Indexed OCR Text

Pages 301-320

الآية : ٣٢
٣٠١
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
ويكونُ قوله تعالى: ﴿وَيَأْبِىَ اَللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِزَّ نُرَهُ﴾ ترشيحاً للاستعارة؛ لأنَّ إتمام
النُّور زيادةٌ في استنارته وفشوِّ ضوئِه، فهو تفريعٌ على المشبّه به، وما بعدُ من قوله
سبحانه: (هُوَ الَّذِى) إلخ تجريدٌ وتفريعٌ على الفرع، وروعي في كلٍّ من المشبّه
والمشبّه به معنى الإفراط والتفريط، حيثُ شبِّه الإبطالُ بالإطفاء بالفم، ونُسب النورُ
إلى الله تعالى العظيم الشأن، ومن شأن النُّور المضاف إليه سبحانه أنْ يكون
عظيماً، فكيف يُطفأ بنفخ الفم؟ وتمم كلَّ من الترشيح والتجريد بما تمَّم؛ لِمَا بَيْنَ
الكفر - الذي هو سترٌ وإزالةٌ للظهور - والإطفاءِ من المناسبة، وبين دينِ الحقِّ - الذي
هو التوحيدُ - والشركِ من المقابلة. انتهى. ولا يخلو عن حُسن.
والظاهرُ أنَّ المرادَ بالنور هنا هو الأوَّل، إلَّا أنه أُقيم الظاهرُ مقامَ الضميرِ
وأضيف إلى ضميره سبحانه؛ لمزيد الاعتناء بشأنه، وللإشعار بعِلَّة الحكم.
والاستثناء مفرٌَّ، فالمصدر منصوبٌ على أنه مفعولٌ به، والمصحِّحُ للتفريغ عند
جمعٍ كونُ ((يأبى)) في معنى النفي، والمرادُ به إمَّا: لا يريد؛ لوقوعِه في مقابلةٍ
(يريدون)) كما قيل، أو: لا يرضَى، كما ارتضاه بعضُ المحققين بناءً على أنَّ المرادَ
بإرادة إتمام نورِه سبحانه إرادةٌ خاصَّةٌ، وهي الإرادةُ على وجهِ الرضا بقرينةٍ ﴿وَلَوْ
كَرَّةَ الْكَفِرُونَ ﴾﴾، لا الإرادةُ المجامِعةُ لعدم الرضا كما هو مذهب أهل
الحقِّ، خلافاً لمن يسوِّي بينهما .
وقال الزجَّاج: إنَّ مصحِّح التفريغ عمومُ المستثنى منه، وهو محذوفٌ، ولا يضرُّ
كونُ ذلك نسبيًّا إذ غالبُ العمومات(١) كذلك، بل قد قيل: ما من عامٌّ إلا وقد خُصَّ
منه البعض، أي: يَكْرَهُ كلَّ شيء يتعلَّق بنوره إلا إتمامه، وقرينةُ التخصيص السِّياق.
ولا يجوزُ تأويل الجماعة عندَه؛ إذ ما من إثباتٍ إلا ويمكنُ تأويله بالنفي، فيلزم
جريانُ التفريغ في كلِّ شيءٍ(٢). وهو كما ترى، والحقُّ أنه لا مانعَ من التأويل إذا
اقتضاه المقام.
وإتمامُ النورِ بإعلاء كلمة التوحيد وإعزازٍ دين الإسلام.
(١) في (م) العموميات.
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٤٤/٢، وحاشية الشهاب ٣٢٢/٤.

سُؤَةُ الْتَوَيَّةِ
٣٠٢
الآية : ٣٣ - ٣٤
﴿وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ جوابُ (لو)) محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه، أي: يُتُمُّ
نورَه. والجملةُ معطوفةٌ على جملةٍ قبلها مقدَّرةٍ، أي: لو لم یکره الكافرون ولو
كره، وكلتاهما في موضع الحال، والمرادُ أنه سبحانه يتمُّ نورَه ولا بُدَّ.
﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ محمَّداً وَِّ متلبِّساً ﴿يَلْهُدَى﴾ أي: القرآن الذي
هو هدىّ للمتقين ﴿وَدِينِ اَلْحَقِّ﴾ أي: الثابت. وقيل: دينه تعالى، وهو دينُ
الإسلام.
﴿ يُظْهِرَهُ﴾ أي: الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على
أهل الأديان كلِّها فيخذلَهم، أو: ليُظْهِرَ دينَ الحقِّ على سائرِ الأديان بنسخه إيَّاها
حَسْبما تقتضيه الحكمةُ. فـ ((أل)) في ((الدِّين)) سواء كان الضميرُ للرسولَِّ أُمْ الدِّين
الحقِّ للاستغراق.
وعن ابن عباس ﴿مَا أنَّ الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام، و((أل)) للعهد،
أي: ليعلِّمه شرائع الأديانِ(١) كلّها، ويُظْهِرَه عليها حتَّى لا يخفى عليه - عليه الصلاة
والسلام - شيءٌ منها.
وأكثرُ المفسرين على الاحتمالِ الثاني؛ قالوا: وذلك عندَ نزول عيسى عليه
السلام، فإنه حينئذ لا يبقى دينٌ سوى دين الإسلام.
والجملة بيانٌ وتقريرٌ لمضمون الجملة السابقة؛ لأنَّ مآل الإتمام هو الإظهار.
﴾ على طرز ما قبلَه، خلا أنَّ وَصْفَهم بالشِّرك بعدَ
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُنَ
وَصْفِهم بالكفر، قيل: للدلالة على أنَّهم ضمُّوا الكفرَ بالرسول إلى الشِّرك بالله
تعالى، وظاهرُ هذا أنَّ المرادَ بالكفر فيما تقدَّم: الكفرُ بالرسولِنَ ◌ّهُ وتكذيبُه،
وبالشِّرك: الكفرُ بالله سبحانه بقرينةِ التقابل، ولا مانعَ منه.
وقد علمتَ ما في هذين المتمِّمين من المناسبة التي يليق أن يكون فلكُ البلاغة
حاوياً لها. فتدبر.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان حال الأحبار والرُّهبان في إغوائهم
(١) في (م): الدين، والمثبت من الأصل ومجمع البيان ٥١/١٠، والكلام منه.

