Indexed OCR Text
Pages 261-280
الآية : ١٩ ٢٦١ سُورَةُ التَّوَنَّةِ ساق ((وعَمَرَةَ المسجد)) بفتحتين جمع عامر(١). وكذا قراءةُ الضحاك: ((سُقاية)) بالضم أيضاً مع الياء والتاء ((وعَمَرَةَ»(٢) كما في القراءة السابقة. ووَجْهُ ((سُقاية)) فيها: أن يكون جمعاً جاء على فُعال، ثمَّ أُنْثَ كما أَنَّث من الجموع نحو حجارة. فإنَّ في كلا القراءتين تشبيهُ ذاتٍ بذاتٍ. وإمَّا في جانب الذَّات، أي: أجعلتُموهما كإيمانِ مَن آمَنَ وجهادِ مَن جاهَدَ. وقيل: لا حاجةَ إلى التقدير في شيء، وإنَّما المصدرُ بمعنى اسم الفاعل، والمعنى عليه كما في الأول. وأيًّا ما كان فالخطابُ إمَّا للمشركين على طريقة الالتفات، واختارَه أكثرُ المحققين، وهو المتبادِرُ من النظم وتخصيصٍ ذِكْرِ الإيمان في جانب المشبّه به، واستدلَّ له بما أخرجه ابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن ابن عباس ﴿هَا، أنَّ المشركين قالوا: عمارةُ بيت الله تعالى والقيامُ على السِّقاية خيرٌ من الإيمان والجهاد(٣). فَذَكَر الله تعالى خيرَ الإيمان به سبحانه والجهادِ مع نبيِّه وَّر على عمران المشركين البيتَ، وقيامِهم على السِّقاية. وبما أخرجه ابنُ جرير وأبو الشيخ عن الضَّحاك قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أُسروا يومَ بدرٍ يعيِّرونهم بالشِّرك، فقال العباس: أما والله لقد كنَّا نعمرُ المسجد الحرام، ونفُ العانيَ، ونحجبُ البيتَ، ونسقي الحاجَّ. فأنزل الله تعالى (أَجَعَلْتُ) الآية (٤). وهذا ظاهرٌ في أنَّ الخطابَ لهم وهم مشركون. وإمَّا لبعض المؤمنين المُؤْثِرِين للسِّقاية والعمارةِ على الهجرة والجهاد، واستُدلَّ له بما أخرجه مسلم وأبو داود وابنُ جرير وابنُ المنذر وجماعةٌ عن النعمان بن بشير به قال: كنتُ عند منبر رسول اللهِوَ ﴿ في نفر من أصحابه، فقال رجلٌ منهم: ما أبالي أنْ لا أعمل عملاً لله تعالى بعدَ الإسلام إلا أنْ أسقي الحاجَّ. وقال آخرُ: بل عمارةُ المسجدِ الحرام. وقال آخر: بل الجهادُ في سبيل الله تعالى خيرٌ (١) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، كما في النشر ٢٧٨/٢، وينظر المحتسب ٢٨٥/١. (٢) المحتسب ٢٨٥/١. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٧٦٧/٦، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٢١٨/٣. (٤) تفسير الطبري ٣٨١/١١، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٢١٩/٣. سُورَةُ التَّوَّة ٢٦٢ الآية : ١٩ مما قلتم. فزجرهم عمرُ رَُّه وقال: لا ترفعوا أصواتًكم عند منبرٍ رسول الله وَ﴿ - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صلَّيتم الجمعةَ دخلتُ على رسول الله وَّ فاستفتيتُه فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله تعالى الآية إلى قوله سبحانه: (وَاللَّهُ لَا يَهَدِى أَلْقَوْمَ الظَِّلِينَ)(١) . وبما روي من طرقٍ أنَّ الآيةَ نزلت في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه والعباسِ، وذلك أنَّ الأميرَ كرَّم الله تعالى وجهَه قال له: ياعمّ، لو هاجرتَ إلى المدينة؟ فقال له: أولستُ في أفضلَ من الهجرة، ألستُ أسقي الحاجَّ وأعمرُ البيتَ؟(٢) وهذا ظاهرٌ في أنَّ العباسَ بَّه كان إذ ذاك مسلماً على خلافٍ ما يقتضيه غيرُه من الأخبار المتقدِّم بعضُها . وأُيِّد هذا القول بأنه المناسب للاكتفاء في الرَّدِّ عليهم ببيان عدمٍ مساواتهم عند الله تعالى للفريق الثاني، وبيانِ أعظميَّة درجتهم عند الله تعالى، الظاهرِ دخولهُ في الردِّ على وجهٍ يُشعِر بعدم حرمان الأوَّلين بالكليّة؛ لمكان ((أَفْعَلَ)) التفضيل. وجَعْلُ المشتمل على ذلك استطراداً لتفضيل مَن انَّصف بتلك الصفاتِ على غيرِه من المسلمين خلافُ الظاهر. وكذا القولُ بأنه سيقَ لتفضيلهم على أهل السِّقاية والعمارة من الكفرة، وهم وإن لم يكن لهم درجةٌ عند الله تعالى جاء