Indexed OCR Text

Pages 461-480

الآية : ٩٠
٤٦١
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
والإعدادُ التهيئة، أي: هيَّأ لهم ﴿جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ حالٌ
مقدرة من الضمير في ((لهم)) والعاملُ («أعدَّ».
﴿َلِكَ﴾ إشارة إلى ما فُهم من الكلام من نيلِ الكرامة العُظمى ﴿اٌلْفَوْزُ﴾ أي:
﴾ الذي لا فوزَ وراءه.
(٨٩)
الظَّفَرُ ﴿اَلْعَظِيمُ (
﴿وَبََّ اٌلْمُعَذِرُونَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَمْ﴾ شروعٌ في بيان أحوال منافقي
الأعراب إثرَ بيان أحوال منافقي أهل المدينة، والمعذِّرون مِن عَذَّرَ في الأمر: إذا
قصّر فيه وتَوَانى ولم يَجدَّ، وحقيقتُه أن يُؤْهِمَ أنَّ له عذراً فيما يفعل ولا عذرَ له.
ويحتمل أن يكونَ مِن اعتذر، والأصل: المعتذرون، فأدغمت التاءُ في الذال
بعد نقلٍ حركتها إلى العين، ويجوزُ كسرُها لالتقاء الساكنين، وضمُّها إتباعاً للميم
لكنْ لم يُقرأ بهما .
(١) . فھو
وقرأ يعقوب: ((المُعْذِرون)) بالتخفيف، وروي ذلك عن ابن عباس
مِن أَعْذَر: إذا كان له عذر.
وعن مسلمةَ أنه قرأ: ((المعَّذِّرون)) بتشديد العين والذَّال(٢)، من تعذّر بمعنى
اعتذر.
وتَعقَّب ذلك أبو حيان فقال: هذه القراءةُ إمَّا غلطٌ من القارئ أو عليه؛ لأنَّ
التاء لا يجوز إدغامُها في العين لتضادِّهما(٣). وأما تنزيلُ التضادِّ منزلةَ التناسب فلم
يقُلْه أحدٌ من النحاة ولا القرَّاء، فالاشتغال بمثلِه عيب(٤).
ثم إنَّ هؤلاء الجائين كاذبون على أوَّل احتمالي القراءة الأولى، ويحتمل أن
يكونوا كاذبين وأن يكونوا صادقين على الثاني منهما، وكذا على القراءة الأخيرة،
وصادقون على القراءة الثانية.
(١) النشر ٢/ ٢٨٠ عن يعقوب، وذكرها عن ابن عباس ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٤.
(٢) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٨٤/٥.
(٣) البحر المحيط ٨٤/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٥٣/٤، وما سيأتي
منه .
(٤) في حاشية الشهاب: عبث.

سُوَةُالتَوَّة)
٤٦٢
الآية : ٩٠
واختلفوا في المراد بهم؛ فعن الضحَّاك: أنهم رَهْطُ عامٍ بن الظُفيل، جاؤوا
إلى رسول الله وَ﴿ فقالوا: يا نبيَّ الله إنَّا إن غزونا معك أغارتْ طيِّءٌ على أهالينا
ومواشينا. فقال رسولُ اللهِ وَلات: ((قد أنباني الله من أخباركم، وسيُغْني الله سبحانه
عنكم))(١).
وقيل: هم أسد وغطفان؛ استأذنوا في التخلّف معتذرين بالجهد وكثرةِ العيال.
وأخرج أبو الشيخ(٢) عن ابن إسحاق أنه قال: ذكر لي أنَّهم نفرٌ من بني غفار.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ◌ًِّا أنَّهم أهل العُذر (٣)، ولم يبيِّن مَن هم.
ومما ذكرنا يُعلم وقوعُ الاختلاف في أنَّ هؤلاء الجائين هل كانوا صادقين في
الاعتذار أم لا، وعلى القول بصدقهم يكون المرادُ بالموصول في قوله سبحانه:
﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ غيرَهم، وهم أناسٌ من الأعراب أيضاً منافقون،
والأوَّلون لا نفاقَ فيهم. وعلى القول بكذبهم يكون المراد به الأوَّلين، والعدول عن
الإضمار إلى الإظهار إظهارٌ لذمِّهم بعنوان الصلة. والكذبُ على الأول بادِّعاء
الإيمان وعلى الثاني بالاعتذار، ولعلَّ القعودَ مختلف أيضاً.
وقرأ أبيٌّ: ((كذَّبوا)) بالتشديد (٤).
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ أي: من الأعراب مطلقاً وهم منافقوهم، أو من
المعتذرين. ووجهُ التبعيض أنَّ منهم مَن اعتذر لكسله لا لكفره، أي: سيصيب
المعتذرين لكفرهم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ وهو عذاب النار في الآخرة، ولا ينافي استحقاقَ
مَن تخلَّف لكسلٍ ذلك عندنا؛ لعدم قولنا بالمفهوم، ومَن قال به فسَّر العذاب الأليمَ
بمجموع القتلِ والنار، والأوَّلُ منتفٍ في المؤمن المتخلِّف للكسلِ فينتفي المجموع.
وقيل: المرادُ بالموصول المصرُّون على الكفر.
(١) ذكره البغوي ٣١٨/٢.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٦٧/٣.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٠.
(٤) البحر المحيط ٨٤/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٤ لابن عباس وأبي رجاء
والحسن.

الآية : ٩١
٤٦٣
سُورَةُ التَّوَّةِ
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾ كالشيوخ، ومَن فيه نحافةٌ (١) خَلْقيةٌ لا يَقْوَى على الخروج
معها، وهو جمعُ ضعيف، ويقال: ضَعُوف وضَعْفان، وجاء في الجمع: ضِعافٌ
وضَعَفٌ وضَعْفَی وضَعَافَی.
﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ جمع مريض، ويجمع أيضاً على مِرَاضٍ ومَرَاضَى، وهو مَن
عَرَاهُ سقمٌ واضطرابُ طبيعةٍ، سواءٌ كان مما يزول بسرعة ككثيرٍ من الأمراض، أو
لا كالزَّمانة، وعدُّوا منه ما لا يزولُ، كالعمى والعَرج الخَلْقيين، فالأعمى والأعرجُ
داخلان في المرضى، وإن أَبَيْتَ فلا يَبْعُدُ دخولُهما في الضعفاء، ويدلُّ لدخول
الأعمى في أحد المتعاطفَيْنِ ما أخرجه ابنُ أبي حاتم والدار قطنيُّ في ((الأفراد))(٢)
عن زيد بن ثابت قال: كنتُ أكتب لرسول الله وَّر، فنزلت ((براءة)» فإِنِّي لواضحٌ القلمَ
على أذني إذ أُمرنا بالقتال، فجعل رسولُ اللهِ وَله ينظر ما يَنْزِلُ عليه إذ جاء(٣) أعمى
فقال: كيف بي يا رسولَ الله وأنا أعمى؟ فنزلت: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى
اُلْمَرْضَى).
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ﴾ أي: الفقراء العاجزين عن أُهبة
السفر والجهاد، وقيل: هم مُزينة وجهينةُ وبنو عذرة.
﴿حَرَجُ﴾ أي: ذنبٌ في التخلُّف، وأصلُه الضّيق، وقد تقدَّم الكلام فيه.
﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بالإيمان والطاعةِ ظاهراً وباطناً كما يفعل المُوالي(٤)
الناصحُ، فالنُّصحُ مستعارٌ لذلك، وقد يراد بنُصحِهم المذكورِ بَذْلُ جهدهم لنفع
الإسلام والمسلمين بأن يتعهَّدوا أمورَهم وأهلهم وإيصالَ خبرِهم إليهم، ولا يكونوا
كالمنافقين الذين يُشيعون الأراجيف إذا تخلَّفوا.
وأصلُ النُّصح في اللغة: الخلوصُ، يقال: نصحتُه ونصحتُ له، وفي
((النهاية)): النصيحةُ يعبّر بها عن جملةٍ هي إرادةُ الخير للمنصوح له، وليس يمكنُ أن
(١) في الأصل: مخافة.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٦٧/٣، وعنه نقل المصنف، والخبر في تفسير ابن أبي حاتم
١٨٦١/٦.
(٣) في (م): جاءه.
(٤) بضم الميم كالمُصافي لفظاً ومعنى. حاشية الشهاب ٤/ ٣٥٤.

