Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ٦٠
٣٨١
سُورَةُ التَّوَفِيةِ
وبما رواه الترمذيُّ عن أنس، وابنُ ماجه والحاكمُ عن أبي سعيد، قالا: قال
رسول الله وَلي: ((اللهمَّ أحيني مسكيناً، وأمِتْني مسكيناً، واحْشُرْني في زُمرةٍ
المساكين)»(١).
مع ما رواه أبو دود عن أبي بكرةَ أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بقوله:
((اللهم إني أعوذُ بكَ من الكُفر والفقر))(٢).
وخبرُ: ((الفقرُ فَخْري)) كذبٌ لا أصلَ له(٣).
وبأنَّ الله تعالى قدَّم الفقير في الآية، ولو لم تكن حاجتُه أشدَّ لَمَا بدأ به.
وبأنَّ الفقير بمعنى المفقور: مكسور الفَقَار، أي: عظام الصُّلب، فكان أسوأ.
وأجيب عن الأوَّل: بأنَّ السفينةَ لم تكن ملكاً لهم، بل هم أُجَراءُ فيها، أو
كانت عاريَّةً معهم، أو قيل لهم مساكين ترحُّماً، كما في الحديث: ((مساكينُ أهلُ
النار))(٤). وقوله:
مساكين أهلُ الحبِّ حتى قبورُهم عليها ترابُ الذلِّ بين المقابر (٥)
وهذا أولَی.
وعن الثاني: بأنَّ الفقر المتعوَّذ منه ليس إلَّا فقرَ النفس؛ لما روي أنَّهِ وَلِ كان
يَسْأل العفافَ والغنى(٦). والمرادُ به غِنَى النفس لا كثرةُ الدنيا.
وعن الثالث: بأنَّ التقديم لا دليلَ فيه؛ إذ له اعتباراتٌ كثيرة في كلامهم.
وعن الرابع: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ الفقيرَ مأخوذٌ من الفَقَار؛ لجوازٍ كونه من فَقَرْتُ له
فقرةً من مالي: إذا قطعتها، فيكون له شيء.
(١) سنن الترمذي (٤٣٥٢)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وسنن ابن ماجه (٤١٦٢)،
والمستدرك ٤/ ٣٢٢.
(٢) سنن أبي داود (٥٠٦٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٣٨١)، والنسائي ٧٣/٣.
(٣) وقال ابن حجر كما في كشف الخفاء ١١٣/٢: باطل موضوع.
(٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٣٨٢ عن أبي السوداء قوله.
(٥) ذكره أبو محمد السراج في مصارع العشاق ١/ ١٣٠.
(٦) أخرجه أحمد (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٧٢١) من حديث ابن مسعود ـ

سُوَّةُ التَّوَتَّة
٣٨٢
الآية : ٦٠
وأيًّاما كان فهما صنفان، وقال الجبَّائي: إنَّهما صنفٌ واحد، والعطفُ
للاختلاف في المفهوم، وروي ذلك عن محمد وأبي يوسف.
وفائدةُ الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بثلثِ ماله مثلاً لفلانٍ وللفقراء
والمساكين، فمن قال: إنَّهما صنف واحدٌ، جعل لفلان النِّصفَ، ومَن قال:
إنَّهما صنفان جعل له الثلثَ من ذلك.
﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم الذين يبعثهم الإمامُ لجبايتها، وفي ((البحر)) أنَّ العامل
يشملُ العاشِرَ والساعي، والأوَّل: مَن نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من
التجّار المارِّين بأموالهم عليه. والثاني: هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقةً
المواشي في أماكنها(١).
ويُعطى العاملُ ما يكفيه وأعوانَه بالوسط مدَّة ذَهابهم وإيابهم ما دام المالُ باقياً،
إلَّا إذا استغرقت كفايتُه الزكاةَ فلا يُزاد على النصف؛ لأنَّ التنصيف عينُ الإنصاف.
وعن الشافعيِّ أنه يُعطي الثُّمن؛ لأنَّ القسمة تقتضيه، وفيه نظر.
وقيِّد بالوسط لأنَّه لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه
إسرافاً محضاً، وعلى الإمام أن يبعثَ مَن يرضى بالوسط من غير إسراف ولا تقتير.
وببقاء المال لأنَّه لو أخذ الصدقة وضاعتْ من يده، بطلت عمالتُه، ولا يُعْطَى
من بيت المال شيئاً .
وما يأخذُه صدقةٌ، ومن هنا قالوا: لا تحلُّ العمالةُ لهاشميٍّ لشَرَفِه. وإنما حلَّت
للغنيِّ مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرَّغ نفسه لهذا العمل، فيحتاجُ إلى الكفاية،
والغنَى لا يمنع من تناوُلِها عند الحاجة كابن السبيل، كذا في ((البدائع))(٢).
والتحقيق أنَّ في ذلك شَبَهاً بالأجرة وشبهاً بالصدقة، فبالاعتبار الأوَّل حلَّت
للغنيٌّ، ولذا لا يُعطى لو أدَّاها صاحبُ المال إلى الإمام، وبالاعتبار الثاني لا تحلُّ
للهاشميِّ.
(١) ينظر البحر الرائق ٢٤٨/٢، وحاشية ابن عابدين ٣٣٩/٢.
(٢) بدائع الصنائع ٤٦٨/٢.

الآية : ٦٠
٣٨٣
سُوَّةُ التَّوَّةِ
وفي ((النهاية)): رجلٌ من بني هاشم استُعمل على الصدقة فأجري له منها رزقٌ،
فإنه لا ينبغي له أن يأخذ من ذلك، وإن عمل فيها ورُزق من غيرِها، فلا بأس به،
وهو يفيد صحَّة توليته وأنَّ أخْذَه منها مكروهٌ لا حرامٌ(١).
وصرَّح في ((الغاية)) بعدم صحَّة كون العامل هاشميًّا أو عبداً أو كافراً، ومنه يعلم
حرمةُ تولية اليهود على بعض الأعمال(٢)، وقد تقدَّمت نبذةٌ من الكلام على ذلك(٣).
﴿وَالْمُؤَلَفَةِ فُلُوبُهُمْ﴾ وهم كانوا ثلاثةَ أصناف؛ صنفٌ كان يؤلِّفهم رسولُ اللهِ وَله
ليُسْلِموا، وصنفٌ أسلموا لكن على ضعفٍ، كعيينةَ بن حصن، والأقرع بن حابس،
والعباس بن مرداس السُّلمي، فكان عليه الصلاة والسلام يعطيهم لتَقْوَى نيَّتُهم في
الإسلام، وصنفٌ كانوا يُعطون لدفع شرِّهم عن المؤمنين.
وعُدَّ منهم مَن يؤلَّفُ قلبُه بإعطاء شيءٍ من الصدقات على قتال الكفار ومانعي
الزكاة، وفي ((الهداية))(٤) أنَّ هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد
إجماعُ الصحابة على ذلك في خلافةِ الصديق
روي أنَّ عيينةَ والأقرع جاءا يطلبان أرضاً من أبي بكر، فكتب بذلك خطًّا،
فمَّقه عمرُ رَبّه وقال: هذا شيءٌ [كان] يعطيكموه رسولُ اللهِ وَّر تأليفاً لكم، فأمَّا
اليوم فقد أَعزَّ الله تعالى الإسلامَ وأغنى عنكم، فإن ثبتُّم على الإسلام، وإلا فبيننا
وبينكم السيفُ. فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنتَ الخليفةُ أم عمر؟ بذلتَ لنا الخطّ
ومزَّقه عمر. فقال ◌َله: هو إن شاء، ووافَقَه(٥). ولم ينكر عليه أحدٌ من
الصحابة ﴿ه مع احتمال أنَّ فيه مَفْسدةً كارتداد بعضٍ منهم وإثارةٍ ثائرة.
(١) البحر الرائق ٢٥٩/٢، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٣٤٠. قال القرطبي ٢٦١/١٠: وأجاز عمله
مالك والشافعي، ويعطى أجر عمالته ... ولأنه أجير على عمل مباح فوجب أن يستوي فيه
الهاشمي وغيره اعتباراً بسائر الصناعات.
(٢) البحر الرائق ٢٤٨/٢.
(٣) ينظر ما سلف ص٢٨٩ من هذا الجزء.
(٤) مع فتح القدير ٢/ ١٥ - ١٦، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير ٥٦/١، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢٩٣/٣، والبيهقي
٧/ ٢٠، والخطيب في الجامع ٢/ ٣٠٤ من طريق عبيدة السلماني قال: جاء عيينة بن حصن
والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ... ، وأخرج نحوه أحمد في فضائل الصحابة (٣٨٣) عن نافع.