الآية : ٣٤
٣٠٣
سُورَةُ النَّوَنَّة
لأراذلهم إثرَ بيان سوءِ حالِ الأتباع في اتّخاذهم لهم أرباباً، وفي ذلك تنبيهٌ للمؤمنين
حتَّى لا يحوموا حولَ ذلك الحمى، ولذا وجِّه الخطابُ إليهم.
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بَلْبَاطِلِ﴾ يأخذونها
بالارتشاء لتغييرِ الأحكام والشرائع، والتخفيفِ والمسامحة فيها، والتعبيرُ عن الأخذ
بالأكل مجازٌ مرسَلٌ، والعلاقةُ العلِّيةُ والمعلوليَّة، أو اللازميَّةُ والملزوميَّةُ، فإنَّ
الأكل ملزومٌ للأخذ كما قيل.
وجوِّز أن يكون المرادُ من الأموال الأطعمةَ التي تؤكل بها مجازاً مرسلاً (١)،
ومن ذلك قولُه:
يأكلنَ كلَّ ليلة إكافاً (٢)
فإنه يريد: علفاً يُشتَرَى بثمنٍ إِكاف. واختار هذه العلامةُ الطَّيبي، وهو أحدُ
ي(٣)
وجهين ذكرهما الزمخشري
.
وثانيهما: أن يستعارَ الأكلُ للأخذ، وذلك على ما قرَّره العلّامة أن يشبَّه حالةٌ
أخذهم أموالَ الناس من غيرِ تمييزٍ بين الحقِّ والباطل، وتفرقٍ بين الحلال والحرام؛
للتهالُك على جمع حُطامها، بحالةِ منهمكٍ جائعٍ لا يمِيِّز بين طعامٍ وطعام في
التناول. ثمَّ ادَّعى أنه لا طائلَ تحت هذه الاستعارة، وأنَّ استشهادَه بأخذ الطعام
وتناوله سمجٌ.
وأجيب: بأنَّ الاستشهادَ به على أنَّ بين الأخذ والتناول شبهاً، وإلا فذاك
عكسُ المقصود. وفائدةُ الاستعارة: المبالغةُ في أنه أخذٌ بالباطل؛ لأنَّ الأكلَ غايةُ
الاستيلاء على الشيء، ويصيرُ قولُه تعالى: (بَلْبَاطِلِ) على هذا زيادةَ مبالغةٍ،
ولا كذلك لو قيل : يأخذون.
(١) قوله: مرسلاً، ليس في الأصل.
(٢) الرجز قائله أبو حزابة الوليد بن حنيفة، وهو في الأغاني ٢٦٣/٢٢، والمستقصى في أمثال
العرب ٢٠/٢، وقبله: إنَّ لنا أحمرةً عجافاً. قوله: إكافاً، الإكاف والأُكاف من المراكب:
شِبْهُ الرِّحال والأقتاب. اللسان (أكف).
(٣) في الكشاف ١٨٦/٢ .

سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ
٣٠٤
الآية : ٣٤
﴿وَبَصُدُّونَ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهُ﴾ أي: دينِ الإسلام، أو عن المسلك
المقرَّر في کتبهم إلى ما افترَوه وحرَّفوه بأخذِ الرّشا .
ويجوز أن يكون ((يصدُّون)) من الصُّدود، على معنى أنَّهم يُعْرِضون عن
سبيل الله، فيحرِّفون ويفترون بأكلهم أموالَ الناس بالباطل.
﴿ وَالَّذِينَ يَكْتِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ أي: يجمعونهما، ومنه: ناقةٌ كِنازُ
اللَّحم، أي: مجتمعتُه، ولا يشترط في الكنز الدَّفنُ، بل يكفي مطلقُ الجمع
والحفظ.
والمراد من الموصول: إمَّا الكثير من الأحبار والرُّهبان؛ لأنَّ الكلام في ذمِّهم،
ويكون ذلك مبالغةً فيه حيث وُصِفوا بالحرص بعد وَصْفِهم بما سبق من أخذ
البراطيل في الأباطيل.
وإمَّا المسلمون؛ لجري ذكرِهم أيضاً، وهو الأنسبُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا
فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾ لأنَّه يُشعر بأنَّهم ممَّن ينفقُ في سبيله سبحانه؛ لأنَّه المتبادر من النفي
عرفاً، فيكون نظمُهم في قرنِ المرتشين من أهل الكتاب تغليظاً، ودلالةً على كونهم
أسوةً لهم في استحقاق البشارةِ بالعذاب.
واختار بعضُ المحقّقين حمله على العموم، ويدخلُ فيه الأحبار والرهبان
دخولاً أوليًّا .
وفسَّر غير واحد الإنفاقَ في سبيل الله بالزكاة؛ لما روي عن ابن عباس
أنَّه لما نزلتْ هذه الآيةُ كبُر ذلك على المسلمين، فقال عمرُ رَُّه: أنا أفرِّجُ عنكم.
فانطلق فقال: يا نبيَّ الله، إنَّه كبرُ على أصحابك هذه الآيةُ؟ فقال عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّ الله تعالى لَمْ يَفْرِضِ الزكاةَ إلَّا لِيُطيِّبَ ما بقي من أموالكم))(١).
وأخرج الطبرانيُّ والبيهقيُّ في ((سننه)) وغيرُهما عن ابن عمر قال: قال
(١) أخرجه أبو داود (١٦٦٤)، والحاكم ٤٠٨/١ - ٤٠٩ و٣٣٣/٢، والبيهقي ٨٣/٤ وقال:
قصر به بعض الرواة فلم يذكر في إسناده عثمان أبا اليقظان. قلنا: وأبو اليقظان لم يذكر في
رواية أبي داود والحاكم الأولى، وقد قال الحافظ في التقريب: عثمان أبو اليقظان ضعيف،
واختلط وکان یدلس.

الآية : ٣٤
٣٠٥
سُورَةُ التَّوَنَّة
رسول الله ﴿ ((ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز))(١) أي: بكنزٍ أُوْعِدُ عليه، فإنَّ الوعيدَ عليه
مع عدم الإنفاق فيما أمر الله تعالى أن يُنفقَ فيه.
ولا يعارضُ ذلك قولَهُ وَّهِ: (مَن تركَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوي بها))(٢) لأنَّ المرادَ
بذلك ما لم يؤدِّ حقَّه، كما يُرشد إليه ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرةً: ((ما مِن
صاحبٍ ذهبٍ ولا فضَّةٍ لا يؤدِّي منها حقَّها، إلا إذا كان يومُ القيامة صفِّحتْ له
صفائحُ من نارٍ، فيكوَى بها جَنْبُهُ وجبينُه))(٣).
وقيل: إنَّه كان قبل أنْ تُفرض الزكاةُ، وعليه حُمل ما رواه الطبرانيُّ عن
أبي أمامة قال: توفِّي رجلٌ من أهل الصُّفَّة، فوُجد في مئزره دينارٌ، فقال النبي ◌َّر:
(كَيَّةٌ)). ثمَّ توفي آخرُ، فوُجد في مئزره ديناران، فقال عليه الصلاة والسلام:
((گیَّتان))(٤).
وقيل: بل هذا لأنَّ الرجلين أظهرا الفقر ومزيدَ الحاجة بانتظامهما في سلك
أهل الصُّفَّةِ الذين هم بتلك الصِّفَةِ مع أنَّ عندَهما ما عندهما، فكان جزاؤهما الكيَّةَ
والکیتین لذلك.
وأخذ بظاهر الآية فأوجب إنفاقَ جميع المال الفاضلِ عن الحاجة أبو ذرِّ ◌َظُه،
وجرى بينه لذلك وبين معاوية ره في الشام ما شكاه له إلى عثمان ظبه في
(١) المعجم الأوسط (٨٢٧٩)، وسنن البيهقي ٨٢/٤. وفي إسناده سويد بن عبد العزيز، وليس
بالقوي كما قال البيهقي. وأخرجه موقوفاً عبد الرزاق (٧١٤١)، والبيهقي ٨٢/٤، وبنحوه
مالك في الموطأ ٢٥٦/١. قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف. اهـ. وأخرج البخاري
(١٤٠٤) عن ابن عمر ﴾ أنه سئل عن هذه الآية فقال: مَن كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له،
إنما كان هذا قبل أن تُنْزَل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٤٨٠) وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته، وقد أشار الذهبي لنكارته في
ترجمة يحيى بن عبد الواحد من الميزان. ويشهد له ما أخرجه أحمد (٢١٤٦١) بإسناد
صحيح من حديث أبي ذر أيضاً، ولفظه: ((أيُّما ذهبٍ أو فضةٍ أُوْكيَ عليه، فهو كيٍّ على
صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله إفراغاً)).
(٣) صحيح مسلم (٩٨٧)، وهو عند البخاري (١٤٠٣) بلفظ مختلف، وأخرجه أيضاً أحمد
(٧٥٦٣) بلفظ: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه ... )).
(٤) المعجم الكبير (٧٥٧٣)، وهو عند أحمد (٢٢١٧٢).