سُورَةُ التَّوَتِّية
٤٦٤
الآية : ٩٢
يعبِّر عن هذا المعنى بكلمةٍ واحدة تجمعُه غيرُها(١). والعاملُ في الظرف - على
ما قال أبو البقاء - معنى الكلام، أي: لا يخرجون حينئذ (٢).
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أي: ما عليهم سبيلٌ، فالإحسانُ: النصحُ لله
تعالى ورسوله ◌َّهِ. ووُضع الظاهرُ موضعَ ضميرهم اعتناءً بشأنهم ووصفاً لهم بهذا
العنوان الجليل، وزيدت ((مِن)) للتأكيد، والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق
على أبلغِ وجهٍ وألطفِ سَبْك، وهو من بليغ الكلام؛ لأنَّ معناه: لا سبيلَ لعاتبٍ
عليهم، أي: لا يمرُّ بهم العاتبُ ولا يَجُوزُ في أرضهم، فما أبعدَ العتابَ عنهم،
وهو جارٍ مجرى المثل، ويحتمل أن يكون تعليلاً لنفي الحرج عنهم.
و ((المحسنين)) على عمومه، أي: ليس عليهم حرجٌ؛ لأنَّه ما على جنس
المحسنين سبيلٌ وهم من جملتهم.
قال ابنُّ الفرس: ويستدلُّ بالآية على أنَّ قاتلَ البهيمة الصائلةِ لا يضمنُها .
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ تذييلٌ مؤيِّد لمضمون ما ذُكر، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ
أحدٍ عاجزٌ محتاجٌ للمغفرة والرحمة؛ إذ الإنسانُ لا يخلو من تفريطٍ ما، فلا يقال:
إنه نفى عنهم الإثم أولاً، فما الاحتياجُ إلى المغفرة المقتضية للذنب؟ فإن أريد
ما تقدَّم من ذنوبهم، دخلوا بذلك الاعتبار في المسيء(٣).
﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطفٌ على ((المحسنين)) كما يُؤْذِن به
قولُه تعالى الآتي إن شاء الله تعالى: (إِنَّمَا السَّبِيلُ) إلخ، وهو من عطفِ الخاصِّ
على العام اعتناءً بشأنهم، وجعلهم كأنهم لتميُّزهم جنسٌ آخر.
وقيل: عطفٌ على ((الضعفاء)).
وهم - كما قال ابنُ إسحاق وغيرُه - البكَّاؤون، وكانوا سبعةً نفرٍ من الأنصار
وغيرِهم، من بني عمرو بن عوف سالمُ بن عمير، وعُلْبةُ بن زيد أخو بني حارثة،
وأبو ليلى عبدُ الرحمن بنُّ كعب أخو بني مازن بن النَّجار، وعمرو بن الحمام بن
(١) النهاية (نصح).
(٢) الإملاء ١٨٢/٣، وفيه: يخرجوا، بدل: يخرجون.
(٣) ينظر حاشية الشهاب ٣٥٤/٦.

الآية : ٩٢
٤٦٥
سُورَةُ التَّوَّةِ
الجموح أخو بني سلمة، وعبدُ الله بن مغفَّل المزنيُّ، وهَرَميُّ بن عبد الله أخو بني
واقف، وعرباضُ بن سارية الفزاريُّ، أتوا رسولَ الله وَّهِ فاستحملوه وكانوا أهلَ
حاجة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام ما قصَّه الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿قُلْفَ لَآ
أَجِدُ مَّا أَخْلُكُمْ عَلَّهِ﴾ فتولَّوا وهم يبكون كما أخبر سبحانه(١).
والظاهرُ أنه لم يخرج منهم أحدٌ للغزو مع رسول الله وَلافته، لكن قال ابن
إسحاق: بلغني أنَّ ابن يامين بنِ عمير بن كعبٍ النضري لقي أبا ليلى وابنَ مغفَّل
وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسولَ الله وَلَو ليحملَنا فلم نجدْ عنده
ما يحملُنا عليه، وليس عندنا ما نتقوَّى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحاً له
فارتحلاء(٢)، وزوَّدهما شيئاً من تمر فخرجا مع رسول الله وَّر. وفي بعض الروايات
أنَّ الباقين أُعينوا على الخروج فخرجوا .
وعن مجاهد أنهم بنو مقرِّنٍ: مَعْقِلٌ، وسُوَيْدٌ، والنعمان.
وقيل: هم أبو موسى الأشعريُّ وأصحابُه من أهل اليمن(٣). وقيل وقيل.
وظاهرُ الآية يقتضي أنهم طلبوا ما يركبون من الدَّواب، وهو المرويُّ عن ابن
ـّا .
عباس
وأخرج ابنُ المنذر(٤) عن عليّ بن صالح قال: حدَّثني مشيخةٌ من جُهينةَ قالوا:
أدركْنا الذين سألوا رسولَ الله وَّر الحملان، فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على
النِّعال.
ومثلُ هذا ما أخرجه ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم بن أدهم، عمَّن
حدَّثه أنه قال: ما سألوه الدوابَّ، وما سألوه إلا النِّعال(٥).
(١) سيرة ابن هشام ٥١٨/٢، والدرر لابن عبد البر ص ٢٨٧.
(٢) أي: حظًّا عليه الرَّحْلَ، في القاموس (رحل): رَحَل البعيرَ وارتحله: حظّ عليه الرَّحْلَ.
ووقع في الأصل و(م): فارتحلا، والمثبت من سيرة ابن هشام ٥١٨/٢.
(٣) ينظر حديث أبي موسى حظ به عند أحمد (١٩٥٩١)، والبخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩).
(٤) كما في الدر المنثور ٢٦٨/٣.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٦٣/٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢٦٨/٣.