سُورَةُ التَّوَنَّة
٣٨٤
الآية : ٦٠
واختلف كلامُ القوم في وجه سقوطه بعد النبيِّ وَطلقه بعد ثبوته بالكتاب إلى حين
وفاته - بأبي هو وأمِّي عليه الصلاة والسلام - فمنهم مَن ارتكب جواز نسخٍ ما ثبت
بالكتاب بالإجماع؛ بناءً على أنَّ الإجماع حيَّةٌ قطعيَّة كالكتاب. وليس بصحيح
من المذهب.
ومنهم مَن قال: هو من قبيل انتهاءِ الحكم بانتهاء علَّته كانتهاء جواز الصوم
بانتهاء وقته وهو النهار.
ورُدَّ بأنَّ الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علَّة كما في الرَّمَل والاضطباعِ في
الطواف، فانتهاؤها لا يستلزم انتهاءه. وفيه بحث.
وقال علاء الدِّين عبد العزيز(١): والأحسنُ أن يقال: هذا تقريرٌ لِمَا كان زمن
النبيِّ وَّهِ من حيثُ المعنى، وذلك أنَّ المقصود بالدفع إليهم كان إعزازَ الإسلام؛
الضعفِه في ذلك الوقت لغلبةٍ أهل الكفر، وكان الإعزازُ بالدَّفع، ولما تبدَّلت
الحالُ بغلبة أهل الإسلام، صار الإعزاز في المنع، وكان الإعطاء في ذلك
الزمان والمنعُ في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين، والإعزازُ هو المقصودُ
وهو باقٍ على حاله، فلم يكن ذلك نسخاً، کالمتیمِّم وجب عليه استعمال التراب
للتطهير؛ لأنَّه آلةٌ متعيِّنة لحصول التطهير عند عدم الماء، فإذا تبدَّلت حالُه فوجد
الماء سقط الأول ووجب استعمالُ الماء؛ لأنه صار متعيِّناً لحصول المقصود،
ولا يكون هذا نسخاً للأول فكذا هذا، وهو نظير إيجاب الدِّية على العاقلة، فإنَّها
كانت واجبةً على العشيرة في زمن النبيِّ وَّ، وبعدَه على أهل الدِّيوان؛ لأنَّ
الإيجاب على العاقلة بسبب النُّصرة، والاستنصارُ في زمنه وَّ ه كان بالعشيرة،
وبعدَه عليه الصلاة والسلام بأهل الدِّيوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخاً، بل
كان تقريراً للمعنى الذي وَجَبتْ الديةُ لأجله وهو الاستنصار اهـ. واستحسنه في
((النهاية)).
(١) عبد العزيز بن أحمد البخاري، له: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، والأفنية، ووضع
كتاباً على الهداية وصل فيه إلى النكاح، توفي سنة (٧٣٠هـ). الجواهر المضية ٤٢٨/٢،
وكشف الظنون ١١٢/١ و١٣٩٥/٢.

الآية : ٦٠
٣٨٥
سُورَةُ التَّوَنَّة
وتعقّبه ابنُ الهمام بأنَّ هذا لا ينفي النسخ؛ لأنَّ إباحة الدفع إليهم حكم شرعيٍّ
كان ثابتاً وقد ارتفع(١).
وقال بعضُ المحققين: إنَّ ذلك نسخٌ، ولا يقال: نسخُ الكتاب بالإجماع
لا يجوز على الصحيح؛ لأنَّ الناسخ دليلُ الإجماع لا هو، بناءً على أنه لا إجماعَ
إلا عن مستندٍ، فإن ظهر، وإلا وجبَ الحكمُ بأنه ثابت، على أنَّ الآيةَ التي أشار
إليها عمر ظُه وهي قوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ
فَلَكْفُرُّ﴾ [الكهف: ٢٩] تصلح(٢) لذلك.
وفيه نظر، فإنه إنما يتم لو ثبت نزول هذه الآية بعد هذه، ولم يثبتْ.
وقال قوم: لم يسقطُ سهمُ هذا الصِّنف، وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن
علي، وأبي ثور، وروي ذلك عن الحسن. وقال أحمد: يعطّون إن احتاج
المسلمون إلى ذلك.
وقال البعضُ: إنَّ المؤلفةَ قلوبُهم مسلمون وكفارٌ، والساقطُ سهمُ الكفار فقط.
وصحِّح أنه عليه الصلاة والسلام كان يعطيهم من خُمسِ الخمس الذي كان خاصَّ
مالِه ◌َلخد.
﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾ أي: للصرف في فكِّ الرقاب، بأن يُعانَ المكاتَبون بشيءٍ منها على
أداء نجومِهم. وقيل: بأن يُبتاعَ منها الرِّقاب فتعتَق. وقيل: بأنْ يُقدى الأسارى.
وإلى الأول ذهب النخعيُّ والليث والزهريُّ والشافعيُّ، وهو المرويُّ عن
سعيد بن جبير، وعليه أكثرُ الفقهاء.
وإلى الثاني ذهب مالك وأحمدُ وإسحاق، وعزاه الطّيبي إلى الحسن، وفي
(تفسير الطبريِّ)) أنَّ الأول هو المنقولُ عنه(٣).
﴿ وَالْغَرِمِينَ﴾ أي: الذين عليهم دَينٌ، والدفعُ إليهم كما في ((الظهيرية)) أَوْلَى من
(١) فتح القدير ١٥/٢، والبحر الرائق ٢٥٨/٢.
(٢) في الأصل و(م): يصلح، والمثبت من البحر الرائق ٢٥٨/٢، والكلام منه، وينظر حاشية
الشهاب ٤/ ٣٣٧.
(٣) تفسير الطبري ١١/ ٢٥٤.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٣٨٦
الآية : ٦٠
الدفع إلى الفقير(١). وقيَّدوا الدَّين بكونه في غير معصية، كالخمر والإسرافِ
فيما لا يعنيه، لكن قال النوويُّ في ((المنهاج)): قلتُ: والأصحُّ أنَّ مَن استدانَ
للمعصية يُعطى إذا تاب(٢). وصحَّحه في ((الروضة)).
والمانعُ مطلقاً قال: إنه قد يُظهِرُ التوبةَ للأَخْذ.
واشتُرطَ أن لا يكونَ لهم ما يوفون به دَينهم فاضلاً عن حوائجهم ومَن يَعُولُونه،
وإلَّا فمجرَّدُ الوفاء لا يمنعُ من(٣) الاستحقاق، وهو أحدُ قولين عند الشافعية وهو
الأظهر.
وقيل: لا يشترطُ؛ لعموم الآية.
وأطلق القُدوريُّ(٤) وصاحبُ ((الكنز)) من أصحابنا المديونَ في باب المصرف،
وقيَّده في ((الكافي)) بأنْ لا يملك نصاباً فضلاً عن دينه. وذَكَر في ((البحر))(٥) أنَّه
المرادُ بالغارم في الآية؛ إذ هو في اللغة مَن عليه دَين ولا يجدُ قضاءً كما ذكره
القُتَبِيُّ(٦)، واعتَذَر عن عَدَمِ التقييد بأنَّ الفقر شرطٌ في الأصناف كلِّها إلا العامل
وابن السبيل إذا كان له في وطنه مالٌ، فهو بمنزلة الفقير.
وهل يشترط حلولُ الدَّين أولاً؟ قولان للشافعية.
ويُعطى عندهم مَن استدان لإصلاح ذاتِ البَيْنِ، كأنْ يخافَ فتنةً بين قبيلتين
تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتلُه، أو ظهر فأعطى الدِّية تسكيناً للفتنة، ويُعطَى مع
الغِنَى مطلقاً .
وقيل: إن كان غنيًّا بنقدٍ لا يُعطى.
(١) البحر الرائق ٢٦٠/٢.
(٢) المنهاج مع مغني المحتاج ٣/ ١١٠.
(٣) قوله: من، ليس في الأصل.
(٤) شيخ الحنفية، أبو الحسين أحمد بن محمد البغدادي القدوري، توفي سنة (٤٢٨هـ). السير
٥٧٤/١٧. ونقل المصنف قوله بواسطة البحر الرائق ٢/ ٢٦٠.
(٥) البحر الرائق ٢٦٠/٢، وما قبله منه.
(٦) في الأصل و(م): العتبي، والمثبت من البحر الرائق، وهو الصواب، وكلامه في غريب
القرآن ص١٨٩ .