سُورَةُ التَوقية
٣٠٦
الآية : ٣٥
المدينة، فاستدعاه إليها فرآه مُصِرًّا على ذلك حتَّى إنَّ كعب الأحبار ◌َظُبه قال له:
يا أبا ذر، إنَّ الملَّةَ الحنيفيَّةَ أسهلُ الملل وأعدلُها، وحيث لم يجب إنفاقُ كلِّ
المال في الملَّة اليهودية وهي أضيقُ الملل وأشدُّها كيف يجبُ فيها؟
فغضب ظُه - وكانت فيه حدَّةٌ، وهي التي دَعَتْه إلى تعيير بلالٍ ظُه بأمِّه،
وشكايته إلى رسول الله وَله، وقولِه فيه: ((إنك امرؤٌ فيك جاهلية))(١)- فرفع عصاه
ليضربه، وقال له: يا يهودي ما ذاك من هذه المسائل، فهرب کعبٌ فتبعه حتَّی
استعاذ بظهر عثمان رظُه، فلم يرجع حتى ضربه. وفي رواية أنَّ الضربةَ وقعت
على عثمان.
وكثُر المعترضون على أبي ذرِّ في دعواه تلك، وكان الناس يقرؤون له آيةً
المواريث ويقولون: لو وجب إنفاقُ كلِّ المال لم يكن للآية وجهٌ، وكانوا يجتمعون
عليه مزدحمين حيث حَلَّ مستغربين منه ذلك. فاختار العزلةَ، فاستشار عثمانَ فيها،
فأشار إليه بالذهاب إلى الرَّبَذَة، فسكن فيها حَسْبَما يريد(٢).
وهذا ما يعوَّل عليه في هذه القصة، ورواها الشيعةُ على وجهٍ جعلوه من مطاعن
ذي النورين، وغرضُهم بذلك إطفاءُ نوره، ويأبى الله إلَّا أن يتمَّ نورَه.
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾ خبر الموصول، والفاء لِمَا مَرَّ غير مرَّة. وجوِّز أن
يكون الموصول في محلٌّ نصبٍ بفعلٍ يفسِّره ((فبشرهم)). والتعبيرُ بالبشارة للتَّهُم.
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بـ ((عذاب أليم))، أو بمضمرٍ يدلُّ عليه ذلك،
أي: یعذَّبون يومَ، أو باذكر.
وقيل: التقدير: عذابَ يوم، والمقدَّرُ بدلٌ من المذكور، فلمَّا حُذف المضافُ
أُقيم المضاف إليه مُقامه.
﴿يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: تُوقَدُ النارُ ذات حَميٍ وحرِّ شديدٍ عليها،
(١) أخرجه أحمد (٢١٤٣٢)، والبخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) من حديثه له، دون تسمية
الصحابي الذي عيَّره.
(٢) ينظر ما ورد من آثار في هذه المسألة عن أبي ذر ظه في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه
الآية.

الآية : ٣٥
٣٠٧
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
وأصلُه: تُحْمَى النارُ(١)، من قولك: حميتُ المِيسَمَ (٢) وأحميتُه، فجعل الإحماء
للنار مبالغة؛ لأنَّ النار في نفسها ذاتُ حَمْي، فإذا وُصفت بأنَّها تُحْمَى دلَّ على شدَّة
توقّدها، ثم حذفت النار وحوَّل الإسنادُ إلى الجارِّ والمجرور تنبيهاً على المقصود
بأتمٍّ وجه، فانتقل من صيغةِ التأنيث إلى التذكير، كما تقول: رُفِعَتِ القصَّة إلى
الأمير، فإذا طُرحت القصّةُ وأُسند الفعل إلى الجارِّ والمجرور قلتَ: رُفع إلى
الأمير.
وعن ابن عامر أنه قرأ: (تُحمى)) بالتاء الفوقانية(٣) بإسناده إلى النار كأصله.
وإنَّما قيل: ((عليها)) والمذكورُ شيئان؛ لأنه ليس المرادُ بهما مقداراً معيَّناً
منهما، ولا الجنسَ الصادقَ بالقليل والكثير، بل المرادُ الكثير من الدنانير
والدراهم؛ لأنَّه الذي يكون كنزاً، فأتى بضمير الجمع للدّلالة على الكثرة، ولو أتى
بضمير التثنية احتمل خلافه، وكذا يقال في قوله سبحانه: (وَلَا يُفِقُونَهَا).
وقيل: الضميرُ لكُنوز الأموالِ المفهومة من الكلام، فيكون الحكمُ عامًّا، ولذا
عدل فيه عن الظاهر، وتخصيصُ الذَّهب والفضة بالذِّكْر؛ لأنَّهما الأصلُ الغالب في
الأموال لا للتخصيص. أو للفضة، واكتفى بها لأنَّها أكثرُ، والناسُ إليها أحوج،
ولأنَّ الذَّهب يُعلم منها بالطريق الأَوْلَى، مع قُرْبِها لفظاً.
﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَتُهُورُهُمْ﴾ خُصَّت بالذِّكر؛ لأنَّ غرضَ الكانزين
من الكنز والجمع أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهةٍ ورياسة بسبب الغنى، وأن
يتنقَّموا بالمطاعم الشَّهية والملابس البهيَّة، فَلِوَجَاهتهم كان الكيُّ بجباههم،
ولامتلاء جنوبهم بالطعام كُوُوا عليها، ولِمَا لبسوه على ظهورهم كُوِيت.
أو لأنَّهم إذا رأوا الفقيرَ السائل، زَوَوْا ما بينَ أعينِهم، وازْورُّوا عنه، وأَعْرَضُوا
وطَوَوا كشحاً، وولَّوه ظهورَهم واستقبلوا جهةً أخرى.
(١) في الأصل و(م): بالنار، والمثبت من الكشاف ١٨٨/٢، والبحر ٣٦/٥، والدر المصون
٤٣/٦، وتفسير أبي السعود ٤/ ٦٢ .
(٢) الميسم بكسر الميم: المكواة. القاموس (وسم).
(٣) الكشاف ١٨٨/٢، والبحر ٣٦/٥، والمشهور عن ابن عامر القراءة بالياء كقراءة الجماعة.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٣٠٨
الآية : ٣٥
أو لأنَّها أشرفُ الأعضاء الظاهرة؛ فإنَّها المشتملةُ على الأعضاء الرئيسة التي
هي الدماغُ والقلبُ والكبد.
وقيل: لأنَّها أصولُ الجهات الأربع التي هي مقاديمُ البدن ومآخيرُه وجنبتاه،
فيكون ما ذكر كنايةً عن جميع البدن. ويبقى عليه نكتةُ الاقتصار على هذه الأربع من
بين الجهات الستِّ.
وتكلَّف لها بعضُهم بأنَّ الكانز وقتَ الكَثْزِ لحذرهِ مِن أنْ يطَّلِعَ عليه أحدٌ يلتفتُ
يميناً وشمالاً، وأماماً ووراءً، ولا يكاد ينظر إلى فوقٍ أو يتخيَّل أن أحداً يطّلع عليه
من تحتٍ؛ فلمَّا كانت تلك الجهاتُ الأربع مطمحَ نظرٍه ومظنَّةَ حذرِه دون الجهتين
الأُخريين، اقتصر عليها دونهما. وهو - مع ابتنائه على اعتبار الدَّفن في الكنز - في
حيِّز المنع كما لا يخفى.
وقيل: إنما خُصَّت هذه المواضعُ؛ لأنَّ داخلها جوفٌ، بخلاف اليد والرجل.
وفيه أنَّ البطن كذلك، وفي جمعه مع الظاهر لطافةٌ أيضاً.
وقيل: لأنَّ الجبهةَ محلُّ الوسم لظهورها، والجنبَ محلُّ الألم، والظهرَ محلٌّ
الحدود؛ لأنَّ الداعي للكانز على الكنز وعدمِ الإنفاق خوفُ الفقر الذي هو الموتُ
الأحمر، حيث إنه سببٌ للكدِّ وعرقِ الجبينَ، والاضطرابٍ يميناً وشمالاً، وعدمِ
استقرار الجنب لتحصيلِ المعاش، مع خلوِّ المتَّصف به عمَّن يستند إليه ويعوِّل في
المهمات عليه، فلملاحظة الأمن من الكدِّ وعرق الجبين تكوى جبهتُه، ولملاحظة
الأمن من الاضطراب والطمع في استقرار الجنب يكوى جنبه، ولملاحظة استنادٍ
الظهر والاتِّكال على ما يزعم أنه الرُّكن الأقوى والوَزَرُ الأَوْقَى يكوى ظهرُه.
وقيل غيرُ ذلك، وهي أقوالٌ يُشْبِهُ بعضُها بعضاً، والله تعالى أعلم بحقيقة
الحال.
وأيًّا ما كان فليس المرادُ أنه يوضع دينارٌ على دينار أو درهمٌ على درهم فيكوى
بها، ولا أنه يكوى بكلِّ بأنْ يرفعَ واحدٌ ويوضعَ بدلَه آخرُ حتى يؤتى على آخرِها،
بل إنه يوسّع جلدُ الكانز فيوضعُ كلُّ دينار ودرهم على حِدَتِه، كما نطقت بذلك
الآثارُ وتضافرت به الأخبار.

