Indexed OCR Text

Pages 341-360

الآية : ٤٠
٣٤١
سُورَةُ التَّوَنَّة
من المسلمين، وتجهّز أبو بكر مهاجراً، فقال له رسول الله وَّهِ: ((على رِسْلِكَ فإنِّي
أرجو أن يُؤْذَنَ لي)) فقال أبو بكر: وتَرْجُو ذلك بأبي أنت؟ قال: ((نعم)). فحبس
أبو بكر نفسَه على رسول الله وَّه لصحبته، وعلَفَ راحلتين كانتا عنده ورَقَ السَّمُر(١)
أربعةً أشهر.
فبينما نحن جلوسٌ في بيتنا في نحر (٢) الظهيرةٍ، قال قائل لأبي بكر: هذا
رسول الله وَ ﴿ مقبلاً [متقنِّعاً]، في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فِدَاه
أبي وأمِّي، إنْ جاء به في هذه الساعة إلَّا أمرٌ. فجاء رسولُ الله ◌ِوَّهِ فاستأذن [فَأَذِنَ
له فدخل، فقال رسول الله وَله حين دخل لأبي بكر: ((أَخْرِجْ آمَن عندك)) فقال
أبو بكر: إنّما هم أهلُكَ بأبي أنت يا رسول الله. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فإنَّه قد أُذن
لي بالخروج)) فقال أبو بكر: فالصحابةَ(٣) بأبي أنتَ يا رسول الله. فقال
رسولُ اللهِ وَله: (نعم)). فقال أبو بكر: فخُذْ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيَّ
هاتين. فقال رسولُ الله عليه الصلاة والسلام: ((بالثَّمن)) قالت عائشة:
فجهَّزناهما أَحَثَّ الجهاز، فصنعنا لهما سُفْرةً (٤) في جِراب، فقَطَعتْ أسماءُ بنتُ
أبي بكر من نطاقها، فَأَوْكَتْ به الجرابَ، فلذلك كانت تسمَّى: ذاتَ النِّطاق.
ولحق رسولُ اللهِ وَلجه وأبو بكر بغارٍ في جبل يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاثَ ليال
يبيتُ عندَهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ(٥)، فيخرجُ من
عندهما سحراً فيصبحُ مع قريش بمكة كبائتٍ، فلا يسمعُ أمراً يُكادان به إلا وَعَاه،
حتى يأتيهما بخبرِ ذلك حين يختلطُ الظلام.
ويَرْعَى عليهما عامر بنُ فُهَيْرةَ مولَّى لأبي بكر منيحةً من غنم، فيُريحُها
(١) السَّمُر: ضرب من شجر الطَّلح. النهاية (سمر).
(٢) أي: أول الزوال، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار. الفتح ٢٣٥/٧.
(٣) بالنصب، أي: أريد المصاحبة. الفتح ٢٣٥/٧.
(٤) أي: زاداً؛ لأن أصل السفرة في اللغة الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء
الزاد. الفتح ٢٣٦/٧.
(٥) الثقف بكسر القاف، ويجوز إسكانها وفتحها: الحاذق، واللقن: السريع الفهم. الفتح
٢٣٧/٧.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٣٤٢
الآية : ٤١
عليهما حين يذهبُ بغَلَسٍ ساعة من الليل، فيبيتان في رِسْلِها(١) حتى ينعق بها عامرٌ
بغَلَسٍ، يفعل ذلك كلَّ ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسولُ الله ◌َّهَ رجلاً من الدِّيْل من بني عبد بن عديٍّ هادياً خِرِّيتاً (٢) قد
غَمَس يمينَ حِلفٍ(٣) في آل العاص بن وائل، وهو على دينٍ كفَّار قريش، فأمِنَاه
فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثورٍ بعد ثلاث، فأتاهما براحلتيهما صبيحةَ ثلاثٍ
ليالٍ، فأخذ بهم طريقَ أذاخر وهو طريقُ الساحل، الحديثَ بطوله(٤).
وفيه من الدِّلالة على فضلِ الصِّدِّيقِ رَبُهُ ما فيه، وهو نصٌّ في أنَّ تجهُّزَهما كان
في بيت أبي بكر، وأنَّ الراحلتين كانتا له، وذِكْرُ أنَّ رسول الله وَّو لم يقبلْ
إحداهما إلا بالثمن يردُّ على الرافضيِّ زَعْمَ تهمةِ الصِّدِّيقة - وحاشاها - في الحديث.
هذا ومَن أحاط خبراً بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام، علم أنَّ قولَه:
وإنْ كان شيئاً وراء ذلك فبيِّنوه لنا حتى نتكلّم عليه. ناشئٌ عن مَحْضٍ الجهل أو
العناد، ومُن يُضْلِلِ اللهُ فما له مِن هاد.
وبالجملة إنَّ الشيعة قد اجتمعتْ كلمتُهم على الكفر بدلالةِ الآية على فَضْل
الصِّدِّيق ◌َبه، ويأبى الله تعالى إلَّا أن تكون كلمةُ الذين كفروا السفلى وكلمتُه(٥)
هي العليا .
﴿أَنفِرُوا﴾ تجريدٌ للأمر بالتُّور بعد التوبيخ على تركِه، والإنكارِ على المساهلةِ
فيه .
(١) الرِّسل: اللبن الطري. الفتح ٢٣٧/٧.
(٢) الخِرَّيت: الدليل الحاذق بالدلالة، كأنه ينظر في خرت الإبرة. اللسان (خرت).
(٣) أي: أخذ بنصيبٍ مِن عَقْدِهم وحِلْفِهم يأمَنُ به، كانت عادتهم أن يُحضروا في جفنة طيباً أو
دماً أو رماداً، فيدخلون فيه أيديهم عند التحالف ليتم عقدُهم عليه باشتراكهم في شيءٍ
واحد. النهاية (غمس).
(٤) مصنف عبد الرزاق (٩٧٤٣)، ومسند أحمد (٢٥٦٢٦)، وصحيح البخاري (٢٢٩٧)،
وتفسير ابن أبي حاتم ١٧٩٩/٦، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر
المنثور ٢٤٣/٣، وما بين حاصرتين من المصادر.
(٥) في الأصل: وكلمة الله.

