Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٧٤
٤٢١
سُورَةُ التَّوَّةِ،
شيطان، فإذا جاء فلا تكلِّموه)) فلم يلبثوا أنْ طلع رجلٌ أزرقُ العينين، فدعاه
رسول الله وَ﴿ فقال: ((علامَ تشتُمني أنت وأصحابُك؟)) فانطلق فجاء بأصحابه
فحلفوا بالله تعالى ما قالوا، حتَّى تجاوزَ عنهم وأنزل الله تعالى الآية (١).
وإسنادُ الحَلِفِ إلى ضمير الجمع على هذه الرواية ظاهرٌ، وأمَّا على الروايتين
الأُوليين؛ فقيل: لأنّهم رَضُوا بذلك واتفقُوا عليه، فهو من إسناد الفعل إلى سببه،
أو لأنَّه جعل الكلام (٢) لرضاهم به كأنهم فعلوه، ولا حاجةَ إلى عموم المجازِ؛ لأنَّ
الجمع بين الحقيقة والمجاز جائزٌ في المجاز العقليّ وليس محلًا للخلاف.
وإيثارُ صيغة الاستقبال في ((يحلفون)) على سائر الروايات لاستحضار الصورةِ،
أو للدلالة على تكريرِ الفعل، وهو قائمٌ مقامَ القسم، و «ما قالوا)» جوابُه.
﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ هي ما حكي من قولهم: واللهِ ما مَثَلُنا .. إلخ. أو:
واللهِ لئن كان هذا الرجلُ صادقاً .. إلخ، أو الشتمُ الذي وبَّخ عليه عليه الصلاة
والسلام. والجملةُ مع ما عُطِفَ عليها اعتراضٌ.
﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَِهِمْ﴾ أي (٣): أظهروا ما في قلوبهم من الكفرِ بعد إظهار
الإسلام، وإلا فكفرُهم الباطنُ كان ثابتاً قبلُ، والإسلامُ الحقيقيُّ لا وجودَ له.
﴿وَهَنُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ من الفتك برسول الله وَ لِ حينَ رجع من غزوة تبوك؛
أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل)) عن حذيفةَ بنِ اليمان قال: كنتُ آخذاً بخطام ناقةٍ
رسول الله وَّرُ أقودُ به وعمَّار يسوق، أو أنا أسوق وعمار يقودُ، حتَّى إذا كنَّا بالعقبة
فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوا فيها، فَأَنْبَهْتُ رسولَ الله وَله، فصرخ بهم فولَّوا
مدبرين، فقال لنا رسولُ اللهِ وَله: ((هل عرفتُم القومَ؟)) قلنا: لا يا رسول الله، كانوا
متلِّمين، ولكن قد عرفنا الركابَ. قال: ((هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، هل
تدرون ما أرادوا؟)) قلنا: لا. قال: ((أرادُوا أنْ يُزِلُّوا رسول الله وَ له في العقبة فيلقوه
(١) تفسير الطبري ٥٧١/١١، وعزاه لأبي الشيخ والطبراني وابن مردويه السيوطي في الدر
٢٥٨/٣. وهو عند الطبراني في الكبير (١٢٣٠٧) في سبب نزول الآية (١٨) من سورة
المجادلة، وكذا أخرجه أحمد (٢٤٠٧)، والطبري ٤٨٩/٢٢.
(٢) في الأصل: الكل.
(٣) قوله: أي: ليس في (م).

سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ
٤٢٢
الآية : ٧٤
منها)) قلنا: يا رسول الله، أَوَلا تبعثُ إلى عشائرهم حتَّى يبعثَ لك كلُّ قومٍ برأسٍ
صاحبهم؟ قال: ((أكرهُ أن يتحدَّث العربُ عنَّا أنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام قاتلَ
بقوم حتَّى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبلَ عليهم يقتلُهم)) ثم قال: ((اللهمَّ ارمِهم
بالدُّبِّيْلة)) قلنا: يا رسولَ الله وما الدُّبيلة؟ قال: ((شهابٌ من نارٍ يقع على نياطِ قلبٍ
أحدِهم فيهلك)»(١) .
وكانوا كلُّهم - كما أخرج ابنُ سعد عن نافع بن جبير - من الأنصار أو من
حلفائهم ليس فيهم قرشيٌّ(٢).
ونَقْلُ الطبرسيِّ(٣) عن الباقر ◌َّهِ: أنَّ ثمانيةً منهم من قريش وأربعةً من العرب،
لا یعوَّل عليه.
وقد ذكر البيهقيُّ(٤) من رواية ابن إسحاق أسماءهم، وَعدَّ منهم الجُلاس بنَ
سويد، ويُشْكِلُ عليه روايةُ أنَّه تاب وحسُنتْ توبتُه، مع قوله عليه الصلاة والسلام في
الخبر: ((هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة))، إلَّا أنْ يقال: إنَّ ذلك باعتبار الغالبِ.
وقيل: المرادُ بالموصول إخراجُ المؤمنين من المدينةِ على ما تضمَّنه الخبرُ المارُّ
عن قتادة. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن السديٌّ، وأبو الشيخ عنه وعن أبي صالح،
أنَّهم أرادوا أن يتوِّجوا عبدَ الله بن أبيٍّ بتاجٍ، ويجعلوه حَكَماً ورئيساً بينهم، وإنْ لم
يَرْضَ رسولُ اللهِ وَلِ (٥).
وقيل: أرادوا أن يقتلوا عميراً لردِّه على الجُلاس كما مرَّ.
﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ أي: ما كرهوا وعابوا شيئاً ﴿إِلََّ أَنْ أَغْتَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ, مِن فَضْلِهِ﴾
(١) دلائل النبوة ٥/ ٢٦٠، وأخرجه من حديث حذيفة أيضاً البزار في مسنده (٢٨٠٠) دون قوله:
قلنا يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم .. إلخ، وكذا أخرجه أحمد (٢٣٧٩٢) من حديث
أبي الطفيل عامر بن وائلة. وأصل القصة في صحيح مسلم (٢٧٧٩) عن عمار ته. ونياط
القلب: العرق الذي القلب معلقٌ به. النهاية (نيط).
(٢) عزاه لابن سعد المزي في تهذيب الكمال ٥٠٤/٤-٥٠٥، والسيوطي في الدر المنثور ٢٦٠/٣.
(٣) في مجمع البيان ١٠/ ١٠٢.
(٤) في الدلائل ٢٥٧/٥ - ٢٥٨.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٤٥/٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢٦٠/٣.

