن الربيع، قال ابن
عبد البر: يقال بالوجهين.

الآية : ١١٨
٥٥٧
سُوَرَةُ التَّوَنَّة
وقرأ عكرمة وزرّ بنُّ حبيش وعمرو بنُ عبيد: ((خَلَفوا)) بفتح الخاء واللام
خفيفة(١)، أي: خَلَفوا الغازين بالمدينة، أو: فَسَدوا، من الخالفة وخُلوفِ الفم.
وقرأ عليّ بنُ الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق ﴿ه وأبو عبد الرحمن
السُّلميُّ: ((خَالَفوا)»(٢). وقرأ الأعمش: ((وعلى الثلاثة المخلَّفين)»(٣).
وظاهرُ قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ أنَّه غايةٌ للتخليف، بمعنى:
تأخير الأمر، أي: أَخَر أمرهم إلى أنْ ضاقت عليهم الأرض ﴿ِمَا رَحُبَتْ﴾ أي:
برَحْبها وسعتها، الإعراض الناس عنهم وعَدَم مجالستهم ومحادثتهم لهم؛ لأَمْرِ
النبيِّ نَّهِ لهم بذلك، وهو مَثَلُ لشدَّة الحَيْرة، والمرادُ أنهَّم لم يقرُّوا في الدنيا مع
سعتها، وهو كما قيل:
كأنَّ بلادَ الله وهي فسيحةٌ على الخائف المطلوب كُفَّةُ حَابِل(٤)
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: قلوبُهم، وعبَّر عنها بذلك مجازاً؛ لأنَّ قيام
الذوات بها، ومعنى ضِيْقِها: غمُّها وحُزْنُها، كأنَّها لا تَسَعُ السرور لضِيقها، وفي
هذا ترقُّ مِن ضِيقِ الأرض عليهم إلى ضِيقِهم في أنفسهم، وهو في غاية البلاغة.
﴿وَنُواْ أَنْ لَّا مَلْجَاً مِنَ الَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ أي: عَلموا أنْ لا ملجأً من سَخَطه إلَّا
إلى استغفاره والتوبةِ إليه سبحانه، وحُمِل الظنُّ على العلم لأنَّه المناسبُ لهم.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِرَّ﴾ أي: وفَّقهم للتوبة ﴿لِيَتُوبُوا﴾، أو أَنزل قبول توبتهم في
القرآن وأَعلَمَهم بها، ليَعُدَّهم المؤمنون في جملة التائبين، أو رَجَع عليهم بالقبول
والرحمة مرَّةً بعد أُخرى؛ ليستقيموا على التوبة ويستمرُّوا عليها .
(١) القراءات الشاذة ص ٥٥، والمحتسب ٣٠٥/١. ووقع في الأصل و(م): ورزين، بدل:
وزر، وهو خطأ .
(٢) القراءات الشاذة ص ٥٥، والمحتسب ٣٠٥/١، والمحرر الوجيز ٩٤/٣.
(٣) الكشاف ٢١٨/٢، وتفسير الرازي ٢١٧/١٦، والبحر ١١٠/٥، وما بين حاصرتين من هذه
المصادر.
(٤) البيت في ملحق ديوان لبيد ص ٣٦٥، ونسبه البصري في الحماسة لعبيد بن أيوب العنبري،
وهو بلا نسبة في الكامل ١٠٣٦/٢، وتفسير غريب القرآن ص ١١١، ومعاني القرآن
للنحاس ٤٧٧/١، ورواية الكامل: كأن فجاج الأرض ... وقوله: كفة حابل، قال المبرد:
الحِبَالة التي ينصبها للصيد.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥٥٨
الآية : ١١٨
وقيل: التوبةُ [الثانية] ليسَت هي المقبولة، والمعنى: قَبِل توبتهم من التخلُّف
ليتوبوا في المستقبل إذا(١) صدرَت منهم هفوةٌ، ولا يَقْنَطوا من كرمه سبحانه.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّبُ﴾ المبالِغُ في قبول التوبة لمن تاب ولو عاد في اليوم مئةً مرَّة
﴿الرَّحِيمُ ﴾ المتفضِّلُ عليهم بفنون (٢) الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب.