الآية : ٤١
٣٤٣
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
وقولُه سبحانه: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ حالان من ضمير المخاطَبين، أي: على كلِّ
حالٍ من يُسْرِ أو عُسْرٍ حاصِلَينٍ بأيِّ سبب كان، من الصِّخَّة والمرض، أو الغِنَى
والفقر، أو قلَّةِ العيال وكثرتِهم، أو الكبرِ والحداثة، أو السِّمن والهزال، أو غيرِ
ذلك ممَّا ينتظم في مساعدة الأسباب وعدمِها بعد الإمكان والقدرة في الجملة.
أخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي يزيد المديني قال: كان أبو أيوب
الأنصاريُّ والمقدادُ بن الأسود يقولان: أُمرنا أنْ ننفرَ على كلٍّ حال، ويتأوَّلان
الآية(١).
وأخرجا عن مجاهد قال: قالوا إنَّ فينا الثقيلَ، وذا الحاجة والصنعةِ والشغلِ،
والمنتشرَ به أمرُه، فأنزل الله تعالى: (أَنِفِرُوا خِفَانًا وَثِقَالًا) وأبى أن يعذرَهم دونَ أن
ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم(٢). فما روي في تفسيرهما من قولهم:
خفافاً من السِّلاح، وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شبَّاناً وشيوخاً، أو أصحاءً
ومَرَاضَى، إلى غيرِ ذلك، ليس تخصيصاً للأمرين المتقابلَين بالإرادة من غير مقارنةٍ
للباقي.
وعن ابنٍ أمُّ مكتوم أنه قال لرسول الله وَّهِ: أعليَّ أن أنفرَ؟ قال: ((نعم)) حتَّى
نزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧](٣).
وأخرج ابنُ أبي حاتم(٤) وغيرُه عن السُّدِّيِّ قال: لمَّا نزلتْ هذه الآيةُ اشتدَّ على
الناس شأنُها، فنسخها الله تعالى فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الآية
[التوبة: ٩١].
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٠٢/٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٢٤٦/٣.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢، وفيه: الضيعة بدل الصنعة، ومثله في تفسير ابن كثير عند
هذه الآية، قال الأزهري في تهذيب اللغة ٧٢/٣: والعرب لا تعرف الضيعة إلا الحرفة
والصناعة، وسمعتهم يقولون: ضيعة فلان الخرازة، وضيعة آخر الفتل. وعزاه لأبي الشيخ
السيوطي في الدر المنثور ٢٤٦/٣.
(٣) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٤٤٩/٢، والزمخشري في الكشاف ١٩١/٢، وابن عطية في
المحرر الوجيز ٣٧/٣، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ١٨٦١/٦ من حديث زيد بن ثابت ـ
وينظر ما سلف عند تفسير الآية (٩٥) من سورة النساء.
(٤) في تفسيره ٦/ ١٨٠٣ - ١٨٠٤.

سُورَةُ التَّوَتَّةِ
٣٤٤
التفسير الإشاري (٢٥ - ٤١)
وقيل: إنَّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَفَّةٌ﴾
[التوبة: ١٢٢] وهو خلافُ الظاهر.
ويُفهم من بعض الروايات أنْ لا نسخَ، فقد أخرج ابنُ جرير والطبرانيُّ والحاكمُ
وصحَّحه عن أبي راشد قال: رأيتُ المقداد فارسَ رسول الله ◌َّه بحمصَ يريد
الغزو، فقلت: لقد أعذرَ الله تعالى إليك! قال: أَبَتْ علينا سورةُ البَحوث(١). يعني
هذه الآية منها .
﴿وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: بما أَمْكَنَ لكم منهما كليهما أو
أحدِهما، والجهادُ بالمال إنفاقُه على السِّلاح وتزويدُ الغزاة ونحو ذلك.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذُكر من النَّفير والجهاد، وما فيه من معنى البُعد لِمَا مَرَّ غيرَ
مرَّة ﴿غَيْرٌ﴾ عظيمٌ في نفسه ﴿لَّكُمْ﴾ في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما.
ويجوز أن يكون المرادُ: خير لكم ممَّا يُبتغَى بتركه: من الراحة والدَّعة وسعةٍ
العيش، والتَّمتع بالأموال والأولاد.
﴿إِن كُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: إن كنتم تعلمون الخيرَ علمتُم أنَّه خير، أو: إن
كنتم تعلمون أنَّه خيرٌ؛ إذ لا احتمال لغيرِ الصِّدْق في أخباره تعالى، فبادروا إليه،
فجوابُ ((إنْ)) مقدَّر.
و((علم)) إمَّا متعدِّيةٌ لواحدٍ بمعنى ((عرف)) تقليلاً للتقدير، أو متعدِّية لاثنين على
بابها .
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: أنَّ قولَه سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِى
مَوَاِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ إلخ إشارةٌ إلى أنَّه لا ينبغي للعبد أن
(١) تفسير الطبري ٤٧٣/١١ - ٤٧٤، والمعجم الكبير ٢٠/ (٥٥٦)، والمستدرك ٣٤٩/٣. ووقع
عند الطبراني: البعوث، ومثله في طبقات ابن سعد ١٦٣/١، وتفسير الطبري ٤٧٣/١١.
قال الشيخ محمود شاكر في حاشية تفسير الطبري ٢٦٧/١٤ (طبعة دار المعارف): لم أجد
مَن سمَّى سورة التوبة سورة البعوث، بل أجمعوا على تسميتها سورة البحوث.

التفسير الإشاري (٢٥ - ٤١)
٣٤٥
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
يحتجبَ بشيءٍ عن مشاهدةِ الله تعالى والتوكُّلِ عليه، ومَن احتَجَبَ بشيءٍ وُكِلَ إليه،
ومِن هنا قالوا: استِجْلابُ النَّصر في الذلَّة والافتقار والعجزِ.
ولمَّا رأى سبحانه نَدَمَ القوم على عُجبهم بكثرتِهم، ردَّهم إلى ساحة جُودِ،
وألبسَهم أنوارَ قُرْبِه، وأمدَّهم بجنوده، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ
سَكِينَتَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وكانت سكينتُه عليه الصلاة
والسلام - كما قال بعضُ العارفين - من مشاهدةِ الذَّات، وسكينةُ المؤمنين من معاينة
الصفات.
ولهم في تعريف السَّكينة عباراتٌ كثيرة متقاربةُ المعنى:
فقيل: هي استحكامُ القلب عند جريان حكم الرَّبِّ بنعتِ الطمأنينة بخمود آثار
البشريَّة بالكليّة، والرضا بالبادي من الغيب من غير معارضةٍ واختيار(١).
وقيل: هي القرارُ على بساطِ الشهود بشواهد(٢) الصَّحو، والتأدُّبُ بإقامة
صفاء(٣) العبوديَّة من غير لحوقِ مشقَّةٍ، ولا تحرُّكِ عِرْقٍ بمعارضةِ حُكْمٍ.
وقيل: هي المقامُ مع الله تعالى بفناءِ الحظوظ.
والجنودُ روادفُ آثارِ قوَّةٍ تَجلِّي الحقِّ سبحانه. ويقال: هي وفودُ(٤) اليقين
وزوائدُ الاستبصار.
والإشارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلخ إلى أنَّ مَن تَدَنَّسَ بالميل
إلى السِّوى، وأَشْرَك بعبادةِ الهوى، لا يصلحُ للحضرة، وهل يصلحُ لبساط القدس
إلا المقدَّس؟.
وذكر أبو صالح حمدون: أنَّ المشركَ في عمله مَن يُحسِّنُ ظاهرَه لملاقاة الناس
ومخالطتِهم، ويُظهِرُ للخَلْقِ أحسنَ ما عنده، وينظرُ إلى نفسه بعين الرِّضا عنها،
(١) ذكره القشيري في لطائف الإشارات ١٩/٢ بلفظ: هي ثَلَج القلب ... وخمود آثار
البشرية ... من غيرِ معارضه اختيار.
(٢) في (م): وبشواهد.
(٣) في لطائف الإشارات: صفات.
(٤) في اللطائف: وفور.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٣٤٦
التفسير الإشاري (٢٥ - ٤١)
وينجِّسُ باطنَه بنحو الرياء والسُّمعة والعُجب والحقد، ونحو ذلك، فالحَرَمُ الإلهيُّ
حرامٌ على هذا، وهيهات هيهات أن يَلِجَ الملكوتَ أو يلجَ الجملُ فِي سَمِّ الِيَاطِ.
وقال بعضُ العارفين: مَن فَقَدَ طهارة الأسرار بماء التوحيد، وبقي في قاذورات
الظّنون والأوهام، فذلك هو المشركُ، وهو ممنوع من(١) قربان المساجد التي هي
مشاهدُ القُرب.
وفي الآية إشارةٌ إلى منع الاختلاط مع المشركين، وقاسَ الصوفية أهلَ
الدنيا بهم، ومن هنا قال الجنيدُ: الصوفيّة أهلُ غيبٍ لا يدخل فيهم غيرُهم.
وقال بعضهم: مَن بقي في قلبه نظرٌ إلى غير خالِقه لا يجوز أن يدنوَ إلى
مجالسِ الأولياء غير مُسْتَشْفٍ بهم، فإن صحبتَه تشوِّش خواطرَهم، وينجِّسُ بنَفَسِه
أنفاسَهم، وصحبةُ المنكِرِ على أولياءِ الله تعالى تُورِثُ فَتْقاً يَصْعُبُ على الخيَّاط
رَتْقُه، وتؤثّر خَرْقاً يُعْبي الواعظَ رقعُه.
ومن الغريب ما يُحكى أنَّ الجنيد قدِّس سرُّه جلس يوماً مع خاصَّة أصحابه وقد
أغلق بابَ المجلس حذراً من الأغيار، وشَرَعوا يذكرون الله تعالى، فلم يتمَّ لهم
الحضورُ، ولا فُتِحَ لهم بابُ التجلِّي الذي يعهدونه عند الذِّكر، فتعجَّبوا من ذلك،
فقال الجنيد: هل معكم مُنْكِرٌ حُرِمْنا بسببه؟ فقالوا: لا. ثم اجتهدوا في معرفة
المانع فلم يجدوا إلا نعلاً لمنكِر، فقال الجنيد: من هنا أُتينا. فانظر يرحمك الله
تعالى إذا كان هذا حالُ نَعْلِ المنكِر، فما ظنُّك به إذا حضر بلحيته؟
ثَّ إنه سبحانه ذمَّ أهل الكتابين بالاحتجاب عن رؤية الحقِّ سبحانه، حيثُ قال
جلَّ شأنه: ﴿اَتَّخَذُوَاْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ وفيه إشارةٌ إلى ذمّ
التقليد الصِّرف.
وذمّ البخلاء بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية،
ولعَمْري إنهم أحقّاءُ بالذمِّ، وقد قال بعضهم: مَن بَخِلَ بالقليل من ملكه، فقد سدَّ
على نفسه باب نجاته، وفتح علیها طريقَ هلاكه.
(١) في (م): عن.