الآية : ٧٤
٤٢٣
التَّوَنَّةِ
فالاستثناءُ مفرٌَّ من أعمِّ المفاعيل. أو(١): وما نقموا الإيمانَ لأَجْلِ شيءٍ إلَّا
لإغناءِ الله تعالى إيَّاهم، فيكونُ الاستثناء مفرَّغاً من أعمِّ العِلل، وهو على حدٍّ
قولهم: مالي عندكَ ذنبٌ إلا أنِّي أحسنتُ إليك، وقوله(٢):
ما نقم الناس من أمية إلا (٣) أنّهم يَخْلُمون إنْ غضبوا
وهو مثَّصلٌ على ادِّعاءِ دخوله بناءً على القول بأنَّ الاستثناء المفرَّغ لا يكون
منقطعاً، وفيه تهكُّم وتأكيدُ الشيء بخلافِه كقوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم .. البيت (٤)
وأصلُ النقمة كما قال الراغبُ(٥): الإنكارُ باللسان، والعقوبةُ. والأمرُ على
الأول ظاهرٌ، وأمَّا على الثاني فيحتاج إلى ارتكاب المجازِ، بأنْ يرادَ وجدانٌ
ما يُؤْرِثُ النقمة ويقتضيها(٦).
وضمير ((أغناهم)) للمنافقين على ما هو الظاهر، وكان إغناؤُهم بأخذِ الدِّية، فقد
روي أنَّه كان للجُلاس مولّى قُتِلَ وقد غُلِبَ على ديتِه، فأمر رسولُ الله وَّه بها اثني
عشر ألفاً، فأخذها واستغنى (٧). وعن قتادة: أنَّ الدِّية كانت لعبد الله بن أبيٍّ (٨).
وزيادة الأَلْفين كانتْ على عادتِهم في الزيادة على الدِّية تكرُّماً، وكانوا يسمُّونها شَنَقاً
كما في ((الصحاح))(٩).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن عروةَ قال: كان جُلاس تحمَّل حمالةً، أو كان عليه
(١) في (م): أي، وهو خطأ، وينظر تفسير أبي السعود ٨٤/٦، وحاشية الشهاب ٣٤٦/٤.
(٢) هو عبيد الله بن قيس الرقيات، والبيت في ديوانه ص٤.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م) أنه في بعض روايات البيت: ما نقموا من بني أمية إلا. اهـ.
وهذا هو الموافق لما في الديوان، والرواية المذكورة أعلاه ذكرها ابن الجوزي في زاد
المسير ٣/ ٤٧١.
(٤) وعجزه: بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب، والبيت للنابغة، وهو في ديوانه ص١١.
(٥) في مفرداته (نقم).
(٦) في الأصل و(م): ويقتضيه، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٤٦/٤.
(٧) تفسير الطبري ١١ / ٥٧٤ .
(٨) تفسير الطبري ١١ / ٥٧٤ - ٥٧٥ .
(٩) مادة (شنق).

سُورَقُ التَّوَقَّة
٤٢٤
الآية : ٧٤
دينٌ، فأدَّى عنه رسول الله وَّهِ، وذلك قولُه سبحانه: (وَمَا نَقَمُوّا) الآية(١). ولا يخفى
أنَّ الإغناء على الأوَّل أظهر.
وقیل: کان إغناؤُهم بما منَّ الله تعالی به من الغنائم، فقد كانوا - كما قال
الكلبيُّ - قبل قدوم النبيِّ وَّهِ المدينةَ مَحاويجَ في ضنكٍ من العيش، فلمَّا قدم عليه
الصَّلاة والسلام أَثْرَوا بها(٢). والضميرُ على هذا يجوزُ أن يكون للمؤمنين، فيكونُ
الكلامُ متضمِّناً ذَّ المنافقين بالحسدِ، كما أنَّه على الأول متضمّنٌ لذمِّهم بالكفر
وتركِ الشكر. وتوحيدُ ضمیر «فضله)» لا يخفى وجهُه.
﴿فَإِن يَتُوبُوا﴾ عمَّا هم عليه من القبائح ﴿يَُ﴾ أي: التوبُ، وقيل: أي: التوبة،
ويُغتفر مثلُ ذلك في المصادر. وقد يقال: التذكيرُ باعتبار الخبر، أعني قولَه
سبحانه: ﴿غَيْرَاً لَّمْ﴾ أي: في الدَّارين.
وهذه الآية - على ما في بعض الروايات - كانت سبباً لتوبته وحُسْنِ إسلامِهِ،
نُظْفاً من الله تعالى به وكَرَماً.
﴿وَإِن يَتَوَلَوْا﴾ أي: استمرُّوا(٣) على ما كانوا عليه من التولِّي والإعراض عن
إخلاصِ الإيمان، أو أعرضوا عن التوبة.
﴿يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا﴾ بمتاعب النِّفاق وسوءِ الذِّكر ونحو ذلك.
وقيل: المراد بعذاب الدنيا عذابُ القبر، أو ما يشاهدونه عندَ الموت.
وقيل: المرادُ به القتلُ ونحوُه، على معنى أنَّهم يُقتلون إن أظهروا الكفر، بناءً
على أنَّ التولِّيَ مظنَّةُ الإظهار، فلا ينافي ما تقدَّم من أنهم لا يُقتلون، وأنَّ الجهاد
في حقِّهم غيرُ ما هو المتبادر.
﴿وَلَخِرَةِ﴾ وعذابُهم فيها بالنارِ وغيرِها من أفانين العقاب.
﴿وَمَا لَهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: في الدنيا، والتعبيرُ بذلك للتعميم، أي: مالهم في
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٤٦/٦.
(٢) تفسير البغوي ٣١٢/٢.
(٣) في الأصل: يستمروا، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في تفسير أبي السعود ٨٥/٤.

التفسير الإشاري (٤٣ - ٧٤)
٤٢٥
سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ
جميع بقاعِها وسائرِ أقطارها ﴿مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ ينقذُهم من العذاب بالشفاعة
أو المُدافعة. وخصَّ ذلك في الدنيا؛ لأنَّه لا وليَّ ولا نصيرَ لهم في الآخرة قطعاً،
فلا حاجةً لنفيه.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات:
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى علوِّ مقامه بَّهِ، ورفعةِ شأنه
على سائر الأحباب، حيثُ آذَنَه بالعفو قبل العِتاب، ولو قال له: لم أذنتَ لهم
عفى الله عنك، لذابَ.
وعبَّر سبحانه بالماضي المشير إلى سَبْقِ الاصطفاء؛ لئلا يُؤْحِشَه عليه الصلاة
والسلام الانتظارُ، ويشتغلَ قلبُه الشريفُ باستمطار العفوِ من سحابٍ ذلك الوَعْدِ
المِدرار.
وانظرْ كم بين عتابه جلَّ شأنُه لحبيبه عليه الصلاة والسلام على الإذن لأولئك
المنافقين، وبين ردِّه تعالى على نوح عليه السلام قوله: ﴿إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِ﴾ بقوله
سبحانه: ﴿يَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ
مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [هود: ٤٥ -٤٦] ومن ذلك يُعلم الفرق - وهو لعمري غيرُ خفيٍّ - بين مقام
الحبيبٍ ورتبةِ الصفيِّ؛ وقد قيل: إن المحبَّ يعتذرُ عن حبيبه، ولا ينقصُه عندَه كلامُ
معیبه، وأنشد:
كلا وما ضرَّك مُغتابُ
ما حظّك الواشون عنْ رتبةٍ
عليكَ عندي بالذي عابُوا(١)
كأنَّهم أثنوا ولم يعلموا
وقال الآخر:
عن القلوب ويأتي بالمعاذيرِ (٢)
في وجهه شافعٌ يمحو إساءته
(١) البيتان لأبي نواس، وهما في ديوانه ص٦٢ .
(٢) البيت في زهر الآداب ٧٦١/٢، ومصارع العشاق ١٨٣/٢، والنجوم الزاهرة ١٢٩/٣،
وعجزه عندهم: من القلوب وجيهٌ حيثما شفعا.