الآية : ٦٠
٣٨٧
سُورَةُ النَّوَّةِ
﴿وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أُريد بذلك عند أبي يوسف منقطعو الغزاة، وعند محمد
منقطعو الحجيج. وقيل: المرادُ طَلَبةُ العلم، واقتصر عليه في ((الفتاوى الظهيرية))،
وفسَّره في ((البدائع))(١) بجميع القُرَبِ، فيدخل فيه كلُّ مَن سَعَى في طاعة الله تعالى
وسُبُلِ الخيرات.
قال في (البحر))(٢): ولا يخفى أنَّ قيدَ الفقر لابُدَّ منه على الوجوه كلِّها، فحينئذٍ
لا تظهر ثمرتُه في الزكاة، وإنَّما تظهرُ في الوصايا والأوقاف. انتهى.
وفي ((النهاية))(٣): فإن قيل: إنَّ قوله سبحانه: (وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ) مكرَّرٌ سواءٌ
أريدَ منقطِعُ الغزاة أو غيرُه؛ لأنَّه إما أن يكون له في وطنه مالٌ، أو (٤) لا، فإن كان
فهو ابنُ السبيل، وإنْ لم يكن فهو فقير، فمن أين يكون العدد سبعةً على ما يقول
الأصحابُ، أو ثمانيةً على ما يقول غيرهم؟
أُجيب: بأنَّه فقير إلا أنه ازداد فيه شيءٌ آخرُ سوى الفقر وهو الانقطاعُ في
عبادة الله تعالى من جهادٍ أو حجٌّ، فلذا غايرَ الفقير المطلق، فإنَّ المقيَّدَ يُغاير
المطلقَ لا محالةَ. ويظهرُ أثرُ التغايُرِ في حكمٍ آخرَ أيضاً، وهو زيادةُ التحريض
والترغيبٍ في رعاية جانبه، وإذا كان كذلك لم تَنْقُص المصارفُ عن سبعة، وفيه
تأمُّلٌ. انتهى، ولا يخفى وجهه.
وذكر بعضُهم أنَّ التحقيقَ ما ذكره الجصَّاص في ((الأحكام))(٥) أنَّ مَن كان غنيًّا
في بلدِهِ بدارِهِ وخَدَمِه وفرسِه، وله فضلُ دراهم حتى لا تحلُّ له الصدقة، فإذا عزم
على سفرٍ جهادٍ احتاج لعُدَّةٍ وسلاحٍ لم يكن محتاجاً له في إقامته، فيجوز أن يُعطى
من الصدقة وإن كان غنيًّا في مصرَه، وهذا معنى قولِهِ وَِّ: ((الصدقةُ تَحِلُّ للغازي
الغني))(٦). فافهم ولا تغفل.
(١) بدائع الصنائع ٢/ ٤٧١.
(٢) البحر الرائق ٢/ ٢٦٠، وما قبله منه.
(٣) كما في البحر الرائق ٢٦٠/٢.
(٤) في (م): أم.
(٥) ٤٦٣/١.
(٦) أخرجه أحمد (١١٥٣٨)، وأبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١) من حديث أبي سعيد
=

سُورَةُ التَّوَّةِ
٣٨٨
الآية : ٦٠
﴿وَأَبْنِ السَّيِلِ﴾ وهو المسافرُ المنقطعُ عن مالِهِ، والاستقراضُ له خيرٌ من قبولِ
الصدقة على ما في ((الظهيرية)). وفي ((فتح القدير): أنه لا يحلُّ له أن يأخذَ أكثرَ من
حاجته، وأُلحق به كلُّ مَن هو غائبٌ عن ماله وإن كان في بلده(١).
وفي ((المحيط)) وإن كان تاجراً له دَيْنٌ على الناس لا يقدرُ على أخذه ولا يجدُ
شيئاً، يحلُّ له أخذُ الزكاة؛ لأنه فقيرٌ يداً كابن السبيل.
وفي (الخانية)) تفصيلٌ في هذا المقام قال: والذي له دَيْنٌ مؤجَّلٌ على إنسان إذا
احتاج إلى النفقة يجوزُ له أن يأخذَ من الزكاة قَدْرَ كفايته إلى حلول الأجل، وإن
كان الدَّيْنُ غيرَ مؤجَّل فإنْ كان مَن عليه الدَّين مُعْسِراً، يجوز له أن يأخذَ الزكاة في
أصحِّ الأقاويل؛ لأنه بمنزلة ابن السبيل، وإن كان المديونُ موسراً معترفاً، لا يحلُّ
له أخذُ الزكاة، وكذا إذا كان جاحداً وله عليه بيَّةٌ عادلةٌ، وإن لم تكن بينةٌ (٢) عادلةٌ
لا يحلُّ له الأخذُ أيضاً ما لم يرفع الأمر إلى القاضي، فيحلِّفه، فإذا حلف(٣)، يحلُّ
له الأخذُ بعد ذلك. اهـ. والمراد من الدَّين ما يبلغ نصاباً كما لا يخفى.
وفي ((فتح القدير))(٤): ولو دفع إلى فقيرةٍ لها مهرٌ دينٌ على زوجها يبلغُ نصاباً،
وهو موسرٌ بحيث لو طلبتْ أعطاها، لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطي لو طلبتْ
جاز. اهـ. وهو مقيّدٌ لعموم ما في ((الخانية)).
والمرادُ من المهر ما تُعورفَ تعجيلُه؛ لأنَّ ما تُعورف تأجيلُه فهو دينٌ مؤجَّلٌ
لا يمنع أخذَ الزكاة، ويكون في الأوَّل عدمُ إعطائه بمنزلة إعساره، ويفرَّق بينه وبين
سائرِ الديون بأنَّ رفعَ الزوج للقاضي ممَّا لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره.
لكن في «البزَّازية)): دفعُ الزكاة إلى أخته وهي تحت زوجٍ، إنْ كان مهرُها
المعجَّلُ أقلَّ من النصاب أو أكثرَ لكنَّ الزوجَ معسرٌ، له أن يدفعَ إليها الزكاةَ، وإن
= الخدري به بلفظ: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسةٍ ... )) وذكر منهم ((أو غازٍ في
سبيل الله)).
(١) فتح القدير ١٨/٢، والبحر الرائق ٢٦٠/٢، والكلام منه.
(٢) قوله: بينة، ليس في (م)، والمثبت من الأصل والبحر الرائق ٢٥٩/٢، والكلام منه.
(٣) في (م): حلفه، والمثبت من الأصل والبحر الرائق.
(٤) ٢/ ١٧، والكلام من البحر الرائق ٢٥٩/٢.