سُورَةُ التَّوَتَّة
٤٦٦
الآية : ٩٢
وجاء في بعض الروايات أنهم قالوا: احملنا على الخفافِ المرقوعة والنِّعال
المخصوفة نغزو معك، فقال رسولُ اللهِ وَّه ما قال(١).
ومَن مال إلى الظاهر المؤيَّد بما روي عن الحبر قال: تُجوِّز بالخفاف المرقوعةِ
والنعال المخصوفة عن ذي الخفّ والحافر، فكأنهم قالوا: احملنا على ما يتيسَّر.
أو المراد: احملنا ولو على نعالنا وأخفافنا، مبالغةً في القناعة ومحبَّةِ الذهاب معه
عليه الصلاة والسلام. وأنت تعلم أنَّ ظاهر الخبرين السابقين يُبْعِدُ ذلك، على أنه
في نفسه خلافُ الظاهر، نعم الأخبار المخالفةُ لظاهرٍ الآية لا يخفى ما فيها على
مَن له اطّلاعٌ على مصطلح الحديث.
ومغايرةُ هذا الصنف - بناءً على ما يقتضيه الظاهرُ من أنَّهم واجدون لِمَا عدا
المركب - للذين لا يجدون ما ينفقون إذا كان المرادُ بهم الفقراءَ الفاقدين للزاد
والمركب وغيرِه ظاهرةٌ، وبينهما عمومٌ وخصوصٌ إذا أريد بمن لا يجد النفقةَ مَن عَدِمَ
شيئاً لا يطيقُ السفرَ لفَقْدِهِ. وإلى الأول ذهب الإمام (٢)، واختارَه كثيرٌ من المحققين.
واختلف في جواب ((إذا))، فاختار بعضُ المحققين أنه ((قلتَ)) إلخ، فيكون قوله
سبحانه: ﴿تَوَلَّا﴾ إلخ مستأنفاً استئنافاً بيانيًّا.
وقيل: هو الجوابُ، و((قلتَ)) مستأنفٌ، أو على حَذْفِ حرفِ العطف، أي:
وقلتَ، أو: فقلتَ، وهو معطوفٌ على ((أتوك))، أو في موضع الحال من الكاف في
((توك)) و((قد)) مضمَرةٌ كما في ﴿جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] وزمانٌ
الإتيان يعتبر واسعاً كيومه وشهرِهِ، فيكون مع التولِّي في زمانٍ واحدٍ، ويكفي تسبُّه
له وإن اختلف زمانُهما كما ذكره الرضيُّ في قولك: إذا جئتني اليومَ أكرمتُكَ غداً،
أي: كان مجيئك سبباً لإكرامك غداً.
وفي إيثار ((لا أجد)) على: ليس عندي، من تلطيف الكلام وتطييبٍ قلوب
السائلين ما لا يخفى، كأنه عليه الصلاة والسلام يطلبُ ما يسألونه على الاستمرار
فلا يجده، وذلك هو اللائق بمن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ◌َلتر.
(١) أسباب النزول للواحدي ص٢٥٨، وتفسير البغوي ٣١٩/٢.
(٢) في تفسيره ٦/ ١٦٢.

الآية : ٩٢
٤٦٧
سُوَّةُ التَّوَّةِ
وقوله سبحانه: ﴿وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمّعِ﴾ في موضع الحال من ضمير
(تولَّوا)). والفيضُ: انصبابٌ عن امتلاء، وهو هنا مجازٌ عن الامتلاء بعلاقة السببية.
والدمع: الماءُ المخصوصُ.
ويجوز إبقاءُ الفيض على حقيقته، ويكون إسنادُه إلى العين مجازاً كجرى النهرُ،
والدمعُ مصدر دمعت العين دمعاً، و((مِن)) للأَجْل والسبب. وقيل: إنها للبيان، وهي
مع المجرور في محلٌّ نصبٍ على التمييز، وهو محوَّلٌ عن الفاعل.
وتعقَّبه أبو حيَّان(١) بأنَّ التمييز الذي أصلُه فاعلٌ لا يجوز جرُّه بمن، وأيضاً
لا يجيزُ تعريفَ التمييز إلَّا الکوفیون.
وأجيب عن الأول بأنه منقوضٌ بنحو: قوله عزَّ من قائل، وعن الثاني بأنه كفى
إجازةُ الکوفیین.
وذكر القطبُ أنَّ أصلَ الكلام: وأعينُهم يفيضُ دمعُها، ثم أعينهم تفيضُ دمعاً؛
وهو أبلغُ لإسناد الفعل إلى غيرِ الفاعل، وجعله تمييزاً سلوكاً لطريق التبيين بعد
الإبهام، ولأنَّ العينَ جُعلت كأنَّها دمعٌ فائض، ثمَّ ((أعينُهم تفيض من الدمع)) أبلغُ
مما قبله(٢) بواسطة ((من)) التجريدية، فإنه جعل أعينهم فائضةً، ثمَّ جرَّد الأعين
الفائضة من الدمع باعتبار الفيض.
وتعقّب بأنَّ ((من)) هنا للبيان لِمَا قد أبهم مما قد يبَيَّن بمجرَّد التمييز؛ لأنَّ معنى
تفيض العين: يفيض شيءٌ من أشياء العين، كما أنَّ معنى قولك: طاب زيدٌ: طاب
شيءٌ من أشياء زيد، والتمييز رَفْعُ إبهام ذلك الشيء، فكذا ((من الدمع)) فهو في
محلِّ نصبٍ على التمييز، وحديثُ التجريد لا ينبغي أن يصدر ممَّن له معرفة
بأساليب الكلام، وقد مرَّ بعضُ الكلام في ((المائدة)»(٣) على هذه الجملة فتذكر.
وقوله تعالى: ﴿حَزَّنَا﴾ نُصب على العِلِّية، والحزنُ يستند إلى العين كالفيض،
فلا يقال: كيف ذاك وفاعلُ الفيض مغايرٌ لفاعلِ الحزن، ومع مغايرةٍ الفاعل لا نصبَ؟
(١) في البحر ٨٦/٥.
(٢) أي: أبلغ من: أعينهم تفيض دمعاً. حاشية الشهاب ٦/ ٣٥٥.
(٣) ٣٦٧/٧-٣٦٨.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٤٦٨
الآية : ٩٣
وقيل: جاز ذلك نظراً إلى المعنى، إذ حاصلُه: تولَّوا وهم يبكون حزناً.
وجوِّز نصبُه على الحال من ضميرٍ ((تفيض)) أي: حزينةً. وعلى المصدرية لفعلٍ
دلَّ(١) عليه ما قبله، أي: تحزن(٢) حزناً، والجملةُ حال أيضاً من الضمير المشار إليه.
وقد يكون تعلُّق ذلك على احتمالاته(٣) بـ ((تولَّوا))، أي: تولَّوا للحزن، أو
حزنين، أو يحزنون حزناً.
﴿أَلَّ يَجِدُوا﴾ على حذف اللام، وحذفُ الجارِّ في مثل ذلك مطّرد، وهو متعلّق
بـ «حزناً» كيفما كان.
وقيل: لا يجوز تعلُّقه به إذا كان نصباً على المصدريَّة؛ لأنَّ المصدر المؤكّد
لا يعمل، ولعلَّ مَن قال بالأول يمنع ذلك ويقول: يُتوسّع في الظرف ما لا يُتُوسَّع
في غيره.
وجوِّز تعلُّقه بـ ((تفيض))، قيل(٤): وهذا إذا لم يكن ((حزناً)) علَّة له،
وإلا فلا يجوزُ؛ لأنَّه لا يكون لفعلٍ واحد مفعولان لأجلِه. والإبدال خلافُ
الظاهر.
أي: لئلا يجدوا ﴿مَا يُفِقُونَ ﴾﴾ في شراء ما يحتاجون إليه في الخروج
معك إذا لم يجدوه عندك، وهذا بحسب الظاهر يؤيد كونَ هذا الصِّنف مندرجاً
تحت قوله سبحانه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: بالمعاتبة والمعاقبة ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَذِئُونَكَ﴾ في التخلُّف
﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ واجدون للأُهبة، قادرونَ على الخروج معك.
﴿رَضُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنَّه قيلَ: لَمَ استأذنوا، أو: لِمَ استحقُّوا ما استحقُّوا؟
فأُجِيبَ بأنَّهم رضُوا.
(١) في (م): دال.
(٢) في (م): لا تحزن، وهو خطأ. وقدر السمين وأبو السعود والشهاب هذا الفعل: يحزنون.
الدر المصون ١٠١/٦، وتفسير أبي السعود ٩٣/٤، وحاشية الشهاب ٣٥٥/٤.
(٣) في (م): احتمالات، والمثبت من الأصل وهو الصواب.
(٤) في (م): وقيل.