سُورَةُ التَّوَّةِ،
٤٢٦
التفسير الإشاري (٤٣ - ٧٤)
وقال :
وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنُه بألفِ شفيع(١)
وقوله سبحانه: ﴿لَا يَسْتَقْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلخ فيه إشارةٌ
إلى أنَّ المؤمن إذا سمع بخبرٍ خيرٍ طار إليه وأتاه ولو مشياً على رأسه ويديه،
ولا يفتح فيه فاهُ بالاستئذان، وهل يستأذن في شرب الماء ظمآن؟
وقال الواسطيُّ: إنَّ المؤمن الكاملَ مأذونٌ في سائرٍ أحواله، إنْ قام قام بإذن،
وإن قعد قعد بإذن، وإنَّ للهِ سبحانه عباداً به يقومون وبه يقعدون، ومن شأنِ المحبَّةِ
امتثال أمرِ المحبوب کیفما كان:
لو قال تيهاً قفْ على جمرِ الغضى
لوَقفتُ مُمتثلاً ولمْ أتوقَّف(٢)
﴿إِنَّمَا يَسْتَغْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ اَلْآَخِ﴾ إلخ أي: إنما يستأذنك
المنافقون رجاءَ أنْ لا تأذنَ لهم بالخروج، فيستريحوا من نَصَبِ الجهاد ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ
اُلْخُرُوِجَ لَأَعَذُواْ لَهُ, عُدَّةٌ﴾ فقد قيل:
لو صحَّ منك الهوى أُرْشِدْتَ للحيل(٣)
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ أَنْعَائَهُمْ فَتَبَّطَهُمْ﴾ إشارة إلى خذلانهم لسوءِ استعدادهم
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ لأنَّ الأخلاق السَّيئةَ والأعمال القبيحةَ محيطةٌ
بهم، وهي النارُ بعينها، غايةُ الأمر أنها ظهرت في هذه النشأة بصورةِ الأخلاق
والأعمال، وستظهر في النشأة الأخرى بالصورة الأخرى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ فيه إشارةٌ إلى حرمانِهم
للَّةَ طعم العبودية، واحتجابِهم عن مشاهدةِ جمالِ معبودهم، وأنهم لم يعلموا أنَّ
المصلِّيَ يناجي ربَّه، وأنَّ الصلاةَ معراجُ العبد إلى مولاه. ومن هنا قال وَّل
(وُجُعِلَتْ قَرَّةُ عيني في الصلاة))(٤).
(١) ذكره التلمساني في نفح الطيب ٢٥/٦، وابن مفلح في الآداب الشرعية ٢٥٨/١.
(٢) قائله ابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٥٣ .
(٣) وعجزه: لكنَّ حبَّك لي قولٌ بلا عَمَلٍ. التمثيل والمحاضرة ص٢١٠.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣) من حديث أنس به، وسلف ٣٦٥/١.

التفسير الإشاري (٤٣ - ٧٤)
٤٢٧
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
وقال محمد بن الفَضْلِ: مَن لم يعرفِ الآمرَ قام إلى الأمرِ على حدِّ الكسل،
ومَن عرفَ الآمرَ قام إلى الأمر على حدِّ الاستغنام والاسْتِرواحِ، ولذا كان عليه
الصَّلاة والسلام يقول لبلال: ((أرِخْنا يا بلال))(١).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ﴾ فيه تحذيرٌ للمؤمنين أنْ
يستحسنوا ما مع أهل الدنيا من الأموال والزِّينة، فيحتجبُوا بذلك عن عملِ الآخرة
ورؤيتها، وقد ذكروا أنَّ الناظرَ إلى الدنيا بعين الاستحسان من حيثُ الشهوةُ والنفسُ
والهوى يسقط في ساعته عن مشاهدةِ أسرارِ الملَكوت وأنوارِ الجَبَروت.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلخ فيه إرشادٌ إلى
آداب الصَّادقين والعارفين والمريدين، وعلامةُ الراضي النشاطُ بما استقبله من الله
تعالى، والتلذُّذ بالبلاءِ، فكلُّ ما فعلَ المحبوبُ محبوبٌ.
رؤي أعمى أقطعُ مطروحٌ على التراب يحمدُ الله تعالى ويشكرُه، فقيل له في
ذلك، فقال: وعزَّتِه وجلالِه لو قطّعني إرَباً إرباً ما ازددتُ له إلَّا حبًّا. ولله تعالى درُّ
مَن قال:
أنا راضٍ بالذي ترضونه لكم المثَّةُّ عفواً وانتقاما
ثم إنَّه سبحانه قسمَ جوائز فضلِه على ثمانية أصنافٍ من عباده فقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ إلخ، والفقراءُ في قولٍ: المتجرِّدون بقلوبهم وأبدانهم
عن الكونين.
﴿وَالْمَسِكِينٍ﴾ هم الذين سكنوا إلى جمال الأنس ونور القُدس، حاضرين في
العبودية بنفوسهم، غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم، فمَن رآهم ظنَّهم بلا قلوبٍ،
ولم يَدْرِ أنَّها تسرح في رياضٍ جمال المحبوب، وأنشد:
فهم أنفسٌ عاشوا بغيرِ قلوب
مساكينُ أهل العِشْق ضاعتْ قلوبُهم
﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ العاملون: هم أهلُ التمكين من العارفين، وأهلُ الاستقامة
من الموحّدين الذين وقعوا في نور البقاء، فأورثهم البسط والانبساط، فيأخذون منه
(١) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨) من حديث رجل من أسلم عن النبي ◌َّه.

سُورَةُ التَّوَّة
٤٢٨
التفسير الإشاري (٤٣ - ٧٤)
سبحانه ويعطُون له، وهم خُزَّان خزائن جودِهِ، المنفقون على أوليائه، قلوبهم معلّقة
بالله سبحانه لا بغيره من العرش إلى الثرى.
﴿ وَلْمُؤَلَفَةِ فُلُوبُهُمْ﴾ هم المريدون السَّالكون طريق محبَّته تعالى برقَّة قلوبهم
وصفاء نيَّاتهم، وبَذْلِ(١) مُهجهم في سُوق شوقِه، وهم عند الأقوياء ضعفاءُ
الأحوال.
﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾ هم الذين رُهنت قلوبُهم بلذَّة محبة الله تعالى، وبقيتْ نفوسُهم في
المجاهَدةِ في طريقه سبحانه لم يبلغوا بالكلِّية إلى الشهود، فتارةً تراهم في لُجج بحرٍ
الإرادة، وأخرى في سواحل بحرِ القُرب، وطوراً هدفَ سهامِ القهر، ومرَّة مشرقَ
أنوار اللُّطف، ولا يَصِلون إلى الحقيقة ما دام عليهم بقيَّةٌ من المجاهدة، والمكاتَبُ
عبدٌ ما بقي عليه درهم، والأحرارُ ما وراءَ ذلك وقليلٌ ما هم:
أتمنَّى على الزَّمان محالاً أن ترى مقلتاي طلعةَ حرّ(٢)
﴿وَالْفَرِمِينَ﴾ هم الذين ما قضَوا حقوقَ معارفهم في العبوديَّة، وما أدركوا في
إيقانهم حقائقَ الربوبيَّةِ، والمعرفةُ غريمٌ لا يُقضَى دَيْنه.
﴿وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم المحاربون نفوسَهم بالمجاهدات، والمرابطون بقلوبهم
في شهود الغَيب لكشفِ المشاهدات.
﴿وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ هم المسافرون بقلوبهم في بوادي الأزل، وبأرواحِهم في قفارٍ
الأبد، وبعقولهم في طرق الآيات، وبنفوسهم في طلب أهل الولايات.
﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ على أهل الإيمان أن يعطوا هؤلاءِ الأصناف من مالِ الله
سبحانه لدفع احتياجهم الطبيعي. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال هؤلاء وغيبتِهم عن الدنيا،
﴿حَكِيرٌ﴾ حيث أوجبَ لهم ما أوجب.
ومن الناس مَن فسَّر هذه الأصنافَ بغير ما ذُكر، ولا أرى التفاسير بأسرها
متكفِّلة بالجمع والمنع.
(١) في (م): وبذلوا.
(٢) البيت لأبي الحسن علي بن محمد البديهي الشّهرزوري، كما في يتيمة الدهر ٤٠٠/٣.

