Indexed OCR Text
Pages 401-420
الآية : ٦٤ ٤٠١ سُورَةُالتَّوَّةِ وهو هو، وليس ((زَعَم)) في كلامه تمريضاً له؛ لأنَّه عادتُه في كلِّ ما نَقَله كما بيَّنه شُرَّاحه. وجوِّز أن يكون معطوفاً على ((أنه))، وجوابُ الشرط محذوفٌ، أي: ألم يعلموا أَنَّه مَن يحادد الله ورسوله يهلكْ فأنَّ له .. إلخ. وحاصلُه: ألم يعلموا هذا وهذا عقيبه، ولا يخفى بُعدُه، مع أنَّ أبا حيَّان(١) قال: إنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّهم نصُّوا على أنَّ حَذْفَ الجواب إنَّما يكون إذا كان فعلُ الشرط ماضياً أو مضارعاً مجزوماً بلم، وما هنا ليس كذلك. وتعقّبه بعضُهم بأنَّ ماذكره ليس متَّفْقاً عليه؛ فقد نصَّ ابنُ هشام(٢) على خلافه، فكأنَّه شرطٌ للأكثرية. والقولُ بأنَّ حقَّ العطف فيما ذُكر أن يكون بالواو، قال فيه الشهاب: ليس بشيء؛ لأن استحقاقه النار بسبب المحادّة بلا شبهة(٣). وقرئ: «فإنَّ) بالكسر(٤)، ولا يحتاج إلى توجيهٍ لظهوره. وقوله سبحانه: ﴿خَلِدًا فِيهَا﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من الضمير المجرور إن اعتُبر في الظرف ابتداءُ الاستقرار وحدوتُه، وإن(٥) اعتُبر مطلقُ الاستقرار فالأمرُ واضح. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من العذاب ﴿الْخِزْىُ اَلْعَظِيمُ ﴾﴾ أي: الذلُّ والهوانُ المقارِنُ للفضيحة، ولا يخفى ما في الحمل من المبالغة، والجملةُ تذييلٌ لما سبق. ﴿يَحْذَرُ الْمُتَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ﴾ أي: مِن أنْ تنزَّل. ويجوز أن يكونَ ((يحذر)) متعدِّياً بنفسه كما يدلُّ عليه ما أنشد سيبويه من قوله: حَذِرٌ أموراً لا تَضير وآمنٌ ما ليس مُنْجِيَهُ(٦) من الأقدارِ (٧) (١) في البحر ٦٥/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٤٠/٤. (٢) في المغني ص٨٤٩، والكلام من حاشية الشهاب ٤/ ٣٤٠. (٣) حاشية الشهاب ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٤) المحرر الوجيز ٥٤/٣، والبحر ٦٥/٥. (٥) في (م): وإنه، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٧٩/٤، والكلام منه. (٦) في الأصل و(م): ينجيه، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٧) الكتاب ١١٣/١، والخزانة ١٦٩/٨، والحلل للبَطَلْيَوْسي ص١٣١، وذكره المبرد في المقتضب ١١٦/٢ وقال: وهذا بيت موضوع محدث. وقال البطليوسي: وهذا البيت مصنوع سُورَةُ التَّوَّةِ ٤٠٢ الآية : ٦٤ وأنكر المبرِّد(١) كونَه متعدِّياً؛ لأن الحذرَ من هيئات النفس كالفزع، والبيتُ قيل: إنه مصنوعٌ. ورُدَّ ما قاله المبرِّد بأنَّ من الهيئات ما يتعدَّى كخاف وخشي، فما ذكره غيرُ لازم. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: في شأنهم؛ فإنَّ ما نزل في حقُّهم نازلٌ عليهم، وهذا إنَّما يُحتاجُ إليه إذا كان الجارُّ والمجرور متعلِّقاً بـ ((تُنَزَّل))، وأمَّا إذا كان متعلِّقاً بمقدَّرٍ وقع صفةً لقوله سبحانه: ﴿سُورَةٌ﴾ كما قيل، أي: تُنزَّل سورةٌ كائنةٌ عليهم، من قولهم: هذا لكَ وهذا عليك = فلا، كما لا يخفى، إلا أنه خلافُ الظاهر جدًّا، والظاهرُ تعلُّق الجارِّ بما عنده، وصفةُ ((سورة)) بقوله تعالى شأنه: ﴿نُنِتُهُمْ﴾ أي: المنافقين ﴿بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ من الأسرار الخفيَّة، فضلاً عمَّا كانوا يُظهرونه فيما بينهم خاصَّة من أقاويلِ الكفر والنِّفاق، والمراد أنَّها تذيعُ ما كانوا يُخفونَه من أسرارهم، فتنتشرُ فيما بين الناس، فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعةً، فكأنها تخبرُهم بها، وإلا فما في قلوبهم معلومٌ لهم، والمحذورُ عندهم اطّلاعُ المؤمنين عليه(٢). وقيل: المراد: تخبرُهم بما في قلوبهم على وجهٍ يكون المقصودُ منه لازمَ فائدة الخبر، وهو علمُ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام به. وقيل: المراد بالتنبئةِ المبالغةُ في كون السورة مشتملةً على أسرارهم، كأنَّها تعلم من أحوالهم الباطنةِ ما لا يعلمونَه، فتنبِّتهم بها وتنعي عليهم قبائحَهم. وجوِّز أن يكون الضميران الأوَّلان للمؤمنين والثالثُ للمنافقين، وتفكيكُ الضمائر ليس بممنوعٍ مطلقاً، بل هو جائز عند قوَّة القرينة، وظهورِ الدلالة عليه كما هنا، أي: يحذر المنافقون أن تُنَزَّل على المؤمنين سورةٌ تخبرُهم بما في قلوب = ليس بعربي، ولأجل هذا رُدَّ على سيبويه. اهـ. قال البغدادي: إن طعن على سيبويه بهذا البیت، فقد استُشهد ببیت آخر لا مطعن عليه فیه، وهو قول لبید: أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضادةَ سَمْحَجٍ بِسَراتِه ندبُّ لها وكُلومُ وكذا ذكر البطليوسي بيتاً لا مطعن فيه لزيد الخيل. (١) في المقتضب ١١٥/٢ - ١١٧، وينظر التعليق السابق. (٢) بعدها في (م): لهم. الآية : ٦٥ ٤٠٣ سُورَةُ التَّوَنَّةِ المنافقين وتهتكُ عليهم أستارَهم وتفشي أسرارَهم. وفي الإخبار عنهم بأنَّهم يحذرون ذلك إشعارٌ بأنهم لم يكونوا على بتِّ في أمر الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال أبو مسلم: كان إظهارُ الحذر بطريق الاستهزاء، فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول الله ◌َّه يَذكُرُ كلَّ شيءٍ ويقول: إنه بطريق الوحي، يكذُّبونه ويستهزئون به؛ لقوله سبحانه: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُواْ﴾ فإنه يدلُّ على أنه وقع منهم استهزاءٌ بهذه المقالة. والأمرُ للتهدید. والقائلون بما تقدَّم قالوا: المرادُ نافِقوا؛ لأنَّ المنافق مستهزىٌّ، وكما جُعل قولهم: آمنًّا وما هم بمؤمنين مخادعةً في ((البقرة))، جُعل هنا استهزاء. وقيل: إنَّ (يحذر)) خبرٌ في معنى الأمر، أي: لِيَحْذَر. وتُعقّب بأنَّ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ ﴾ ينبو عنه نوعَ نَبْوَةٍ، إلَّا أنْ يرادَ ما يحذرون بموجب هذا الأمر، وهو خلافُ الظاهر. وكان الظاهرُ أن يقول: إنَّ الله مُنْزِلٌ سورةً كذلك، أو منزلٌ ما تحذرون، لكن عَدَلَ عنه إلى ما في النظم الكريم للمبالغة؛ إذ معناه: مُبْرِزٌ ما تحذرونه من إنزال السورة، أو لأنَّه أعمُّ إذ المرادُ: مُظْهرٌ كلَّ ما تحذرون ظهورَه من القبائح. وإسناد الإخراج إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه سبحانه يخرجُه إخراجاً لا مزيدَ عليه، والتأكيدُ لدفع التردُّد أو ردِّ الإنكار. ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ﴾ عما قالوه ﴿لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبٌ﴾ أخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن قتادة قال: بينما رسولُ اللهِ وَ ﴿﴿ في غزوته إلى تبوك، إذ نظر إلى أناسٍ بين يديه من المنافقين يقولون: أيرجو هذا الرجل أن تفتحَ له قصورُ الشام وحصونُها، هيهات هيهات! فَأَطْلَعَ الله نبيَّه عليه الصَّلاة والسَّلام على ذلك، فقال: ((احْبِسوا عليَّ هؤلاءِ الرَّكب)) فأتاهم فقال ◌َّ: ((قلتم كذا وكذا؟)) قالوا: يا نبيَّ الله، إنَّما كنَّا نخوض ونلعب. فنزلت(١) . (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٠، وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٥٤٤ - ٥٤٥. سُورَةُ التَّوَيَّةِ ٤٠٤ الآية : ٦٦ وأخرج ابنُ جرير وابن مردويه وغيرُهما عن عبد الله بن عمر رضيًا قال: قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثلَ قرَّائنا هؤلاء، لا أرْغَبَ بطوناً، ولا أَكْذَبَ ألسنةً، ولا أَجْبَنَ عند اللقاء! فقال رجل: كذبتَ، ولكنَّك منافقٌ، لأخبرنَّ رسولَ﴾. فبلغ ذلك رسولَ اللهِ وَ له ونزل القرآن، قال عبد الله: فأنا رأيتُ الرجلَ متعلِّقاً بحَقَبٍ ناقة رسول الله وَلِهِ والحجارةُ تَنْكُبه(١)، وهو يقول: يا رسولَ الله، إنَّا كنَّا نخوضُ ونلعب. ورسولُ الله عليه الصلاة والسلام يقول ما أمره الله تعالى به في (٢) ٦٥ قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِالَِّ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ وجاء في بعض الروايات: أنَّ هذا المتعلِّقَ عبدُ الله بن أُبيِّ رأسُ المنافقين. وهل أنكروا ما قالوه واعتذروا بهذا العُذْرِ الباطلِ، أو لم ينكروه وقالوا ما قالوا؟ فيه خلافٌ، والإمامُ(٣) على الثاني، وهو أوفقُ بظاهر النَّظم الجليل. وأصلُ الخوض: الدخولُ في مائعٍ مثل الماء والطين، ثم كثُر حتى صار اسماً لكلِّ دخولٍ فيه تلويثٌ وأذّى. وأرادوا: إنَّمَا نلعبُ ونتلقَّى لتَفْصُرَ مسافةُ السفر بالحديثِ والمُداعَبةِ، كما يفعل الرَّكب ذلك لقطع الطريق، ولم يكن ذلك منَّا على طريقِ الجدِّ. والاستفهام للتوبيخ، وأُوْلي المتعلِّقَ إيذاناً بأنَّ الاستهزاء واقعٌ لا محالةً لكن الخطاب في المستهزأ به، أي: قل لهم غيرَ ملتفت إلى اعتذارهم، ناعِياً عليهم جناياتِهم: قد استهزأتم بمَنْ لا يصحُّ الاستهزاءُ به، وأخطأتم مواقعَ فِعلكُم الشنيع الذي طالما ارتكَبْتُموه. ومَن تأمَّل عَلِمَ أنَّ قولهم السابقَ في سبب النزول متضمِّنٌ للاستهزاء المذكور. ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ﴾ أي: لا تشتغلوا بالاعتذار وتستمرُّوا عليه، فليس النهيُ عن أصله لأنَّه قد وقع، وإنَّما نُهوا عن ذلك لأنَّ ما يزعمونه معلومُ الكذب بيِّنُ البطلان. والاعتذار قيل: إنه عبارةٌ عن محوٍ أثر الذَّنب، من قولهم: اعتذرتِ المنازلُ، إذا دَرَستْ؛ لأنَّ المعتذر يحاول إزالةَ أثرٍ ذنبه واندراسه (١) في (م): تنکیه. (٢) تفسير الطبري ٥٤٣/١١، والحقب: حبل يشد به الرَّحلُ في بطن البعير. القاموس (حقب). (٣) هو الرازي في تفسيره ١٢٢/١٦. الآية : ٦٦ ٤٠٥ سُورَةُ التَّوَّةِ وقيل: هو القطع، ومنه يقال للقُلفة عُذْرَة لأنها تُعذر، أي: تُقطع، وللبكارة عُذْرة لأنَّها تقطعُ بالافتراع (١). ويقال: اعتذرتِ المياهُ، إذا انقطعتْ، فالعذرُ لمَّا كان سبباً لقطعِ اللوم سُمِّي عذراً. والقولان منقولان عن أهلِ اللغة، وهما - على ما قال الواحديُّ - متقاربان. ﴿قَدْ كَفَرَّتُمْ﴾ أي: أظهرتم الكفرَ بإيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام والطعنِ فيه ﴿بَعْدَ إِمَنْكُمْ﴾ أي: بعد(٢) إظهارِكم الإيمانَ، وهذا وما قبله لأنَّ القوم منافقون، فأصلُ الكفر في باطنهم ولا إيمانَ في نفس الأمر لهم. واستدلَّ بعضُهم بالآية على أنَّ الجِدَّ واللعبَ في إظهار كلمة الكفر سواءٌ ولا خلافَ بين الأئمة في ذلك. ﴿إِن تَغْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ﴾ لتوبتهم وإخلاصِهم، على أنَّ الخطاب لجميع المنافقين(٣)، أو لتجنُّبهم عن الإيذاء والاستهزاء على أنَّ الخطاب للمؤذين والمستهزئين منهم، والعفوُ في ذلك عن عقوبة الدنيا العاجلةِ. ﴿تُعَذِّبِ طَائِفَةٌ بِأَنَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾﴾ أي: مصرِّين على النِّفاق وهم غيرُ التائبین، أو مباشرین له وهم غيرُ المجتنبین. أخرج ابنُ إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك، قال من خبر فيه طُولٌ: كان الذي عُفي عنه مَخْشيُّ بن حُميِّر الأشجعي، فتسمَّى عبد الرحمن، وسأل الله تعالى أن يُقتل شهيداً لا يُعلم مقتلُه، فقُتل يومَ اليمامة، فلم يُعلَم مقتلُه ولا قاتلُه، ولم يُرَ له عينٌ ولا أثر (٤). (١) افترع البكر: افتضَّها، وقيل له افتراع لأنه أول جماعها. القاموس (فرع). (٢) قوله: بعد، ليس في (م). (٣) قراءة الخطاب في ((نعف)) و((نعذِّب طائفةً)) هي قراءة عاصم، وقرأ باقي العشرة: ((يُعْفَ)) و((تعذَّبُ طائفةٌ)). التيسير ص١١٨ - ١١٩، والنشر ٢٨٠/٢. (٤) السيرة ٢/ ٥٢٥، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٣١/٦، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٥٤/٣. وقد اختلف في اسمه، فقيل: مخشي كما ذكره المصنف، وقيل: مخاشن، وقيل: مُخشِّن، وقيل: ابن مَخْشي، وقيل: مخاشن الحميري. ينظر تفسير القرطبي ٢٩٢/١٠. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٤٠٦ الآية : ٦٦ وفي بعض الروايات أنه لما نزلت هذه الآيةُ تاب عن نفاقه وقال: اللهمَّ إنِّي لا أزال أسمعُ آيةً تقشعرُّ منها الجلودُ وتَجِبُ (١) منها القلوبُ، اللهمَّ اجْعَلْ وفاتي قَتْلاً في سبيلك، لا يقول أحدٌ: أنا غسّلتُ، أنا كفَّنتُ، أنا دفنتُ. فأصيب يومَ الطبى اليمامة، واستجیبَ دعاؤه . مضرعنه ومن هنا قال مجاهد: إنَّ الطائفة تُطلق على الواحد إلى الألْف، وقال ابنُ عباس ﴿ًّا: الطائفة الواحدُ والنَّفَر. وقرئ: ((يَعْفُ)) و((يُعَذِّبْ)) بالياء وبناء الفاعل فيهما، وهو الله تعالى(٢). وقرئ: ((إنْ تُعْفَ)) و((تُعذَّبْ)) بالتاء والبناء للمفعول(٣). واستشكلت هذه القراءة بأنَّ الفعل الأوَّل مسندٌ فيها إلى الجارِّ والمجرور، ومثلُه يلزمُ تذكيرُه، ولا يجوزُ تأنيثُه إذا كان المجرور مؤنَّئاً، فيقال: سِيرَ على الدابة، ولا يقال: سِيرتْ عليها. وأجيب بأنَّ ذلك من المَيْلِ مع المعنى والرعايةِ له، فلذا أُنِّث لتأنيث المجرورِ؛ إذ معنى ((تُعْفَ عن طائفة)): تُرْحَم طائفةٌ، وهو من غرائبِ العربية. قيل(٤): ولو قيل بالمشاکلة لم يتعُدْ. وقيل: إنَّ نائبَ الفاعل ضميرُ الذنوب، والتقدير: إن تُعْفَ هي، أي: الذنوب. ومِن الناس مَن استَشكَّلَ الشرطيَّةَ من حيث هي، بأنَّه كيف يصحُّ أن يكون (نُعذّبْ طائفةً)) جواباً للشرط السابق، ومن شرْطِ الشرط والجزاء الاتِّصالُ بطريق السبيَّة أو اللزوم في الجملة، وكلاهما مفقودٌ في الجملة. وقد ذكر ذلك العزُّ بنُ عبد السَّلام في ((أماليه)»، ونَقَلَه عنه العلّامةُ ابنُ حجرٍ في ((ذيل الفتاوى))، وذكر أنه لم ير أحداً نبّه على الجواب عنه، لكنَّه يُعْلَمُ من سبب النزول، وتكلّم بعد أن ساق الخبرَ بما لا يخلو عن غموض(٥). (١) أي: تخفق. النهاية (وجب). والخبر أخرجه الطبري ٥٤٤/١١ عن عكرمة دون ذكر اسم القائل. (٢) الكشاف ٢/ ٢٠٠، والبحر ٦٧/٥. (٣) المحتسب ٢٩٨/١، والكشاف ٢/ ٢٠٠، والبحر ٦٧/٥. (٤) في (م): وقيل. والقائل هو الشهاب في الحاشية ٣٤٢/٤. (٥) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص٢٥٦. الآية : ٦٧ ٤٠٧ سُورَةُ التَّوَيَّةِ ولقد ذكرتُ السؤال وأنا في عنفوان الشباب مع جوابه للعلَّامة المذكور لدى شيخٍ من أهل العلم قد حَلَبَ الدَّهرَ أشْطُرَه (١)، وطلبتُ منه حلَّ ذلك، فأعرض عن تقرير الجواب الذي في ((الذيل))، وأظنُّ أنَّ ذلك لجهله به، وشمَّر الذيلَ، وكشفَ عن ساقٍ للجواب من تلقاء نفسه، فقال: إنَّ الشرطية اتفاقية، نحو قولك: إنْ كان الإنسانُ ناطقاً فالحمارُ ناهقٌ. وشَرَعَ في تقرير ذلك بما تضحكُ منه الثَّكْلَى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأجاب مولانا سريُّ الدِّين: بأنَّ الجزاءَ محذوفٌ مسبَّبٌ عن المذكور، أي: فلا ينبغي أن يغترُّوا، أو فلا يغترُّوا(٢)، فلا بدَّ من تعذيب طائفة. ثم قال: فإن قيل: هذا التقدير لا يفيدُ سببيَّة مضمونِ الشرط لمضمون الجزاء. قلتُ: يُحمَلُ على سببيته للإخبار بمضمون الجزاء، أو سببيته للأمر بعدم الاغترار قياساً على الإخبار. وقد حقَّق الكلام في ذلك العلامة التفتازاني عند قوله تعالى: ﴿قُلٌ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] من سورة البقرة في ((حاشية الكشاف)). ﴿ اَلْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍٍ﴾ أي: متشابهون في النِّفاق كتشابُه أبعاض الشيء الواحد، والمرادُ الاتحادُ في الحقيقة والصورة كالماء والتراب، والآيةُ متَّصلةٌ بجميع ما ذكر من قبائحهم. وقيل: هي متَّصلةٌ بقوله تعالى: (وَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ) والمرادُ منها تكذيبُ قولهم المذكورِ وإبطالٌ له، وتقريرٌ لقوله سبحانه: (وَمَا هُم ◌ِنْكُ) وما بعدُ من تغايُرٍ صفاتهم وصفاتِ المؤمنين كالدَّليل على ذلك، و((من)) على التقريرين اتصاليةٌ كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى))(٣). والتعرُّضُ لأحوال الإناث للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق. (١) أي: أنه اختبر الدهر شطري خيره وشرِّه، فعرف ما فيه، وأشطُرَ منصوب على البدل، فكأنه قال: حلب أشطر الدهر. مجمع الأمثال ١٩٥/١. (٢) في (م): يفتروا، في الموضعين وهو تصحيف. (٣) أخرجه البخاري (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص رظه. وسلف ٤٢٩/٥. سُوَّةُ التَّوَنَّةِ ٤٠٨ الآية : ٦٨ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾ أي: بالتكذيب بالنبيِّي وَهِ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أي: شهادةٍ أنْ لا إله إلا الله، والإقرارِ بما أنزل الله تعالى، كما أخرجه ابنُ أبي حاتم(١)عن ابن عباس وأخرج عن أبي العالية أنه قال: كلُّ منكَرٍ ذُكر في القرآن المرادُ منه عبادةٌ الأوثان والشيطان(٢). ولا يَبْعُدُ أن يرادَ بالمنكر والمعروف ما يعمُّ ما ذُكر وغيرَه، ويدخل فيه المذكورُ دخولاً أوليًّا . والجملة استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق، مُفْصِحٌ عن مُضَادَّةِ حالِهم لحال المؤمنین، أو خبرٌ ثان. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن الإنفاق في طاعة الله تعالى ومرضاته كما روي عن قتادةً والحسن. وقبضُ اليد كنايةٌ عن الشحِّ والبُخل كما أنَّ بسْطَها كنايةٌ عن الجُود؛ لأنَّ مَن يعطي يمدُّ يدَه بخلاف مَن يمنع. وعن الجبَّائي أنَّ المراد: يمسكون أيديهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو خلافُ الشائع في هذه الكلمة. ﴿فَسُواْ اللَّهَ﴾ النسيانُ مجازٌ عن الترك، وهو كنايةٌ عن ترك الطاعة، فالمرادُ: لم يطيعوه سبحانه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ مَنَعَ لُطْفَه وفضلَه عنهم، والتعبيرُ بالنسيان للمشاكلة. ﴿إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ أي: الكاملون في التمرُّد والفِسقِ - الذي هو الخروجُ عن الطاعة، والانسلاخُ عن كلِّ [خير](٣) حتى كأنهم الجنسُ كلَّه، ومن هنا صحَّ الحصرُ المستفادُ من الفصل وتعريفِ الخبر، وإلّا فكم فاسقٍ سواهم. والإظهارُ في مقام الإضمار لزيادة التقرير، ولعلَّه لم يذكر المنافقات اكتفاءً بقُربِ العهد. ومثلُه في نكتة الإظهار قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ (١) في تفسيره ٦/ ١٨٣٢. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٣١/٦. (٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٤/ ٨٠، وينظر حاشية الشهاب ٣٤٢/٤. الآية : ٦٨ ٤٠٩ ◌ُوَدَّةُ التَّوَيَّةِ وَاَلْكُفَّارَ﴾ أي: المجاهِرين، فهو من عطفِ المغاير، وقد يكون من عطف العامِّ على الخاصِّ. ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من مفعولِ ((وعد»، أي: مقدِّرين الخلودَ؛ قيل: والمرادُ: دخولُهم وتعذيبُهم بنارِ جهنّمَ، وهم (١) في تلكَ الحالِ لِمَا يَلُوحُ لهم يقدِّرون الخلودَ في أنفسهم، فلا حاجةً لِمَا قاله بعضُهم من أنَّ التقدير: مقدَّري الخلودِ، بصيغةِ المفعول والإضافة إلى الخلود؛ لأنَّهم لم يقدِّروه وإنَّما قدَّره الله تعالی لهم. وقيل: إذا كان المراد: يعذُّبهم الله سبحانه بنار جهنم خالدين، لا يحتاج إلى التقدير. والتعبيرُ بالوعد للتهكَّم، نحو قوله سبحانه: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ عقاباً وجزاء، أي: فيها ما يكفي من ذلك، وفيه ما يدلُّ على عِظَم عِقابها وعذابها، فإنه إذا قيل للمعذّب: كفى هذا، دلَّ على أنه بلغَ غايةً النكاية. ﴿وَلَعَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أبعدهم من رحمته وخيرِه وأهانَهم، وفي إظهار الاسم الجليل من الإيذان بشدّة السخط ما لا يخفى. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٦)﴾ أي: نوعٌ من العذاب غيرُ عذابِ النار دائمٌ لا ينقطع أبداً، فلا تكرارَ مع ما تقدَّم، ولا ينافي ذلك ((هي حَسْبُهم)) لأنه بالنَّظر إلى تعذيبهم بالنار. وقيل في دفع التَّكرار: إنَّ ما تقدَّم وعيدٌ، وهذا بيانٌ لوقوع ما وُعدوا به، على أنَّه لا مانعَ من التأكيد. وقيل: إنَّ الأول عذابُ الآخرة، وهذا عذابُ ما يقاسونه في الدنيا من الشَّعب، والخَوفِ من الفضيحة والقَتل ونحوِه. وفُسِّرت الإقامةُ بعدم الانقطاع لأنَّها من صفاتِ العقلاء فلا يوصفُ بها (١) قوله: وهم، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٤٢/٤، والكلام منه. سُؤَةُ النَّوَنَّةِ، ٤١٠ الآية : ٦٩ العذابُ، فهي مجازٌ عمَّا ذكر. وجوِّز أن يكونَ وصفُ العذابِ بها كما في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ زَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] فالمجازُ حينئذٍ عقليٍّ. ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب للتشديد، والكافُ في محلِّ رفعِ خبرٍ لمبتدأ محذوفٍ، أي: أنتم مثلُ الذين من قبلكم من الأمم المهلكة، أو في حَيِّز النَّصب بفعلٍ مقدَّر، أي: فعلتُم مثلَ الذين من قبلكم، ونحوه قولُ النمر (١) يصفُ ثورَ وحش وكلاباً : حتَّى إذا الكلَّابُ قال لها كاليوم مطلوباً ولا طالبا فإنَّ أصلَه: لم أَرَ مطلوباً كمطلوبٍ رأيتُه اليومَ ولا طِلْبةً كطلبةٍ رأيتُها اليوم، فاختصر الكلام فقيل: لم أر مطلوباً كمطلوبِ اليوم؛ لملابَسَتِهِ له، ثم حُذف المضافُ اتِّساعاً وعدمَ إلباسٍ وقيل: كاليوم، وقدِّم على الموصوف، فصار حالاً للاعتناء والمبالغة، وحذف الفعل للقرينة الحالية(٢). ووجهُ الشَّبه المعموليةُ لفعلٍ محذوف. وقوله سبحانه: ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا﴾ إلخ تفسيرٌ للتشبيه، وبيانٌ لوجهِ الشَّبه بين المخاطَبين ومَن قَبْلَهم، فلا محلَّ لها من الإعراب، وفيه إيذانٌ بأنَّ المخاطبين أولى وأحقُّ بأنْ يصيبَهم ما أصابهم. ﴿فَأُسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ﴾ أي: تمثَّعوا بنصيبهم من ملاذِ الدنيا. وفي صيغة الاستفعال ما ليس في التفعُّل من الاستزادة والاستدامة في التمتُّع، واشتقاقُ الخَلَاقِ من الخَلْقِ بمعنى التقدير، وهو أصلُ معناه لغةً. ﴿فَأَسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَقِكُ كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِهِمْ﴾ ذمَّ الأوَّلينَ باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسةِ من الشهوات الفانية، والتهائهم فيها عن النَّظر في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية، تمهيداً لذمِّ المخاطبين بمشابهتهم (١) جاء في هامش الأصل: وفي المفصل أنه لأوس. اهـ. قلت هو فيه ١٢٥/١ (شرح المفصل لابن يعيش) وعزاه أيضاً لأوس المرتضى في أماليه ٧٣/٢، وابن الشجري في أماليه ١٢٦/٢، وهو في ديوانه ص٣. غير أن الزمخشري في الكشاف ٢٠١/٢ (والكلام أعلاه منه) عزاه للنمر بن تولب. وتابعه في ذلك السمين في الدر ٦/ ٨٣. (٢) في هامش الأصل: ثم إنه صار كالمَثَل فكثر الحذف في مثله، لكن لم يبلغ حدَّ الوجوب. الآية : ٦٩ ٤١١ سُورَةُ التَّوَنِّية واقتفاءٍ أثرهم، ولذلك اختير الإطناب بزيادة ((فاستَمْتَعوا بخلاقهم)) وهذا كما تريد أن تنبّه بعضَ الظّلَمة على سماجةِ فِعْلِهِ، فتقول: أنتَ مثل فرعون كان يقتلُ بغيرِ جرمٍ ويعذِّب ويعسفُ، وأنت تفعل مثلَه. ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: استمتعتُم استمتاعاً کاستمتاع الذین. ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أي: دخلتُم في الباطل ﴿كَذِى خَاضُواْ﴾ أي: كالذين، فحذفت نونُه تخفيفاً كما في قوله: وإنَّ الذي حانَتْ بفَلْجِ دماؤهم هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدٍ (١) ويجوز أن يكون ((الذي)) صفةً لمفردٍ اللفظ مجموع المعنى، كالفوج والفريق، فلوحظ في الصفة اللفظُ وفي الضمير المعنى. أو هو صفةٌ مصدرٍ محذوف، أي: کالخوض الذي خاضوه، ورجّح بعدم التكلُّف فيه. وقال الفرَّاء(٢): إنَّ ((الذي)) تكون مصدريةً. وخرّج هذا عليه، أي: كخوضهم. وهو ۔ كما قال أبو البقاء(٣) - نادرٌ. وهذه الجملة عطفٌ على ما قبلها، وحينئذٍ إمّا أن يقدَّر فيها ما يجعلها على طرزِه لعَطْفِها عليه، أو لا يقدَّر إشارةً إلى الاعتناء بالأول. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى المتَّصفين بالصفات المعدودة من المشبّهين والمشبَّهِ بهم، وكونُه إشارةً إلى الأخير يقتضي أن يكون حكم المشبّهين مفهوماً ضِمْناً، ويؤدِّي إلى خلوِّ تلوين الخطاب عن الفائدة؛ إذ الظاهرُ حينئذٍ: أولئكم. والخطابُ لسيِّد المخاطبين عليه الصلاة والسَّلام، أو لكلِّ مَن يصلُح له، أي: أولئك المتَّصفون بما ذكر من القبائح ﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ أي: التي كانوا يستحقُّون بها أجوراً حسنة لو قارنت الإيمان. والحبطُ: السقوطُ والبطلان والاضمحلال. والمراد: لم يستحقُّوا عليها ثواباً وكرامة. (١) البيت للأشهب بن رميلة، وهو في الكتاب ١٨٧/١، والخزانة ٢٥/٦، وسلف ٤٤٨/٣. (٢) في معاني القرآن ٤٤٦/١. (٣) في الإملاء ١٧٣/٣ - ١٧٤ . سُورَةُ التَّوَتَّةِ، ٤١٢ الآية : ٧٠ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أمَّا في الآخرة فظاهرٌ، وأما في الدنيا فلأن ما حصل لهم من الصحّة والسَّعة ونحوِهما ليس إلا بطريق الاستدراج كما نطقتْ به الآياتُ، دون الكرامة . ﴿وَأُوْلَكَ﴾ الموصوفون بحبط الأعمال في الدارين ﴿هُمُ الْخَسِرُونَ أي: الكاملون في الخسران، الجامعون لمبادیه وأسبابه طرًّا. (٦٩) وإيرادُ اسم الإشارة في الموضعين للإشعار بعلِّيَّة الأوصاف المشارِ إليها للحبط والخسران. ﴿أَلَّ يَأْتِهِمْ﴾ أي: المنافقين ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: خبرُهم الذي له شأنٌ، والاستفهامُ للتقرير والتحذير ﴿قَوْمِ نُوج﴾ أُغرقوا بالظُوفان ﴿وَعَارٍ﴾ أُهلكوا بالرِّيح ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهلكوا بالرَّجفة، وغيَّر الأسلوب في القومين لأنَّهم لم يشتهروا بنبيِّهم. وقيل: لأنَّ الكثيرَ منهم آمَنَ. ﴿وَقَّوْمِ إِبْرَهِيمَ﴾ أُهلك نمروذُ رئيسُهم ببعوضٍ، وأُبيدوا بعده لكنْ لا بسببٍ سماويٍّ کغیرهم. ﴿وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ﴾ أي: أهلها، وهم قومُ شعيب عليه السَّلام، أُهلكوا بالنار يوم الظُلَّة، أو بالصَّيحة والرَّجفة، أو بالنار والرجفة، على اختلاف الروايات. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتِ﴾ جمع مؤتفكةٍ من الائتفاك، وهو الانقلابُ بجَعْلٍ أعلى الشيءِ أسفلَ بالخَسْفِ. والمرادُ بها: إمَّا قُرِيَّاتُ قوم لوطٍ عليه السلام، فالائتفاكُ على حقيقته، فإنها انقلبتْ بهم وصار عاليها سافلها، وأُمطر على مَن فيها حجارةٌ من سجِّيل. وإما قريَّاتُ المكذِّبين المتمرِّدين مطلقاً، فالائتفاكُ مجازٌ عن انقلاب حالها من الخيرِ إلى الشرِّ على طريق الاستعارة، كقول ابن الروميِّ: وما الخَسْفُ أنْ تَلْقَى أَسَافِلُ بلدةٍ أعاليَها بل أنْ تَسُودَ الأَراذِلُ(١) لأنَّها لم يُصِبْها كلَّها الانتفاكُ الحقيقيُّ. (١) ديوان ابن الرومي ٦٨٩/٢، وحاشية الشهاب ٣٤٣/٤، ورواية الديوان: بل أن يسود عبيدها . الآية : ٧١ ٤١٣ سُورَةُ التَّوَّةِ ﴿أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ استئنافٌ لبيان نَبَئِهِم، وضميرُ الجمع للجميع لا للمؤتفكات فقط. ﴿فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فكذَّبوهم فأهلكهم الله تعالى فما كان .. إلخ، فالفاء للعطف على ذلك المقدَّر الذي ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيه النظام، أي: لم يكن من عادته سبحانه ما يشبهُ ظلمَ الناس، كالعقوبة بلا جُرم. وقد يُحمل على استمرارِ النفي، أي: لا يَصْدُرُ منه سبحانه ذلك أصلاً. بل هو أبلغُ كما لا يخفى. وقول الزمخشريِّ: أي: فما صحَّ منه أن يظلمهم وهو حكيمٌ لا يجوزُ عليه القبيح(١). مبنيٌّ على الاعتزال. ﴿وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٨٥)﴾ حيث عرَّضوها بمقتضى استعدادِهم للعقاب بالكفر والتكذيب. والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار. وتقديمُ المفعول - على ما قرَّره بعضُ الأفاضل - لمجرَّدِ الاهتمام به مع مراعاة الفاصلةِ، من غيرٍ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المظلوميَّة عليهم على رأي مَن لا يَرَى التقديمَ موجباً للقَصْرِ، كابن الأثير فيما قيل. ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ﴾ بيانٌ لحُسْنِ حالِ المؤمنين والمؤمنات حالاً ومآلاً، بعد بیانِ حالِ أضدادهم عاجلاً وآجلاً . وقوله سبحانه: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَّ﴾ يقابلُ قولَه تعالى فيما مرَّ: (بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضَِّ) وتغييرُ الأسلوب للإشارة إلى تناصُرِهم وتعاضُدِهم بخلافِ أولئك. وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ظاهرُ المقابلة لـ ((يأمرون بالمنكر)» إلخ، والكلامُ في المنكر والمعروف معروفٌ. وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ في مقابلة ((نسوا الله))، وقولُه تعالى جدَّه: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ في مقابلة ((يقبضون أيديهم)). (١) الكشاف ٢٠١/٢ - ٢٠٢. سُورَةُ التَّوَّةِ ٤١٤ الآية : ٧٢ وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في سائر الأمور، في مقابلة وَصْفِ المنافقين بكمال الفسقِ والخروجِ عن الطاعة. وقيل: هو في مقابلةٍ ((نسوا الله))، وقوله سبحانه: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ) زيادةٌ مدح. وقوله تعالى شأنه: ﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْعَمُهُمُ اللّهُ﴾ في مقابلة ((فَنَسِيَهم)) المفسَّرِ بمنعِ لُظْفِهِ ورحمته سبحانه. وقيل: في مقابلة: ((أولئك هم الفاسقون))، لأنَّه بمعنى المثَّقين المرحومين. والإشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار انِّصافهم بما سلف من الصفات الجليلة. والإتيانُ بما يدلُّ على البُعد لِمَا مَرَّ غيرَ مَرَّةٍ. والسين - على ما قاله الزمخشري(١)، وتَبِعَه غيرُ واحدٍ - لتأكيدِ الوعدِ، وهي كما تفيدُ ذلك تفيدُ تأكيد الوعيد. ونظر فيه صاحب ((التقريب))، ووجّه ذلك بأنَّ (السين)) في الإثبات في مقابلة ((لن)) في النفي، فتكونُ بهذا الاعتبارِ تأكيداً لِمَا دخلتْ عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون وعداً أو وعيداً أو غيرَهما. وقال العلامة ابنُ حجر: ما زعمه الزمخشريُّ من أنَّ السين تفيدُ القَطْعَ بمدخولها مردودٌ بأنَّ القطعَ إنما فُهم من المقام لا من الوضع، وهو توطئةٌ لمذهبه الفاسد في تحثُّم الجزاء، ومَن غفل عن هذه الدَّسيسة وجَّهه. وتعقّبه الفهَّامة ابن قاسم بأنَّ هذا لا وَجْهَ له؛ لأنَّه أمرٌ نقليٌّ لا يدفعُه ما ذكر، ونسبةُ الغفلة للأئمة إنَّما أوجبه حبُّ الاعتراض. وحينئذٍ فالمعنى: أولئك المنعوتون بما فضِّل من النعوت الجليلة يرحمُهم الله تعالى لا محالة(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ قويٌّ قادرٌ على كلِّ شيءٍ، لا يَمتنعُ عليه ما يريده ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ يضعُ الأشياءَ مواضعَها، ومن ذلك النعمةُ والنقمة. والجملة تعليل للوعد. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ (١) في الكشاف ٢/ ٢٠٢، وجاء في (م): على ما قال الزمخشري. (٢) تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي على هامش حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي ١/ ٤٣ . الآية : ٧٢ ٤١٥ سُورَةُ التَّوَتَّةِ فِيهَا﴾ في مقابلة الوعيد السابق للمنافقين، المعبَّرِ عنه بالوعد تهكّماً كما مرَّ. ويُفهم من كلام البعض أنَّ قوله سبحانه: (سَرْجَمُهُمُ) بيانٌ لإفاضة آثار الرحمةِ الدنيويَّة من التأييد وَالنَّصر، وهذا تفصيلٌ لآثار رحمتهِ سبحانه الأُخروية، والإظهارُ في مقام الإضمار لزيادة التقرير، والإشعارِ بعلِّيَّة الإيمان لِمَا تعلَّق به الوعدُ، ولم يضمَّ إليه باقي الأوصاف للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبعاته. والكلام في ((خالدين)) هنا كالكلام فيما مرَّ. ﴿وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ﴾ أي: تستطيُها النفوسُ، أو يطيبُ فيها العيشُ، فالإسنادُ إمَّا حقيقيٍّ أو مجازيٌّ. وأخرج ابنُ أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: سألتُ عمرانَ بنَ حصين وأبا هريرة عن تفسير (وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ) فقالا: على الخبيرِ سقطتَ، سأَلْنا عنها رسولَ اللهِ وَله فقال: ((قصرٌ من لؤلؤةٍ في الجنة، في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتةٍ حمراءً، في كلِّ دارٍ سبعون بيتاً من زمرُّدةٍ خضراءً، في كلِّ بيتٍ سبعون سريراً، على كلِّ سرير سبعون فراشاً من كلِّ لونٍ، على كلِّ فراش امرأةٌ من الحور العين، في كلِّ بيتٍ سبعون مائدةً، في كلِّ مائدة سبعون لوناً من كلِّ طعام، في كل بيتٍ سبعون وصيفاً ووصيفةً، فيُعطى المؤمنُ من القوة في كلِّ غداةٍ ما يأتي على ذلك كلِّه))(١). ﴿فِي جَّتِ عَدّدٍ﴾ قيل: هو عَلَمٌ لمكانٍ مخصوصٍٍ بدليل قوله تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ آلَّتِى وَعَدَ الرَّحْنُ﴾ [مريم: ٦١] حيث وصف فيه بالمعرفة، ولِمَا أخرجه البزار، والدارقطني في ((المختلف والمؤتلف))، وابن مردويه، من حديث أبي الدَّرداء: قال (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٣٩/٦ - ١٨٤٠، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٥٧/٣، وأخرجه أيضاً البزار في مسنده (٣٥٦٣)، والطبري ٥٥٨/١١ -٥٥٩، والطبراني في الكبير ١٨/(٣٥٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٧٠٤) قال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحداً يرويه عن النبي وهو بهذا اللفظ إلا عمران بن حصين وأبا هريرة، ولا نعلم لهما طريقاً يروى عنهما إلا هذا الطريق، وجسر بن فرقد (وهو أحد رجال الإسناد) لين الحديث، وقد روى عنه أهل الحديث وحدثوا عنه، والحسن فلا يصح سماعه من أبي هريرة من رواية الثقات عن الحسن. اهـ. وجسر بن فرقد قال عنه البخاري: ليس بذاك عندهم. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف. الميزان ٣٩٨/١. سُورَةُ التُونَّةِ ٤١٦ الآية : ٧٢ رسول الله وَل: ((عدنٌ دارُ الله تعالى، لم تَرَها عينٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبٍ بشر، لا يسكنُها غيرُ ثلاثةٍ: النبيون، والصدِّيقون، والشهداءُ، يقولُ الله سبحانه: طوبَى لمن دخلك»(١). وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ في الجنة قصراً يقال له عدن، حولَه البروجُ والمروج، له خمسةُ آلافٍ بابٍ، لا يدخله إلا نبيٍّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ (٢). وعن ابن مسعود: أنَّها بُطنانُ الجنة وسرَّتها. وقال عطاءُ بن السائب: عدنٌ نهرٌ في الجنة جنَّاتُه على حافاته. وقيل: العدنُ في الأصل: الاستقرارُ والثبات، ويقال: عَدَنَ بالمكان: إذا أقام، والمرادُ به هنا: الإقامةُ على وجهِ الخلود؛ لأنه الفردُ الكامل المناسبُ لمقام المدح، أي: في جناتٍ إقامةٍ وخلود، وعلى هذا الجناتُ كلُّها جناتُ عدنٍ يَبْغُونَ عَنْهَا حِولا﴾ [الكهف: ١٠٨ والتغايرُ بين المساكن والجنات المشعرُ به العطفُ: إمَّا ذاتيٍّ بناءً على أنْ يرادَ بالجنات غيرُ عدنٍ، وهي لعامَّة المؤمنين، وعدنٌ للنبيين عليهم الصلاة والسلام والصدِّيقين والشهداءِ، أو يرادَ بها البساتين أنفسُها، وهي غيرُ المساكن كما هو ظاهر، فالوعدُ حينئذ صريحاً بشيئين؛ البساتين والمساكن، فلكلِّ أحدٍ جنةٌ ومسكنٌ. وإمَّا تغايرٌ وصفيٍّ، فيكون كلٌّ منهما عامًّا، ولكن الأوَّل باعتبارِ اشتمالها على الأنهار والبساتين، والثاني لا بهذا الاعتبار، وكأنَّه وَصَفَ ما وُعِدُوا به أولاً بأنَّه من جنسٍ ما هو أشرفُ الأماكن المعروفة عندهم من الجنات ذاتِ الأنهار الجارية؛ لتميلَ إليه طباعهُم أولَ ما يَقْرَعُ أسماعَهم، ثمَّ وَصَفَه بأنه محفوفٌ بطيبٍ العيش مَعْرِيٌّ عن شوائبِ الكدوراتِ التي لا تكاد تخلو عنها أماكنُ الدنيا وأهلُها، وفيها (١) كشف الأستار (٣٥١٦)، والمؤتلف والمختلف ١١٥١/٣ - ١١٥٢، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل (٢١). قال ابن الجوزي: هذا الحديث من عمل زيادة بن محمد، لم يتابعه عليه أحد، قال البخاري: هو منكر الحديث، وقال ابن حبان: هو منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٧/٥، والطبري ١١/ ٥٦٣. الآية : ٧٢ ٤١٧ سُورَة التَّوَنَّةِ ما تشتهي الأنفسُ وتلذُّ الأعين، ثمَّ وُصف بأنَّه دارُ إقامةٍ بلا ارتحالٍ، وثباتٍ بلا زوال، ولا يعدُّ هذا تكراراً لقوله سبحانه: (خَلِینَ فِيهَا) كما لا يخفى. ثُمَّ وَعَدهم جلَّ شأنُه كما يُقْهَمُ من الكلام ما هو أجلُّ وأعلى من ذلك كلِّه بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: وقَدْرٌ يسيرٌ من رضوانه سبحانه ﴿أَكْبَرُ﴾ ولقَصْدِ إفادة ذلك عدلَ عن: رضوان الله، الأَخصر إلى ما في النظم الجليل. وقيل: إفادةُ العدول كونُ ما ذكر أظهرَ في توجُّه الرضوان إليهم. ولعلَّه إنما لم يعبِّر بالرضا تعظيماً لشأن الله تعالى في نفسه؛ لأنَّ في الرضوان من المبالغة ما لا يخفى، ولذلك لم يُستعملْ في القرآن إلَّا في رضاء الله سبحانه. وإنَّما كان ذلك أكبرَ لأنَّه مبدأُ لحلولِ دار الإقامة، ووصولِ كلِّ سعادة وكرامة، وهو غايةٌ أربٍ المحبِّين، ومنتهى أمنيةِ الراغبين. وقد أخرج الشيخان وغيرُهما عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله وَّدٍ: ((إنَّ الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبّيك ربَّنا وسعديك والخيرُ في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربَّنا، وما لنا لا نرضى وقد أعطيتَنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك. فيقولون: وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك ياربَّنا؟ فيقول: أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبداً))(١). ولعل عدمَ نَظْم هذا الرضوانِ في سلك الوعد على طرزِ ما تقدَّم مع عزَّته في نفسه؛ لأنه متحقِّقٌ فَي ضمن كلِّ موجود، ولأنَّه مستمرٌّ في الدَّارين. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: جميع ما ذكر ﴿هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (®﴾ دون ما يَعُدُّه الناس فوزاً من حظوظِ الدنيا؛ فإنها مع قَطْع النظرِ عن فَنَائها وتغيُّرها وتنقُّصها بالآلام ليستْ بالنسبة إلى أدنى شيءٍ من نعيم الآخرة إلا بمثابةٍ جناحِ البعوض(٢). وفي الحديث: (١) صحيح البخاري (٦٥٤٩)، وصحيح مسلم (٢٨٢٩)، وهو عند أحمد (١١٨٣٥). (٢) في الأصل: البعوضة. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٤١٨ الآية : ٧٣ (لو كانت الدنيا تَزِنُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى منها كافراً شربةً ماء))(١) ولله درُّ مَن قال: تَبْقَى علينا ويأتي(٢) رزقها رغدا تاللهِ لو كانت الدنيا بأَجْمَعِها فكيف وهي متاعٌ يَضْمَحِلُّ غدا(٣) ما كان من حقٌّ حرِّ أن يَذِلَّ بها وجوِّز أن تكونَ الإشارة إلى الرضوان، فهو فوزٌ عظيم يُستحقرُ عندَه نعيمُ الدنيا وحظوظُها أيضاً، أو الدنيا ونعيمها والجنة وما فيها. وعلى الاحتمالين لا ينافي قوله سبحانه: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَدُ خَلِدِينَ فِيَأْ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٩] فقد فُسِّر فيه ((العظيم)) بما يُستحقرُ عندَه نعيم الدنيا، فتدبر. وَأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ ظاهرُه يقتضي مقاتلةَ المنافقين وهم غيرُ مُظْهِرينَ للكفر، ولا نَحكُم بالظاهر؛ لأنَّا نحكم بالظاهر كما في الخبر (٤)، ولذا فسَّر ابن عباس والسدِّيُّ ومجاهدٌ جهادَ الأوَّلين بالسيف والآخِرِين باللسان، وذلك بنحو الوعظ وإلزام الحجَّة بناءً على أنَّ الجهاد بذلُ الجهد في دفع ما لا يرضى، وهو أعمُّ من أن يكون بالقتال أو بغيره، فإنْ كان حقيقةً فظاهرٌ، وإلا حُمل على عموم المجاز. (١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، والعقيلي في الضعفاء ٤٦/٣، وابن عدي ١٩٥٦/٥ من حديث سهل