الآية : ٩٤
٤٦٩
سُورَةُ التَّوَتَّةِ
﴿بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ تقدم معناه(١) ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ خذَلَهم فغَفلوا
عن سوء العاقبة ﴿فَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أبداً وَخَامَةَ مارضُوا به
وما يَسْتَتَبِعُه عاجلاً، كما لم يعلموا نجاسةً شأنه آجلاً.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ بيانٌ لِمَا يتصدَّون له عند الرجوع إليهم، والخطابُ قيل:
النبيِّ ◌َِّ، والجمعُ للتعظيم.
والأَوْلَى أنْ يكونَ له عليه الصلاة والسلام ولأصحابه، لأنَّهم كانوا يعتذرون
للجميع، أي: يعتذرون إليكم في التخلّف ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ من الغزو مُنْتَهين ﴿إِلَيْهِمْ﴾.
وإنَّما لم يقُل سبحانه: إلى المدينة؛ إيذاناً بأنَّ مدار الاعتذارِ هو الرجوعُ إليهم،
لا الرجوعُ إلى المدينة، فلعلَّ منهم مَن بادَرَ إلى الاعتذار قبل الرجوع إليها .
﴿قُلُ﴾ خطابٌ له وَلِّ، وخُصَّ بذلك لِمَا أنَّ الجواب وظيفتُه عليه الصلاة
والسلام ﴿لَا تَعْتَذِرُواْ﴾ أي: لا تفعلوا الاعتذار، أو: لا تعتذروا بما عندكم من
المعاذير.
﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان مُوجِبِ النهي، وقوله سبحانه: ﴿قَدّ نَّأَنَا اللَّهُ
مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ استئنافٌ لبيانِ مُؤْجِبِ النفي. كأنَّه قيل: لِمَ نَهيتُمونا عن الاعتذار؟
فقيل: لأنَّا لن(٢) نُصدِّقكم في عُذْرِكم فيكونُ عبئاً. فقيل: لِمَ لن تصدقونا؟ فقيل:
لأنَّ الله تعالى قد أنبأنا بالوحي بما في ضمائركم من الشرِّ والفساد.
و ((نبّأ)» عند جمع متعدِّيةٌ إلى مفعولَين: الأول الضمير، والثاني ((من أخباركم))
إمَّا لأنَّه صفةُ المفعولّ الثاني، والتقديرُ: جملةً من أخباركم، أو لأنَّه بمعنَى: بعضَ
أخباركم، وليست ((من)) زائدةً على مذهب الأخفش من زيادتها في الإيجاب(٣).
وقال بعضُهم: إنَّها متعدِّيّةٌ لثلاثة و((مِن أخباركم)) سادٌّ مسدَّ مفعولَين، لأنَّه
بمعنَى: أنَّكم كذا وكذا، أو المفعولُ الثالثُ محذوفٌ، أي: واقعاً، مَثَلاً .
(١) عند تفسير الآية (٨٧) من هذه السورة.
(٢) في (م): لم.
(٣) ينظر مذهب الأخفش في زيادة ((مِن)) في الإيجاب في معاني القرآن له ١/ ٢٧٢.

سُورَّةُ التَّوَنَّةِ
٤٧٠
الآية : ٩٤
وتُعقّب بأنَّ السدّ المذكور بعيدٌ، وحذفُ المفعول الثالثِ إذا ذكر المفعول الثاني
في هذا الباب خطأً أو ضعيفٌ.
ومعنَى ((نَبَّأنا)) على الأول: عرَّفَنا، كما قيل. وعلى الثاني: أَعْلَمَنا. وقيل:
معناه: خَبَّرنا و((من)) بمعنى ((عن)، وليس بشيءٍ.
وجمع ضمير المتكلِّم في الموضعَين للمبالغة في حَسْم أطماع المنافقين
المعتذرين رأساً، ببيان عدم رواج اعتذارهم عند أحدٍ من المؤمنين أصلاً، فإنَّ
تَصديقَ البعضِ لهم ربما يُظْمِعُهم في تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً،
وللإيذان بافتضاحهم بين المؤمنين كافَّة، وتعديةُ ((نؤمن)) باللام مرَّ بيانُها(١).
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أي: سيعلمُه سبحانه علماً يتعلَّقُ به الجزاءُ، فالرؤيةُ
عِلْميَّةٌ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: أتنيبون عمَّا أنتم فيه(٢) من النفاق أم تَثْبتون
عليه، وكأنَّه لمكانِ السين المفيدةِ للتنفيس استتابةٌ وإمهالٌ للتوبة. وتقديمُ مفعول
الرؤية على الفاعل مِن قوله سبحانه: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ للإيذان باختلاف حال الرؤيتين
وتفاؤُتِهما، وللإشعار بأنَّ مدارَ الوعيد هو عِلْمُه عزَّ وجلَّ بأعمالهم.
ثُمَّ تُرَدُونَ﴾ يوم القيامة ﴿إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ للجزاء بما ظهَرَ منكم
من الأعمال، ووَضْعُ الوصفِ موضعَ الضمير لتشديد الوعيد، فإنَّ عِلْمَه سبحانه
بجميع أعمالهم الظاهرة والباطنة، وإحاطتَهُ بأحوالهم البارزةِ والكامنةٍ، مما يوجب
الزَّجْرَ العظيم.
وتقديمُ الغيب على الشهادة قيل: لتحقيق أنَّ نِسْبةَ عِلْمِه تعالى المحيطِ إلى سائر
الأشياءِ - السرِّ والعَلَنِ - واحدةٌ، على أبلغ وجهٍ وآَكَدِهِ، كيف لا وعلمُهُ تعالى
بمعلوماته منزَّهُ عن أنْ يكون بطريق حصول الصورة، بل وجودُ كلِّ شيءٍ وتحقُّقُه في
نفسه علمٌ بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنَى لا يختلف الحال بين الأمور البارزة
والكامنة. انتهى.
(١) عند تفسير الآية (٦١) من هذه السورة.
(٢) في الأصل: عليه.