التفسير الإشاري (٤٣ - ٧٤)
٤٢٩
سُوَرَّةُ التَوَّةِ،
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ﴾ عابُوه عليه الصَّلاة
والسَّلام - وحاشاه من العَيب - بسلامةِ القلب، وسرعةِ القبول والتصديق لِمَا يسمع،
فصدَّقهم جلَّ شأنُه، وردًّ عليهم بقوله سبحانه: ﴿قُلْ﴾ هو ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾
أي: هو كذلك لكن بالنّسبة إلى الخير، وهذا من غايةِ المدح؛ فإنَّ النفسَ القدسيّة
الخيريَّة تتأثَّر بما يناسبُها، أي: أنَّه عليه الصلاة والسَّلام يسمعُ ما ينفعكم وما فيه
صلاحُكم دونَ غیره.
ثم بيَّن ذلك بقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلخ، وقد غرَّهم - قاتَلَهم الله تعالی حتَّى
قالوا ما قالوا - كَرَمُ النبيِّ وَّهِ، حيثُ لم يشافههم بردِّ ما يقولون رحمةً منه بهم،
وهو عليه الصَّلاة والسَّلام الرحمةُ الواسعة. وعن بعضِهم أنه سئل: مَن(١) العاقل؟
فقال: الفَطِنُ المتغافلُ. وأنشد:
فرأيْتَه فيما ترومُ يسارِعُ
وإذا الكريمُ أتيتَه بخَديعةٍ
إنَّ الكريمَ لفضله مُتخادِعُ (٢)
فاعلم بأنّك لم تخادع جاهلاً
﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضَِ﴾ أي: هم متشابهون في القُبح والرَّداءِ
وسوءِ الاستعداد ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيَدِيَهُمْ﴾ أي:
يبخلون، أو يبغضون المؤمنين، فهو إشارةٌ إلى معنى قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُواْ
عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] أو لا ينصرون المؤمنين، أو لا يخشعون
لربِّهم ویرفعون أیدیھم في الدعوات.
﴿فَسُواْ اللَّهَ﴾ لاحتجابهم بما همْ فيه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ من رحمتِهِ وفضلِهِ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُقِيمٌ﴾ وهو عذابُ الاحتجاب بالسِّوی.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ هي جناتُ النفوس،
﴿وَمَسَِكِنَ طَيِّبَةٌ﴾ مقامات أربابِ التوُّل في جنات الأفعال، ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ
أَكْبَرٌ﴾ إشارة إلى جنَّات الصِّفاتِ، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الرضوان ﴿هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾
لکرامةِ أهلِه عند الله تعالی وشدَّةِ قُربهم.
(١) في (م): عن.
(٢) البيتان لأبي شراعة كما في المنتخل للميكالي ٨٣٨/٢.

سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ
٤٣٠
الآية : ٧٥
ولا بأسَ بإبقاء الكلام على ظاهرِهِ، ويكونُ في قوله سبحانه: ﴿وَمَسَكِنَ
طَيِّبَةٌ﴾ إشارةٌ إلى الرؤية؛ فإنَّ المحبَّ لا تطيبُ له الدَّار من غيرِ رؤية محبوبِهِ:
أجيرانَنا ما أوحش الدَّارَ بعدكم إذا غبتُمُ عنها ونحنُ حضور(١)
ولكون الرضوانِ هو المدارُ لكلِّ خيرٍ وسعادةٍ، والمناطُ لكلِّ شَرَفٍ وسيادةٍ،
کان أکبر من هاتیك الجناتِ والمساکن:
أرى كلَّ مَن في الكون لي یتبسّمُ
إذا كنتَ عنِّي يا مُنَى القلبِ راضياً
نسأل الله تعالى رضوانَه وأن يُسكننا جنانه.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
٧٥
بيانٌ لقبائح بعضٍ آخَرَ من المنافقين، والآيةُ نزلتْ في ثعلبةَ بنِ حاطب ویقال له:
ابنُ أبي حاطب، وهو من بني أميَّةَ بن زيد، وليس هو البدريَّ لأنَّه قد استُشهد
باحدٍ
أخرج الطبرانيُّ، والبيهقيُّ في ((الدلائل))، وابنُ المنذر، وغيرهم عن أبي أمامةً
الباهليّ قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطب إلى رسول الله ﴿ فقال: يا رسولَ الله، ادعُ الله
تعالى أنْ يرزقني مالاً. فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: ((ويحكَ يا ثعلبةُ، أما تحبُّ أن
تكونَ مثلي؟ فلو شئتُ أن يسيِّر اللهُ تعالى ربِّي هذه الجبالَ معي ذهباً لسارَتْ)) قال:
يا رسول الله، ادعُ اللهَ تعالى أن يرزقني مالاً، فوالذي بعثكَ بالحقِّ إنْ آتاني الله
سبحانه مالاً لأعطينَّ كلَّ ذي حقِّ حقَّه. فقال: ((ويحكَ يا ثعلبةُ، قليلٌ تطيق شُكرَه
خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقُه)). قال: يا رسولَ الله ادعُ الله تعالى. فقال رسول الله ويّ:
((اللهم ارزقْه مالاً)).
فانَّخذ غنماً، فبوركَ له فيها، ونمتْ كما ينمو الدودُ حتَّى ضاقتْ به المدينة،
فتنخَّى بها، فكان يشهدُ الصلاة بالنهار مع رسول الله وَ ﴿ ولا يشهدُها بالليل، ثمَّ
نمتْ كما ينمو الدودُ، فتنخَّى بها، وكان لا يشهدُ الصلاةَ بالليل ولا بالنَّهار، إلَّا من
(١) الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي ص٤٣٨.