التفسير الإشاري (٢٥ - ٤١)
٣٤٧
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
ولا يخفى أنَّ جمعَ المال وكنْزَه وعدمَ الإنفاق لا يكون إلا لاستحكام رذيلةٍ
الشُّحِّ، وكلُّ رذيلةٍ كيَّةٌ يعذَّب بها صاحبُها في الآخرة ويُجزى بها في الدنيا،
ولما كانت مادَّةُ رسوخٍ تلك الرذيلة واستحكامِها هي ذلك المال، كان هو الذي
يُحمَى عليه في نار جهنم الطبيعةِ وهاويةِ الهوى، فيُكوى صاحبُه به. وخُصَّت هذه
الأعضاءُ؛ لأنَّ الشُّحَّ مركوزٌ في النفس، والنفسُ تغلب القلبَ من هذه الجهات،
لا من جهةِ العلوِّ التي هي جهةُ استيلاءِ الروح وممدُّ الحقائق والأنوار، ولا من جهة
السفل التي هي جهةُ الطبيعة الجسمانية؛ لعدم تمكُّن الطبيعة من ذلك، فبقيت سائرُ
الجهات، فيؤذَى بذلك من الجهاتِ الأربع ويعذَّب، وهذا كما تراه يُعاب في
الدنيا ويُخْزَى من هذه الجهات، فيواجَهُ بالذمِّ جهراً فيُفضح، أو يُسارُّ في جنبه، أو
يُغتابُ مِن وراءِ ظهره. قاله بعض العارفين.
ولهم في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ تأويلٌ بعيدٌ
يطلبُ من محلٌّه.
وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا نَصُرُؤُهُ﴾ إلخ عتابٌ للمتثاقلين، أو لأهلِ الأرض كافَّة،
وإرشادٌ إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام مُسْتَغْنٍ بنصرةِ الله عن نصرةِ المخلوقين. وفيه
إشارةٌ إلى رتبةِ الصدِّيق ◌َظُله، فقد انفرد برسول الله ◌َّر انفرادَه عليه الصلاة والسلام
بربِّه سبحانه في مقامٍ قاب قوسين.
ومعنى: ﴿إِنَ اللَّهَ مَعَنَا﴾ على ما قال ابنُ عطاء: إنَّه معنا في الأزل، حيثُ
وصل بيننا بوصلةِ الصُّحبة، وأثرُ هذه المعيّة قد ظهر في الدنيا والآخرة، فلم يُفارِقه
حيًّا ولا ميتاً.
وقيل: معنا بظهور عنايته ومشاهدتِهِ وقُرْبِه الذي لا يُكيَّف، ولله تعالى دَرُّ مَن
قال :
يا طالبَ الله في العرشِ الرفيع به لا تطلبٍ العرشَ إنَّ المجدَ للغار(١)
ولا يخفى ما بينَ قول النبيِّ وَّرَ: ((إنَّ الله معنا)) وقولِ موسى عليه السلام: ((إنَّ
معي ربِّ)) من الفرق الظاهر لأربابِ الأذواق، حيثُ قدَّم نبيِّنَا بَّرِ اسمَه تعالى عليه
(١) ذكره القشيري في لطائف الإشارات ٢٧/٢ دون نسبة. وفيه: ((في الغار))، بدل ((للغار)).

سُورَةُ التَّوَّةِ
٣٤٨
الآية : ٤٢
وعَكَسَ موسى عليه السَّلام، وأتى وَّرِ بالاسم الجامع وأتى الكليمُ باسم الرَّبِّ،
وأتى عليه الصلاة والسلام بـ (نا)) في ((معنا)) وأتى موسى عليه السلام بياء المتكلِّم؛
لأَنَّ نبَّنَا وَّرِ على خُلُقٍ لم يكن عليه موسى عليه الصلاة والسَّلام.
والضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَيْهِ﴾ إن كان للصاحب
فالأمرُ ظاهر، وإن كان للنبيِّ عليه الصلاة والسلام فيقال: في ذلك إشارةٌ إلى مقام
الفناءِ في الشيخ إذ ذاك. وقال بعضُ الأكابر: أُنزلت السَّكينةُ عليه عليه الصلاة
والسلام لتسكينٍ قلبٍ الصدِّيق ◌َظُه، وإذهابِ الحزن عنه بطريقِ الانعكاس
والإشراق، ولو أُنزلتْ على الصِّديق بغير واسطة، لذاب لها لِعِظَمها (١)، فكأنَّه قيل:
أنزل سكينةً صاحبهِ علیه .
﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: انفروا إلى طاعة مولاكم خفافاً بالأرواح وثقالاً (٢)
بالقلوب، أو خفافاً بالقلوب، وثقالاً بالأجسام بأنْ يطيعوه بالأعمال القلبيَّة
والقالبيَّة، أو خفافاً بأنوار المودَّةِ وثقالاً بأمانات المعرفة، أو خفافاً بالبَسْطِ وثقالاً
بالقبض.
وقيل: خفافاً بالطّاعة وثقالاً عن المخالفة. وقيل غير ذلك.
﴿وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ بأن تنفقوها للفقراء ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بأنْ تَجُودوا بها لله تعالى،
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في الدَّارِين ﴿إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، والله تعالى الموفِّق
للرَّشاد.
﴿لَوْ كَانَ﴾ أي: ما دُعُوا إليه، كما يدلُّ عليه ما تقدَّم ﴿عَرَضًا قَرِبًا﴾ أي: غُنماً
سهلَ المأخذ قريبَ المآل(٣)، وأصلُ العَرَض: ما عرض لك من منافع الدنيا
ومتاعِها. وفي الحديث: ((الدنيا عَرَضٌ حاضرٌ يأكلُ منه البَرُّ والفاجر)) (٤).
(١) في (م): ولعظمها .
(٢) في (م) ثقالاً .
(٣) في (م): المنال.
(٤) سلف ص١٨٦ من هذا الجزء، وإسناده ضعيف.