أخرج عبد الرزاق وابنُ أبي شيبة وأحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ والبيهقيُّ من طريق
الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بنُ عبد الله بنِ كعب بن مالك أنَّ عبد الله بنَ
كعب بنِ مالك، وكان قائدَ كعبٍ من بنيه حين عميَ، قال: سمعتُ كعب بنَ مالك
يحُدِّثُ حديثَه حين تخلَّف عن رسول اللهِ وََّ في غزوة(٣) تبوك، قال كعب: لمْ
أتخلَّف عن رسول الله وَّهِ فِي غزاةٍ غَزَاها قٌ، إلَّا في غزوة تبوك، غيرَ أنِّي كنتُ
تخلَّفتُ في غزاةٍ بدرٍ، ولم يُعاتِب أحداً تخلَّف عنها، إنما خرج رسول الله ێۇ يريد
عِير قريشٍ، حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شَهِدْتُ
مع رسول الله وَّه ليلةَ العقبةَ حين تَوَاثَقْنا على الإسلام، وما أُحبُّ أنَّ لي بها مشهدَ
بدرٍ، وإنْ كانت بدرٌ أَذْكَرَ في الناس منها وأشهرَ.
وكان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسول الله وَ﴿ في غزوة تبوك: أنِّ لم أكُنْ
قظٌّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزاة، واللهِ ما جَمَعْتُ قَبْلَها
راحِلتَينِ قظُ، حتى جمعتُها في تلك الغزاةٍ، وكان رسول الله وٍَّ قَلَّما يُريد غزاةً
إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوةُ، فغزاها رسولُ اللهِ وَّر في حرِّ شديدٍ،
واستقبلَ سفراً بعيداً ومَفَاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا
أُهْبةَ عدوّهم، وأخبرهم بوجهِهِ الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله وَّل كثيرٌ،
لا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ - يريد الديوان - قال كعب: فقَلَّ رجلٌ يريد أنْ يتغيَّبَ إلَّا
ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخْفَى له، مالم يَنزل فيه وحيٌّ من الله عزَّ وجل.
(١) في الأصل و(م): إذ، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٧٣/٤، والكلام وما سلف بين
حاصرتین منه .
(٢) في الأصل: بصنوف، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٠٩/٤، والكلام منه.
(٣) في (م): غزاة.

الآية : ١١٨
٥٥٩
سُورَةُ النَّتِيِ
وغزا رسولُ اللهِوَ ﴿ تلك الغزاةَ حين طابت الثمارُ والظلُّ، وأنا إليها أَصْعَرُ(١)،
فتجهّز إليها رسول الله وَّهِ والمؤمنون معه، وطَفِقْتُ أغدو لكي أتجهّزَ معهم فأرجِعُ
ولم أقضٍ شيئاً، فأقولُ لنفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أرَدْتُ. فلم يَزَلْ ذلك يتمادَى
بي حتى استمرَّ بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله وَّر غادياً والمسلمون معه، ولم
أقضٍ من جَهازي شيئاً، وقلت: أتجهّزُ بعد يوم أو يومين ثم ألحقُه، فغدوتُ بعَد
ما فَصَلوا لأتجهّزَ، فرجعتُ ولم أقضٍ من جَهاَزي شيئاً، ثم غدوتُ فرجعتُ ولم
أقضٍ شيئاً، فلم يَزَلْ ذلك يتمادَى بي حتى انتهَوا وتَفَارَطَ الغزو (٢)، فهمَمْتُ أنْ
أرتحلَ فأدْرِكَهم وليتَ أَنِّي فعلتُ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي، وطَفِقْتُ إذا خرجتُ في
الناس بعد رسول الله وَلّه يُحزِنُني أنْ لا أرى إلَّا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق(٣)،
أو رجلاً ممن عَذَره الله تعالى، ولم يَذكرني رسول الله ◌ِّر حتى بلغ تبوك، فقال
وهو جالسٌ في القوم بتبوك: ((ما فَعَل كعب بنُ مالك؟)) قال رجل من بني سَلِمة:
حَبَسه يا رسولَ الله بُرْداه والنظرُ في عِظْفَيه. فقال له معاذ بن جبل: بِنسَما قلتَ،
واللهِ يا رسول الله ما عَلِمِنْا عليه إلَّا خيراً. فسكتَ رسولُ اللهِ وَّه.
فلمَّا بلغني أنَّ رسول الله وَّهِ قد توجَّه قافلاً من تبوك حضرني بَثِّي(٤)، فطفِقتُ
أتفكّرُ الكذبَ وأقول: بماذا أخرجُ من سَخَطه غداً، أستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأي
من أهلي. فلمَّا قيل: إنَّ رسول الله وَّر قد أظلَّ قادماً، زاحَ عنِّي الباطلُ وعرفتُ
أنّي لن أنجُوَ(٥) منه بشيءٍ أبداً، فأجمعتُ صِدْقَه.