الآية : ٩٥
٤٧١
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
ولا يخفَى عليك أنَّ هذا قولٌ بكون علمه سبحانه بالأشياء حضوريًّا لا حصوليًّا.
وقد اعترضُوا عليه بشمول علمه جلَّ وعلا الممتَنعاتِ والمعدوماتِ المُمْكِنَةَ، والعلمُ
الحضوريُّ يختصُّ بالموجودات العينية؛ لأنَّه حضورُ المعلوم بصورته العينية عند
العالِم، فكيف لا يختلفُ الحال فيه بينَ الأمور البارزة والكامنة، مع أنَّ الكامنة
تشملُ المعدوماتِ الممكنةَ والممتنعةَ، ولا يتصوَّر فيها التحقُّقُ في نفسها حتى يكونَ
علماً له تعالى؟ كذا قيل، وفيه نظر.
وتحقيقُ علم الواجب سبحانه بالأشياء مِن المباحث المُشْكِلةِ والمسائلِ
المُعْضِلةِ، التي كم تحيَّرَت فيها أفهامٌ، وزلَّتْ من العلماء الأعلام أقدامٌ، ولعلَّ
النوبة إن شاء الله تعالى تُفضي إلى تحقيق ذلك.
﴿فَيُنِّئُكُمْ﴾ عند ردِّكم إليه سبحانه ووقوفِكم بين يديه ﴿بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ
٩٤
أي: بما تعملونه - على الاستمرارِ - في الدنيا من الأعمال السيئةِ السابقةِ واللاحقةِ،
على أنَّ (ما)) موصولةٌ. أو: بعملكم المستمرّ، على أنَّ ((ما)) مصدرية.
والمرادُ بالتنبئة (١) بذلك: المجازاةُ عليه، وإيثارُها عليها لمراعاة ما سبق من
قوله تعالى: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ) إلخ، وللإيذان بأنَّهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة
أعمالهم، وإنَّما يعملونها يومئذ.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ تأكيداً لمعاذيرِهم الكاذبةِ، وترويجاً لها. والسين
للتأكيد على ما مرَّ، والمحلوفُ عليه ما يُفهم من الكلام، وهو ما اعتذرُوا به من
الأكاذيب، والجملة بدلٌ من (يعتذرون))، أو بيانٌ له.
﴿إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ﴾ من سفركم ﴿إِلَيْهِمْ﴾ والانقلابُ هو الرجوعُ والانصرافُ مع
زيادة معنی الوصول والاستیلاء، وفائدةُ تقیید حلفهم - كما قال بعض المحقِّقین - به
الإيذانُ بأنَّه ليس لدَفْع(٢) ما خاطبهم النبيُّ ◌َّه به من قوله تعالى: (لَّا تَعْتَذِرُوا) إلخ،
بل هو أمرٌ مبتدأٌ.
(١) في (م): من التنبئة، والمثبت من الأصل، وتفسير أبي السعود ٩٤/٤، والكلام منه.
(٢) في (م): لرفع، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٩٤/٤، والكلام منه.

سُوَةُ التَّوَّةِ)
٤٧٢
الآية : ٩٦
﴿لِتُعْرِضُواْ عَنَهُمْ﴾ فلا تُعاتبوهم وتَصْفَحوا عمَّا فرط منهم صفْحَ رضاً، كما يُفْصِحُ
عنه قوله تعالى: (لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمٌ).
﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ لكنْ لا إعراضَ رضاً كما طلبوا، بل إعراضَ اجتنابٍ ومقتٍ
كما يُنبىُ عنه التعليلُ بقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ رِجْرٌ﴾ فإنَّه صريحٌ في أنَّ المراد
بالإعراض إمَّا الاجتنابُ عنهم لما فيهم(١) من القذارة الروحانية، وإمَّا تركُ
استصلاحهم بترك المعاقبة (٢) المقصودِ منها التطهيرُ بالحمل على التوبة، وهؤلاء
أرجاسٌ لا تَقبل التطهير.
وقيل: إنَّ(لتُعْرِضوا)) بتقدير: للحذر عن أنْ تُعْرضوا، على أنَّ الإعراض فيه
إعراضُ مقتٍ أيضاً. ولا يخفى أنَّه تكلُّفٌ لا يُحتاج إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّهُ﴾ إمَّا مِن تمامِ التعليل؛ فإن كونهم من أهل
النار من دواعي الاجتناب عنهم، وموجباتِ تَرْكِ استصلاحهم باللوم والعتاب.
وإمَّا تعليلٌ مستقلٌّ، أي: وكَفَتْهم النارُ عتاباً، على حدٍّ: عتابُه السيفُ ووَغْظُه
الصَّفْعُ، فلا تتكلَّفوا أنتم بذلك.
﴿جَزَآءٌ﴾ نصب على أنَّه مفعولٌ مطلق مؤكِّدٌ لفعلٍ مقدَّرٍ من لَفْظِه وقع حالاً،
أي: يُجزَوْنَ جزاءً، أو لمضمون ما قبله فإنَّه مفيدٌ لمعنى المجازاة، كأنَّه قيل:
مجزيُّون جزاءً ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ أي: بما(٣) يكسبونه على سبيل
الاستمرار من فنون السيئات في الدنيا، أو بكَسْبِهِم المستمرِّ لذلك.
وجُوِّز أنْ يكون مفعولاً له، وحالاً من الخبر عند مَن يرَى ذلك.
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بدلٌ مما سبق، والمحلوفُ عليه محذوفٌ لظهوره كما تقدَّم،
أي: يحلفون به تعالى على ما اعتذروا ﴿لِّضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ بحَلفهم وتستديموا عليهم
ما كنتم تفعلون بهم.
(١) في(م): يفهم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٢) في الأصل و(م): المعاملة، والصواب المثبت من تفسير أبي السعود ٩٤/٤ والكلام منه.
(٣) قوله: بما، ليس في الأصل.