الآية : ٤٢
٣٤٩
سُؤَدَّةُ التَّوَيَّةِ
﴿وَسَفَرًّا قَاصِدًا﴾ أي: متوسِّطاً بين القُرب والبُعد، وهو من بابٍ تامِرٍ ولا بِنٍ
﴿لََّتَبَعُوَ﴾ أي: لَوافقوكَ في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة.
وهذا شروعٌ في تعديدِ ما صَدَرَ عنهم من الهناتِ قولاً وفعلاً، وبيانِ قصورٍ
هِمَمِهم(١) وما هم عليه من غيرِ ذلك. وقيل: هو تقريرٌ لكونهم متثاقلين مائلين إلى
الإقامة بأرضهم. وتعليقُ الاتِّباع بكلا الأمرين يدلُّ على عدم تحقُّقه عند توسُّط
السَّفر فقط.
ج
﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: المسافة التي تُقطع بمشقّة. وقرأ عيسى بن
عمر: (بَعِدتْ)) بكسر العين ((والشِّقَّة)) بكسر الشين(٢)، وبَعِدَ يبعَد كعَلِمَ يعلَم لغةٌ،
واختصَّ ببعد الموت غالباً، وجاء: لا تُبْعِدْ، للتفجُّع والتحسُّر في المصائب
كما قال :
أفناهُمُ حَدَثانُ الذَّهرِ والأَبدُ(٣)
لا يُبعِدِ الله إخواناً لنا ذهبوا
وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أي: المتخلِّفون عن الغزو ﴿بِالَِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((سيحلفون))، وجوِّز
أن يكون من جملةٍ كلامهم، ولا بدَّ من تقدير القولِ في الوجهين، أي: سيحلفون
عند رجوعِك من غزوة تبوك بالله قائلين ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾، أو: سيحلفون قائلين:
بالله لو استطعنا إلخ.
وقيل: لا حاجةَ إلى تقدير القولِ؛ لأنَّ الحَلِفَ من جنسِ القول، وهو أحدٌ
المذهبین المشهورين .
والمعنى: لو كان لنا استطاعةٌ من جهة العِدَّةِ، أو من جهة الصِّحة، أو من
جهتيهما معاً، حَسْبَما عنَّ لهم من التعلُّل والكذب ﴿لَجْنَا مَعَكُمْ﴾ لِمَا دعوتُمونا
إليه، وهذا جوابُ القسم، وجواب ((لو)) محذوفٌ على قاعدةِ اجتماع القَسَم والشرط
إذا تقدَّم القسمُ، وهو اختيارُ ابنِ عصفور.
(١) في الأصل و(م): همهم. والمثبت من تفسير أبي السعود ٤/ ٦٧ .
(٢) القراءات الشاذة ص٥٣.
(٣) البيت في زهر الآداب ٤٤٥/١، وشرح ديوان الحماسة ٨٩٢/٥، والمُغرب ٢٢/١ (أبد).
ونسبه المطرزي لخلف بن خليفة. قال المرزوقي: لا يُبْعِد الله: لا يهلك الله، وأشار بقوله:
حدثان الدهر، إلى النوائب والنكبات، وبقوله: الأبد، إلى نفس الدهر.

سُورَةُ التَوَنَّةِ
٣٥٠
الآية : ٤٢
واختار ابنُ مالك أنَّه جواب ((لو))، و((لو)) وجوابُها جوابُ القسم(١).
وقيل: إنه سادٌّ مسدّ جوابَي القسم والشرط جميعاً .
والقسمُ على الاحتمال الأول ظاهرٌ، وأمَّا على الثاني فلِأنَّ ((لو استطعنا)) في
قوَّةٍ: بالله لو استطعنا؛ لأنَّه بيانٌ لـ ((سيحلفون بالله)) وتصديقٌ له كما قيل.
واعتُرض القولُ الأخيرُ بأنَّه لم يذهب إليه أحدٌ من أهل العربية.
وأُجيب بأنَّ مرادَ القائل: أنَّه لمَّا حُذف جوابُ ((لو)) ودلَّ (٢) عليه جوابُ
القسم، جُعل كأنه سادٌّ مسدّ الجوابين.
وقرأ الحسن والأعمش: ((لوُ استطعنا)) بضمِّ الواو(٣) تشبيهاً لها بواو الجمع،
كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوَأْ الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]، و﴿أَشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ﴾ [البقرة: ١٦].
وقُرئ بالفتح أيضاً (٤).
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بإيقاعها في العذاب. قيل: وهو بدلٌ من ((سيحلفون)).
واعتُرض بأنَّ الهلاكَ ليس مُرادِفاً للحَلِف ولا هو نوعٌ منه، ولا يجوزُ أن يُبدَلَ
فعلٌ من فعلٍ إلَّا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه.
وأُجيب بأنَّ الحلفَ الكاذبَ إهلاكٌ للنفس، ولذلك قال ◌َّ: ((اليمينُ الفاجرةُ
تَدَعُ الدِّيارَ بَلَاقِعَ)»(٥) .
(١) ذكر القولين أبو حيان في البحر ٤٦/٥، وينظر التسهيل ص١٥٣.
(٢) في (م): دل، والمثبت من الدر المصون ٥٤/٦، وحاشية الشهاب ٣٢٨/٤، وعنه نقل
المصنف.
(٣) المحتسب ٢٩٢/١ عن الأعمش، والبحر ٤٦/٥ عن الأعمش وزيد بن علي.
(٤) البحر ٤٦/٥ عن الحسن.
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٠٩٢)، والبيهقي ٣٥/١٠ من حديث أبي هريرة ظراته. وجاء
عند الطبراني: الغموس، بدل: الفاجرة، وكذا أخرجه الدولابي في الكنى ٢/ ١٦٥، وابن
حبان في الثقات ٤٠٠/٨ من حديث واثلة بن الأسقع. وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق
مكحول عن النبي ◌َّلتر مرسلاً. ورواه عبد الرزاق (٢٠٢٣١) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير،
قال: لا أعلمه إلا رفعه، فذكره ضمن خبر طويل، وينظر التلخيص الحبير ٢٢٩/٣،
والسلسلة الصحيحة (٩٨٧).