الآية : ٦٠
٣٨٩
سُورَةُ النَّوَّةِ
كان موسِراً والمعجَّلُ قدر النِّصاب، لا يجوزُ عندهما، وبه يفتَى للاحتياط، وعند
الإمام يجوزُ مطلقاً هذا.
والعدولُ عن اللام إلى ((في)) في الأربعة الأخيرة على ما قال الزمخشريُّ(١)
للإيذان بأنهم أرسخُ في استحقاق الصدقة ممَّن سبق ذكرُه؛ لِمَا أنَّ ((في)) للظرفية
المُنْبِئةِ عن إحاطتهم بها، وكونِهم محلَّها ومركزَها، وعليه فاللامُ لمجرَّد
الاختصاص.
وفي ((الانتصاف)) أنَّ ثَمَّ سرًّا آخرَ هو أظهرُ وأقربُ، وذلك أنَّ الأصناف الأوائلَ
مُلَّاٌ لِمَا عساه(٢) أنْ يُدْفَعَ إليهم، وإنَّما يأخذونه تملُّكاً، فكان دخولُ اللام لائقاً
بهم، وأما الأربعةُ الأواخِرُ فلا يملكون لِمَا يُصرفُ نحوهم، بل ولا يُصرف إليهم،
ولكن يُصرف في مصالحَ تتعلَّق بهم، فالمال الذي يُصرف في الرقاب إنَّما يتناوله
السادةُ المكاتِبون أو البائعون، فليس نصيبُهم مصروفاً إلى أيديهم حتَّى يعبّر عن ذلك
باللام المُشعرةِ بملكِهم لِمَا يُصرفُ نحوهم، وإنَّما هم مَحَالٌّ لهذا الصَّرف
ولمصالحه المتعلّقةِ به، وكذلك الغارمون إنما يُصرف نصيبُهم لأرباب ديونهم؛
تخليصاً لذِمَمِهم لا لهم، وأمَّا في سبيل الله فواضحٌ في ذلك، وأمَّا ابنُ السبيل فكأنه
كان مُنْدَرِجاً في سبيل الله، وإنَّما أُفرِدَ بالذكر تنبيهاً على خصوصيته، مع أنَّه مجرَّدٌ
من الحرفين جميعاً، وعطفُه على المجرور باللام ممكنٌ، ولكنَّ عَظْفَه على القريب
أقربُ(٣) .
وما أشار إليه من أنَّ المكاتَبَ لا يُملَّكُ وإنَّما يُملَّك المكاتِبُ، هو الذي أشار
إليه بعضُ أصحابنا، ففي ((المحيط)): قالوا: إنَّه لا يجوزُ إعطاءُ الزكاة لمكاتَبٍ
هاشميٍّ؛ لأنَّ الملكَ يقع للمولى من وجهٍ والشبهةُ ملحقةٌ بالحقيقة في حقِّهم، وفي
((البدائع))(٤) ما هو ظاهرٌ في أنَّ الملكَ يقع للمكاتب، وحينئذٍ فبقيَّةُ الأربعة بالطريق
الأَوْلی.
(١) في الكشاف ١٩٨/٢ .
(٢) في الأصل: عسى.
(٣) الانتصاف مع الكشاف ١٩٨/٢ .
(٤) ٢ / ٤٧١، والكلام من البحر الرائق ٢٦٠/٢.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٣٩٠
الآية : ٦٠
والمشهورُ أنَّ اللام للملك عند الشافعية، وهو الذي يقتضيه مذهبُهم حيث قالوا:
لا بدَّ من صرْفِ الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وُجدت، ولا تُصرف إلى صنفٍ مثلاً،
ولا إلى أقلّ من ثلاثةٍ من كلِّ صنفٍ، بل إلى ثلاثة أو أكثرَ إذا وجد ذلك.
وعندنا يجوزُ للمالك أن يدفعَ الزكاةَ إلى كلِّ واحدٍ منهم، وله أن يقتصرَ على
صنفٍ واحد لأنَّ المرادَ بالآية بيانُ الأصناف التي يجوزُ الدفع إليهم لا تعيينُ الدَّفع
لهم، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
[البقرة: ٢٧١] وأنَّه وَيَرِ أتاه مالٌ من الصدقة فجعله في صنفٍ واحدٍ وهو المؤلفةُ
قلوبُهم (١)، ثمَّ أتاه مالٌ آخرُ فجعلَه في الغارمين(٢). فدلَّ على أنَّه يجوز الاقتصارُ
على صنفٍ واحد.
ودليلُ جواز الاقتصار على شخصٍ واحدٍ منه: أنَّ الجمع المعرَّف بأل مجازٌ عن
الجنس، فلو حلفَ: لا يتزوَّجُ النساءَ ولا يشتري العبيدَ. يحنثُ بالواحد، فالمعنى
في الآية أنَّ جنسَ الصدقة لجنس الفقير، فيجوزُ الصَّرف إلى واحد؛ لأنَّ الاستغراقَ
ليس بمستقيم، إذ يصيرُ المعنى أنَّ كلَّ صدقةٍ لكلِّ فقير، وهو ظاهرُ الفساد، وليس
هناك معهودٌ ليُرتكبَ العهدُ، ولا يَردُ: خالِعْني على ما في يدي من الدراهم،
ولا شيءَ في يدِها، فإنه يلزمُها ثلاثة، ولو حَلَفَ: لا يكلِّمه الأيامَ أو الشهورَ، فإنه
يقعُ على العشرة عند الإمام، وعلى الأسبوع والسَّنَةِ عند الإمامين؛ لأنه أمكنَ العهدُ
فلا يُحمل على الجنس.
فالحاصل: أنَّ حَمْلَ الجمع على الجنس مَجازٌ، وعلى العهدِ أو الاستغراقِ
حقيقةٌ، ولا مساغَ للخُلْفِ إلَّا عند تعذَّر الأصل، وعلى هذا ينصَّفُ الموصى به لزيد
والفقراءِ كالوصيةِ لزيدٍ وفقير.
(١) أخرجه أحمد (١١٦٤٨)، والبخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد
الخدري به، وفيه أن عليًّا عه بعث بذهيبة إلى النبي ◌َّة، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن
حابس وعيينة بن بدر وزيد الطائي، وعلقمة بن علائة العامري، الحديث. وينظر فتح القدير
لابن الهمام ١٩/٢ .
(٢) أخرجه مسلم (١٠٤٤)، وفيه أن رسول الله وَّقر قال لقبيصة بن مخارق حين أتاه وقد تحمل
حمالة: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)). وفي حديث سلمة بن صخر الزرقي أن
رسول الله وَ﴿ أمر له بصدقة قومه، أخرجه أحمد (١٦٤٢١). وينظر فتح القدير ١٩/٢.