الآية : ٩٧
٤٧٣
سُورَةُ التَّوَتَّة
﴿فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ حَسْبَما طلبوا ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
٩٦
أي: فرِضاكم لا يُنتج لهم نَفْعاً؛ لأنَّ الله تعالى ساخطٌ عليهم، ولا أثَرَ لرضا أحدٍ
مع سخطه تعالى.
وجوَّز بعضُهم كونَ الرضا كنايةً عن التلبيس، أي: إنْ أمكنهم أنْ يلبِّسوا عليكم
بالأيمان الكاذبة حتى يُرضوكم لا يمكنهم أنْ يلبِّسوا على الله تعالى بذلك حتى
يرضَى عنهم فلا يَهتكَ أستارهم ولا يُهينَهم، وهو خلاف الظاهر.
ووضع ((الفاسقين)) موضعَ ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة
المستوجبة لما حلَّ بهم.
والمراد من الآية نهيُ المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم الكاذبةِ
على أبلغ وجهٍ وآَكَدِه؛ فإنَّ الرضا عمَّن لا يرضَى عنه الله تعالى مما لا يكاد يَصْدُرُ
عن المؤمن.
والآية نزلَتْ على ماروي عن ابن عباس ﴿يَّ في جدّ بنِ قيس ومعتِّب بن قشير
وأصحابهما من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلاً، أمر النبيُّ وَّه المؤمنين لمَّا رجع(١)
إلى المدينة أنْ لا يُجالسوهم ولا يكلِّموهم فامتَثَلوا.
وعن مقاتل: أنَّها نزلَت في عبد الله بن أبيٍّ، حَلَف للنبيِّ ◌َلِ أنْ لا يتخلَّف عنه
أبداً، وطلب أنْ يَرضى، فلم يفعل وَلِينَ(٢).
﴿اَلْأَعْرَابُ﴾ هي صيغةُ جمعٍ وليست بجمعٍ للعرب على مارُوي عن سيبويه(٣)،
لئلا يلزمَ كونُ الجمع أخصَّ منّ الواحد، فإنَّ العربَ هذا الجيلُ المعروفُ مطلقاً،
والأعرابُ سكانُ البادية منهم، ولذا نُسب إلى الأعراب على لفظه، فقيل: أعرابي.
وقيل: العربُ سكانُ المدن والقرى، والأعرابُ سكان البادية من هذا الجيل أو
موالیهم، فهما متباينان.
ويُفرَّق بين الجمع والواحد بالياء فيهما، فيقال للواحد: عربيٍّ وأعرابيٍّ،
(١) في (م): رجعوا.
(٢) الخبران في تفسير البغوي ٣٢٠/٢، ومجمع البيان ١٢٠/١١ وعنه نقل المصنف.
(٣) في الكتاب ٣٧٩/٣.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٤٧٤
الآية : ٩٧
وللجماعة: عربٌ وأعرابٌ وكذا أعاريب، وذلك كما يقال للواحد (١): مجوسيٍّ
ويهوديٌّ، ثم تحذف الياء في الجمع فيقال: المجوس واليهود.
أي: أصحابُ البدو ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر الكفارِ والمنافقين،
لتوخُّشهم وقساوةٍ قلوبهم، وعدم مخالطتهم أهلَ الحكمة، وحرمانِهم استماعَ
الكتاب والسنة، وهم أشبهُ شيءٍ بالبهائم.
وفي الحديث الحسنِ (٢) عن ابن عباس ﴿هما عن النبيِّ وَّ قال: ((مَن سكَنَ
البادية جفا، ومَن اتَّبع الصيدَ غَفَل، ومَن أتَى السلطان اقْتَنْ))(٣).
وجاء: ((ثلاثةٌ من الكبائر)) وعدَّ منها التعرُّب بعد الهجرة(٤)، وهو أنْ يعودَ إلى
البادية ويُقيمَ مع الأعراب بعد أنْ كان مهاجراً، وكان مَن رجع بعد الهجرة إلى
موضعه من غيرِ عذر يَعُدُّونه كالمرتدّ، وكأن ذلك لغَلَبةِ الشرِّ في أهل البادية، والطبعُ
سَرَّاق، أو للبُعْدِ عن مجالس العلم وأهلِ الخير، وإِنَّه لَيُّفضي إلى شرِّ كثير.
والحكمُ على الأعراب بما ذُكر من باب وصفِ الجنس بوصفِ بعضِ أفرادهِ،
كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ آلْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] إذ ليس كلَّهم كما ذُكر، ويدلُّ
عليه قوله تعالى الآتي: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ) إلخ، وكان ابنُ سيرين
كما أخرج أبو الشيخ عنه(٥) يقول: إذا تلا أحدُكم هذه الآيةَ فليَثْلُ الآيةَ الأُخرى.
يعني بها ما أشرنا إليه.
(١) في (م): الواحد.
(٢) في (م): عن الحسن.
(٣) أخرجه أحمد (٣٣٦٢)، وأبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، والنسائي ١٩٥/٧ - ١٩٦.
من طريق أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس ظُه وإسناده ضعيف لجهالة
أبي موسى. وأخرجه أحمد (٨٨٣٦) من حديث أبي هريرة عظته، وإسناده ضعيف أيضاً،
وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٤) أخرجه الطبري ٦٤٣/٦ من حديث علي رح لته موقوفاً بلفظ: الكبائر سبع ... ، فذكر منها:
التعرُّب بعد الهجرة. وروي ذلك مرفوعاً من حديث سهل بن أبي حثمة عند ابن أبي عاصم
في الجهاد (٢٧٤). ومن حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم ٩٣١/٣. وله شاهد من
حديث ابن مسعود عند أحمد (٣٨٨١)، وابن خزيمة (٢٢٥٠)، وينظر صحيح البخاري
(٧٠٨٧)، وصحيح مسلم (١٨٦٢)، وفتح الباري ١٢/ ١٨٢، و٤١/١٣.
(٥) كما في الدر المنثور ٢٦٦/٣ .

الآية : ٩٨
٤٧٥
سُورَةُ التَّوَّةِ
والآيةُ المذكورةُ كما رُوي عن الكلبيِّ نزلَت في أسد وغطفان. والعبرةُ بعموم (١)
اللفظ لا لخصوص السبب.
﴿وَأَجْدَرُ﴾ أي: أَحَقُّ وَأَخْلَقُ، وهو على ما قال الطبرسيُّ: مأخوذٌ من جدْرِ
الحائط بسكون الدال، وهو أصلُه وأساسُه(٢). ويتعدَّى بالباء، فقوله تعالى: ﴿أَلَّ
يَعْلَئُواْ﴾ بتقديرٍ: بأنْ لا يعلموا ﴿حُدُودَ مَا أَنَزَّلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وهي كما أخرج
أبو الشيخ عن الضحاك: الفرائضُ، وما أُمروا به من الجهاد(٣).
وأدرَجَ بعضُهم السُّننَ في الحدود، والمشهورُ أنَّها تخصُّ الفرائضَ، أو الأوامرَ
والنواهيَ؛ لقوله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ الَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] و﴿يَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولعلَّ ذلك من باب التغليب ولا بُعْدَ فيه، فإنَّ الأعراب
أجدرُ أنْ لا يعلموا كلَّ ذلك، لبُعْدِهم عمَّن يُقتبس منه.
وقيل: المراد منها هنا (٤) بقرينة المقام وعيدُه تعالى على مخالفة الرسول وَّر في
الجهاد، وقيل: مقاديرُ التكاليف.
﴿وَاللَّهُ عَلِيهُ﴾ يعلم أحوالَ كلٌّ مِن أهل الوَبَرِ والمَدَرِ ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ بما سيُصيب
به مُسيئَهم ومُحسِنَهم مِن العقاب والثواب.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ أي: من جنسهم الذي نُعت بنعتِ بعضٍ أفراده. وقيل: من
الفريق المذكور ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾ أي: يَعدُّ ﴿مَا يُفِقُ﴾ أي: يصرفُه في سبيل الله تعالى
ويتصدَّقُ به كما يقتضيه المقام ﴿مَغْرَمًا﴾ أي: غرامةً وخُسراناً، من الغرام بمعنى
الهلاك. وقيل: من الغُرم: وهو نزولُ نائبةٍ بالمال من غير جنايةٍ، وأصلُه من
الملازمة، ومنه قيل لكلٍّ من المتداينَين: غريمٌ.
وإنَّما أعدُّوه كذلك لأنَّهم لا يُنفقونه احتساباً ورجاءً لثواب الله تعالى ليكون لهم
(١) في الأصل: لعموم.
(٢) مجمع البيان ١٢٣/١١.
(٣) الدر المنثور ٢٦٨/٣.
(٤) قوله: هنا، ليس في (م).