الآية : ٤٣
٣٥١
سُوَّةُ التَّوَيَّةِ
وحاصلهُ أنهما مترادفان ادعاءً فيكون بدلَ كلٍّ من كلٍّ، وقيل: إنَّه بدلُ اشتمال؛
إذ الحلفُ سببٌ للإهلاك والمسبَّب يُبدلُ من السبب لاشتماله علیه.
وجوِّز أن يكون حالاً من فاعلِه، أي: سيحلفون مهلكين أنفسَهم، وأن يكونَ
حالاً من فاعل ((لخرجنا)) جيء به على طريقة الإخبار عنهم، كأنه قيل: نهلك
أنفسَنا، أي: لخرجنا مهلكين أنفسَنا، كما في قولك: حلفَ لَيَفْعَلنَّ، مكانَ:
لأَفْعَلنَّ، ولكن فيه بُعد. وجوَّز أبو البقاء(١) الاستئناف.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ في مضمون الشرطيَّة، وفيما اذَّعَوا ضِمناً من
انتفاء تحقّق المقدَّم، حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا .
واستُدِلَّ بالآية على أنَّ القدرةَ قبل الفعل.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ أي: لأيِّ سببٍ أَذِنْتَ لهؤلاء الحالفين
المتخلِّفين في التخلّف، حين استأذنوا فيه معتذرين بعدم الاستطاعة. وهذا عتابٌ
لطيف من اللطيف الخبير سبحانَه لحبيبه وَّهِ على تَرْكِ الأَوْلَى، وهو التوقُّف عن
الإذن إلى انجلاءِ الأمر وانكشافِ الحال المشارِ إليه بقوله سبحانه:
﴿حَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: فيما أَخبروا به عند الاعتذار، من عدم
الاستطاعة ﴿وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِنَ ﴾﴾ أي: في ذلك، فـ ((حتى)) سواءٌ كانت بمعنى
اللام أو إلى متعلِّقةٌ بما يدلُّ عليه ((لم أذِنْتَ لهم))، كأنه قيل: لم سارعتَ إلى الإذن
لهم ولم تتوقّف حتى ينجليّ الأمرُ، كما هو قضيةُ الحزم(٢) اللائقِ بشأنكَ الرفيع
يا سيِّدَ أولي العزم.
ولا يجوزُ أن تتعلَّق بالمذكور نفسِه مطلقاً؛ لاستلزامه أن يكون إذنُه عليه الصلاة
والسلام لهم معلَّلاً أو مُغَيًّا بالتبيُّن والعلم، ويكونَ توجُّه الاستفهام إليه من تلك
الحيثيّة، وهو بيِّنُ الفساد.
وكلتا اللَّمين متعلقةٌ بالإذن وهما مختلفتان معنىّ؛ فإنَّ الأُولى للتعليل والثانيةَ
للتبليغ، والضميرُ المجرور لجميع مَن أشير إليه.
(١) في الإملاء ١٦١/٣ .
(٢) في الأصل: الجزم.

سُورَةُ التَّوَيَّة
٣٥٢
الآية : ٤٣
وتوجيهُ الإنكار إلى الإذن باعتبار شموله للكلِّ لا باعتبار تعلُّقه بكلِّ فردٍ فردٍ،
لتحقُّق (١) عدم استطاعة البعض على ما يُنْبِئُ عنه ما في حيِّزِ ((حتى)).
والتعبيرُ عن الفريق الأوَّل بالموصول الذي صلتُه فعلٌ دالٌّ على الحدوث، وعن
الفريق الثاني باسم الفاعل المفيدِ للدوام؛ للإيذان بأنَّ ما ظهر من الأوَّلين صدقٌ
حادثٌ في أمر خاصٌّ غيرِ مصحِّحِ لنَظْمِهم في سلك الصادقين، وأنَّ ما صدر من
الآخِرِين وإن كان كذباً حادثاً متعلّقاً بأمرٍ خاصٍّ لكنَّه جارٍ على عادتهم المستمرَّة
ناشئٌ عن رسوخهم في الكذب.
والتعبيرُ عن ظهور الصِّدق بالتبيُّن، وعمّا يتعلَّق بالكذب بالعلم؛ لِمَا اشْتَهَرَ من
أنَّ مدلولَ الخبر هو الصدقُ، والكذبُ احتمالٌ عقليٍّ.
وإسنادُ العلم له وَّرِ دونَ المعلومين - بأن يُبنَى الفعلُ للمفعول - مع إسناد التبيُّن
للأوَّلينَ؛ لِمَا أنَّ المقصودَ ها هنا علمُه عليه الصلاة والسلام بهم ومؤاخذتُهم
بموجبه، بخلاف الأوَّلين حيث لا مؤاخذةَ عليهم.
وإسنادُ التبيّنِ إليهم وتعليقُ العلم بالآخرين، مع أنَّ مدارَ الاستناد والتعلُّقِ أوَّلاً
وبالذَّات هو وصفُ الصِّدق والكذب كما أشير إليه؛ لِمَا أنَّ القصْدَ هو العلمُ
بكِلا الفريقين باعتبارٍ اتصافهما بوصفيهما المذكورين، ومعاملتِهما بحَسَبٍ
استحقاقِهما، لا العلمُ بالوصفين بذاتيهما أو باعتبارِ قيامِهِما بموصوفيهما. قاله شيخ
الإسلام(٢)، ولا يخفى حُسْنُه.
وفي تصدير الخطاب بما صدِّر به تعظيمٌ لقَدْرِ النبيِّ نَّهِ، وتوقيرٌ له، وتوفيرٌ
لحرمته عليه الصلاة والسلام، وكثيراً ما يصدَّر الخطابُ بنحو ما ذكر لتعظيم
المخاطَب، فيقال: عفا الله تعالى عنك، ما صنعتَ في أمري؟ و: رضي الله سبحانه
عنكَ، ما جوابُكَ عن كلامي؟ والغرضُ التعظيم، ومن ذلك قولُ عليٍّ بن الجَهْم
يخاطب المتوكّل وقد أمَر بنفيه:
تجودُ بفضلِكَ يا ابن العلا
عفا الله عنكَ أَلَا حُرمةٌ
(١) في الأصل: لتحقيق.
(٢) في تفسيره ٦٩/٤.

الآية : ٤٣
٣٥٣
سُورَةُ التَّوَّةِ)
ومولّى عفا ورشيداً (١) هَدی
ألم ترَ عبداً عدا طَوْرَه
يَقِيكَ ويَصْرِفُ عنكَ الرَّدَى(٢)
أقِلْني أقالَك مَن لم يَزَلْ
وممَّا يُنظم في هذا السلك ما روي من قوله وَّهِ: ((لقد عَجِبْتُ من يوسفَ عليه
السلام وكرمِه وصبرِه والله تعالى يغفرُ له، حين سُئل عن البقراتِ العجافِ
والسِّمان، ولو كنتُ مكانه ما أخبرتُهم حتى أشترطَ أنْ يُخرجوني))(٣).
وأخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن عون بن عبد الله قال: سمعتُم بمعاتبةٍ أحسنَ من
هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة(٤)؟.
وقال السجاونديُّ: إنَّ فيه تعليمَ تعظيم النبيِّ صلوات الله سبحانه عليه وسلامُه،
ولولا تصديرُ العفو في العتاب لَمَا قام بصولة الخطاب.
وعن سفيانَ بن عينيةً أنه قال: انظروا إلى هذا اللُّطف؛ بدأ بالعفو قبل ذِكر
المعفوِّ.
ولقد أخطأ وأساء الأدب، وبِئْسَما فَعَلَ فيما قال وكتَبَ، صاحبُ ((الكشاف))
كَشَفَ الله تعالى عنه سترَه ولا أَذِنَ له ليَذْكُرَ عُذْرَه، حيث زعم أنَّ الكلامَ كنايةٌ عن
الجناية، وأنَّ معناه: أخطأتَ وبئسما فعلت(٥).
وفي ((الانتصاف)): ليس له أن يفسِّر هذه الآية بهذا التفسير، وهو بين أحد أمرين:
إمَّا أن لا يكون هو المراد، أو يكونَ ولكنْ قد أجَلَّ الله تعالى نبيَّه الكريم عن مخاطبتِه
بذلك، ولطفَ به في الكناية عنه، أفلا يتأدَّبُ بآداب الله خصوصاً في حقِّ
المصطفى ◌َله؟! فعلى التقديرين هو ذاهلٌ عمَّا يجب من حقٌّه عليه الصلاة والسلام(٦).
(١) في الأصل و(م): ورشداً، والمثبت من الديوان على ما يأتي.
(٢) ديوان علي بن الجهم ص ٧٧ - ٧٨ وجاء عجز البيت الأول فيه: تعوذ بعفوك أن أُبعدا.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٦٤٠) من حديث ابن عباس ﴿ًا، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٧/ ٤٠: فيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي وهو متروك. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره
٣٢٣/٢، والطبري ٢٠٢/١٣، وابن أبي حاتم ٢١٥٦/٧ من طريق عكرمة عن النبي صَلّ مرسلاً.
(٤) وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٥.
(٥) الكشاف ٢/ ١٩٢.
(٦) الانتصاف ٢/ ١٩٢.
:

سُورَةُ النَّوَّةِ
٣٥٤
الآية : ٤٣
ويا سبحان الله! مِن أين أَخَذَ - عامَله الله تعالى بعَدْلِهِ - ما عبَّر عنه ببئسما؟
والعفوُ لو سلِّم أنه(١) مستلزمٌ للخطأ، فهو غيرُ مستلزم لكونه من القُبح واستتباعِ
اللائمة بحيث يصحِّح هذه المرتبةَ من المشافهة بالسوءِ، ويسوِّغُ إنشاء الاستقباح
بكلمةٍ بئسما المنبئةِ عن بلوغ القُبح إلى رتبةٍ يتعجَّب منها .
واعتذر عنه صاحبُ ((الكشف)) حيث قال: أراد أنَّ الأصل ذلك، وأُبدلَ بالعفو
تعظيماً لشأنه وَّةِ، وتنبيهاً على لُظْفِ مكانه، ولذلك قدَّم العفوَ على ذكرِ ما يوجب
الجنايةَ، وليس تفسيرُه هذا بناءً على أنَّ العدول إلى ((عفا الله)) لا للتعظيم حتى
يخطًأ. وأما المستعملُ لمجرَّد التعظيم فهو إذا كان دعاءً لا خبراً، على أنَّ الدعاء
قد يُستعمل للتعريض بالاستقصاء، كقوله وَله: ((رَحِمَ الله تعالى أخي لوطاً لقد كان
يأوي إلى ركنٍ شديد))(٢). وتحقيقُه أنَّه لا يخلو عن حقارةٍ بشأن المخاطَب أو
الغائب حسبَ اختلاف الصِّيغة، وأما التعظيمُ أو التعريضُ فقد وقد. انتهى.
ولا يخفى ما فيه، فهو اعتذارٌ غير مقبول عند ذوي العقول، وكم لهذه السقطة
في ((الكشاف)) نظائر، ولذلك امتنع من إقرائه بعضُ الأكابر كالإمام السُّبكي عليه
الرحمة، وليت العلَامةَ البيضاويَّ لم يتابعْه في شيءٍ من ذلك(٣).
هذا واستدلَّ بالآية مَن زعمَ صدورَ الذَّنب منه عليه الصلاة والسلام، وذلك من
وجھین :
الأول: أنَّ العفو يستدعي سابقةَ الذنب.
الثاني: أنَّ الاستفهام الإنكاريَّ بقوله سبحانه: (لِمَ أَذِنتَ) يدلُّ على أنَّ ذلك
الإذنَ كان معصيةً.
والمحقِّقون على أنَّها خارجةٌ مخرجَ العِتاب - كما علمتَ - على تَرْكِ الأَوْلَى
(١) قوله: أنه، ساقط من (م). والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦٩/٤، والكلام منه.
(٢) أخرجه أحمد (٨٣٢٩)، والبخاري (٣٣٨٧)، ومسلم (١٥١) من حديث أبي هريرة
(٣) يشير إلى قول البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٣٢٩/٤: ((عفى الله عنك)) كناية عن
خطئه في الإذن، فإن العفو من روادفه. قال الشهاب: تبع في هذا الزمخشري في قوله:
أخطأت وبئسما فعلت. اهـ.

الآية : ٤٣
٣٥٥
سُوَّةُ التَّوَّة
والأكمل، قالوا: لا يَخْفَى أنه لم يكن(١) في خروجهم مصلحةٌ للدِّين أو منفعةٌ
للمسلمين، بل كان فيه فسادٌ وخَبال حَسْبَما نطقَ به قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوأ) إلخ،
وقد كَرِهَه سبحانه وتعالى كما يُفصِح عنه قولُه جلَّ وعلا: (وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ
أَنْبِعَانَهُمْ) الآية، نعم كان الأولى تأخيرَ الإذن حتى يظهر كذبُهم ويفتضحوا على
رؤوس الأشهاد، ولا يتمكّنوا من التمتّع بالعيش على الأمن والدَّعَة، ولا يتسَنَّى لهم
الابتهاجُ فيما بينهم بأنَّهم غُرُّوهُ وَّهَ وَأَرْضَوه بالأكاذيب، على أنَّهم لم يهنأ لهم
عيشٌ ولا قرَّت لهم عينٌ؛ إذ لم يكونوا على أمنٍ واطمئنان، بل كانوا على خوفٍ
من ظهور أمرهم، وقد كان.
ومِن الناس مَن ضَّف الاستدلالَ بالآية على ماذكر: بأنَّا لو نسلِّم أنَّ ((عفا الله))
يستدعي سابقةَ الذَّنب، والسَّندُ ما أشرنا إليه فيما مرَّ، سلَّمنا لكنْ لانسلِّم أنَّ قوله
سبحانه: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) مقولٌ على سبيل الإنكار عليه عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه
لا يخلو: إمَّا أن يكون صَدَرَ منه ◌َّ﴿ ذنبٌ في هذه الواقعة، أو لم يصدرْ، وعلى
التقديرين يمتنعُ أن يكون ما ذكر إنكاراً:
أمَّا على الأول: فلأِنَّه إذا لم يصدرْ عنه ذنب، فكيف يتأتّى الإنكارُ عليه؟
وأمَّا على الثاني: فلأِنَّ صدْرَ الآية يدلُّ على حصول العفو، وبعدَ حصوله
يستحيلُ توجُّه الإنكار، فافهم.
واستدلَّ بها جمعٌ على أنَّ له وَلّهِ اجتهاداً، وأنَّه قد يناله منه أجرٌ واحد، والوجهُ
فيه ظاهر.
وما فَعَلَهُ وَّرِ في هذه الواقعة أحدُ أمرين فَعَلَهما ولم يُؤْمَرْ بفِعْلِهما، كما أخرج
ابنُ جرير وغيرُه عن عمرو بن ميمون، ثانيهما أَخْذُهُ وَّهِ الفداءَ من الأسارى(٢)،
وقد تقدَّم(٣).
وادَّعى بعضُهم الحصرَ في هذين الأمرين. واعتُرض بأنَّه غيرُ صحيح؛ فإنَّ
(١) بعدها في (م): كما، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦٩/٤.
(٢) تفسير الطبري ٤٧٩/١١ .
(٣) ص١٨٧ وما بعدها من هذا الجزء.