الآية : ٦٠
٣٩١
سُورَّةُ التَّوَنَّةِّ
ـن، وبه قال سعيد بن جبير
وما ذهبنا إليه هو المرويُّ عن عمر وابن عباس
وعطاء وسفيان الثوريُّ وأحمدُ بن حنبل ومالكٌ عليهم الرحمة.
وذكرُ ابنُ المنير(١) أنَّ جدَّه أبا العباس أحمدَ بنَ فارس (٢) كان يستنبطُ من تَغايُرِ
الحرفين المذكورين دليلاً على أنَّ الغرضَ بيانُ المصرف[واللامُ لذلك لامُ الملك]
فيقول: متعلَّقُ الجارِّ الواقع خبراً عن الصدقات محذوفٌ، فإما أن يكون التقدير:
إنّما الصدقاتُ مصروفةٌ للفقراء كما يقول مالكٌ ومَن معه، أو مملوكةٌ للفقراء
كما يقول الشافعيُّ، لكن الأوَّل متعيِّن؛ لأنَّه تقديرٌ يُكْتَفَى به في الحرفين جميعاً،
ويصحُّ تعلُّق اللام و((في)) معاً به، فيصحُّ أن يقال: هذا الشيءُ مصروفٌ في كذا،
ولكذا، بخلافٍ تقدير مملوكة؛ فإنه إنَّما يلتئم مع اللام، وعند الانتهاء إلى ((في))
يحتاجُ إلى تقديرِ ((مصروفة)) ليلتئمَ بها، فتقديرُه من الأول عامُّ التعلَّق شاملُ الصحة
متعیِّن . اهـ.
وبالجملة لا يخفى قوةُ منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ. ولذا اختار بعضُ
الشافعية ما ذهبوا إليه، وكان والد العلّامة البيضاويِّ عمرُ بن محمد - وهو مفتي
الشافعية في عصره - يُفْتي به.
﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لمقدَّرٍ مأخوذٍ من معنى الكلام، أي: فَرَضَ
لهم الصدقات فريضةً، ونُقل عن سيبويه(٣) أنَّه منصوبٌ بفعله مقدَّراً، أي: فرضَ الله
تعالى ذلك فريضةً.
واختار أبو البقاء(٤) كونَه حالاً من الضمير المستكنِّ في قوله تعالى: ((للفقراء))،
أي: إنما الصدقات كائنةٌ لهم حالَ كونها فريضةً، أي: مفروضةً. قيل: ودَخَلَتْه
التاءُ لإلحاقه بالأسماء كنطيحة.
(١) في الانتصاف ١٩٨/٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) هو أحمد بن إسماعيل بن فارس التميمي الإسكندراني، القاضي الوزير، نجيب الدين، كان
قيماً بمذهب مالك ومعرفة النحو، توفي سنة (٦٣٨هـ). السير ٧٤/٢٣، والوافي بالوفيات
٢٥٥/٦.
(٣) كما في الدر المصون ٦/ ٧٢، وينظر الكتاب ٣١١/١ - ٣١٢.
(٤) في الإملاء ٣/ ١٦٥ .

سُورَةُ التَّوَقَّةِ
٣٩٢
الآية : ٦١
﴿وَاَللّهُ عَلِيهُ﴾ بأحوال الناس ومراتبٍ استحقاقهم ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ لا يفعل
إلا ما تقتضيه الحكمةُ من الأمور الحسنة التي من جملتها سَوْقُ الحقوق إلى
مستحقِّیھا .
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ﴾ أخرج ابنُ أبي حاتم(١) عن
السُّدِّيِّ: أنها نزلت في جماعةٍ من المنافقين، منهم: الجُلَاسُ بن سُويد بن صامت،
ورفاعةُ بن عبد المنذر(٢)، ووديعةُ بنُ ثابت، وغيرُهم، قالوا مالا ينبغي في حقِّه
عليه الصلاة والسلام، فقال رجلٌ منهم: لا تفعلوا، فإنَّا نخاف أن يبلغَ محمداً
ما تقولون فيقع بنا. فقال الجُلَّاس: بل نقولُ ما شئنا، ثمَّ نأتيه فيصدِّقنا بما نقول
فإنَّ محمداً (َ﴿) أُذن. وفي رواية: أذنٌ سامعة.
وعن محمد بن إسحاق(٣): أنَّها نزلت في رجلٍ من المنافقين يُقالُ له: نَبْتل بن
الحارث، وكان رجلاً أَذْلم (٤) أحمرَ العينين أسفعَ الخذَّين مشوَّه الخلقة، وكان ینمُّ
حديثَ النبيِّ وَّه إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل. فقال: إنَّما محمدٌ (ََّ) أُذُنّ،
مَنْ حدَّثه شيئاً صدَّقه، نقول شيئاً ثمَّ نأتيه ونحلفُ له فيصدِّقنا.
وهو الذي قال فيه النبيُّ ◌َّهِ: (مَن أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظرْ إلى نَبْتل بن
الحارث)»(٥).
وأرادوا - سوَّد الله تعالى وجوهَهم وأصمَّهم وأعمى أبصارهم - بقولهم: ((أُذن))
(١) في تفسيره ١٨٢٦/٦، وذكره عنه السيوطي في الدر ٢٥٣/٣.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في تفسير ابن أبي حاتم: مخشي بن حمير، وفي الدر:
جحش بن حمير، وقد اختلف في اسمه، ويقال إنه أسلم كما سيرد ص ٤٠٥ من هذا الجزء.
أما رفاعة بن عبد المنذر فإنه صحابي جليل، قال ابن إسحاق: هو أخو أبي لبابة، وذكره في
البدريين، وقيل: إن اسم أبي لبابة: رفاعة بن عبد المنذر. ينظر التجريد للذهبي ص١٨٤،
والإصابة ٢٨٣/٣.
(٣) كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٢١، وأسباب النزول للواحدي ص٢٤٨، واللفظ له.
(٤) في الأصل و(م): آدم، والمثبت من أسباب النزول للواحدي. والأدلم: الطويل الأسود،
والشديد السواد من الناس. معجم متن اللغة (دلم).
(٥) سيرة ابن هشام ٥٢١/١، وأسباب النزول للواحدي ص٢٤٨، وذكره أيضاً ابن عطية في
المحرر الوجيز ٥٢/٣، والبغوي ٣٠٦/٢.