سُورَةُ النَّيَّةِ
٤٧٦
الآية : ٩٨
مغنماً، وإنَّما يُنفقونه تَقِيَّةً ورئاءَ الناس، فيكون غرامةً محضةً، وما في صيغة
الانّخاذ من معنَى الاختيار والانتفاع بما يُتَّخذ إنَّما هو باعتبار غرضِ المنفِقِ من
الرياء والتقِيَّة، لا باعتبار ذاتِ النفقة، أعني كونَها غرامةً.
﴿وَيَتَنَصُ بِكُ اٌلَّوَآئِّ﴾ أي: ينتظر بكم نُوَبَ الدهر ومصائبَه التي تُحيط بالمرء،
لينقلبَ بها أمرُكم ويتبدَّل بها حالُكم فيتخلَّص مما ابتُلي به.
﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ دعاءٌ عليهم بنحوِ ما يتربَّصون به، وهو اعتراضٌ بين
كلامَين كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ إلخ
[المائدة: ٦٤]. وجوِّز أنْ تكون الجملةُ إخباراً عن وقوع ما يتربَّصون به عليهم.
والدائرةُ اسمٌ للنائبة، وهي في الأصل مصدرٌ كالعافية(١) والكاذبة، أو اسمُ
فاعلٍ من دار يدور، وقد تقدَّم تمام الكلام عليها(٢).
و ((السوء» في الأصل مصدرٌ أيضاً، ثم أطلق على كلِّ ضررٍ وشرٌّ، وقد كان
وصفاً للدائرة ثم أُضيفت إليه، فالإضافة من باب إضافة الموصوفِ إلى صفته،
كما في قولك: رجلُ صدقٍ، وفيه من المبالغة ما فيه، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَا
كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨].
وقيل: معنَى الدائرة يقتضي معنى السوء، فالإضافة للبيان والتأكيد، كما قالوا:
شمسُ النهار، ولَحْيَا رأسه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((السُّوء)» هنا وفي ثانيةِ ((الفتح)) بالضم(٣)، وهو حينئذٍ
اسمٌ بمعنى العذاب، وليس بمصدرٍ كالمفتوح، وبذلك فرَّق الفرَّاء بينهما(٤)، وقال
أبو البقاء: السُّوء بالضم الضررُ، وهو مصدرٌ في الحقيقة، يقال: سُؤتُه سُوءاً
ومَسَاءَةً ومَسائِيَةً، وبالفتح الفساد والرداءة(٥). وكأنَّه يقول بمصدرية كلٍّ منهما في
(١) في الأصل: كالعاقبة، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٥٧/٤ والكلام منه.
(٢) عند تفسير الآية (٥٢) من سورة المائدة، وقوله: تمام، ليس في الأصل.
(٣) التيسير ص١١٩، والنشر ٢٨٠/٢.
(٤) ينظر معاني القرآن ٤٤٩/١-٤٥٠.
(٥) الإملاء ١٨٥/٣-١٨٦.

الآية : ٩٩
٤٧٧
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
الحقيقة كما فهمَه الشهاب من كلامه(١).
وقال مكِّي: المفتوح معناه الفسادُ، والمضمومُ معناه الهزيمةُ والضَّرر(٢).
وظاهُره - كما قيل - أنَّهما اسمان.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ﴾ بمقالاتهم الشنيعةِ عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ (4﴾ بنياتهم الفاسدةِ
التي مِن جملتها أن يتربَّصوا بكم الدوائرَ، وفيه من شدَّة الوعيد ما لا يخفَى.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ أي: مِن جنسهم على الإطلاق ﴿مَن يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الْآَخِرِ﴾ على الوجه المأمور به ﴿وَيَتَّخِذُ﴾ على وجه الاصطفاءِ والاختيار ﴿مَا
يُفِقُ﴾ في سبيل الله تعالى ﴿قُرْنَتٍ﴾ جمع قُرْبة بمعنى التقرُّبِ، وهو مفعولٌ ثانٍ
لـ ﴿وَيَتَّخِذُ﴾ والمرادُ اتخاذُ ذلك سبباً للتقرُّب، على التجوُّز في النسبة أو التقدير،
وقد تُطلَق القربةُ على ما يُتقرَّبُ به، والأول اختيارُ الجمهور، والجمع باعتبار
الأنواع والأفراد.
وقولُه سبحانه: ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ صفةُ «قربات))، أو ظرفٌ لـ ((يتخذ))، وجوَّز
أبو البقاء(٣) كونَه ظرفاً لـ ((قُربات)) على معنى: مُقَرِّبات عند الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ﴾ عطفٌ على ((قربات))، أي: وسبباً لدعائه عليه
الصلاة والسلام، فإنَّه وَ﴿ كان يدعو للمتصدِّقين بالخير والبركة ويستغفرُ لهم،
ولذلك يُسنُّ للمتَصَدَّق عليه أنْ يدعوَ للمتصدِّق عند أَخْذ صدقتِهِ، لكنْ ليس له أنْ
يُصلِّي عليه، فقد قالوا: لا يُصلَّى على غير الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام
إلا بالتَّبع؛ لأنَّ في الصلاة من التعظيم ماليس في غيرها من الدعوات، وهي لزيادةٍ
الرحمة والقُرْبِ من الله تعالى، فلا تليقُ بمن يُتصوَّر منه الخطايا والذنوب، ولاقَتْ
عليه تَبَعاً لِمَا في ذلك من تعظيم المتبوع.
واختلف هل هي مكروهة تحريماً، أو تنزيهاً، أو خلافُ الأَولَى؟ صحَّح
(١) حاشية الشهاب ٤/ ٣٥٧.
(٢) مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٣٤.
(٣) في الإملاء ١٨٦/٣.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ،
٤٧٨
الآية : ٩٩
النووي في ((الأذكار)) الثاني(١). لكنْ في خُطبة («شرح الأشباه)) للبيري: مَن صلَّى
على غيرهم أثم وكره، وهو الصحيح، ومارواه الستة غيرَ الترمذيِّ من قوله وَلّى:
((اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي أَوفى))(٢) لا يقومُ حَجَّةٌ على المانع؛ لأنَّ ذلك كما في
((المستصفَى)) حقُّه عليه الصلاة والسلام، فله أنْ يتفضَّل به على مَن يشاء ابتداءً،
وليس الغيرُ كذلك(٣).
وأمَّا السلامُ فنقَلَ اللَّقاني في ((شرح جوهرة التوحيد))(٤) عن الإمام الجويني أنَّه
في معنى الصلاة، فلا يُستعمل في الغائب، ولا يُفرَدُ به غيرُ الأنبياء والملائكةِ
عليهم السلام، فلا يقال: عليٍّ عليه السلام، بل يقال: رَُّه، وسواءٌ في هذا
الأحياءُ والأمواتُ، إلا في الحاضر فيقال: السلامُ - أو سلامٌ - عليك أو عليكم،
وهذا مُجْمَعٌ علیه. انتهى.
أقول(٥): ولعلَّ مِن الحاضر: ((السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين))(٦)
و((سلامٌ عليكم دارَ قوم مؤمنين))(٧) وإلَّا فهو مُشْكِلٌ، والظاهرُ أنَّ العلَّة في مَنْعِ
السلام ما قاله النوويٌّ في علَّةِ مَنْع الصلاة من أنَّ ذلك شعارُ أهل البدع، وأنَّهَ
مخصوصٌ في لسان السَّلفِ بالأنبياء والملائكة عليهم السلام، كما أنَّ قولنا: عزَّ
وجلَّ، مخصوصٌ بالله سبحانه، فلا يقال: محمد عزَّ وجلّ، وإنْ كان عزيزاً
جليلاً وَلِ(٨).
(١) الأذكار ص١٥٩، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عابدين في الحاشية ٦ / ٧٥٣، وما سيأتي منه.
(٢) صحيح البخاري (١٤٩٧)، وصحيح مسلم (١٠٧٨)، وسنن أبي داود (١٥٩٠)، وسنن
النسائي ٥ / ٣١، وسنن ابن ماجه (١٧٩٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ظبه، وهو عند
أحمد (١٩١١١).
(٣) كذا نقل المصنف عن ابن عابدين في الحاشية ٧٥٣/٦، ولم نقف عليه في المستصفى، وهو
في الوسيط للغزالي ٤٤٦/٢ .
(٤) كما في حاشية ابن عابدين ٧٥٣/٦، ولم نقف عليه في المطبوع من شرح الجوهرة للَّقاني.
(٥) القائل هو البيري أو ابن عابدين، والكلام من حاشية ابن عابدين ٦/ ٧٥٣.
(٦) قطعة من حديث ابن مسعود عند البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).
(٧) قطعة من حديث أبي هريرة عند أحمد (٧٩٩٣)، ومسلم (٢٤٩).
(٨) المجموع ١٧٣/٦ - ١٧٤، والأذكار ص ١٥٩- ١٦٠، ونقله المصنف بواسطة ابن عابدين
في الحاشية ٦/ ٧٥٣.