على زعمِهم ومذَّعاهم. على أنَّه قيل عليه: إنه ليس فيه كثيرُ نفع؛ لأنَّه إنْ لم يُشعِرْ بعدم الحرمان، فليس بمشعرٍ بالحرمان. والكلامُ على الأوَّل توبيخٌ للمشركين، ومدارُهُ(٣) إنكار تشبيهِ أنفسهم من حيثُ اتِّصافُهم بوصفيهم المذكورين - مع قطعِ النَّظر عمَّا هم عليه من الشِّرك - بالمؤمنين (١) صحيح مسلم (١٨٧٩)، وتفسير الطبري ٣٧٨/١١، وهو عند أحمد (١٨٣٦٧)، ولم نقف عليه عند أبي داود. وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢١٨/٣، وعنه نقل المصنف . (٢) أسباب النزول للواحدي ص٢٤٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢١٨/٣ لابن أبي شيبة وأبي الشيخ وابن مردويه، وعنه نقل المصنف. (٣) في تفسير أبي السعود ٥٢/٤ (والكلام منه): ومداره على. الآية : ١٩ ٢٦٣ سُورَةُ التَّوَنَةِ من حيثُ اتِّصافُهم بالإيمان والجهاد، أو على إنكار تشبيهِ وصفَيهم المذكورين في حدٍّ ذاتهما - مع الإغماض عن مقارنتهما للشِّرك - بالإيمان والجهاد. والقولُ باعتبار المقارنة ممَّا أغمض عنه المحقّقون؛ لإباء المقام إِيَّاه، كيف لا وقد بُيِّن حبوطُ أعمالهم بذلك الاعتبار وكونُها بمنزلةِ العدم، فتوبيخُهم بعدُ على تشبيهها بالإيمان والجهاد، ثمَّ ردُّ ذلك بما يُشعر بعدم حرمانهم عن أصلِ الفضيلة بالكليّة ممَّا لا يساعدُه النَّظم الكريم، ولو اعتُبر، لَما احتيجَ إلى تقريرِ إنكار التشبيهِ وتأكيدِه بشيءٍ آخرَ؛ إذ لا شيءَ أظهرُ بطلاناً من نسبةِ المعدوم إلى الموجود. وقيل: لا مانعَ من اعتبارها ويقطع النظر عمَّا تقدَّم من بيان الحبوط، وعدمُ الحرمان المشعور به مبنيٌّ على ذلك. وفيه ما فيه. والمعنى: أجعلتم أهلَ السِّقاية والعمارة في الفضيلة وعلوِّ الدَّرجة كَمَن آمَنَ بالله واليوم الآخر وجاهدَ في سبيله. أو: أجعلتموهما في ذلك كالإيمان والجهاد، وشئَّانَ ما بينهما، فإنَّ السِّقاية والعمارةَ وإنْ كانتا في أنفسِهما من أعمال البرِّ والخير، لكنَّهما وإن خَلَتا عن القوادحِ بمعزلٍ أنْ يشبَّه أهلُهما بأهل الإيمان والجهاد، أو يشبَّه نفسُهما بنفسِ الإيمان والجهاد، وذلك قوله سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللّهِ﴾ أي: لا يساوي الفريقُ الأوَّلُ الثانيَ، وبظاهره يترجَّحُ التقديرُ الأوَّل، وإذا كان المرادُ: لا يستوون بأوصافهم، يرجع إلى نفي المساواة في الأوصاف، فيوافق الإنكارَ على التقدير الثاني، وإسنادُ عدم الاستواء إلى الموصوفين لأنَّ الأهم بيانُ تفاوتهم. وتوجيهُ النفي ها هنا والإنكارِ فيما سلف إلى الاستواء والتشبيهِ مع أنَّ دعوى المفتخرين بالسِّقاية والعمارة من المشركين أو المؤمنين إنما هي الأفضليَّةُ دون التساوي والتشابُه؛ للمبالغة في الردِّ عليهم، فإنَّ نفي التساوي والتشابُهِ نفيٌ للأفضلية بالطريق الأَولى. لكنْ ينبغي أنْ يعلم أنَّ الأفضلية التي يدَّعيها المشركون تُشعر بثبوتِ أصلِ الفضيلة للمفضَّل عليه، وهم بمعزلٍ عن اعتقادِ ذلك، وكيف يتصوَّر منهم أنَّ في جهادهم وقتلِهِم فضيلةً، أو أنَّ في الإيمان المستلزم لتسفيه رأيهم فيما هم عليه فضيلةً، فلا بدَّ أنْ يكون ذلك من باب المجاراة فلا تغفل. سُوَّةُ التَّوَّة ٢٦٤ الآية : ٢٠ والجملة استئنافٌ لتقرير الإنكار المذكورِ وتأكيدِه، وجوَّز أبو البقاء أن تكونَ حالاً من مفعولَي الجعل، والرابطُ ضميرُ الجمع، كأنه قيل: سوَّيتُم بينهم حالَ كونهم متفاوتين عند الله(١). ﴿وَاللّهُ لَا يَهَدِى أَلْقَوْمَ الَّذِينَ ﴾﴾ أُريدَ بهم المشركون، وبالظُّلم الشِّركُ، أو وَضْعُ الشيء في غير موضعه شركاً كان أو غيرَهِ، فيدخلُ فيه ظلمُهم في ذلك الجعل، وهو أبلغُ في الذمِّ. والمرادُ من الهداية: الدلالةُ الموصولةُ، لا مطلقٌ الدلالةِ؛ لأنه لا يناسبُ المقام، وهذا حكمٌ منه تعالى أنه سبحانه لا يوفِّقُ هؤلاء الظالمين إلى معرفة الحقِّ وتمييزِ الراجحِ من المرجوح، ولعلَّه سِيق لزيادة تقریرٍ عدم الّساوي. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ﴾ استئنافٌ لبيان مراتبٍ فَضْلِهِم زيادةً في الردِّ وتكميلاً له، وزيادةُ الهجرةِ وتفصيلُ نوعي الجهاد للإيذان بأنَّ ذلك من لوازم الجهاد، لا أنَّه اعتُبِرَ بطريق التدارُكِ أمرٌ لم يُعتبر فيما سلف. والظاهرُ من السّياق أنَّ المفضَّل عليه أهلُ السقاية والعمارة من المشركين، وقد أشرنا إلى ما لَه وما عليه حَسْبَما ذكره بعضُ الفضلاء. وأنا أقول: إذا أريدَ من ((أَفْعْلَ)) المبالغةُ في الفضل وعلوِّ المرتبة والمنزلةِ فالأمرُ هيِّنٌ، وإذا أريد به حقيقتُه، فهناك احتمالان: الأول أنْ يقال: حُذِفَ المفضَّلُ عليه إيذاناً بالعموم، أي: إنَّ هؤلاء المتَّصفين بهذه الصفات أعلى رتبةً وأكثرُ كرامةً ممَّن لم يتَّصف بها كائناً مَن كان، ويدخل فيه أهلُ السِّقاية والعمارة، ويكفي في تحقّق حقيقة ((أفعل)) وجودُ أصل الفعل في بعض الأفراد المندرجة تحت العموم، كما يقال: فلانٌ أعلمُ الخلقِ، مع أنَّ منهم مَن لا يتَّصفُ بشيءٍ من العلم، بل لا يمكنُ أن يتَّصف به أصلاً، وهذا مما لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه، سوى أنَّه يعكِّرُ علينا أنَّ المقصودَ بالمفضَّل(٢) عليه في المثال مَن له (١) الإملاء ١٤٨/٣. (٢) في الأصل: بالتفضيل. الآية : ٢٠ ٢٦٥ سُورَةُ التَّوَّةِ) مشاركةٌ في أصل الفعل ولا كذلك ما نحنُ فيه، فإنْ لم يضرَّ هذا فالأمرُ ذاك، وإلا فهو كما ترى. الثاني أن يقال: ما أفهمتْه الصيغةُ من أنَّ للسُّقَاة والعُمَّار (١) من المشركين درجةً جاء على زعم المشركين، وحسَّن ذلك وقوعُ مثله في كلامهم مع المؤمنين، فإنهم قالوا كما دلَّ عليه بعضُ الأخبار السابقة: السقايةُ والعمارة خيرٌ من الإيمان والجهاد، ولا شكَّ أنَّ ما يشعر به ((خير)) من أنَّ في الإيمان والجهاد خيراً إنَّما جاء على زَعْمِ المؤمنين، فما في الآية خارجٌ مخرجَ المشاكلة مع ما في كلامهم وإن اختلف اللفظُ. وما قيل من أنَّ جَعْلَ معنى التفضيلِ بالنسبة إلى زعم الكفرة ليس فيه كثيرُ نفعٍ، ليس فيه كثيرُ ضررٍ، كما لا يخفى على مَن ذاق طعمَ البلاغة ولو بطرفٍ اللسان. ويُشعر كلامُ بعضهم أنَّ التفضيلَ مبنيٌّ على ما تقدَّم من قطع النَّظرِ وإغماض العين، أي: المتَّصفون بهذه الأوصاف الجليلة أعلى رتبةً ممَّن خلا منها وإن حاز جميعَ ما عداها ممَّا هو كمالٌ في حدٍّ ذاته، كالسِّقاية والعمارة. والمرادُ بسبيل الله هنا: الإخلاصُ أو نحوُه، لا الجهادُ، فالمعنى: جاهَدوا مُخْلِصین. ﴿وَأُوْلَكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿هُ الْفَإِزُونَ ﴾﴾ أي: المختصُّون بالفوز العظيم، أو بالفوز المطلق كأنَّ فوزَ مَن عداهم ليس بفوزٍ بالنسبة إلى فوزهم. والكلام على الثاني توبيخٌ لمن يُؤْثِرُ السِّقاية والعمارة من المؤمنين على الهجرة والجهادٍ، أي: أجعلتم أهلَهما من المؤمنين في الفضيلة والكرامة كَمَن آمَنَ بالله واليوم الآخر وجاهدَ في سبيله. أو: أجعلتموهما كالإيمان والجهاد. قالوا (٢): وإنما لم يذكر الإيمانَ في جانب المشبّه مع كونه معتبراً فيه قطعاً؛ تعويلاً على ظهور الأمر، وإشعاراً بأنَّ مدارَ إنكارٍ التشبيه هو السِّقايةُ والعمارة دون الإيمان، وإنَّما لم يترك ذكره في جانب المشبّه به أيضاً؛ تقويةً للإنكار، وتذكيراً لأسباب الرُّجحان (١) في الأصل: للسقاية والعمارة. (٢) القائل هو أبو السعود في تفسيره ٥٣/٤، وما قبله منه. سُوَّةُ التَّوِية ٢٦٦ الآية : ٢١ - ٢٢ ومبادي الأفضلية، وإيذاناً بكمال التلازم بين الإيمان وما تلاه. ومعنى عدم الاستواء عند الله تعالى وأعظميَّةِ درجة الفريق الثاني على هذا التقدير ظاهرٌ. والمرادُ بالظلم: الظلمُ بوضع كلٌّ من الراجحِ والمرجوح في موضع الآخر، لا الظلمُ الأعمُّ. وبعدم الهداية: عدمُ هدايته تعالى