سُورَةُ التَّوَنَّة
٣٥٦
الآية : ٤٤
لهما ثالثاً وهو المذكورُ في سورة التحريم، وغيرَ ذلك كالمذكورِ في سورة عبس.
وأجيب بأنه يمكن تقييد الأمرين بما يتعلَّق بأمر الجهاد، والله تعالى وليُّ
الرشاد.
﴿لَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ تنبيهٌ على أنه ينبغي أن يستدلَّ
عليه الصلاة والسلام باستئذانهم على حالهم ولا يأذنَ لهم، أي: ليس من شأنٍ
المؤمنين وعادتِهم أنْ يستأذنوك في ﴿أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ فإنَّ الخُلَّص
منهم يبادرون إليه من غير توقُّفٍ على الإذن، فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلّف
عنه، أخرج مسلم عن أبي هريرة رَظُه: أنَّ رسول اللهِ وَِّ قال: ((مِنْ خيرِ معاشٍ
الناس رجلٌ مُمسِكٌ بعنانِ فرسِه في سبيل الله، يطيرُ على متنه، كلَّما سمع هيعةً أو
فَزْعَة طار على متنه يبتغي القتلَ أو الموتَ مظانّه))(١).
ونفيُّ العادة مستفادٌ من نفي الفعل المستقبل الدَّالِّ على الاستمرار، نحو: فلان
يَقْرِي الضيفَ ويَحْمي الحريمَ، فالكلامُ محمولٌ على نفي الاستمرار، ولو حُمل
على استمرار النفي كـ ((لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون))، فيكون المعنى: عادتُهم
عدمُ الاستئذان، لم يَبْعُدْ، ومثل هذا قولُ الحماسيِّ:
لا يسألون أخاهُم حين يندُبُهم في النائباتِ على ما قال بُرهانا(٢)
قيل: وهذا الأدبُ يجب أن يُقْتَفَى مطلقاً، فلا يليقُ بالمرء أن يستأذن أخاه في
أن يُسْدِيَ إليه معروفاً، ولا بالمُضيف أن يستأذنَ ضيفَه في أن يقدِّم إليه طعاماً؛ فإنَّ
الاستئذان في مثل هذه المواطن أَمَارةُ التكلُّفِ والتكرُّه.
ولقد بلغ من كرم الخليل صلوات الله تعالى وسلامُه عليه وأدبِه مع ضيوفه أنَّه
لا يتعاطى شيئاً من أسباب التهيُّؤْ للضيافة بمرأى منهم، فلذلك مَدَحَه اللهُ تعالى على
(١) صحيح مسلم (١٨٨٩)، وهو بنحوه عند أحمد (٩٧٢٣) ووقع في الأصل و(م): فزعاً،
بدل: فزعة. الهيعة: الصوت الذي تفزغ منه وتخافه من عدو، وقد هاع يهيع هيوعاً: إذا
جبن. النهاية: (هيع). وقوله: يبتغي القتل أو الموت مظانه، أي: يطلبه في مواطنه التي
يرجى فيها لشدة رغبته في الشهادة. شرح صحيح مسلم للنووي ٣٥/١٣.
(٢) البيت لقُرَيْط بن أنيف كما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٥/١، والخزانة ٧ /٤٤٤ .

الآية : ٤٥
٣٥٧
سُورَةُ التَوَقَّةِ
لسان رسوله عليه الصلاة والسلام بهذه الخلَّة الجميلة والآدابِ الجليلة، فقال
سبحانه: ﴿فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَ بِعِبْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أي: ذهب على خفاءٍ منهم
کیلا يشعروا به.
وجوِّز أن يكون متعلِّقُ الاستئذان محذوفاً، و((أن يجاهدوا)) بتقديرٍ: كراهةَ أنْ
يجاهدوا، والمحذوفُ قيل: التخلُّف(١)، والمعنى: لا يستأذنكَ المؤمنون في
التخلُّف كراهةَ الجهاد، والنفيُ متوجِّهٌ للاستئذان والكراهةِ معاً، وقال بعضٌ: إنَّه
متوجّهُ إلى القيد، وبه يمتازُ المؤمن من المنافق، وهو وإن كان في نفسه أمراً خفيًّا
لا يوقف عليه بادئ الأمر، لكن عامةٌ(٢) أحوالِهم لمَّا كانتْ منبئةً عن ذلك، جُعل
أمراً ظاهراً مقرَّراً.
وقيل: الجهاد، أي: لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهةً أن يجاهدوا.
وتُعقّب بأنَّه مبنيٌّ على أنَّ الاستئذانَ في الجهاد ربما يكون لكراهته(٣)،
ولا يخفى أنَّ الاستئذانَ في الشيءِ لكراهته ممَّا لا يقع، بل لا يُعقل، ولو سلِّم
وقوعُه فالاستئذانُ لعلَّة الكراهة مما لا يمتازُ بحسب الظاهر من الاستئذان لعلَّة
الرغبة، ولو سلِّم فالذي نُفي عن المؤمنين يجب أن يُثْبَتَ للمنافقين، وظاهرٌ أنهم لم
يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له، بل إنَّما استأذنوا في التخلّف. فتدبر.
﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ﴾﴾ شهادةٌ لهم بالتقوى؛ لوضعِ المُظْهَرِ فيهِ موضعَ
المضمَر، أو إرادة جنسٍ المتقين ودخولهم فيه دخولاً أوَّليًّا، وعِدَةٌ لهم بالثواب
الجزيل، فإنَّ قولنا: أَحْسَنْتَ إليَّ فأنا أعلمُ بالمحسن، وعدٌّ بأَجْزَلِ الثواب، و: أسأتَ
إليَّ فأنا أعلم بالمسيء، وعيدٌ بأشدِّ العقاب. قيل: وفي ذلك تقريرٌ لمضمون ما سبق،
كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك، وإشعارٌ بأنَّ ما صدر عنهم معلَّلٌ بالتقوى.
﴿إِنَّمَا يَسْتَقْذِنُكَ﴾ أي: في التخلُّف ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾
تخصيصُ الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأنَّ الباعثَ على الجهاد والمانعَ عنه
(١) بعدها في (م): عليه.
(٢) في (م): غاية، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ٧٠، والكلام منه.
(٣) في (م): لكراهة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٣٥٨
الآية : ٤٦
الإيمانُ بهما وعدمُ الإيمان بهما، فَمَن آمن بهما قاتَلَ في سبيلِ دينِهِ وتوحيدِهِ، وهان
عليه القتلُ فيه؛ لما يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم، ومَن لم يؤمن بمعزلٍ
عن ذلك، على أنَّ الإيمان بهما مستلزمٌ للإيمان بسائر ما يجبُ الإيمانُ به.
﴿وَأَزْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عطفٌ على الصِّلة، وإيثارُ صيغة الماضي للدلالة على تحقُّق
الرَّيب وتقرُّرِهِ ﴿فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ﴾ وشكِّهم المستمرِّ في قلوبهم ﴿يَرَذَُّونَ
٤٥
أي: يتحيَّرون، وأصلُ معنى التردُّد: الذهابُ والمجيء، وأريدَ به هنا التحيُّر مجازاً
أو كناية؛ لأنَّ المتحيِّر لا يقرُّ في مكان.
والآية نزلتْ كما روي عن ابن عبَّاس ﴿هما في المنافقين حين استأذنوا في
القعود عن الجهاد بغيرِ عُذّر، وكانوا على ما في بعضٍ الروايات تسعةً وثلاثين
رجلاً .
وأخرج أبو عبيد وابنُ المنذر(١) وغيرُهما عنه: أنَّ قوله تعالى: (لَا
يَسْتَئِذِئُكَ) إلخ نسخته الآيةُ التي في ((النور)): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾
إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٦٢] فَجَعَل الله النبيَّ ◌َليه بأعلى النظرين في
ذلك؛ مَن غزا غزا في فضيلةٍ ومَن قعدَ قعدَ في غير حَرَج إن شاء.
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُواْ لَهُ, عُذَّةً﴾ أي: أُهبةً من(٢) الزاد والرَّاحلة وسائرٍ
ما يحتاج إليه المسافرُ في السفر الذي يريده.
وقرئ: ((عُدَّهُ)) بضمِّ العين وتشديدِ الدَّال والإضافةِ إلى ضميرِ الخروج، قال ابنُ
جنِّي: سُمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها(٣). وخُرِّجت على أنَّ الأصلَ: عُدَّتَهُ،
إلا أنَّ التاءَ سقطتْ كما في إقام الصلاة، وهو سماعيٍّ، وإلى هذا ذهب الفرَّاءُ(٤)،
والضمير على ما صرَّح به غير واحد عوضٌ عن التاء المحذوفة، قيل: ولا تحذفُ
بغير عوضٍ، وقد فعلوا مثلَ ذلك في ((عدَة)» بالتخفيف بمعنى الوعد، كما في قول
زهير :
(١) كما في الدر المنثور ٢٤٧/٣، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٧٧١)، وابنُ أبي حاتم ٢٦٥٤/٨.
(٢) قوله: من، ليس في الأصل.
(٣) المحتسب ٢٩٢/١.
(٤) في معاني القرآن ٢٥٤/٢.