الآية : ٦١
٣٩٣
سُورَةُالتَّوَتِيةِ
أَنَّه عليه الصلاة والسلام يسمعُ ما يقال له ويصدِّقُه، فيكون وصفُ ((أذن)) بما يفيدُ
ذلك في كلامهم کشفاً له.
وهي في الأصل اسمٌ للجارحة، وإطلاقُها على الشخص بالمعنى
المذكور - كما يؤيِّده بعضُ الروايات - من باب المجازِ المرسَلِ على ما في
((المفتاح))(١) كإطلاق العين على ربيئةِ القوم (٢) حيثُ كانت العينُ هي المقصودةُ منه.
وصرَّح غيرُ واحد أنَّ ذلك من إطلاق الجزء على الكلِّ للمبالغة كقوله:
وإنْ هي ناجتْني فكلِّي مسامع(٣)
إذا ما بدتْ ليلى فكلِّي أعين
وقيل : إنه مجازٌ عقليٌّ ك : رجلٌ عَدْلٌ، وفيه نظر.
والمبالغةُ هنا - على ما قيل - في أنه يسمع كلَّ قولٍ باعتبارِ أنَّه يصدِّقه، لا في
مجرَّد السماع.
وما قيل: إنَّ مرادَهم بكونه عليه الصلاة والسلام أذناً تصديقُه بكلِّ ما يسمع من
غيرِ فرقٍ بين ما يليق بالقبول - لمساعدة أماراتِ الصِّدق له - وبين مالا يليق به،
فليس من قبيل إطلاقِ العَين على الربيئةِ، ولذا جَعَله بعضُهم من قبيل التشبيه بالأُذن
في أنه ليس فيه وراءَ الاستماع تمييزُ حقِّ عن باطل = ليس بشيءٍ يعتدُّ به.
وقيل: إنَّه على تقدير مضافٍ، أي: ذو أذن. ولا يخفى أنَّه مُذْهِبٌ لَرَوْنَقِهِ.
وجوِّز أن يكون ((أذن)) صفة مشبهة من أَذِنَ يَأْذَنُ أَذَناً: إذا استمع، وأنشد
الجوهريُّ لقعنب:
منِّي وما سمعوا من صالحِ دفنوا
إِنْ يَسْمَعوا ريبةً طاروا بها فرحاً
وإِنْ ذُكِرْتُ بشرِّ عندَهم أَذِنوا(٤)
صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكِرتُ به
وعلى هذا هو صفةٌ بمعنى سميع ولا تجوُّزَ فيه.
(١) مفتاح العلوم ص٣٦٥.
(٢) أي: طليعتهم. القاموس (ربأ).
(٣) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص٢٠٩.
(٤) الصحاح (أذن)، وعيون الأخبار ٨٤/٣، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ٤/ ١٢،
ومختارات ابن الشجري ص٧، واللسان (أذن) و(شور). وهما دون نسبة في تفسير الطبري
٢٤/ ٢٣٠، ومعاني القرآن للزجاج ٣٠٣/٥.

سُورَةُ التَوَّةِ
٣٩٤
الآية : ٦١
وما تأذَّى به النبيُّ نَّهِ يحتملُ أن يكون ما قالوه في حقٌّه عليه الصلاة والسلام
من سائر الأقوال الباطلةٍ، فيكونُ قوله سبحانه: (وَيَقُولُونَ) إلخ غيرَ ما تأذَّى به.
ويحتملُ أن يكونَ نفسَ قولهم: ((هو أذن)) فيكون عطفَ تفسيرٍ .
و(يُؤْذُون)) مضارعُ أذاه، والمشهورُ في مصدره أذّى وأذاةً وأَذيَّةً، وجاء أيضاً:
الإيذاء، كما أثبته الراغب (١)، وقولُ صاحبٍ ((القاموس))(٢): ولا تقلْ إيذاءً. خطأ
منه(٣).
﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ من قَبيل: رجلُ صدقٍ، فهو من إضافةِ الموصوف إلى
الصفة للمبالغة في الجودة والصلاح، كأنه قيل: نَعَم هو أذنٌّ ولكن نِعْمَ الأذن.
ويجوزُ أن تكون الإضافة على معنى ((في)) أي: هو أذنٌ في الخير والحقِّ،
وفيما يجبُ سماعُه وقبولُه، وليس بأذُنٍ في غير ذلك. ويدلُّ عليه قراءةُ حمزة:
((ورحمةٍ) - فيما يأتي - بالجرِّ(٤) عطفاً على ((خير))، فإنه لا يَحْسُنُ وصفُ الأذن
بالرحمة، ويحسن أن يقال: أذنٌ في الخير والرحمةِ، وهذا كما قال ابنُ المنير(٥)
أبلغُ أسلوبٍ في الردِّ عليهم؛ لأنَّ فيه إطماعاً لهم بالموافقة على مدَّعاهم، ثم كَرًّا (٦)
عليهم بحَسْمٍ طَمَعِهم وبتِّ أمنيتهم، وهو كالقول الموجب.
وقرأ نافع: (أُذْنُ)) بالتخفيف في الموضعين(٧).
وقرئ: ((أُذُنٌ)) بالتنوين(٨)، فـ ((خيرٌ)) صفةٌ له بمعنى خيِّر المشدَّد، أو أفعل
تفضيلٍ، أو مصدرٌ وُصف به للمبالغة، أو بالتأويل المشهور.
وقوله سبحانه: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ تفسيرٌ لكونِه عليه الصلاة والسلام أُذُنَ خيرٍ لهم،
(١) في مفرداته (أذى).
(٢) مادة (أذي).
(٣) ينظر ما قيل في الرد عليه في التاج (أذي).
(٤) التيسير ص٩٩، والنشر ٢١٦/٢.
(٥) في الانتصاف ١٩٨/٢.
(٦) في (م): كر.
(٧) التيسير ص٩٩، والنشر ٢١٦/٢.
(٨) الإملاء ١٦٦/٣، والبحر ٦٢/٥، وهي برفع ((خير)) أيضاً.

الآية : ٦١
٣٩٥
سُوَرَّةُ التَّوَّةِ
أي: يصدِّق بالله تعالى لِمَا قام عندَه من الأدلَّة والآيات الموجبة لذلك، وكونُ ذلك
صفةً خيرٍ للمخاطبين كما أنه خيرٌ للعالمين مما لا يخفى.
﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدِّقهم لِمَا علم فيهم من الخلوص، والظاهرُ أنَّ هذا
مندرجٌ في حيِّز التفسير، لكن الغالب من المفسِّرين لم يبيِّنوا وجهَه كونَه صفةً خيرٍ
للمخاطبین.
نعم قال مولانا الشِّهاب(١): إنَّ المعنى هو أذنُ خيرٍ يسمع آيات الله تعالى
ودلائلَه فيصدِّقُها، ويسمعُ قولَ المؤمنين فيسلِّمه لهم ويصدِّقُهم به، وهو تعريضٌ بأنَّ
المنافقين أذنُ شرِّ يسمعون آيات الله تعالى ولا ينتفعون(٢) بها، ويسمعون قولَ
المؤمنين ولا يقبلونَه، وأنَّه وَيهِ لا يسمعُ قولَهم إلَّا شفقةً عليهم، لا أنه يقبله لعدمِ
تمييزه عليه الصلاة والسلام كما زعموا، وبهذا يصحُّ وجه التفسير فتدبَّر. انتهى.
ولا يخفى أنَّ في إرادة هذا المعنى من هذا المقدار من الآية بُعداً.
وربَّما يقال: إنَّ المراد أنَّه عليه الصلاة والسلام يسمعُ قولَ المؤمنين الخُلَّصِ
ويصدِّقُهم، ولا يصدِّق المنافقين وإن سمع قولَهم، وكونُ ذلك صفةً خيرٍ للمخاطبين إمَّا
باعتبارِ أنه قد ينجرُّ إلى إخلاصهم لِمَا أنَّ فيه انحطاطَ مرتبتهم عن مرتبةِ المخلِصين،
وإمَّا باعتبارِ أنَّ تصديقَه ◌َّه للمؤمنين الخُلَّصِ فيما يقولونه من الحقِّ من متِّمات تصديقه
آياتِ الله تعالى، ولا شكَّ في خيريَّة ذلك للمخاطبين، بل ولغيرِهم أيضاً، فليفهم.
والإيمان في قوله تعالى: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) بمعنى الاعتراف والتصديق كما أشرنا
إليه، ولذا عدِّي بالباء، وأمَّا في قوله سبحانه: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) فهو بمعنى جَعْلِهِم
في أمانٍ من التكذيب، فاللامُ فيه مزيدةٌ للتقوية؛ لأنه بذلك المعنى متعدٍّ بنفسه، كذا
قيل. وفيه أنَّ الزيادةَ لتقوية الفعل المتقدِّم على معموله قليلة.
وقال الزمخشريُّ(٣): إنَّه قُصِدَ من الإيمان في الأول التصديقُ بالله تعالى الذي
هو نقيضُ الكفر، فعدِّي بالباء الذي يتعدَّى بها الكفرُ حملاً للنقيض على النقيض،
(١) في الحاشية ٣٣٩/٤.
(٢) في الحاشية: ولا يثقون.
(٣) في الكشاف ١٩٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣٩/٤.