للمؤثِرِينَ إلى معرفة ذلك، لا عدمُ الهداية مطلقاً. والقصر في قوله سبحانه: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَإِزُونَ﴾ بالنسبة إلى درجة الفريقِ الثاني، أو الفوزِ المطلَقِ ادعاءً كما مر. اهـ. وأنت تعلم أنَّ عدمَ ذكر الإيمان في جانب المشبّه ظاهر؛ لأنَّ المؤمنين ما تنازعوا - كما يدلُّ عليه حديثُ مسلم السابقُ - إلا فيما هو الأفضلُ بعدَه، فمِنْ قائلٍ: السقايةُ، ومن قائلٍ: العمارةُ، ومن قائلٍ: الجهادُ. نعم يحتاج ذكرُه في جانب المشبّه به إلى نكتة، والتوبيخُ في الآية على هذا التقدير أبلغُ منه على التقدير الأوَّل فتأمَّل. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم﴾ أي: في الدنيا على لسانِ رسولهِ عليه الصلاة والسلام. وقرأ حمزة: (يَبْشُرهم)) بفتح الياء وسكون الباء وضمِّ الشين والتخفيف(١). على أنَّه من بَشَر الثلاثيِّ، وأخرجها أبو الشيخ(٢) عن طلحة بنِ مصرِّف. وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرِهم وكونِه سبحانه هو المبشِّر ما لا يخفى من اللطافة والُّطف. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ واسعةٍ ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ كبيرٍ ﴿وَجَنَّتٍ﴾ عاليةٍ قطوفُها دانية فِيَهَا﴾ أي: الجنات. وقيل: الرحمة ﴿نَعِيمٌ مُقِيمُ ﴾﴾ لا يرتحلُ ولا يسافر عنهم، وهو استعارةٌ للدائم. ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: الجنات ﴿أَبَدًا﴾ تأكيدٌ لما يدُّ عليه الخلودُ، ودفعُ احتمال أنْ يرادَ منه المكثُ الطويل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ لا قَدْرَ بالنسبة إليه لأجورِ الدنيا، أو للأعمال التي في مقابَلته. والجملةُ استئنافٌ وقعَ تعليلاً لما سبق. (١) التيسير ص ٨٧، والنشر ٢٣٩/٢. (٢) كما في الدر المنثور ٢٢٣/٣. الآية : ٢٣ ٢٦٧ سُورَةُ التَّوَنَّةِ وذكر أبو حيَّان(١) أنه تعالى لمَّا وصفَ المؤمنين بثلاثٍ صفاتٍ: الإيمانِ، والهجرةٍ، والجهادِ بالنفس والمال، قابَلهم على ذلك بالتبشير بثلاثةٍ: الرحمةِ، والرضوانِ، والجنَّةِ، وبدأ سبحانه بالرحمة في مقابلة الإيمان لتَوقُّفِها عليه، ولأنَّها أعمُّ النِّعم وأسبقُها كما أنَّ الإيمانَ هو السابق، وثنَّى تعالى بالرضوان الذي هو نهايةُ الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال، وثلَّث عزَّ وجلَّ بالجِنان في مقابلة الهجرة وتركِ الأوطان؛ إشارةً إلى أنَّهم لمَّا آثروا تَرْكَها بذَّلهم بدارِ الكفر الجنانَ، الدارَ التي هي في جواره، وفي الحديث الصحيح: ((يقول الله سبحانه: يا أهل الجنَّة هل رضيتُم. فيقولون: كيف لا نرضى وقد باعَدْتَنا عن نارٍك وأَدْخَلْتَنَا جنَّتَك؟ فيقول سبحانه: لَكُم عندي أَفْضَلُ مِن ذلك. فيقولون: وما أفضلُ من ذلك؟ فيقولُ جلَّ شأنُه: أُحِلُّ لكم رضائي فلا أسخَطُ عليكم بعده أبداً)(٢). ولا يخفى أنَّ وصفَ الجَّات بأنَّ (لهم فيها نعيمٌ مقيمٌ)) على هذا التوزيع في غاية اللطافة؛ لما أنَّ في الهجرة السَّفرَ الذي هو قطعةٌ من العذاب. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ نهيٌ لكلِّ فردٍ من أفراد المخاطبين عن مُوالاة فردٍ من المشركين، لا عن موالاةٍ طائفةٍ منهم، فإنَّ ذلك مفهومٌ من النَّظِمِ الكريم دلالةٌ لا عبارةً. والآيةُ على ما روى الثعلبيُّ عن ابن عباس نزلتْ في المهاجرين؛ فإنَّهم لمَّا أُمروا بالهجرة، قالوا: إنْ هاجَرْنَا قَطَعْنا آباءَنا وأبناءَنا وعشيرتَنا، وذهبتْ تجارتُنا، وهلكتْ أموالُنا، وخرِبتْ ديارُنا، وبقينا ضائعين، فنزلت، فهاجروا، فجعل الرجلُ يأتيه ابتُه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفتُ إليه ولا يُنزله ولا يُنفق عليه، ثمَّ رخّص لهم في ذلك(٣). (١) في البحر ٥/ ٢١ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣١٢/٤. (٢) أخرجه أحمد (١١٨٣٥)، والبخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه عندهم: (( ... وما لنا لا نرضى وقد أعطينا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول .... )) وفيه أيضاً: ((أُحلُّ عليكم رضواني)). (٣) تفسير الثعلبي ٥/ ٢١ بنحوه، وذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف ١٨٠/٢، وهو من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٢٦٨ الآية : ٢٣ ورَوَى عن مقاتل أنَّها نزلتْ في التسعة الذين ارتدُّوا ولحقوا بمكة؛ نهياً عن موالاتهم. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﴿ها أنَّها نزلت في حاطبٍ بن أبي بلتعة حين كتب إلى قريشٍ يخبرُهم بخبر رسول الله وَّ ه لما عزم على فتح مكّة. (١) وهذا ونحوُه يقتضي أنَّ هذه الآيةَ نزلت قبل الفتحِ. واستَشْكَلَ ذلك الإمامُ الرازيُّ(٢) بأنَّ الصحيح أنَّ هذه السورة إنَّما نزلت بعد فتح مگّةً، فکیف یمکن أن یکون سببُ النزول ما ذُكر. وأجيب بأنَّ نزولَها قبلَ الفتح لا ينافي كونَ نزولِ السورةِ بعدَه؛ لأنَّ المرادَ معظمُها وصدرُها. وعلى القول بأنَّها نزلت في حاطب فالمعتبرُ عمومُ اللفظ لا خصوصُ السبب ويدخل حاطبٌ في النهي عن الانِّخاذ بلا شبهة. ﴿إِنِ اسْتَحَبُواْ﴾ أي: اختاروا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ﴾ وأصرُّوا عليه إصراراً لا يُرجى معه إقلاعٌ أصلاً، ولتضمُّنِ ((استَحَبَّ)) معنى ما ذُكر تعدَّى بـ ((على)). وتعليقُ النهي عن الاتِّخاذ بذلك لِمَا أنَّه قبل ذلك ربما يؤدِّي بهم إلى الإسلام بسبب شعورهم بمحاسنِ الدِین. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أي: واحداً منهم. والضميرُ في الفعل لمراعاة لفظِ الموصول، وللإيذان باستقلالِ كلِّ واحدٍ منهم بالاتِّصاف بالظلم الآتي؛ لأنَّ المرادَ تولِّ فردٍ واحدٍ منهم. و((من)) في قوله سبحانه: ﴿مِنْكُمْ﴾ للجنس لا للتبعيض. ﴿فَأَوْلَكَ﴾ أي: المتولُّون ﴿هُمُ الَّلِمُونَ ﴾﴾ بوضعِهم الموالاةَ في غيرِ موضعها، فالظلمُ بمعناه اللغويِّ. وقد يرادُ به التجاوُزُ والتعدِّي عمَّا حَدَّ الله تعالى إن كان المرادُ: ومَن يتولَّهم بعد النهي، والحصرُ ادِّعائي كأنَّ ظُلْمَ غيرِهم كَلَا ظُلْمِ عندَ ظُلْمِهم، وفي ذلك من الزَّجر عن الموالاة ما فيه. (١) مجمع البيان ٣٤/١٠، وأصل قصة حاطب عند أحمد (٨٢٧)، والبخاري (٣٠٨١)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي (٢) في تفسيره ١٨/١٦. الآية : ٢٤ ٢٦٩ سُورَةُ التَّوَيَّةِ ﴿قُلْ﴾ تلوينٌ للخطاب، وأمرٌ له وَِّ بأنْ يثبِّتَ المؤمنين، ويقوِّي عزائمَهم على الانتهاء عمَّا نُهوا عنه مِن موالاةِ الآباءِ والإخوان، ويزهِّدهم فيهم(١) وفيمَن يجري مجراهم، ويقطع علائقَهم عن زخارفِ الدنيا الدَّنيَّة على وجهِ التوبيخ والترهيب. أي: قل يا محمد للمؤمنين ﴿إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَكُمْ﴾ لم يذكرِ الأبناءَ والأزواجَ فيما سلف وذكرَهم هنا؛ لأنَّ ما تقدَّم في الأولياء وهم أهلُ الرأي والمشورة، والأبناءُ والأزواجُ تبعٌ ليسوا كذلك، وما هنا في المحبَّة وهم أحبُّ إلى کلِّ أحد. ﴿وَعَثِيرَتُهُ﴾ أي: ذَوو قرابتِكم، وقيل: عشيرةُ الرجل أهلُه الأدنَون، وأيًّا ما كان فِذِكْرُه للتعميم والشمولِ، وهو من العِشْرةِ، أي: الصحبة؛ لأنَّها من شأن القُربى. وقيل: من العَشَرة العددُ المعروفُ، وسمِّيت العشيرة بذلك - على هذا - لكمالهم؛ لأنَّ العَشَرة كما عَلِمْتَ عددٌ كاملٌ، أو لأنَّ بينهم عقدُ نسبٍ كعَقْدِ العَشَرة، فإنه عقدٌ من العقود، وهو معنىّ بعيد، وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((عشيراتكم))(٢). والحسن: ((عشائركم))(٣). وأنكر أبو الحسن(٤) وقوعَ الجمع الأوَّل في كلامهم، وإنما الواقعُ الجمعُ الثاني. ﴿وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُوهَا﴾ أي: اكْتَسَبْتُموها، وأصلُ الاقتراف اقتطاعُ الشيء من مكانه إلى غيره؛ من قَرَفْتُ القَرْحَةَ: إذا قَشَرْتها. والقِرْفُ: القِشْرُ. ووُصِفَتِ الأموال بذلك إيماءً إلى عزَّتها عندهم؛ لحصولها بكدِّ اليمين وعرقِ الجبين. ﴿وَتَجَرَّةٌ﴾ أي: أمتعةٌ اشتريتموها للتجارة والرِّبح ﴿تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ بفواتٍ وقتٍ رَوَاجِها بغيبتكم عن مَّة المعظّمة في أيام المواسم ﴿وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَآَ﴾ منازلُ تعجبكم الإقامةُ فيها . والتعرُّضُ للصِّفات المذكورة؛ للإيذان بأنَّ اللَّوم على محبَّة ما ذُكر من زينةِ (١) في الأصل: فيه، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥٤/٤، والكلام منه. (٢) التيسير ص١١٨، والنشر ٢٧٨/٢. (٣) القراءات الشاذة ص ٥٢. (٤) هو الأخفش، وكلامه في الدر المصون ٣٤/٦. سُوَّةُ التَّوَّةِ ٢٧٠ الآية : ٢٤ الحياة الدنيا لا ينافي ما فيها من مبادي المحبَّة وموجباتِ الرغبة فيها، وأنَّها مع ما لها من فنون المحاسِن بمعزلٍ عن أن تكونَ كما ذكر سبحانه بقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾ بالحبِّ الاختيارِيِّ المستتبع لأثرهِ الذي هو الملازمةُ وتقديمُ الطاعة، لا ميلُ الطبع فإنَّه أمرٌ جِبِلِيٍّ لا يمكنَ تركُه، ولا يؤاَخَذُ عليه، ولا يكلّف الإنسانُ بالامتناع عنه. ﴿وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ﴾ أي: طريقِ ثوابهِ ورضاه سبحانه، ولعلَّ المرادَ به هنا أيضاً الإخلاصُ ونحوُه، لا الجهادُ وإن أطلق عليه أيضاً أنه سبيل الله تعالى. ونُظم حبُّ هذا في سلكِ حبِّ الله تعالى شأنه وحبٍّ رسوله عليه الصلاة والسلام؛ تنويهاً لشأنه، وتنبيهاً على أنَّه ممَّا يجب أن يُحَبَّ فضلاً عن أن يُكره، وإيذاناً بأنَّ محبَّته راجعةٌ إلى محبّة الله عزَّ وجلَّ ومحبَّةٍ حبيبه وَِّ، فإنَّ الجهادَ عبارةٌ عن قتالٍ أعدائهما لأَجْلِ عداوتهم، فَمَنْ يحبُّهما يجبُ أن يحبَّ قتالَ مَن لا يحبُّهما. ﴿فَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَّ يَأْتِى اُللّهُ بأنيمُ﴾ أي: بعقوبته - سبحانه - لكم عاجلاً أو آجلاً، على ما روي عن الحسن واختارَه الجبَّائيُّ. وروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل: أنَّه فتحُ مكة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ ﴾ أي: الخارجين عن الطاعة في مُوالاة المشركين، وتقديم محبَّةٍ مَن ذُكر على محبَّةِ الله عزَّ وجلَّ ورسولِهِ وَِّ. أو: القومَ الفاسقين كافَّةً، ويدخَلُ المذكورون دخولاً أوليًّا. أي: لا يهديهم إلى ما هو خيرٌ لهم. والآيةُ أشدُّ آيةٍ نَعَتْ على الناس ما لا يكاد يَتَخلَّص منه إلَّا مَنْ تَدَارَكه الله سبحانه بلُطْفِهِ، وفي الحديث عن النبيِّ وَّ: ((لا يَطْعَمُ أحدُكم طَعْمَ الإيمان حتَّى يحبَّ في الله تعالى ويبغضَ في الله تعالى، حتَّى يحبَّ في الله سبحانه أبعدَ الناس، ويبغضَ في الله عزَّ وجلَّ أقربَ الناس))(١) والله تعالى الموفِّق لأحسن الأعمال. (١) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف ٢/ ١٨٠ - ١٨١. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٧٤: لم أجده بهذا اللفظ. اهـ. وأخرج أحمد (١٥٦٣٨)، والترمذي (٢٥٢١) من حديث معاذ بن أنس الجهني: ((مَن أعطى الله، ومنع الله، وأحب لله؛ التفسير الإشاري (١ - ٢٤) ٢٧١ سُؤَدَّةُ التَّوَّةِ ومن باب الإشارة: أنه سبحانه أشار إلى تمكّن رسوله عليه الصلاة والسلام، ووصولِ أصحابه ه، إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا مُحتجِبين بالأفعال تارةً وبالصفات أخرى، وبذلك تحقّقت الضِّدِّية على أكمل وجهٍ بينهم وبين المشركين، فَزَلَتِ البراءةُ، وأُمِرُوا بنَبْذِ العهد ليقعَ التوافُقُ بين الباطن والظاهر، وأُمِرَ المشركون بالسِّياحة في الأرض أربعةً