الآية : ٧٥
٤٣١
سُوَرَّةُ التّوَنَّةِ
جمعةٍ إلى جمعة مع رسول اللّهِ وَّل، ثمَّ نمَتْ كما ينمو الدودُ، فضاق به مكانُه،
فتنخَّى بها، فكان لا يشهدُ جمعةً ولا جنازةً مع رسول الله وَّهِ، فجعل يتلقَّى الرُّكبان
ويسألهم عن الأخبار، وفقدَه رسولُ الله ◌َّ فسأل عنه، فأخبروه أنه اشترى غنماً
وأنَّ المدينة ضاقتْ به. فقال عليه الصلاة والسلام: ((ويحَ ثعلبةَ بن حاطب، وبحَ
ثعلبة بن حاطب)).
ثم إنَّ الله تعالى أمر رسوله وَّله أن يأخذَ الصدقات، وأنزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية، فبعث رجلين: رجلاً من جهينةً، ورجلاً من بني
سلمةَ، يأخذان الصَّدقات، وكتب لهما أسنان الإبل، والغنم وكيفَ يأخذانها،
وأمرهما أن يمرًّا على ثعلبةَ ورجلٍ من بني سليم، فخرجا فمرَّا بثعلبة فسألاه
الصدقةَ، فقال: أَرِياني كتابَكما؟ فنظر فيه فقال: ماهذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا
ثمَّ مرَّا بي. فانطلقا، وسمع بهما السُّلميُّ فاستقبلهما بخيارِ إبله، فقالا: إنما عليك
دونَ هذا. فقال: ما كنتُ أتقرَّب إلى الله تعالى إلا بخيرٍ مالي. فقبلا، فلما فرغا
مرَّا بثعلبة فقال: أرِيَاني كتابكما. فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزيةٌ، انطلِقا حتى
أرى رأيي. فانطلقا حتى قدما المدينةَ، فلما رآهما رسولُ الله ◌ِوَ ل قال قبل أن
يكلِّمهما: ((ويحَ ثعلبة بن حاطب)) ودعا للسُّلميِّ بالبركة، وأنزل الله تعالى: (وَمِنْهُم
مَنْ عَهَدَ اللَّهَ) الآياتِ الثلاث، فسمع بعضٌ من أقاربه فأتاه فقال: ويحكَ يا ثعلبةُ،
أُنزل فيكَ كذا وكذا.
فقدم على رسول الله ◌َ﴿ فقال: يا رسولَ الله، هذه صدقةٌ مالي. فقال عليه
الصلاة والسلام: ((إنَّ الله قد منعني أن أقبل منكَ)) فجعل يبكي ويحثو الترابَ على
رأسه، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((هذا عملُك بنفسك، أمرتُكَ فلم تُطِعْني)) فلم يقبل منه
رسولُ اللهِوَلِ حَتَّى مضى، ثم أتى أبا بكر ﴿به فقال: يا أبا بكر، اقبلْ منِّي صدقتي
فقد عرفتَ منزلتي من الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلها رسولُ اللهِلَّهِ وأقبلُها؟!
فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولي عمر ﴿به فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أميرَ المؤمنين،
اقبل منِّي صدقتي. فقال: لم يقبلْها رسولُ اللهِوَّةٍ ولا أبو بكر أقبلها أنا؟! فأبى أن
يقبلها، ثمَّ ولي عثمان رَؤُه، فلم يقبلها منه وهلك في خلافته (١).
(١) المعجم الكبير (٧٨٧٣)، ودلائل النبوة ٢٨٩/٥ - ٢٩٢، وعزاه لابن المنذر وغيره السيوطي

سُورَةُ التَّوَنّةِ،
٤٣٢
الآية : ٧٥
وفي بعض الروايات أنَّ ثعلبة هذا كان قبل ذلك ملازماً لمسجد النبيِّ وَِّ حتَّى
لُقِّب حمامةَ المسجد، ثمَّ رآه النبيُّ وَّهِ يسرعُ الخروجَ منه عقيب الصَّلاة، فقال عليه
الصلاة والسلام له: ((ما لك تعملُ عمل المنافقين؟» فقال: إنِّ افتقرتُ ولي
ولامرأتي ثوبٌ واحد، أجيء به للصلاة ثمَّ أذهب فأنزعه لتلبسَه وتصلِّ به، فادعُ الله
تعالى أن يوسّع عليَّ رزقي، إلى آخر ما في الخبر.
والظاهرُ أنَّ مَنْعَ الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام عن القبول منه كان
بوحي منه تعالى له بأنَّه منافقٌ، والصَّدقةُ لا تُؤخذ منهم وإن لم يُقتلوا لعدم الإظهار،
وحَثْؤُه للتراب ليس للتوبةِ من نفاقه، بل للعارٍ من عدم قبول زكاته مع المسلمين.
ومعنى («هذا عملُك)): هذا جزاءُ عملك وما قُلْتَه. وقيل: المرادُ بعملِه: طلبُه
زيادةَ رِزْقِه، و((هذا)) إشارةٌ إلى المنع، أي: هو عاقبةُ عملك. وقيل: المرادُ بالعمل
عدمُ إعطائه للمُصَدِّقَيْنِ.
وعن ابن عباس ﴿ه أنَّ ثعلبة أتى مجلساً من مجالس الأنصار فأشْهدهم: لئن
آتاني الله تعالى من فضله تصدَّقتُ منه وآتَيثُ كلَّ ذي حقِّ حقَّه، فمات ابنُ عمِّ له
فورثَ منه مالاً، فلم يفِ بما عاهد الله تعالى عليه، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات.
وقال الحسنُ: إنَّها نزلتْ في ثعلبة ومعِّب بن قشير خرجا على ملأ قعودٍ،
فحلفا بالله تعالى لئن آتانا من فضلِه لنصَّدَّقنَّ، فلما آتاهما بخلا .
وقال السائب: إنَّ حاطب بن أبي بلتعة كان له مالٌ بالشام، فأبطأ عليه، فجهدَ
لذلك جهداً شديداً، فحلف بالله لئن آتانا الله من فضله - يعني ذلك
المال - لأتصدَّقنَّ(١) ولأَصِلنَّ، فلما آتاه ذلك لم يَفِ بما عاهد الله تعالى عليه،
وحكي ذلك عن الكلبيُّ(٢)، والأوَّلُ أشهر وهو الصحيح في سبب النزول.
= في الدر المنثور ٢٦٠/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٧٨/١١ - ٥٨٠. قال البيهقي: هذا
حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولاً بأسانيد ضعاف. وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد ٣٢/٧: فيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك.
(١) في (م): لأصدقن.
(٢) وذكره القرطبي في تفسيره ٣٠٨/١٠ عن ابن عباس ﴿ا، وقال: وحاطب بن أبي بلتعة
بدري، وممن شهد الله له ورسولُه بالإيمان، فما روي عنه غير صحيح.
.:

الآية : ٧٦ ، ٧٧
٤٣٣
سُورَةُ التَّوَنَّة
والمراد بالتصدُّق، قيل: إعطاءُ الزكاة الواجبة، وما بعده إشارةٌ إلى فعل سائر
أعمال البرِّ من صلةِ الأرحام ونحوها.
وقيل: المرادُ بالتصدُّق إعطاءُ الزكاة وغيرِها من الصدقات، وما بعده إشارة إلى
الحجِّ على ما روي عن ابن عباس ◌ًَّا، أو إلى ما يعمُّه والنفقةَ في الغزو كما قيل.
وقرئ: (لَنصَّدَقَنْ ولَنَكونَنْ)) بالنون الخفيفة فيهما (١).
﴿فَلَّآ ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ﴾ أي: منعوا حقَّ الله تعالى منه ﴿وَتَوَلَّواْ﴾ أي:
أَعْرَضوا عن طاعة الله سبحانه ﴿وَّهُم ◌ُعْرِضُونَ ﴾﴾ أي: وهم قومٌ عادتُهم
الإعراض عن الطاعات، فلا يُنكَرُ منهم هذا، والجملةُ مستأنفةٌ، أو حالية
والاستمرارُ المقتضي للتقدُّم لا ينافي ذلك، والمراد على ما قيل: تولَّوا بأجرامهم
وهم معرضون بقلوبهم.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أي: جَعَل الله تعالى عاقبةَ فِعْلِهِم ذلك ﴿نِفَاقًا﴾ أي: سوءَ عقيدةٍ
وكفراً مضمراً ﴿فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي: الله تعالى، والمراد بذلك اليوم وقتُ
الموت؛ فالضميرُ المستتر في ((أعقب)) لله تعالى، وكذا الضميرُ المنصوب في
(يلقونه))، والكلامُ على حذفِ مضافٍ، والمرادُ بالنِّفاق بعضُ معناه، وتمامُه إظهارُ
الإسلام وإضمارُ الكفر، وليس بمرادٍ كما أشرنا إلى ذلك كلِّه.
ونقل الزمخشريُّ(٢) عن الحسن وقتادة أنَّ الضميرَ الأول للبخل، وهو خلافُ
الظاهر، بل قال بعضُ المحقّقين: إنَّه يأباه قولُه تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ
وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾﴾ إذ ليس لقولنا أعقَبهم البخلُ نفاقاً بسبب
إخلافهم .. إلخ كثيرُ معنى، ولا يتصوَّر - على ما قيل - أنْ يعلَّل النفاقُ بالبُخل
أولاً، ثمَّ يعلَّل بأمرين غيرِه بغير عطف، ألا ترى لو قلت: حَمَلني على إكرام زيدٍ
عِلْمُهُ لأَجْلِ أنَّه شجاعٌ جوادٌ، كان خُلْفاً حتى تقول: حَمَلني على إكرام زيدٍ عِلْمُه
وشجاعتُه وجودُه.
وقال الإمام: ولأنَّ غايةَ البخل تركُ بعض الواجبات، وهو لا يوجبُ حصولَ
(١) القراءات الشاذة ص٥٤.
(٢) الكشاف ٢٠٣/٢ - ٢٠٤.

سُورَةُ النَّوَتَّة،
٤٣٤
الآية : ٧٧
النِّفاق الذي هو كفرٌ وجهلٌ في القلب كما في حقِّ كثيرٍ من الفسَّاق(١). وكونُ هذا
البخلِ بخصوصه يُعْقِبُ النفاقَ والكفر لِمَا فيه من عدم إطاعة الله تعالى ورسوله وَّه
وخُلْفٍ وَعْدِه - كما قيل - لا يقتضي الأرجحيَّة بل الصحَّةَ ولعلّها لا تنكر. واختيارُ
الزمخشريِّ كان لنزغةٍ اعتزالية هي أنه تعالى لا يقضي بالنِّفاق ولا يخلقُه، لقاعدةٍ
التحسين والتقبيح.
وجوِّز أن يكون الضميرُ المنصوبُ للبخل أيضاً، والمرادُ باليوم يوم القيامة،
وهناك مضافٌ محذوف، أي: يلقون جزاءَه.
و((ما)) مصدرية. والجمعُ بين صيغتي الماضي والمضارع للإيذان بالاستمرار،
أي: بسبب إخلافهم ما وعدُوه تعالى من التصدُّق والصَّلاح، وبسبب كونهم
مستمرِّين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدُهم المذكور.
وقيل: المرادُ كذبُهم فيما تضمَّنه خُلْفُ الوعد، فإنَّ الوعدَ وإن كان إنشاءً لكنَّه
متضمِّنٌ للخبر، فإذا تخلَّف كان قبيحاً من وجهين: الخُلف، والكذب الضِّمني.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ تخصيص الكذب بذلك يؤدِّي إلى تخلية الجمع بين الصِّيغتين
عن المزيّة.
وقد اشتملت الآيةُ على خصلتين من خصال المنافقين، فقد أخرج الشيخان
وغيرُهما عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ قال: ((آيَةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ،
وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خان))(٢). ويستفاد من الصِّحاح آيةٌ أخرى له: ((إذا
خاصم فجر))(٣).
واستُشْكِلَ ذلك بأنَّ هذه الخصالَ قد توجدُ في المسلم الذي لا شكَّ فيه
ولا شبهةَ تعتريه، بل كثيرٌ من علمائنا اليوم مَّصفون بأكثرها أو بها كلِّها .
وأجيب: بأنَّ المعنى أنَّ هذه الخصالَ خصالُ نفاق، وصاحبُها يُشْبِهُ المنافقين
(١) تفسير الرازي ١٤١/١٦ - ١٤٢، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٤٧/٤،
والكلام الذي قبله والذي بعده منها .
(٢) صحيح البخاري (٣٣)، وصحيح مسلم (٥٩)، وهو عند أحمد (٨٦٨٥).
(٣) قطعة من حديث: ((أربعٌ مَن كنَّ فيه))، وسيأتي تخريجه لاحقاً.

الآية : ٧٨
٤٣٥
سُورَةُ التَّوَّةِ
في التخلُّق بها، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات
الصحيحة: ((أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً))(١) أنه كان شديدَ الشَّبه بالمنافقين،
لا أنه كان منافقاً حقيقةً.
وقيل: إنَّ الأخبار الواردةَ في هذه الباب إنما هي فيمَن كانت الخصالُ غالبةً
عليه، غيرَ مكتَرثٍ بها ولا نادم على ارتكابها، ومثلُه لا يبعد أن يكون منافقاً
حقيقةً.
وقيل: هي في المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام، فإنهم
حدَّثوا في إيمانهم فكَذَبوا، واؤتُمنوا على دينهم فخانوا، ووَعَدوا في النُّصرة للحقِّ
فأخلفوا، وخاصموا فَفَجَروا. وروي هذا عن ابن عبَّاس وابنٍ عمرَ، وهو قولُ
سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وإليه رجع الحسنُ بعد أن كان على خلافه.
قال القاضي عياض(٢): وإليه مال أكثرُ أئمتنا.
وقيل: كان ذلك في رجلٍ بعينه، وهو خارجٌ مخرجَ قوله وَلّهِ: ((ما بالُ أقوام
يفعلون كذا)) لأناسٍ مخصوصين، مَنَعه كرمُه عليه الصلاة والسلام أن يواجهَهم
بصريحِ القول.
وحكى الخطّابيُّ عن بعضهم: أنَّ المقصودَ من الأخبار تحذير المسلم أن يعتادَ
هذه الخصال(٣). ولعلَّه راجعٌ إلى ما أجيب به أوَّلاً .
وبالجملة يجب على المؤمن اجتنابُ هذه الخصال؛ فإنها في غاية القبح عند
ذوي الكمال:
لَمَا أُمْهِزْنَ إلَّ بالطّلاقِ(٤)
مَسَارٍ لو قُسِمْنَ على الغَواني
وقرئ: ((يكذِّبون)) بتشديد الذال(٥).
(١) أخرجه أحمد (٦٧٦٨)، والبخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو
(٢) في إكمال المعلم ٣١٥/١.
(٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري لأبي سليمان الخطابي ١٦٥/١ .
(٤) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٤/ ٤٠٧ بشرح التبريزي، وسلف ٦/ ٤٠٧.
(٥) القراءات الشاذة ص٥٤.