الآية : ٣٦
٣٠٩
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
﴿هَذَا مَا كَتَزْتُمْ﴾ على إرادة القول، وبه يتعلَّق الظرف السابق في قولٍ، أي:
يقال لهم يومَ يُحْمَى عليها: هذا ما كنزتُم ﴿لِأَنفُسِكُمْ﴾ أي: لمنفعتها، فكان عينَ
مَضَرَّتها وسببَ تعذيبها، فاللام للتعليل، وأنت في تقدير المضاف في النظم
بالخيار، ولم تُجْعَلِ اللامُ للملكِ لعدم جدواه.
﴾ يحتمل أن تكون
و(ما)) في قوله سبحانه: ﴿فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْثِرُنَ
مصدريَّة، أي: وبالَ كنزِكم، أو وبالَ كونكم كانزین. ورجّح الأول بأنَّ في کون
((كان)) الناقصةِ لها مصدرٌ كلاماً، وبأنَّ المقصودَ الخبرُ و((كان)) إنما ذُكرت
لاستحضار الصورة الماضية. ويحتمل أن تكون موصولةً، أي: وبالَ الذي
تكنزونه. وفي الكلام استعارةٌ مكنيَّة وتخييليَّة أو تبعيّة.
وقرئ: (تَكْتُرُون)) بضمِّ النون(١)، فالماضي كَتَزَ، كَضَرَبَ وقَعَدَ.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أي: مبلغ عددٍ شهور السنة ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في حُكْمِه
﴿أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وهي الشهورُ القمريَّةُ المعلومة؛ إذ عليها يدورُ فلكُ الأحكام
الشرعية ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: في(٢) اللوح المحفوظ. وقيل: فيما أَثْبَتَه وأوجب
على عباده الآخذَ به.
وقيل: القرآن؛ لأنَّ فيه آياتٌ تدلُّ على الحساب ومنازلِ القمر. وليس بشيءٍ.
﴿يَوْمَ خَلَقَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: في ابتداء إيجاد هذا العالم، وهذا الظرفُ
متعلّق بما في ((كتاب الله) من معنى الثبوت الدَّالِّ عليه بمنطوقِه أو بمتعلِّقه، أو
بالكتاب إن كان مصدراً بمعنى الكتابة، والمراد أنه في ابتداء ذلك كانت عدَّتُها
ما ذكر، وهي الآن على ما كانت عليه.
و((في كتاب الله)) صفة ((اثنا عشر))، وهي خبرُ ((إنَّ))، و((عند)) معمولُ ((عدَّةَ)) لأنَّها
مصدرٌ كالشِّركة.
و(شهراً)) تمييزٌ مؤكِّد، كما في قولك: عندي من الدنانير عشرون ديناراً.
(١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٢ ليحيى بن يعمر وأبي السمال.
(٢) قوله: في، ليس في الأصل.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٣١٠
الآية : ٣٦
وما يقال: إنَّه لرفع الإبهام؛ إذ لو قيل: عدة الشهور عند الله اثنا عَشَر سنة لكان
كلاماً مستقيماً = ليس بمستقيم على ما قيل.
وانتُصِرَ له بأنَّ مرادَ القائل أنَّه يحتمل أن تكونَ تلك الشهورُ في ابتداء
الدنيا كذلك كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]
ونحوه، ولا مانعَ منه فإنه أحسنُ من الزيادة المحضة.
ولم يجوِّزوا تعلُّق ((في كتاب)) بـ ((عدَّة)) لأنَّ المصدرَ إذا أُخبر عنه لا يَعْمَلُ
فيما بعدَ الخبر. ومن الناس مَن جعله بدلاً من ((عند الله))، وضعَّفه أبو البقاء (١) بأنَّ
فيه الفصلَ بين البدل والمبدَل منه بخبرِ العامل في المبدل.
وجوَّز بعضٌ أن يُجعَلَ ((اثنا عشر)) مبتدأ، و((عند)) خبر مقدَّم والجملةُ خبرُ ((إنَّ)،
أو أنَّ الظرفَ لاعتماده عَمِلَ الرفْعَ في ((اثنا عشر)).
وقوله سبحانه: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ يجوز أن يكون صفةً لـ ((اثنا عشر))، وأن
يكون حالاً من الضمير في الظرف، وأن يكون جملةً مستأنفةً. وضميرُ ((منها)) على
كلِّ تقدیر لـ ((اثنا عشر)).
وهذه الأربعةُ: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجبُ مضر. واختلف في
ترتيبها، فقيل: أوَّلُها المحرَّم وآخرُها ذو الحجَّة فهي من شهورٍ عامٍ، وظاهرُ
ما أخرجه سعيدُ بن منصور وابنُ مردويه عن ابن عبّاس يقتضيه(٢).
وقيل: أولها رجب، فهي من عامين، واستُدلَّ له بما أخرجه ابنُ جرير وغيرُه
عن ابن عمر قال: خطبنا رسولُ اللهِ وَلّ في حجَّة الوداع بمنىّ في أوسط أيام
التشريق، فقال: ((يا أيُّها الناس، إنَّ الزَّمانَ قد استدار، فهو اليومَ كهيئته يومَ خلق الله
السماواتِ والأرضَ، وإنَّ عدَّةَ الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعةٌ حرم،
أوَّلهنَّ رجبُ مضر بينَ جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم))(٣).
(١) في الإملاء ١٥٦/٣ - ١٥٧.
(٢) سنن سعيد بن منصور (١٠١٤ - تفسير)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٢٣٥/٣،
وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مضـ
.
(٣) تفسير الطبري ١١/ ٤٤٠، وإسناده ضعيف كما قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٧٦.