سُوَرَّةُ التَّوَنَّة
٣٩٦
الآية : ٦١
وقُصِدَ من الإيمان في الثاني السماعُ من المؤمنين، وأن يسلِّم لهم ما يقولونه،
ويصدِّقَهم لكونهم صادقين عندَه، فعدِّي باللام، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَآ
أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. حيث عدِّي الإيمانُ فيه باللام؛ لأنَّه
بمعنى التسليم لهم.
وظاهرُ هذا أن اللامَ ليست مزيدةً للتقوية كما في الأول، وكلامُ بعضهم يُشعر
ظاهره بزیادتها .
وقولُه سبحانه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عطفٌ على ((أذن خير))، أي: وهو رحمةٌ، وفيه
الإخبارُ بالمصدر، والكلامُ في ذلك معلوم.
﴿لِلِّينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ أي: للَّذين أَظْهَروا الإيمانَ حيث يقبلُه منهم، لكنْ
لا تصديقاً لهم في ذلك، بل رِفْقاً بهم وترخُّماً عليهم، ولا يكشفُ أسرارَهم
ولا يهتك أستارَهم.
وظاهرُ كلام الخازن(١) أنَّ المراد من ((الذين آمنوا)) المخلصون، وذكر ((منكم))
باعتبارٍ أنَّ المنافقين كانوا يزعمون أنَّهم مؤمنون.
والحقُّ حَمْلُ ذلك على المنافقين، وإسنادُ الإيمان إليهم بصيغة الفعل بعد نسبته
إلى المؤمنين المخلصين بصيغة الفاعل المنبئة عن الرسوخ والاستمرار؛ للإيذان بأنَّ
إيمانَهم أمرٌ حادثٌ مالهُ من قرار، ولعلَّ العدولَ عن: رحمة لكم، إلى ما ذكر
للإشارة إلى ذلك.
وقرأ ابنُ أبي عبلةَ: ((رحمةً)) بالنصب(٢) على أنَّه مفعولٌ له لفعلٍ مقدَّرٍ دلَّ عليه
(أذن خير))، أي: يأَذَنُ لكم ويسمعُ رحمةً، وجوِّز عطفُه على آخَرَ مقدَّرٍ، أي:
تصديقاً لهم ورحمةً لكم.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ أي: بأيِّ نوعٍ من الإيذاء كان، وفي صيغة الاستقبال
المُشْعِرةِ بترتُّب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه إشعارٌ بقبول توبتهم.
﴿لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ أي: بسبب ذلك، كما يُنْبِئُ عنه بناءُ الحكم على الموصول.
(١) في تفسيره ١١٥/٣.
(٢) الكشاف ١٩٩/٢، والبحر ٦٢/٥ و ٦٣.

الآية : ٦٢
٣٩٧
سُورَةُ التَّوَنَّة
وجملةُ الموصول وخبرُه مسوقٌ من قِبَله عزَّ وجلَّ على نهج الوعيد غيرُ داخل
تحتَ الخطاب. وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم ثمَّ جَعْلِ الجملة خبراً
ما لا يخفى من المبالغة.
وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ مع الإضافة إلى الاسم الجليل
لغاية التعظيم، والتنبيهِ على أنَّ أذيَّتَه عليه الصلاة والسلام راجعةٌ إلى جنابه عزَّ
وجلَّ، موجبةٌ لكمال السخط والغضب منه سبحانه، وذكر بعضُهم أنَّ الإيذاء
لا يختصُّ بحال حياتِهِ وَ ﴿، بل يكونُ بعد وفاته وَّهِ أيضاً، وعدُّوا من ذلك التكلُّم
في أبويه وَ﴿ بما لا يليقُ، وكذا إيذاءُ أهل بيته ﴿ه، كإيذاءٍ يزيد - عليه
ما یستحقُّ ۔ لهم، وليس بالبعيد.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخطابُ للمؤمنين، وكان المنافقون يتكلَّمون
بما لا يليق، ثمَّ يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكِّدون معاذيرَهم بالأَيمان ليَعْذرُوهم
ويرضَوا عنهم.
أخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن قتادةَ قال: ذكر لنا أنَّ رجلاً من المنافقين
قال: والله إنَّ هؤلاء لخيارُنا وأشرافُنا، ولئن كان ما يقولُ محمدٌ (وََّ) حقًّا لهم
شرٌّ من الحُمُر. فسمعها رجلٌ من المسلمين فقال: والله إنَّ ما يقول محمدٌ وَلهو
لحقٌّ، ولأَنت شرٌّ من الحمار. فسعى بها الرجلُ إلى نبيِّ الله ◌َل ◌ِّ فأخبرَه، فأرسل
إلى الرجل فدعاه فقال: ((ما حملك على الذي قلتَ؟)) فجعل يلتعنُ ويحلفُ بالله
تعالى ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهمَّ صلِّق الصادق وكذِّب
الكاذبَ. فأنزل سبحانه في ذلك: (يَحْلِفُونَ) إلخ(١)، أي: يحلفون لكم أنَّهم
ما قالوا ما نُقْل عنهم ممَّا يورثُ أذاةَ النبيِّ ◌َّهِ ليرضوكم بذلك.
وعن مقاتل والكلبي: أنَّها نزلت في رهطٍ من المنافقين تخلَّفوا عن غزوة تبوك،
فلمَّا رجع رسولُ اللهِ وَّر منها، أتَوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلَّفهم ويعتلُّون
ويحلفون.
وأنكر بعضُهم هذا مقتصراً على الأول، ولعلَّه رأى ذلك أوفقَ بالمقام.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٢٨/٦، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٥٣/٣.
وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٥٤٠.