الآية : ٩٩
٤٧٩
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
ثم قال اللَّقاني: وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحقِّقون وأميلُ إليه
ما قاله مالك وسفيان، واختاره غيرُ واحدٍ من الفقهاء والمتكلِّمين أنَّه يجب
تخصيصُ النبيِّ وَلّ وسائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالصلاة والتسليم،
كما يختَصُّ الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه، ويُذكر مَن سواهم بالغفران
والرضا كما قال تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وأيضاً إنَّ ذلك في غير مَن
ذُكر لم يكن في الصدر الأول، وإنَّما أحدثه الرافضةُ في بعض الأئمة، والتشبُّهُ (١)
بأهل البدع منهيٌّ عنه، فتجب مخالفتُهم. انتهى(٢).
ولا يخفى أنَّ مذهب الحنابلة جوازُ ذلك في غير الأنبياء والملائكة عليهم
السلام استقلالاً عملاً بظاهر الحديث السابق.
وكراهةُ التشبُّه بأهل البدع مقرَّرةٌ عندنا أيضاً لكنْ لا مطلقاً، بل في المذموم،
وفيما قُصِدَ به التشبُّه بهم كما ذكره الحصكفيُّ في ((الدر المختار))(٣)، فافهم.
ثم التعرُّضُ لوصف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخرِ في هذا الفريق، مع أنَّ
مساق الكلام لبيان الفرق بين الفريقين في بيان شأنِ اتخاذ ما يُنفقانه حالاً ومآلاً،
وأنَّ ذِكْرَ اتِّخاذه سبباً للقربات والصلوات مغنٍ عن التصريح بذلكَ = لكمال العنايةِ
بإيمانهم، وبيانِ اتِّصافهم به، وزيادةِ الاعتناء بتحقُّق الفرق من أول الأمر، وأمَّا
الفريقُ الأول فاتِّصافُهم بالكفر والنفاق معلومٌ من سياق النظم الكريم صريحاً .
وجوِّز عطف ((وصلوات)) على ((ما ينفق)) وعليه اقتصر أبو البقاء(٤)، أي: يتّخذُ
ما يُنفق وصلواتِ الرسول عليه الصلاة والسلام قرباتٍ.
﴿أَلَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ شهادةٌ لهم من جَناب الله تعالى بصحَّةٍ ما اعتقدوه،
(١) في الأصل و(م): والتشبيه، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) الشفا ١٩١/٢ - ١٩٢، وحاشية ابن عابدين ٧٥٣/٦، وعنه نقل المصنف، ولم نقف عليه
في المطبوع من شرح الجوهرة للقاني.
(٣) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٦٢٤/١، وفيه: أهل الكتاب، بدل: أهل البدع،
والكلام من حاشية ابن عابدين ٦/ ٧٥٣.
(٤) في الإملاء ١٨٦/٣.

سُورَةُ التَّوَّة
٤٨٠
الآية : ٩٩
وتصديقٌ لرجائهم، والضميرُ إمَّا للنفقة المعلومة مما تقدَّم، أو لـ ((ما)) التي هي
بمعناها، فهو راجعٌ لذلك باعتبارِ المعنى فلذا أُنّث، أو لمراعاة الخبر. وجوَّز
الخازن(١) رجوعَه للصلوات، والأكثرون على الأوَّل.
وتنوينُ ((قربةٌ)) للتفخيم المُغني عن الجمع، أي: قربةٌ لا يُكتَنَّهُ كُنْهُها. وفي إیرادِ
الجملةِ اسميةً بحرفَي التنبيهِ والتحقيقِ من الجزالة ما لا يخَفى. والاقتصارُ على بيانِ
كونها قربةً لهم لأنَّها الغايةُ القُصْوَى، وصلواتُ الرسول عليه الصلاة والسلام من
ذرائعها .
وقُرئ: ((قُرُبةٌ)) بضم الراء (٢) للإتْباع.
﴿سَيُّدٌِّلُهُمُ اللَّهُ فِ رَحْمَيّةٍٍ﴾ وَعْدٌ لهم بإحاطةِ رحمتِهِ سبحانه بهم كما يُشعر بذلك
((في)) الدالَّةُ على الظرفية، وهو في مقابلة الوعيد للفرقة السابقة، المشارِ إليه بقوله
تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيٌ) وفيه تفسيرٌ للقربة أيضاً. والسينُ للتحقيق والتأكيدِ؛ لِمَا
تقدَّم أنَّها في الإثبات في مقابلةِ ((لن)) في النفي.
تقريرٌ لما تقدَّم وكالدليل(٣) عليه.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
والآيةُ كما أخرج ابنُ جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وغيرُهم عن مجاهد نزلت
في بني مقرِّنٍ من مُزينة(٤).
وقال الكلبيُّ: في أسْلم وغِفار وجُهينة.
وقيل: نزلت التي قبلها في أَسَدٍ وغطفان وبني تميم، وهذه في عبد الله ذي
البِجادَين بنِ نُهُم المزنيّ ◌َ﴾(٥).
(١) في تفسيره ١٣٨/٣، ووقع في (م): ابن الخازن.
(٢) هي قراءة ورش عن نافع. التيسير ص ١١٩، والنشر ٢١٦/٢.
(٣) في(م): كالدليل.
(٤) تفسير الطبري ٦٣٦/١١، وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ السيوطي في الدر ١٦٩/٣.
(٥) هو عبد الله بن عبد نهم بن عُفَيف، كان يتيماً في حجر عمِّه، فلما أسلم نزع منه عمُّه كلَّ
شيء أعطاه، حتى جرَّده من ثوبه، فشق بجاداً نصفين، اتَّزر نصفاً وارتدى نصفاً، فقال له
النبي *: أنت عبد الله ذو البجادين، توفي في غزوة تبوك. الإصابة ١٤٩/٦، وحاشية
الشهاب ٣٥٨/٤.