سُورَةُ التَّوَتَّةِ
٤٣٦
الآية : ٧٩
﴿أَلَ يَعْلَمُواْ﴾ أي: المنافقون، أو: مَنْ عاهَدَ الله تعالى.
وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قرأ بالتاء(١)، على أنَّه خطابٌ للمؤمنين.
وقيل: للأوَّلين على الالتفات، ويأباه قولُه تعالى:
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَ هُمْ﴾ وجَعْلُه التفاتاً آخرَ تكلُّفٌ.
والمرادُ من السِّرِّ على تقديرٍ أن يكون الضميرُ للمنافقين: ما أسرُّوه في أنفسهم
من النِّفاق، ومن النَّجوى: ما يتناجون به من المطاعن. وعلى التقديرِ الآخَر المرادُ
من الأوَّل: العزمُ على الإخلاف، ومن الثاني: تسميةُ الزكاة جزيةً.
وتقديمُ السرِّ على النَّجوى لأنَّ العلم به أعظمُ في الشاهد من العلم بها، مع
ما في تقديمه وتعليقِ العلم به من تعجيل إدخال الرَّوعة أو السُّرور على اختلاف
القراءتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ينفعكَ هنا أيضاً.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴾ فلا يخفى عليه سبحانه شيءٌ من الأشياء.
والهمزةُ إما للإنكار والتوبيخ والتهديد، أي: ألم يعلموا ذلك حتَّى اجترؤوا
على ما اجترؤوا عليه من العظائم، أو للتقرير والتنبيه على أنَّ الله سبحانه مُؤاخذُهم
ومُجازيهم بما علم من أعمالهم.
وإظهارُ الاسم الجليل لإلقاء الرَّوعة وتربيةِ المهابة، أو لتعظيم أمر المؤاخَذَةِ
والمجازاة.
وفي إيراد العلم المتعلّق بسرِّهم ونجواهم الحادثين شيئاً فشيئاً بصيغة الفعل
الدَّالِ على الحدوث والتجدُّد، والعلم المتعلِّق بالغيوب الكثيرة بصيغةِ الاسم الدَّالِ
على الدَّوام والمبالغة، من الفخامةِ والجزالةِ ما لا يخفى.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين.
وقيل: أي: منهم الذين. وقيل: مبتدأُ خبرُه ((فيَسْخَرون)) والفاء لِمَا في الموصول
من شَبَهِ الشرط، أو ((سَخِرَ الله منهم)).
(١) المصدر السابق.

الآية : ٧٩
٤٣٧
سُؤَدَّةُ التَّوَيَّةِ
أو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، أعني: ((أعني)) أو ((أذُ)).
أو مجرورٌ على البدليَّة من ضمير ((سِرَّهم)) على أنَّه للمنافقين مطلقاً .
وقرئ بضمِّ الميم(١)، وهو لغةٌ كما علمتَ.
أي: يَعيبون ﴿اَلْمُطَّوْعِينَ﴾ أي: المتطوِّعين، والمرادُ بهم: مَن يعطي تطوُّعاً
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ من الضمير. وقولُه سبحانه: ﴿فِي الصَّدَقَتِ﴾ متعلِّقٌ
بـ ((يلمزون)). ولا يجوز كما قال أبو البقاء (٢) تعلَّقه بـ ((المطّوعين)) للفصل.
أخرج البغويُّ في ((معجمه)) وأبو الشيخ عن الحسن(٣) قال: قام رسولُ الله ◌ِله
مقاماً للناس فقال: ((يا أيُّها الناس تصدَّقوا، يا أيها الناس تصدَّقوا أشهدْ لكم بها
يومَ القيامة، أَلَا لعلَّ أحدكم أن يبيتَ فصالُه رواءٌ وابنُ عمِّه(٤) طاوٍ إلى جنبه،
ألا لعلَّ أحدكم أن يثمرَ مالُه وجارُه مسكينٌ لا يقدر على شيءٍ، ألا رجلٌ منحَ
ناقةً من إبله يغدو برَفدٍ ويروح برفدٍ، يغدو بصبوحٍ أهل بيتٍ ويروحُ بغَبُوقهم،
ألا إنَّ أجرها لعظيمٌ))(٥) فقام رجل فقال: يا رسولَ الله، عندي أبعرةٌ، عندي
أربعة ذود. فقام آخر قصيرُ القِمَّة(٦) قبيحُ السُّنَّةَ(٧) يقودُ ناقةً له حسناءَ جملاءَ،
فقال له (٨) رجلٌ من المنافقين كلمةً خفيَّة لا يَرى أنَّ النبيَّ ◌َّهِ سمعها: ناقتُه خيرٌ
(١) هي قراءة يعقوب من العشرة، كما في النشر ٢٨٠/٢.
(٢) في الإملاء ٣/ ١٧٥ .
(٣) عزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٢٦٣/٣، وأخرج بعضه ابن المبارك في الزهد
(٧٧٩).
(٤) في الأصل و(م): وابن له، والمثبت من الزهد والدر المنثور.
(٥) الخبر في الزهد إلى هذا الموضع. والرَّفد: قدح تُحلب فيه الناقة. والصَّبوح: الغداء.
والغَّبُوق: العشاء. النهاية (رفد) و(صبح). وجاء هذا المقطع في الزهد بلفظ: ألا رجل
يمنح من إبله ناقة لأهل بيت لا درَّ لهم، تغدو برفدٍ وتروح برفدٍ، إن أجرها لعظيم.
(٦) في (م): القامة. والقِمة بالكسر: شخص الإنسان إذا كان قائماً، وهي القامة. النهاية
(قمم).
(٧) في الأصل و(م): الشبه، والمثبت من الدر المنثور. والسُّنَّة: الصورة، يقال: ما أحسن سُنَّة
وجهه. الفائق ٢/ ٢٠١.
(٨) قوله: له، ليس في الدر المنثور. وجاء فيه أيضاً جميلة، بدل: جملاء.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٤٣٨
الآية : ٧٩
منه. فسمعها عليه الصلاة والسلام فقال: ((كذبتَ هو خيرٌ منكَ ومنها)) ثم قام
عبدُ الرحمن بن عوف فقال: يا رسولَ الله عندي ثمانيةُ آلافٍ، تركتُ منها أربعةً
لعيالي، وجئتُ بأربعةٍ أقدِّمها إلى الله تعالى. فتكاثر المنافقون ما جاء به. ثم قام
عاصم بن عديٌّ الأنصاريُّ فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقاً من تمرٍ .
فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف، وجاء هذا بسبعين
وسقاً للرياء والسمعة، فهلَا أخفياها، فهلَّا فرَّقاها. ثم قام رجلٌ من الأنصار
اسمهُ الحبحاب يُكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله، ما لي من مالٍ، غيرَ أني
آجَرْتُ نفسي البارحةَ من بني فلان أجرُّ الجرير(١) في عنقي على صاعين من تمرٍ،
فتركتُ صاعاً لعيالي وجئتُ بصاعٍ أقرِّبه إلى الله تعالى. فلمزه المنافقون وقالوا:
جاء أهلُ الإبل بالإبل، وجاء أهلَ الفضَّة بالفضَّة، وجاء هذا بتُميرات يحملها.
فأنزل الله تعالى الآية (٢).
ولم يبيِّن الآلاف التي ذكرها عبد الرحمن في هذه الرواية، وكانت - على
ما أخرجه ابن المنذر(٣) عن مجاهد - دنانير، وفي روايةٍ أنَّها دراهم.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الربيع بن أنس أنَّ عبد الرحمن جاء بأربع مئةٍ أوقيَّةٍ
من ذهبٍ، وهي نصفُ ما كان عنده، وأنَّ النبيَّ نَّه قال: ((اللهمَّ باركْ له
فيما أَعْطَى، وبارك له فيما أَمْسَكَ))(٤).
وجاء في رواية الطبرانيٌّ أنَّ الله بارك له حتَّى صولحتْ إحدى امرأتيه عن نصفٍ
الثُّمنِ على ثمانين ألفَ درهمٍ (٥).
(١) الجرير: حبل من أدم نحو الزمام. ويطلق على غيره من الحبال المضفورة. ينظر النهاية
(جرر).
(٢) ينظر ما ورد من شواهد لهذا الخبر في تفسير الطبري ٥٨٨/١١ - ٥٩٦، والدر المنثور
٢٦٢/٣ - ٢٦٤، وتفسير ابن كثير عند هذه الآية.
(٣) كما في الدر المنثور ٢٦٣/٣.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥١، وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٥٩٢.
(٥) حاشية الشهاب ٣٤٨/٤، ولم نقف عليه عند الطبراني.