الآية : ٣٦
٣١١
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
وقيل: أوَّلها ذو القعدة وصحَّحه النوويُّ لتواليها(١). وأخرج الشيخان: ((ألا إنَّ
الزمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ، السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شهراً
منها أربعةٌ حرٌ: ثلاثةٌ متوالياتٌ، ورجبُ مضر)) الحديث(٢)، وأضيف رجبُ إليهم
لأنَّ ربيعةً كانوا يحرِّمون رمضانَ ويسمُّونه رجب، ولهذا بيِّن في الحديث بما بيِّن.
وقيل: إنَّ ما ذكر من أنها على الترتيب الأوَّل من شهورٍ عامٍ وعلى الثاني
من شهور عامين إنما يتمشّى على أنَّ أوَّل السنة المحرَّمُ، وهو إنما حدث في
زمن عمرَ ظُه، وكان يؤرَّخ قبلَه بعام الفيل، وكذا بموت هشام بن المغيرة(٣)،
ثمَّ أُرِّخِ بصدر الإسلام بربيعِ الأول، وعلى هذا التاريخ يكونُ الأمرُ على عكس
ما ذكر.
ولم يبيِّن هذا القائلُ ما أوَّلُ شهورِ السنة عند العرب قبل الفيل(٤). والذي يُفهم
من كلام بعضِهم أنَّ أوَّلَ الشهور المحرَّمُ عندهم(٥) من قبلُ أيضاً، إلا أنَّ عندهم في
اليمن والحجاز تواريخَ كثيرةً يتعارفونها خَلَفاً عن سَلَف، ولعلَّها كانت باعتبار
حوادثَ وقعت في الأيَّام الخالية، وأنَّه لما هاجر النبيُّ وَهَ اتَّخذ المسلمون هجرتَه
مبدأَ التاريخ وتناسَوا ما قبلَه، وسمّوا كلَّ سنةٍ أتت عليهم باسم حادثةٍ وقعتْ فيها؛
كسنة الإذن، وسنة الأمر(٦)، وسنة الابتلاء، وعلى هذا المنوال إلى خلافة
عمر ربه، فسأله بعضُ الصحابة في ذلك وقال: هذا يطول، وربَّما يقعُ في بعض
السنين اختلافٌ وغلط، فاختار وظُبهِ عامَ الهجرة مبدأ من غيرِ تسمية السِّنين بما وقع
فيها، فاستحسنتِ الصحابةُ رأيه في ذلك.
وفي بعض شروح البخاريِّ أنَّ أبا موسى الأشعريّ كتب إليه: إنه يأتينا من أمير
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٦٨/١١.
(٢) صحيح البخاري (٢٦٩٨)، وصحيح مسلم (١٧٨٣) وسلف ص ٢١٠ من هذا الجزء.
(٣) جاء في هامش الأصل: وقد كانت قريش تؤرخ به. اهـ منه. وهو والد أبي جهل، وكان
شريفاً مذكوراً، وكانت قريش تقول: عام مات هشام. ينظر نسب قريش للزبيري ص٣٠١.
(٤) جاء في هامش الأصل: والمصرح به أنه لم يكن ابتداء السنة المحرم. اهـ. منه.
(٥) في (م): عنده، وهو خطأ.
(٦) فوقها في الأصل بين السطور: أي بالقتال.

سُورَةُالتُونِّية
٣١٢
الآية : ٣٦
المؤمنين كتبٌ لا ندري بأيّها نعمل، وقد قرأنا صًا محلُّه شعبان فلم نَدْرِ أيُّ
الشعبانين: الماضي أم الآتي(١)؟
وقيل: إنه هو رَُّبهِ رُفع إليه صكٌّ محلُّه شعبان، فقال: أيُّ شعبان هو؟ ثم قال:
إنَّ الأموال قد كَثُرتْ فينا وما قسمناه غيرُ مؤقّت، فكيف التوصُّل إلى ضبطه؟ فقال
له ملك الأهواز وكان قد أسر وأسلم على يده: إنَّ للعجم حساباً يسمُّونه: ماه
روز، يسندونه إلى مَن غلب من الأكاسرة، ثمَّ شرحه له وبيَّن كيفيَّتَه، فقال له:
ضعوا للناس تاريخاً يتعاملون عليه وتُضبط أوقاتُهم. فذكروا له تاريخ اليهود
فما ارتضاه، والفرسِ فما ارتضاه، فاستحسنوا الهجرةَ تاريخاً. انتهى.
وما ذكر من أنَّهم كانوا يؤرِّخون في صدر الإسلام بربيع الأول فيه إجمالٌ،
ويتَّضح المرادُ منه بما في ((النبراس))(٢) من أنهم كانوا في عهد النبيِّ نَّ يؤرخون(٣)
بسنة القدوم وبأوَّلِ شهر منها وهو ربيع الأول على الأصح، فليُقهم.
والشهر عندهم ينقسم إلى شرعيٍّ وحقيقيٍّ واصطلاحيٍّ؛ فالشرعيُّ معتبرٌ برؤية
الهلال بالشرط المعروف في الفقه، وكان أوَّل هلالِ المحرم في التاريخ الهجري
ليلةُ الخميس كما اعتمده يونس (٤) الحاكميُّ المصريُّ وذكر أنَّ ذلك بالنظر إلى
الحساب، وأما باعتبار الرؤية فقد حرَّر ابنُ الشاطر(٥) أنَّ هلالَه رؤي بمَّةً ليلةً
الجمعة.
والحقيقيُّ معتبرٌ من اجتماعِ القمر مع الشمس في نقطةٍ، وعَوْدِه بعد المفارقة إلى
(١) ذكره أبو هلال العسكري في الأوائل ٢٢٣/١، وينظر فتح الباري ٢٦٨/٧.
(٢) لعله: نور النبراس في شرح سيرة ابن سيد الناس، لبرهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي
المتوفى سنة (٨٤١هـ). كشف الظنون ١١٨٣/٢.
(٣) قوله: يؤرخون، ليس في (م).
(٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ابن يونس، وهو المنجِّم الكبير، مصنّف الزِّيج الحاكمي،
أبو الحسن علي بن محدث مصر أبي سعيد عبد الرحمن بن الفقيه أحمد بن شيخ الإسلام
يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي المصري، له سماعات عالية، توفي سنة (٣٩٩هـ). السير
١٠٩/١٧، وينظر ميزان الاعتدال ٣/ ١٣٢.
(٥) علاء الدين علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري الدمشقي، ويعرف أيضاً بالمطعم الفلكي،
توفي سنة (٧٧٧هـ). شذرات الذهب ٤٣٥/٨.