فأصبح رسولُ اللهِ وَّ﴿ قادماً، وكان إذا قدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع ركعتين
ثمَّ جلس للناس، فلمَّا فعل ذلك جاءَ المتخلِّفون، فطفِقُوا يعتذرون إليه ويحلفون
له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقَبِلَ رسولُ اللهِ وَّهِ علانِيتَهم واستغفرَ لهم ووَكَلَ
(١) أي: أميل. شرح النووي لصحيح مسلم ٨٩/١٧. ووقع في الأصل: أصعرهم، وفي (م):
أُصغرهم.
(٢) أي: تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا. شرح صحيح مسلم للنووي ٨٩/١٧.
(٣) أي متهماً به. شرح صحيح مسلم للنووي ٨٩/١٧.
(٤) في الأصل و(م): شيء، والمثبت من المسند وصحيح مسلم، وجاء في صحيح البخاري:
همي.
(٥) في الأصل و(م): لم أنج، والمثبت من المصادر على ما يأتي.

سُوَرَّةُ التَّوَقَّةِ
٥٦٠
الآية : ١١٨
سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئتُ، فلمَّا سلَّمتُ عليه عليه الصلاة والسلام تَبسَّمَ
تَبسُّمَ المغضَبِ، ثم قال لي: ((تعال))، فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال
لي: ((ما خَلَّفْكَ، ألَمْ تَكُنْ قد اشتريت ظهرَك؟)) فقلتُ: يا رسول الله، لو جلستُ
عند غيرِكَ من أهل الدنيا لرأيتُ أنْ أخرجَ من سخَطَه بعُذْرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدَلاً،
ولكنْ واللهِ لقد علمتُ لئن حدَّثْتُكَ اليوم بحديث كذبٍ تَرضى عنِّي به، ليوشكَنَّ الله
تعالى أنَّ يُسْخِطَك عليَّ، ولئن حدَّثْتُكَ حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه
عُقْبِىَ من الله تعالى، واللهِ ما كان لي عذرٌ، والله ما كنتُ قظٌ أَفْرَغَ ولا أيْسَرَ منَّي
حين تخلَّفتُ عنك. فقال رسول الله وَّهِ: ((أمَّا هذا فقد صَدَق، فقُم حتى يَقْضَي الله
تعالى فيك)). فقمتُ وبادَرَني رجالٌ من بني سَلِمة واتَّبعوني، فقالوا لي: واللهِ
ما علمناك كنتَ أذنبتَ ذنباً قبل هذا، ولقد عَجَزْتَ أن لا تكون اعتذرتَ إلى
رسول اللهِ وَ﴿ بما اعتذَرَ به المتخلِّفون، ولقد كان كافيك من ذنبك استغفارُ
رسول الله ◌َ﴾ [لك]. قال: فوالله ما زالوا يرايبوني(١) حتى أردتُ أنْ أرجعَ فأكذِّبَ
نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلتَ
وقيل لهما مثلُ ما قيل لك. فقلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرَارَةٍ بنُ الربيع وهلالُ بنُ
أميةَ. فذكروا لي رجلَين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أُسوةٌ، فمضَيتُ حين
ذكروهما لي.
قال: ونهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين مَن تخلَّف عنه،
فاجْتَنَبَنا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتى تنكَّرتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض
التي كنتُ أعرف، فلبثنا على ذلك خمسينَ ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعَدًا في
بيوتهما، وأمَّا أنا فكنتُ أشَبَّ(٢) القوم وأجلدَهم، فكنتُ أشهدُ الصلاةَ مع
المسلمين وأطوفُ بالأسواق فلا يُكلِّمني أحدٌ، وآتي رسولَ الله وَّه وهو في مجلسه
بعد الصلاةِ، فأسلِّمُ وأقولُ في نفسي: هل حرَّك شفتَيَه بردِّ السلام أم لا؟ ثمَّ أُصلِّي
قريباً منه وأُسارِقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أَقبلَ إليَّ، فإذا الْتَفَتُّ نحوه
أَعرضَ.
(١) في مسند أحمد وصحيح البخاري: يؤنبوني، وفي صحيح مسلم: يؤنبونني.
(٢) في الأصل و(م): أشد، والمثبت من المسند والصحيحين.