الآية : ٧٩
٤٣٩
سُورَةُ التَّوَتَّةِ
وفي ((الكشاف)) وعزاه الطيبيُّ (للاستيعاب)): أن زوجتَه تماضر صولحت عن
ربعِ الثمن على ثمانين ألفاً (١).
فعلى الأوَّل يكون له زوجتان، وعلى الثاني يكون له أربعُ زوجات، ويختلف
مجموعُ المالين على الروايتين اختلافاً كثيراً.
وفي رواية ابن أبي حاتم عن ابنٍ زيد: أنَّ عمر بن الخطاب نظُبه كان أحدَ
المطّوِّعين، وأنَّه جاء بمالٍ كثير يحملُه، فقال له رجل من المنافقين: أتُرائي يا عمر؟
فقال: نعم أرائي الله تعالى ورسولَه وَلّهِ، فأمَّا غيرُهما فلا(٢).
وقوله سبحانه: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ عطفٌ على (الْمُطَلَوْعِينَ) وهو
مِن عَطْفِ الخاصِّ على العام. وقيل: عطفٌ على المؤمنين. وتعقَّبه الأجهوري بأنَّ
فيه إيهامَ أنَّ المعطوفَ ليس من المؤمنين.
وقال أبو البقاء: هو عطفٌ على ((الذين يلمزون))(٣). وأراه خطأً صِرفاً.
والجهدُ بالضمِّ: الطاقةُ، أي: ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقتَهم وما تَبْلُغُه
قوَّتُهم، وهم الفقراءُ كأبي عقيلٍ، واسمُه ما مرَّ آنفاً، وعن ابن إسحاق أنَّ اسمَه
سهل بنُ رافع، وعن مجاهد أنَّه فَسَّر الموصول برفاعةَ بن سعد، ولعلَّ الجمعَ حينئذٍ
للتعظيم، ويحتمل أن يكونَ على ظاهره والمذكورُ سببُ النزول.
وقرأ ابنُ هرمز: ((جَهدهم)) بالفتح(٤)، وهو إحدى لغتين في الجهد، فمعنى
المضموم والمفتوح واحد.
وقيل: المفتوحُ بمعنى المشقّة، والمضمومُ بمعنى الطاقة، قاله القُتبيّ (٥).
وقيل: المضمومُ شيءٌ قليل يعاشُ به، والمفتوح العمل.
(١) الكشاف ٢٠٤/٢، والاستيعاب ٧٧/٦، وحاشية الشهاب ٣٤٨/٤، وعنه نقل المصنف.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٢، وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٥٩٦.
(٣) الإملاء ١٧٥/٣ - ١٧٦.
(٤) القراءات الشاذة ص٥٤.
(٥) في أدب الكاتب ص٣٠٨.

سُوَّةُ التُوَنَّة
٤٤٠
الآية : ٨٠
وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ عطفٌ على ((يلمزون))، أو خبرٌ على ما علمتَ،
أي: يستهزئون بهم، والمرادُ بهم - على ما قيل - الفريقُ الأخير.
﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على سخريتهم، فالجملةُ خبريَّة والتعبيرُ بذلك
للمشاكلة، وليست إنشائيةً للدعاء عليهم لأنْ يصيروا ضحكةً (١)؛ لأنَّ قوله تعالى
جدُّه: ﴿وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ جملةٌ خبريَّة معطوفةٌ عليها، فلو كانت دعاءً لزم عطفُ
الإخبارية على الإنشائية وفي ذلك كلام، وإنما اختلفتا فعليةً واسميةً؛ لأنَّ السخرية
في الدنيا وهي متجدِّدةٌ، والعذابَ في الآخرة وهو دائمٌ ثابت. والتنوينُ في العذاب
للتهويل والتفخيم.
﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾ الظاهرُ أنَّ المراد بمثله(٢) التخيير، ويؤيِّد
إرادتَه هنا فهمُ رسول الله وَّ كما ستعلمُ إن شاء الله تعالى ذلك منه، فكأنَّه قال
سبحانه له عليه الصلاة والسلام: إن شئتَ فاستغفرْ لهم وإن شئتَ فلا، وكلام
النسفيّ تنسفُه صحةُ الأخبار نسفاً(٣).
واختار غيرُ واحد أنَّ المرادَ التسويةُ بين الأمرين كما في قوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ
طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] والبيتِ المارِّ:
أسيئي بنا أو أَحْسِني ... إلخ(٤)
والمقصودُ الإخبارُ بعدم الفائدة في ذلك، وفيه من المبالغة ما فيه.
وقال بعضُ المحقّقين بعد اختياره للتسوية في مثل ذلك: إنَّها لا تُنافي التخيير،
(١) في الأصل: أضحوكة، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٤٨/٤، والكلام منه.
(٢) في (م): به وبمثله.
(٣) قول النسفي هو: يبعد أن يفهم منه التخيير ويمنعه عمر. يشير إلى قول عمر للنبي ◌َيفه
عندما أراد أن يصلي على ابن سلول: يارسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي
عليه؟ وقد ذكر كلام النسفي الشهاب في الحاشية ٣٤٨/٤، وتعقبه بقوله: وأما كلام النسفي
فلا وجه له مع ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر حظها أنه ويّ قال لعمر: ((إنما خيرني الله
فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾)). اهـ. وسيأتي تخريجه ص٤٥٣ - ٤٥٤ من هذا
الجزء.
(٤) قطعة من بيت لكثيِّر عزَّة، وهو في ديوانه ص ٨٠، وسلف ص٣٧٠ من هذا الجزء.