الآية : ٣٦
٣١٣
سُورَةُ الُوَنَّةِ
ذلك، ولا دخلَ للخروج من تحتِ الشعاع إلا في إمكان الرؤية بحسب العادة
الشائعة. قيل: ومدَّة ما ذُكر تسعةٌ وعشرون يوماً، ومئةٌ وأحدٌ وتسعون جزءًا من
ثلاث مئةٍ وستين جزءًا لليوم بليلته، وتكون السنةُ القمريَّةُ ثلاثَ مئةٍ وأربعةً وخمسين
يوماً وخُمسَ يومٍ وسدسَه وثانيةً، وذلك أحد عشر جزءًا من ثلاثين جزءًا من اليوم
بليلته. وإذا اجتمع من هذه الأجزاء أكثرُ من نصف، عدُّوه يوماً كاملاً وزادُوه في
الأيام، وتكونُ تلك السنةُ حينئذٍ كبيسة، وتكونُ أيامها ثلاثَ مئةٍ وخمسةً وخمسين
يوماً. ولما كانت الأجزاءُ السابقة أكثرَ من نصفٍ جبروها بيوم كامل، واصطلحوا
على جعلِ الأشهر شهراً كاملاً وشهراً ناقصاً، فهذا هو الشهر الاصطلاحيُّ.
فالمحرَّم في اصطلاحهم ثلاثون يوماً، وصفرٌ تسعةٌ وعشرون، وهكذا إلى آخر السنة
القمريَّة؛ الأفرادُ منها ثلاثون وأوَّلُها المحرَّم، والأزواجُ تسعةٌ وعشرون وأوَّلها
صفر، إلا ذا الحجّة من السنة الكبيسة فإنه يكون ثلاثين يوماً؛ لاصطلاحهم على
جَعْلِ ما زادوه في أيام السَّنة الكبيسة في ذي الحجّة آخرَ السنة.
وحيث كان مدارُ الشهر الشرعي على الرؤية، اختلفت الأشهرُ، فكان بعضُها
ثلاثين وبعضُها تسعة وعشرين، ولا يتعيَّن شهرٌ للكمال وشهرٌ للنقصان، بل قد يكونُ
الشهرُ ثلاثين في بعض السنين وتسعاً وعشرين في بعضٍ آخرَ منها.
وما أخرجه الشيخان وغيرُهما عن أبي بكرةَ قال: قال رسولُ الله وَالخير ((شهرا
عيدٍ لا ينقصان؛ رمضان وذو الحجَّة))(١) محمولٌ على معنى: لا ينقصُ
أجرُهما والثوابُ المرتَّبُ عليهما وإن نقص عددُهما.
وقيل: معناه: لا ينقصان جميعاً في سنةٍ واحدة غالباً .
وقيل: لا ينقص ثوابُ ذي الحَِجَّة عن ثواب رمضان؛ حكاه الخطابي(٢). وهو
ضعيف، والأولُ - كما قال النوويُّ(٣) - هو الصواب المعتمد.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: تحريم الأشهر الأربعة، وما فيه من معنى البُعدِ لتفخيم المشارِ
إليه .
(١) صحيح البخاري (١٩١٢)، وصحيح مسلم (١٠٨٩)، وهو عند أحمد (٢٠٣٩٩).
(٢) في معالم السنن ٢/ ٩٥.
(٣) في شرح صحيح مسلم ١٩٩/٧.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٣١٤
الآية : ٣٦
وقيل: هو إشارةٌ لكونِ العِدَّة كذلك، ورجَّحه الإمام بأنَّه كونُها أربعةً محرمةً
مسلَّمٌ عند الكفار، وإنَّما القصد الردُّ عليهم في النسيء والزيادةِ على العِدَّة (١).
ورُجِّح الأول بأنَّ التفريعَ الآتي يقتضيه، ولا يبعدُ أن تكونَ الإشارةُ إلى مجموع
ما دلَّ عليه الكلامُ السابق، والتفريعُ لا يأبى ذلك.
﴿اَلِيْنُ اَلْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم، دينُ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكانت
العربُ قد تمسَّكت به وراثةً منهما، وكانوا يعظّمون الأشهرَ الحُرُمَ، حتى إنَّ الرجلَ
يلقى فيها قاتل أبيه وأخيه فلا يُهيجُه، ويسمُّون رجباً: الأصمَّ، ومُنْصِلَ الأسِنَّة(٢)،
حتى أحدثوا النسيء فغيَّروا.
وقيل: المرادُ من ((الدِّين)): الحكمُ والقضاءُ، ومن ((القيِّم)): الدائمُ الذي
لا يزولُ، أي: ذلك الحكمُ الذي لا يُبدَّل ولا يُغيّر. ونُسب ذلك إلى الكلبيِّ.
وقيل: الدِّين هنا بمعنى الحساب، ومنه قولُهُ وَّهِ: ((الكيِّس مَن دان نفسَه وعَمِلَ
لِمَا بعد الموت))(٣) أي: ذلك الحسابُ المستقيمُ والعددُ الصحيح المستوي،
لا ما تفعله العربُ من النسيء، واختار ذلك الطبرسيُّ(٤)، وعليه فتكون الإشارةُ
لما رجَّحه الإمامُ.
﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بهَتْكِ حُرْمتِهِنَّ، وارتكابٍ ما حرّم فيهنَّ. والضميرُ
راجعٌ إلى الأشهر الحُرُم، وهو المرويُّ عن قتادةَ، واختاره الفرَّاءُ(٥) وأكثرُ
المفسرين .
وقيل: هو راجعٌ إلى الشهور كلِّها، أي: فلا تظلموا أنفسَكم في جميع شهور
(١) تفسير الرازي ١٦/ ٥٣.
(٢) أي: مخرجها من أماكنها. أخرج البخاري (٤٣٧٦) عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا
نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر ... فإذا دخل شهر
رجب قلنا: منصل الأسنَّة، فلا ندع رمحاً فيه حديدة، ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه
وألقيناه شهر رجب.
(٣) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩) عن شداد بن أوس ﴿ه، وسلف ٤٤٣/٩.
(٤) في مجمع البيان ١٠/ ٥٧ .
(٥) في معاني القرآن ٤٣٥/١.