الآية : ٤٦
٣٥٩
سُورَةُ الْتَوَّةِ
وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وَعَدُوا(١)
إنَّ الخليطَ أجدُّوا البَيْنَ فانجردوا
وقرئ: ((عِدَّهُ) بكسر العين بإضافةٍ وغيرها (٢).
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَانَهُمْ﴾ أي: خروجَهم؛ كما روي عن الضحاك. أو
نهوضَهم للخروج؛ كما قال غيرُ واحد ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: حَبَسَهم وعوَّقهم عن ذلك.
والاستدراكُ، قيل: عمَّا يُفهم من مقدم الشرطية، فإنَّ انتفاءَ إرادة الخروج
يستلزمُ انتفاءَ خروجهم، وكراهة الله تعالى انبعاثَهم يستلزمُ تثبُّطَهم عن الخروج،
فكأنه قيل: ما خرجوا لكنْ تثبَّطوا عن الخروج، فهو استدراك نفي الشيء بإثبات
ضدِّه، كما يُستدرك نفيُ الإحسان بإثبات الإساءة في قولك: ما أَحْسَنَ إليَّ لكنْ
أساء، والاتِّفاقُ في المعنى لا يمنع الوقوعَ بين طرفي (لكنْ)) بعد تحقّق الاختلاف
نفياً وإثباتاً في اللفظ.
وبَحَثَ فيه بعضُهم بأنَّ ((لكنْ)) تقع بين ضدَّين أو نقيضين أو مختلفين على قولٍ،
ووقعتْ فيما نحن فيه بين متَّفقين على هذا التقرير، فالظاهرُ أنها للتأكيد كما أثبتوا
مجيئها لذلك، وفيه نظر.
واستظهر بعضُ المحققين(٣) كونَ الاستدراك من نفس المقدَّم على نهج ما في
الأقْبِسَةِ الاستثنائية، والمعنى: لو أرادوا الخروجَ لأعدُّوا له عُدَّةً، ولكنْ ما أرادُوه
لِمَا أَنَّه تعالى كره انبعاثَهم [لِمَا فيه] من المفاسد، فحَبَسهم بالجُبْن والكَسَل، فتشَبَّطوا
عنه ولم يستعدُّوا له.
﴿وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ ﴾﴾ تمثيلٌ لخَلْقِ الله تعالى داعيةَ القعود فيهم،
وإلقائِه سبحانه كراهةَ الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود، أو تمثيلٌ لوسوسة الشيطان
(١) الدر المصون ٥٧/٦، وحاشية الشهاب ٣٣٠/٤، ولم نقف عليه في ديوان زهير، ونسبه
صاحب اللسان (غلب) الفضل بن العباس بن عتبة اللهبي، وهو دون نسبة في معاني القرآن
للفراء ٢٥٤/٢، والخصائص ١٧١/٣، وسلف ٢٨٥/٧. قال الشهاب: الخليط: الأصدقاء
المخالطون، وانجردوا بمعنى: ارتحلوا بأجمعهم وأسرعوا المسير.
(٢) هما في القراءات الشاذة ص٥٣ عن زر بن حبيش.
(٣) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ٧٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُورَةُ التَوَّة
٣٦٠
الآية : ٤٧
بذلك، فليس هناك قولٌ حقيقةً، ونظيرُ ذلك قولُه سبحانه: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ
أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أي: أماتهم.
ويجوز أن يكون حكايةً قولِ بعضِهم لبعضٍ، أو إذْنَ الرسولِ وَّ لهم في
القعود، فالقولُ علی حقيقته.
والمرادُ بالقاعدين: الذين شأنُهم القعودُ والجثومُ في البيوت، كالنساء والصبيان
والزَّمْنى، أو الرجالُ الذين يكون لهم عذرٌ يمنعهم عن الخروج، وفيه على بعضٍ
الاحتمالات من الذمّ ما لا يخفى، فتدبّر.
﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُ﴾ بيانٌ لكراهةِ الله تعالى انبعاثهم، أي: لو خرجوا مخالطين
لكم ﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ شيئاً من الأشياء ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: شرًّا وفساداً. وعن ابن
عباس
: عجزاً وجُبناً. وعن الضخَّاك: غدراً ومكراً.
وأصلُ الخَبال كما قال الخازنُ(١): اضطرابٌ ومرضٌ يؤثِّر في العقل كالجنون.
وفي ((مجمع البيان)): أنه الاضطرابُ في الرَّأي (٢).
والاستثناءُ مفرٌَّ متَّصلٌ، والمستثنى منه ما علمتَ، ولا يستلزم أن يكون لهم
خبالٌ حتى لو خرجوا زادوه؛ لأنَّ الزيادةَ باعتبار أعمّ العامِّ الذي وقع منه الاستثناء.
وقال بعضُهم توقُّماً منه لزومَ ما ذُكر: هو مفرٌَّ منقطع، والتقدير: ما زادوكم
قوَّةً وخيراً لكن شرًّا وخبالاً .
واعتُرض بأنَّ المنقطعَ لا يكون مفرَّغاً. وفيه بحثٌ؛ لأنَّه لا مانعَ منه إذا دلَّت
القرينةُ عليه، كما إذا قيل: ما أنيسُكَ في البادية. فقلتَ: مالي بها إلا اليعافيرُ(٣).
أي: ما لي بها أنيسٌ إلا ذلك، وأنت تعلم أن في وجودِ القرينة ها هنا مقالاً.
وقال أبو حيَّان: إنَّه كان في تلك الغزوة منافقون لهم خبالٌ، فلو خرج هؤلاء
أيضاً واجتمعوا بهم زادَ الخبال(٤)، فلا فسادَ في ذلك الاستلزام لو ترتّب.
(١) في تفسيره ٣/ ١٠٤.
(٢) مجمع البيان ١٠/ ٧٠.
(٣) جمع يعفور، وهو الظبي بلون التراب، أو عامّ. القاموس (عفر).
(٤) البحر ٤٩/٥ .