بن سعد رَ. قال الترمذي: حديث صحيح غريب من هذا الوجه. (٢) في الأصل و(م): وما من، بدل: ويأتي، والمثبت من تفسير أبي السعود ٨٤/٤، والكلام منه، ومثله في المصادر على ما يأتي. (٣) البيتان ليحيى بن سلامة الحصكفي كما في النجوم الزاهرة ٣٢٨/٥، ودون نسبة في المدهش لابن الجوزي ص١٥١، والآداب الشرعية ٤٥٦/٣، وتفسير أبي السعود ٤/ ٨٤. (٤) يعني لا نحكم بظاهر الآية لأننا مأمورون بأن نحكم على الناس بما يظهر منهم، والقوم كانوا يظهرون الإسلام، والخبر المشار إليه هو ما ينسب إلى النبي ◌َّق من قوله: ((إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) كما ذكر الرازي في تفسيره ١١٥/١٦، لكن ليس لهذا الحديث أصل كما قاله العراقي في تخريج أحاديث الأحياء (على هامش الإحياء) ٢١٣/٤ وغيره، وإن كان معناه صحيحاً قد أجمع عليه العلماء، فقد قال ابن عبد البر في التمهيد ١٠/ ١٥٧ : أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن السرائر إلى الله عزوجل. اهـ. وقد وردت أحاديث بهذا المعنى ينظر ذلك في التلخيص الحبير ١٩٢/٤ . الآية : ٧٤ ٤١٩ سِوَرَةُ التَّوَّةِ، وروي عن الحسن وقتادة: أنَّ جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم. واستشكل بأنَّ إقامتها واجبةٌ على غيرهم أيضاً، فلا يختصُّ ذلك بهم. وأشار في ((الأحكام)) إلى دَفْعِه بأنَّ أسباب الحدِّ في زمنه وَّرِ أكثرُ ما صدرتْ عنهم(١). وأمَّا القولُ بأنَّ المنافق بمعنى الفاسق عند الحسن، فغيرُ حَسَنٍ . وروي - والعهدةُ على الراوي(٢) - أنَّ قراءةَ أهل البيت بِظُهُ: ((جاهد الكفارَ بالمنافقين))(٣)، والظاهرُ أنَّها لم تَثْبُتْ، ولم يروِها إلا الشيعةُ وهم بيتُ الكذب. ﴿وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الفريقين في الجهاد بقسميه، ولا تَرْفُقْ بهم. عن عطاء: نَسخَتْ هذه الآيةُ كلَّ شيءٍ من العفو والصَّفح. ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ﴾ استئنافٌ لبيانِ آجِلِ أمرهم إثر بيانِ عاجلِه. وذكر أبو البقاء في هذه(٤) ثلاثةَ أوجُهٍ : أحدُها: أنها واوُ الحال، والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنّمَ، وتلك الحالُ حال كفرهم ونفاقهم. والثاني: أنها جيء بها تنبيهاً على إرادة فعلٍ محذوفٍ، أي: واعلم أنَّ مأواهم جهنمُ. والثالث: أنَّ الكلام محمولٌ على المعنى، وهو أنه قد اجتمع لهم عذابٌ الدنيا بالجهاد والغلظةِ، وعذابُ الآخرة بجَعْلِ جهنَّمَ مأواهم. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ تذييلٌ لِمَا قبله، والمخصوصُ بالذَّم محذوفٌ، أي: مصيرهم. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ استئنافٌ لبيان ما صدر منهم من الجرائم الموجبة (١) أحكام القرآن للجصاص ١٤٣/٣، والكلام من حاشية الشهاب ٣٤٥/٤. (٢) جاء في هامش الأصل: لا يخفى عليك أن الراوي لهذه الرواية المفتراة عن أهل البيت ﴿ هو رافضي، وافتراء الرافضة على أهل بيت النبوة مشهور غير مخفيٍّ، وقصد - عامَلَه الله بعدله - بهذه النزعة الشيطانية والدسيسة الرافضية الطعنَ في إيمان أصحاب بيعة الرضوان - رضي الله عنهم وأرضاهم أيَّ رضوان - فلا تغفل عنها، هُدِيْتَ السنَّة ولا برحْتَ عنها. (٣) مجمع البيان ١٠/ ١٠٠. (٤) يعني الواو، وكلام أبي البقاء في الإملاء ١٧٤/٣ . سُورَةُ التَوَّة ٤٢٠ الآية : ٧٤ لما مرَّ، أخرج ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذُكر لنا أنَّ رجلين اقتتلا، أحدُهما من جهينةَ والآخرُ من غفار، وكانت جهينةُ حلفاءَ الأنصار، فظهر الغفاريُّ على الجُهَني، فقال عبد الله بن أبيٍّ للأوس: انصروا أخاكم، والله ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمد بَّهِ ـ وحاشاه مما يقولُ هذا المنافق - إلا كما قال القائل: سمِّنْ كلبكَ يأكلْكَ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسعى بها رجلٌ من المسلمين إلى رسول الله بَّر، فأرسل إليه، فجعل يَحْلِفُ بالله تعالى ما قاله. فنزلت(١). وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال: لمَّا نزل القرآنُ فيه ذكر المنافقين، قال الجُلَاس بن سويد: واللهِ لئن كان هذا الرجلُ صادقاً لنحن شرٌّ من الحمير. فسمعها(٢) عميرُ بن سعد فقال: والله يا جُلاس إنَّك لأحبُّ الناس إليَّ وأحسنُهم عندي أثراً، ولقد قلتَ مقالةً لئن ذكرتُها لتفضحتَّك، ولئن سكتُّ عنها لتُهْلِكَنِّي، ولإحداهما أشدُّ عليَّ من الأخرى. فمشى إلى رسول الله ضّ فذكر له ما قال الجُلاس، فحلف بالله تعالى ما قال، ولقد كَذَبَ عليَّ عميرٌ، فنزلت(٣). وأخرج عبدُ الرزاق عن ابن سيرين: أنَّها لما نزلتْ أخذ النبيُّ وَلّر بأُذن عمير فقال: وفَتْ أذنكَ يا غلام وصدقكَ ربُّك(٤). وكان يدعو حين حلف الجُلاس: اللهمَّ أنزلْ على عبدكَ ونبيِّك تصديقَ الصادق وتكذيبَ الكاذب. وأخرج عن عروةً: أنَّ الجُلاس تاب بعدَ نزولها وقُبل منه(٥). وأخرج ابنُ جرير وأبو الشيخ والطبراني وابنُ مردويه عن ابن عباس ﴿يا قال: كان رسولُ اللهِ وَلِّ جالساً في ظلِّ شجرة فقال: ((إنه سيأتيكم إنسانٌ ينظر إليكم بعينَي (١) تفسير الطبري ٥٧٢/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٤٣/٦ - ١٨٤٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٥٨/٣. وأصل القصة دون ذكر نزول الآية عند أحمد (١٥٢٢٣)، والبخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر ظه. وأيضاً عند أحمد (١٩٣٣٤)، والبخاري (٤٩٠٣)، ومسلم (٢٧٧٢) من حديث زيد بن أرقم څئه. (٢) في (م): فسمعهما. (٣) سيرة ابن هشام ٥٢١/١ - ٥٢٢، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٤٣/٦. (٤) مصنف عبد الرزاق (١٨٣٠٤). (٥) مصنف عبد الرزاق (١٨٣٠٣).