الآية : ٣٦
٣١٥
سُوَرَّةُ التَّوَتَّةِ
السنة بفعلِ المعاصي وتَرْكِ الطاعات، أو لا تجعلوا حلالَها حراماً وحرامَها حلالاً
كما فعل أهلُ الشِّرْك. ونُسب هذا القولُ لابن عباس ◌ًَّا، والعدولُ عن
((فيها)) - الأوفقِ بـ ((منها)) - إلى ((فيهنَّ)) مؤيِّد لما عليه الأكثر.
والجمهورُ على أنَّ حرمةَ المقاتلة فيهنَّ منسوخةٌ، وأنَّ الظلمَ مؤوَّل بارتكاب
المعاصي، وتخصيصُها بالنَّهي عن ارتكاب ذلك فيها مع أنَّ الارتكابَ منهيٌّ عنه
مطلقاً لتعظيمها، ولله سبحانه أنْ يميِّز بعضَ الأوقات على بعضٍ، فارتكاب
المعاصي(١) فيهنَّ أعظمُ وزراً كارتكابها في الحَرَم وحالَ الإحرام.
وعن عطاء بن أبي رباح: أنَّه لا يحلُّ للناس أن يغزوا في الحَرَم والأشهر
الحُرُم إلا أن يقاتلوا. واستثنى هذا لأنَّه للدفع، فلا يُمنع منه بالاتفاق، أو لأنَّ
هتْكَ الحرمة في ذلك ليس منهم بل من البادئ. ويؤيِّد القولَ بالنسخ أنَّه عليه
الصلاة والسلام حاصَرَ الطائفَ وغزا هوازنَ بحُنين في شؤَّال وذي القعدة سنةً
ثمان.
﴿وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَاَنَّةٌ﴾ أي: جميعاً، واشْتَهَرَ أنَّه
لا بدَّ من تنكيره ونصبِه على الحال وكونٍ ذي الحال من العقلاء. وخطّؤوا
الزمخشريَّ في قوله في خطبة ((المفضَّل)): محيطٌ بكافَّة الأبواب(٢). ومخطّؤه هو
المخطِئُ؛ لأنَّا إذا علمنا وضعَ لفظٍ لمعنىّ عامٌّ بنقلٍ من السلف، وتتبُّعٍ لموارد
استعماله في كلامٍ مَن يُعتدُّ به، ورأيناهم استعملوه على حالةٍ مخصوصةٍ من
الإعراب والتعريفِ والتنكيرِ ونحو ذلك، جاز لنا على ما هو الظاهرُ أن نخرجه عن
تلكَ الحالة؛ لأنَّا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملتْه العربُ العاربةُ
والمستعربةُ نكون قد حجَّرنا الواسعَ، وعسُر التكلُّمُ بالعربية على مَن بعدَهم، ولمَّا
لم يخرج بذلك عمَّا وُضع له فهو حقيقة فـ((كافة)) - وإن استعملته العربُ منكَّراً
منصوباً في الناس خاصَّة - يجوزُ أن يُستعملَ معرَّفاً ومنكَّراً بوجوه الإعراب في
(١) في (م): المعصية.
(٢) ينظر شرح المفصل ١٧/١، قال ابن يعيش: قوله: بكافة الأبواب، شاذ من وجهين:
أحدهما أن ((كافة)) لا تستعمل إلا حالاً، وقد خفضها هنا بالباء، والثاني أنه استعمله في غير
الأناسي.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٣١٦
الآية : ٣٦
الناس وغيرِهم، وهو في كلِّ ذلك حقيقةٌ حيث لم يخرجْ عن معناه الذي وضعوه له،
وهو معنى الجميع، ومقتضى الوضع أنَّه لا يلزمه ما ذكر، ولا يُنكِر ذلك إلا جاهلٌ
أو مكابر.
على أنَّه ورد في كلام البلغاء على ما اذَّعَوه؛ ففي كتاب عمر بن الخطاب بعظُه
لآل بني كاكلة: قد جعلتُ لآل بني كاكلة على كافَّة بيتِ مالِ المسلمين لكلِّ عام
مئتي مثقالٍ عيناً ذهباً إبريزاً. وهذا كما في ((شرح المقاصد))(١) مما صحَّ، والخطّ
كان موجوداً في آل بني كاكلة إلى قريب من هذا الزمان(٢) بديار العراق.
ولمَّا آلت الخلافةُ إلى أمير المؤمنين عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، عُرِضَ عليه
فنفَّذ ما فيه لهم، وكتب عليه بخطِّه: لله الأمرُ مِن قبلُ ومن بعدُ ويومئذٍ يفرح
المؤمنون، أنا أوَّلُ مَن اتَّبع أمرَ مَن أعزَّ(٣) الإسلام، ونَصَر الدِّين والأحكام،
عمرَ بنِ الخطاب، ورسمتُ بمثل ما(٤) رسم لآل بني كاكلة: في كلِّ عامٍ مئتي دينارٍ
ذهباً إبريزاً، واتَّبعتُ أثرَه، وجعلتُ لهم مثَل ما رسم(٥) عمر، إذ وجب عليَّ وعلى
جميع المسلمين اتِّباعُ ذلك. كتبه عليُّ بن أبي طالب.
فانظر كيف استعملَه عمرُ بن الخطاب معرفةً غيرَ منصوبة لغير العقلاء وهو مَن
هو في الفصاحة، وقد سمعه مثلُ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه ولم ينكِرْه وهو واحدُ
الأحدين(٦)، فأيُّ إنكارٍ واستهجانٍ يُقبل بعدُ. فقوله في ((المغني)): ((كافة)) مختصُّ
بمَن يعقل، ووَهِم الزمخشريُّ(٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَةٌ
لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] إذ قدَّر ((كافة)) نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: إرْسالةً(٨) كافة؛ لأنَّه
(١) ٢٦٨/٥، وفيه: كل عام، بدل: لكل عام.
(٢) في (م): إلى قريب هذا الزمان، وفي الأصل: إلى قريب من هذا الآن.
(٣) قوله: أعز، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وشرح المقاصد ٢٦٨/٥، والكلام منه.
(٤) في الأصل: بما، بدل: بمثل ما، والمثبت من (م) وشرح المقاصد.
(٥) في الأصل: جعل، والمثبت من (م) وشرح المقاصد.
(٦) هذا أبلغ المدح، كما تقول: واحد لا نظير له. مجمع الأمثال ١/ ٣٨٢.
(٧) في الكشاف ٣/ ٢٩٠.
(٨) في (م): رسالة، والمثبت من الأصل والمغني والكشاف.

الآية : ٣٦
٣١٧
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجَه عمَّا التُزم فيه من الحال، كوهمه في
خطبة ((المفضَّل))(١) = ممَّا لا يلتفت إليه.
وإذا جاز تعريفُه بالإضافة، جاز بالألف واللَّام أيضاً، ولا عبرةَ بمن خطأ فيه
كصاحب ((القاموس))(٢) وابن الخشَّاب(٣).
وهو عند الأزهريِّ مصدرٌ على فاعلة، كالعافية والعاقبة، ولا يثَتَّى ولا يجمع(٤).
وقيل: هو اسمُ فاعلٍ والتاءُ فيه للمبالغة، كتاء راوية (٥) وعلَّامة، وإليه ذهب
الراغبُ (٦)، ونَقَل أنَّ المعنى هنا: قاتلوهم كافِّين لهم كما يقاتلونكم كافِين لكم،
وقيل: معناه: جماعةً، ويقال(٧) للجماعة: الكافّة، كما يقال لهم: الوازعة(٨)؛
لقوَّتهم باجتماعهم، وتاؤه كتاء جماعة.
والحاصلُ أنَّهم روايةً ودرايةً لم يصيبوا فيما التزموه من تنكيرِه ونصبِه
واختصاصِه بالعقلاء. وأنَّهم اختلفوا في أصله: هل هو مصدرٌ، أو اسمُ فاعل من
الكفّ؟ وأنَّ تاءَه هل هي للمبالغة أو التأنيث؟
ثمَّ إنهم تصرَّفوا فيه واستعملوه للتعميم بمعنى ((جميعاً))، وعلى ذلك حَمَلَ
الأكثرون ما في الآية؛ قالوا: وهو مصدرُ كفَّ عن الشيء. وإطلاقُه على الجميع
باعتبار أنَّه مكفوفٌ عن الزيادة، أو باعتبار أنَّه يكفُّ عن التعرُّض له أو التخلُّف
عنه .
وهو حالٌ إمَّا من الفاعل أو من المفعول، فمعنى «قاتلوا المشركين كافةً)):
(١) مغني اللبيب ص٧٢٣.
(٢) مادة (كفف).
(٣) هو عبد الله بن أحمد البغدادي، أبو محمد، العلامة المحدث إمام النحو، توفي سنة
(٥٦٧هـ). سير أعلام النبلاء ٥٢٣/٢٠.
(٤) تهذيب اللغة ٩/ ٤٥٥ .
(٥) في (م): رواية، وهو تصحيف.
(٦) في مفرداته (كفف).
(٧) في (م): وقيل.
(٨) في (م): الوزعة، والمثبت من الأصل ومفردات الراغب.