سُورَةُ التَّوَّة
٣٩٨
الآية : ٦٢
وإنَّما أفرد إرضاءهم بالتعليل مع أنَّ عمدةَ أغراضهم إرضاءُ الرسول وَلَّهِ؛
للإيذان بأنَّ ذلك بمعزلٍ عن أن يكون وسيلةً لإرضائه عليه الصلاة والسلام، وأنَّه ◌ِّ
إنَّما لم يكذِّبهم رفقاً بهم وستراً لعيوبهم، لا عن رضَى بما فعلوا، أو قبولٍ(١) قلبيٍّ
لما قالوا.
﴿وَلَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوءُ﴾ أي: أحقُّ بالإرضاء من غيره، ولا يكونُ ذلك
إلا بالطاعة والموافقةِ لأمره، وإيفاءٍ حقوقه عليه الصلاة والسلام في باب الإجلال
والإعظام حضوراً وغيبة، وأما الأيمان فإنَّما يرضى بها مَن انحصر طريقُ عِلْمِه في
الأخبار إلى أن يجيءَ الحقُّ ويزهقَ الباطل.
والجملة في موضع الحال من ضمير ((يحلفون))، والمرادُ ذمُّهم بالاشتغال
فيما لا يَعْنيهم، والإعراضِ عمَّا يهمُّهم ويُجْديهم.
وتوحيدُ الضمير في ((يرضوه)) مع أنَّ الظاهر بعد العطف بالواو التثنيةُ؛ لأنَّ
إرضاء الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينفكُّ عن إرضاء الله تعالى، و﴿مَّن يُطِيع
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فلِتَلازُمِهما جُعلا كشيءٍ واحد، فعاد
إليهما الضمير المفرد.
أو لأنَّ الضميرَ مستعارٌ لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد والمتعدِّدِ بتأويل
المذكور، وإنما لم يئنّ تأوُّباً؛ لئلا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير تثنية، وقد
نُهي عنه على كلامٍ فيه (٢).
أو لأنَّه عائدٌ إلى رسولِه، والكلام جملتان حُذف خبرُ الأولى لدلالةِ خبر الثانية
عليه كما في قوله:
نحنُ بما عندنا وأنتَ بما عندكَ راضٍ والرأيُ مختلف(٣)
(١) في (م): وقبول.
(٢) ينظر تفسير القرطبي ٢١٤/١٧، وحديث النهي أخرجه أحمد (١٨٢٤٧)، ومسلم (٨٧٠)،
وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٦٥) من سورة النمل، والآية (٥٦) من سورة الأحزاب.
(٣) نسب لقيس بن الخطيم ولعمرو بن امرئ القيس ولدرهم بن زيد الأنصاري، وقد سلف
٣٣٧/٧.

الآية : ٦٣
٣٩٩
سُوَّةُ التَّيَّةِ
أو إلى الله تعالى على أنَّ المذكورَ خبرُ الجملة الأولى، وخبرُ الجملة الثانية
محذوف.
واختار الأول في مثل ذلك التركيب سيبويه (١)؛ لقُرْبٍ ما جُعل المذكور خبراً
له، مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر. واختار الثاني المبرِّد للسبق(٢).
وقيل: إن الضميرَ للرسول عليه الصلاة والسلام، والخبرُ له لا غير، ولا حذفَ
في الكلام؛ لأنَّ الكلام في إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام وإرضائِه، فيكونُ
ذكر الله تعالى تعظيماً له عليه الصلاة والسلام وتمهيداً، فلذا لم يخبر عنه وخصّ
الخبر بالرسول وَله، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَهُمْ﴾
[النور: ٤٨].
ولا يخفى أنَّ اعتبار الإخبار عن المعطوف وعدمَ اعتبارِ خبرٍ للمبتدأ المعطوفِ
عليه أصلاً مع أنه المستقلُّ في الابتداء، في غاية الغرابة، والفرقُ بين الآيتين مثلُ
الشمس ظاهر.
جوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبله، أي:
﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِينَ
إن كانوا مؤمنين إيماناً صادقاً في الظاهر والباطن، فلْيُرْضُوا الله تعالى ورسولَه عليه
الصلاة والسلام بما ذكر فإنهما أحقُّ بالإرضاء.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوَا﴾ أي: أولئك المنافقون، والاستفهامُ للتوبيخ على ما أقدموا عليه
من العظيمة مع عِلْمهم بما سمعوا من الرسول وَلقه بوخامة عاقبتها .
وقرئ: ((تَعْلَموا)) بالتاءِ(٣) على الالتفات؛ لزيادةِ التقريع والتوبيخ إذا كان
الخطابُ للمنافقين لا للمؤمنين كما قيل به.
وفي قراءة: ((ألم تعلم))(٤) والخطابُ إمَّا للنبيِّ وَِّ، أو لكلِّ واقفٍ عليه.
(١) الكتاب ٧٣/١.
(٢) والتقدير عند المبرد: والله أحق أن يرضوه ورسولُه، على التقديم والتأخير. إعراب القرآن
للنحاس ٢٢٤/٢.
(٣) الكشاف ١٩٩/٢، والمحرر الوجيز ٥٤/٣، والبحر ٦٤/٥.
(٤) المحرر الوجيز ٥٤/٣.

سُورَةُ التَّوَتَّةِ
٤٠٠
الآية : ٦٣
والعلم يحتمِلُ أن يكونَ المتعدِّي لمفعولين، وأن يكون المتعدِّي لواحد.
﴿أَنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالف أمرَ الله وأمرَ رسوله
عليه الصلاة والسلام. وأصلُ المُحادَّةِ مُفاعَلَةٌ من الحدِّ بمعنى الجهة والجانب،
كالمشاقَّة من الشقِّ، والمُعاداة من العُدْوة بمعناه أيضاً، فإنَّ كلَّ واحدٍ من مُباشري
كلٍّ من الأفعال المذكورة في حدٍّ وشقِّ وعدوةٍ غيرِ ما عليه صاحبُه، ويحتمل أن
تكون من الحدِّ بمعنى المنع.
و(مَن)) شرطيةٌ، جوابُها قولُه سبحانه: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَثَّمَ﴾ على أنَّ خبره
محذوفٌ، أي: فحقٌّ أنَّ له نارَ جهنم، وقدِّر ذلك لأنَّ جواب الشَّرط لا يكون
إلا جملةً، و((أنَّ) المفتوحةُ مع ما في حيِّزها مفردٌ تأويلاً، وقدِّر مقدَّماً لأنها لا تقع
في ابتداء الكلام كالمكسورة.
وجوّز أن يكون المصدر خبراً، أي: الأمرُ أنَّ له .. إلخ.
وقيل: المرادُ: فله نارُ جهنم، و((أنَّ) تكريرُ ((أنَّ) في قوله سبحانه: ((أنه))
توكيداً، قيل: وفيه بحثٌ(١)؛ لأنَّه لو كان المرادُ ((فله)) و((أنَّ)) توكيداً، لكان ((نارَ
جهنم)) مرفوعاً ولم يعمل ((أنَّ) فيه، ولَمَا فَصَلَ بين المؤكِّد والمؤَّد بجملة الشرط،
ولَمَا وقع أجنبيٌّ بين فاءِ الجزاء وما في حیِّزه.
وأجيب بأنه ليس من باب التَّوكيد اللفظيِّ بل التكرير لبُعْد العهد، وهو من باب
التَّطريةِ، ومثلُ ذلك لا يمنعُ العملَ ودخولَ الفاء. ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّكَ
لِلَّذِينَ عَمِلُواْ الشُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
[النحل: ١١٩] وقوله :
إذا قلتُ أمَّا بعدُ أني خطيبُها (٢)
لقد علم الحيُّ اليمانون أنني
وكم وكم، وجَعْلُ الآيةِ من هذا الباب نَقَله سيبويه في ((الكتاب))(٣) عن الخليل،
(١) جاء في هامش الأصل و(م): هو لصاحب التقريب. وينظر حاشية الشهاب ٤/ ٣٤٠.
(٢) البيت لسحبان بن زُفَر الوائلي، وائل باهلة، وهو في مجمع الأمثال ٢٤٦/١، والمستقصى
٢٨/١، والخزانة ٣٦٩/١٠.
(٣) ١٣٣/٣.