سُورَةُ التَّوَتَّةِ
٣١٨
الآية : ٣٧
لا يتخلَّفْ أحدٌ منكم عن قتالِهم، أو: لا تتركوا قتالَ واحدٍ منهم. وكذا في جانب
المشبّه به.
واستُدِلَّ بالآية على الاحتمالِ الأوَّلِ على أنَّ القتالَ فرضُ عَيْن. قيل(١): وهو
كذلك في صدر الإسلام ثمَّ نُسخ. وأنكره ابنُ عطيّةٍ(٢).
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بالولاية والنَّصر، فاتقوا لتفوزوا بولايتِه
ونصرِه سبحانه، فهو إرشادٌ لهم إلى ما ينفعُهم في قتالهم بعدَ أَمْرِهم به.
وقيل: المراد: إنَّ الله معكم بالنَّصر والإمداد فيما تُباشرونه من القتال.
وإنَّما وُضع المظهَرُ موضعَ المضمَر مدحاً لهم بالتقوى، وحثًّا للقاصرين على
ذلك، وإيذاناً بأنه المدارُ في النَّصر. وقيل: هي بشارةٌ وضمانٌ لهم بالنُّصرة بسببٍ
تقواهم كما يُشْعِر بذلك التعليقُ بالمشتقِّ. وما ذكرناه نحن لا يخلو عن حُسْنٍ إلَّا أنَّ
الأمرَ بالتقوى فيه أعمُّ من الإحداث والدَّوام، ومثلُه كثيرٌ في الكلام.
﴿إِنَّمَا الشَِّىَءُ﴾ هو مصدرُ نَسَأه إذا أخَّره، وجاء النَّسْيُ كالنَّهي، والشَّرْءُ كالبدء،
والنِّساءُ كالنِّداء وثلاثتُها مصادرُ نسأه كالنسيء.
وقيل: هو وصفٌ کقتيل وجريح.
واختير الأوَّل؛ لأنَّه لا يحتاج معه إلى تقدير، بخلافٍ ما إذا كان صفةً فإنه
لا يُخْبَرُ عنه بـ ((زيادة)) إلا بتأويلٍ: ذو زيادة، أو: إنساءُ النسيءِ زيادةٌ. وقد قرئ
بجميع ذلك(٣).
وقرأ نافع: ((النسيُّ)) بإبدال الهمزة ياءً وإدغامِها في الياءِ(٤).
والمرادُ به: تأخيرُ حرمةٍ شهرٍ إلى آخر، وذلك أنَّ العربِ كانوا إذا جاء شهرٌ
حرامٌ وهم محاربون أحَلُّوه وحرَّموا مكانه شهراً آخرَ، فيستحلُّون المحرَّم ويحرِّمون
(١) في (م): وقيل.
(٢) في المحرر الوجيز ٣١/٣.
(٣) ((النَّسْيُ)) و((النِّساءُ)) في القراءات الشاذة ص٥٢، و((النَّسْيُ)) و((النَّسْءُ)) في المحتسب ٢٨٧/١.
(٤) هي رواية ورش عن نافع، ووافقه حمزة وهشام وقفاً. التيسير ص١١٨ .

الآية : ٣٧
٣١٩
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
صفراً، فإن احتاجوا أيضاً أحلُّوه وحرَّموا ربيعاً الأوَّل، وهكذا كانوا يفعلون، حتَّى
استدارَ التحريمُ على شهورِ السنة كلِّها، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرَّدَ العدد
لا خصوصيَّةَ الأشهر المعلومة، وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثةً
عشر أو أربعةَ عشر؛ ليتَّسع لهم الوقتُ ويجعلوا أربعةً أشهر من السَّنة حراماً أيضاً،
ولذلك نصَّ على العدد المعيَّن في الكتاب والسُّنة. وكان يختلف وقتُ حجِّهم
لذلك، وكان في السّنة التاسعة من الهجرة التي حجَّ بها أبو بكر ظُه بالناس في ذي
القعدة، وفي حجَّة الوداع في ذي الحجّة، وهو الذي كان على عهد إبراهيمَ عليه
السلام ومَن قبلَه مِن الأنبياء عليهم السلام. ولذا قال رَا﴾: ((ألا إنَّ الزّمانَ قد
استدار)) الحديث(١).
وفي روايةٍ: أَنَّهم كانوا يحُّون في كلِّ شهرٍ عامين فحجُّوا في ذي الحجّة
عامين وفي المحرم عامين وهكذا، ووافقت حجّة الصديق في ذي القعدة من سنتِهم
الثانية، وكانت حجَّة رسول الله وَّ﴿ في الوقت الذي كان من قبلُ، ولذا قال
ما قال(٢)
أي: إنما ذلك التأخير ﴿زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ الذي هم عليه؛ لأنَّه تحریمُ
ما أحلَّ الله تعالى، وقد استحلُّوه واتَّخذوه شريعةً، وذلك كفرٌ ضمُّوه إلى كفرهم.
وقيل: إنَّه معصيةٌ ضُمَّت إلى كفرهم (٣)، وكما يزدادُ الإيمانُ بالطاعة يزدادُ
الكفرُ بالمعصية.
وأُورِدِ عليه بأنَّ المعصيةَ ليستْ من الكفر بخلافِ الطاعة فإنَّها من الإيمان على
رأي. وأُجيب عنه بما لا يصفُو عن الكدر.
﴿يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضلالاً على ضلالهم(٤) القديم. وقرئ: ((يُضِلُّ) على
(١) سلف ص٢١٠ و٣١١ من هذا الجزء، وينظر تفسير القرطبي ٢٠٢/١٠.
(٢) أي: ((إن الزمان قد استدار)) الحديث، وهذا الخبر أخرجه الطبري ٤٥٥/١١ عن مجاهد،
وينظر تفسير القرطبي ٢٠٢/١٠ - ٢٠٣.
(٣) في (م): الكفر.
(٤) في الأصل: إضلالهم، وفي تفسير أبي السعود ٦٤/٤: ضلالاً على ضلالهم.

سُورَةُ التُونِية
٣٢٠
الآية : ٣٧
البناء للفاعل(١) من الإفعال، على أنَّ الفاعلَ هو الله تعالى، أي: يخلقُ فيهم
الضَّلالَ عند مباشرتهم لمباديه وأسبابِه، وهو المعنى على القراءة الأولى أيضاً.
وقيل: الفاعل على (٢) القراءتين الشيطانُ.
وجوِّز على القراءة الثانية أن يكون الموصولُ فاعلاً، والمفعولُ محذوفٌ، أي:
أتباعَهم، وقيل: الفاعلُ الرؤساء والمفعولُ الموصول.
وقرئ: ((يَضَلُّ) بفتح الياء والضاد من ضَلِلَ يَضْلَلُ(٣)، و: ((نُضِلُّ» بنون
العظمة (٤).
﴿يُمِلُونَهُ﴾ أي: الشهرَ المؤخّر، وقيل: الضميرُ لـ ((النسيء)) على أنه فعيل
بمعنى مفعول ﴿عَامًا﴾ من الأعوام، ويحرِّمون مكانَه شهراً آخر ممَّا ليس بحرام.
﴿وَتُحَرِمُونَهُ﴾ أي: يحافظون على حرمتِه كما كانت، والتعبيرُ عن ذلك بالتحريم
باعتبارٍ إحلالهم له(٥) في العام الماضي، أو لإسنادهم له إلى آلهتهم كما سيجيء إنْ
شاء الله تعالى. ﴿عَامًا﴾ آخرَ إذا لم يتعلَّق بتغييره غرضٌ من أغراضهم.
قال الكلبيُّ: أوَّلُ من فعل ذلك رجلٌ من كنانةَ يقالُ له: نعيم بن ثعلبة، وكان
إذا هَّ الناسُ بالصُّدور من الموسم، يقوم فيخطب ويقولُ: لا مَرَدَّ لما قضيتُ، أنا
الذي لا أُعابُ ولا أخاب(٦). فيقول له المشركون: لبيك. ثمَّ يسألونه أن ينسئهم
شهراً يغزون فيه، فيقول: إنَّ صفرَ العام حرامٌ. فإذا قال ذلك حلُّوا الأوتارَ ونزعوا
الأسِنَّة والأزِجَّة(٧)، وإن قال: حلالٌ، عقدوا الأوتارَ ورَّبوا الأزِجَّة وأغاروا.
(١) هي قراءة يعقوب كما في النشر ٢٧٩/٢. وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: ((يُضَلُّ»،
والباقون: ((يَضِل)).
(٢) في (م): في.
(٣) المحتسب ٢٨٨/١.
(٤) البحر ٤٠/٥ .
(٥) قوله: له، ليس في (م).
(٦) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير البغوي ٢/ ٢٩١، وتفسير أبي السعود ٦٤/٤: ولا أجاب.
(٧) جمع زُجّ، وهي الحديدة التي تركّب في أسفل الرمح. اللسان (زجج).