أشهر - على عددٍ مواقفهم في الدنيا والآخرة - تنبيهاً لهم؛ فإنَّهم لِمَّا وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حُجِبوا عن الدِّين والأفعال والصفات والذَّات في برزخ الناسوت، فلزمهم أنْ يوقَفُوا في الآخرة على الله عزَّ وجِلَّ، ثمَّ على الجبروت، ثمَّ على الملكوت، ثم على النار في جحيم الآثار فيعذَّبوا بأنواع العذاب. ومَن طبَّق الآياتِ على ما في الأنفُسِ ذَكَر أنَّ هذه المدَّةَ مَّةُ كمالِ الأوصاف الأربعة: النباتيَّةِ، والحيوانيَّةِ، والشيطانيَّةِ، والإنسانيَّة. ثم قال سبحانه لهم: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنگُ غيرُ مُعْجِى اللّهِ﴾ إذ لا بدَّ مِن حَبْسِكُم في تلك المواقفِ بسبب وقوفِكم مع الغير بالشّرك ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ﴾ المحجوبين عن الحقِّ بافتضاحهم عند ظهور رتبةٍ ما عبدوه من دونهِ، ووقوفهم معه على النار. ﴿وَأَذَنْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْتَرِ﴾ أي: وقتَ ظهورِ الجمع الذاتيٌّ في صورة التفصيل ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِئٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولُهُ ﴾ المرادُ بذلك كمالُ المخالفة والتضادِّ، وانقطاعُ المددِ الرُّوحاني. والمرادُ من قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا﴾ الذين بقيتْ فيهم مسكةٌ من الاستعداد، وأثرٌ من سلامةِ الفظْرة، وبقايا من المروءة، أُمر المؤمنون أن يتمُّوا إليهم عهدَهم إلى مدَّتهم، وهي مدَّةٌ تراكمُ الدّين وتحقُّقِ الحجاب إن لم يرجعوا ويتوبوا . ثمَّ قال سبحانه بعد أن ذَكَرَ ما ذَكَر: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: علماً ﴿وَهَاجَرُوا﴾ أي: هجروا الرغائبَ الحسِّيَّةَ والأوطانَ النفسية ﴿وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِمْ﴾ وهي = وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل الإيمان)). قال الترمذي: حديث حسن. اهـ. وأخرجه أبو داود (٤٦٨١) من حديث أبي أمامة سُورَةُ الثَّوَنَّة ٢٧٢ الآية : ٢٥ أموالُ معلوماتهم ومُراداتِهم ومقدوراتِهم. والجهادُ بهذه إشارةٌ إلى محوِ صفاتهم، والجهادُ بالأنفس إشارةٌ إلى فنائها في الله تعالى أولئك ﴿أَعْظَمُ دَرَبَةً﴾ في التوحيد ﴿عِندَ اللّهِ﴾ تعالى. ﴿يُبَشِرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ وهو ثوابُ الأعمال ﴿وَرِضْوَنٍ﴾ وهو ثوابُ الصفات ﴿وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيهَا نَغِيرٌ مُّقِيةٌ﴾ وهو مشاهدةُ المحبوبِ الذي لا يزولُ، وذلك جزاءُ الأنفس. ووجهُ الترتيب على هذا ظاهرٌ، وإنَّما تولَّى الله تعالى بشارتَهم بنفسهِ عزَّ وجلَّ ليزدادوا حُبًّا له تبارك وتعالى، لأنَّ القلوبَ مجبولةٌ على حبٍّ مَن يبشِّرها بالخير. ثُمَّ إِنَّه سبحانه بَيَّن أنَّ القرابةَ المعنويَّة والتناسُبَ المعنويَّ والوصلةَ الحقيقيّة أحقُّ بالمراعاة من الاتصال الصوريِّ مع فَقْدِ الاتّصال المعنويِّ واختلافِ الوجهة، وذَّ سبحانه التقيُّدَ بالمألوفات الحسِّيةِ، وتقديمَها على المحبوب الحقيقيِّ والتعيُّن الأول له والسبب الأقوى للوصول إلى الحضرة، وتوَّد عليه بما توعّد، نسألُ الله تعالى التوفيق إلى ما يقرِّبنا منه إنه وليُّ ذلك. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاِنَ﴾ خطابٌ للمؤمنين خاصَّةً، وامتنانٌ عليهم بالنُّصرة على الأعداء التي يترك لها الغيورُ أحبَّ الأشياء إليه. والمواطنُ جمعُ موطن وهو الموضعُ الذي يقيمُ فيه صاحبُهُ، وأُريد بها مواطنُ الحربِ، أي: مقاماتُها ومَواقِفُها، ومن ذلك قولُه : وكم موطنٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَی بأجرامه من قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهوي(١) والمنعُ من الصَّرف لصيغة منتهى الجموع. واللامُ موطِّئَةٌ للقسم، أي: أُقْسِمُ واللهِ لقد نَصَركم الله في مواقفَ ووقائعَ ﴿كَثِيرَوْ﴾ منها وقعةُ بدرٍ التي ظهرتْ بها (١) البيت ليزيد بن الحكم الثقفي كما في أمالي القالي ٦٨/١، والأغاني ٢٩٥/١٢، وأمالي ابن الشجري ٢٧١/١، والحماسة البصرية ٢٧٧/٢. والخزانة ١٣٦/٣، وفيه: طاح الرجل يطوحٍ ويطيح: إذا هلك. والأجرام: جمع جِرم، وهو الجِسم، كأنه جَعَلَ أعضاءه أجراماً توسعاً، أي: سقط بجسمه وثقله. والنِّيق: أرفعُ الجبل. وقلَّته: ما استدقَّ من رأسه. الآية : ٢٥ ٢٧٣ سُورَةُ النَويّة شمسُ الإسلام، ووقعةُ قريظة والنضير والحديبية، وأنهاها بعضهم إلى ثمانين. وروي أنَّ المتوكّل اشتكى شكايةً شديدةً، فنذر أن يتصدَّق - إن شفاه الله تعالى - بمالٍ كثيرٍ، فلما شُفي سأل العلماءَ عن حدِّ الكثير، فاختلفت أقوالُهم، فَأُشير عليه(١) أن يسأل أبا الحسن عليَّ بنَ محمدٍ بن علي بن موسى الكاظم وقد كان حَبَسه في داره، فأمر أن يُكتب إليه، فَكَتَبَ ◌َظُله: يتصدَّق بثمانين درهماً. ثمّ سألوه عن العِلَّة، فقرأ هذه الآيةَ وقال: عَدَدْنا تلكَ المواطنَ فبلغتْ ثمانين(٢). ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطفٌ على محلِّ ((مواطن)) وعطفُ ظرفِ الزمان على المكان وعكسُه جائزٌ على ما يقتضيه كلامُ أبي عليٍّ ومَنْ تَبِعِه. نعم ظاهرُ كلام البعضِ المنعُ؛ لأنَّ كلَّا من الّرْفَينِ يتعلَّقُ بالفعل بلا تَوسُّطِ العاطِفِ، ومتعلّقاتُ الفعل إنَّما يعطفُ بعضُها على بعضٍ إذا كانت من جنسٍ واحد. وقال آخرون: لا مَنْعَ من نسقِ زمانٍ على مكانٍ وبالعكس، إلّا أنَّ الأحسنَ تركُ العاطفِ في مِثْلِه. ومَن مَنَعَ العَظْفَ أو استحسن تَرْكَه قال: إنَّه معطوفٌ بحذفِ المضاف، أي: ومواطنٍ يومٍ حنينٍ، ولعلَّ التغييرَ للإيماء إلى ما وقع فيه من قِلَّة الثبات من أوَّل الأمر. وقد يُعتبر الحذفُ في جانب المعطوف عليه، أي: في أيام مواطنَ، والعطفُ حينئذٍ من عطفِ الخاصِّ على العام. ومزيَّةُ هذا الخاصِّ التي أشار إليها العطفُ هي كونُ شأنه عجيباً وما وقع فيه غريباً؛ للّفَر بعد اليأس، والفَرَج بعد الشِّدَّة، إلى غير ذلك، وليس المرادُ بها كثرةَ الثواب وعِظَمَ النَّفع ليَرِدَ أنَّ يومَ حنينٍ ليس بأفضلَ من يومٍ بدرٍ الذي نالوا به القَدحَ المُعَلَّى، وفازوا فيه بالدَّرجات العُلا، فلا تتأَتَّى فيه نكتةُ العطف. (١) في (م): إليه. (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٣٦/١٠ - ٣٧. سُورَةُ النَّوَّةِ، ٢٧٤ الآية : ٢٥ وقيل: إنَّ ((موطن)) اسمُ زمانٍ كمقتل الحسين، فالمعطوفان متجانسان، وهو بعيدٌ عن الفهم. وأوجب الزمخشريُّ(١) كونَ ((يومَ)) منصوباً بمُضْمَرٍ، والعطفُ من عطفٍ جملةٍ على جملةٍ، أي: ونَصَركم يومَ حنين، ولا يصحُّ أن يكونَ ناصبُه ((نَصَركم)) المذكور؛ لأنَّ قوله سبحانه: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ بدلٌ من ((یومَ حنین)» فیلزمُ كونُ زمان الإعجاب بالكثرة ظرفَ النصرة الواقعة في المواطن الكثيرة؛ لاتِّحاد الفعل ولتقييدِ المعطوف بما يقيّد به المعطوفُ عليه وبالعكس، و((اليوم)) مقيّد بالإعجاب بالكثرة، والعاملُ منسحبٌ على البدل والمبدَلِ منه جميعاً، ويلزمُ من ذلك أن يكون زمانُ الإعجاب ظرفاً وقيداً للنصرة الواقعة في المواطن الكثيرة، وهو باطل؛ إذ لا إعجابَ في تلك المواطن. وأجيب بأنَّ الفعل بالمتعاطفين لا يلزمُ أن يكونَ واحداً بحيثُ لا يكون له تعدُّدُ أفرادٍ، كضربتُ زيداً اليومَ وعمراً قبلَه، وأضربه حين يقومُ وحين يقعدُ، إلى غيرِ ذلك. بل لا بدَّ في نحو قولك: زيد وعمرو، من اعتبار الأفراد، وإلّا لزم قيامُ العَرَض الواحدِ بالشَّخص بمحلَّين مختلفين، وهو لا يجوز ضرورةً، فلا يلزمُ من تقييدِه في حقِّ المعطوفِ بقيدٍ تقييدُه في حقِّ المعطوف عليه بذلك، ولا نسلِّم أنَّ هذا هو الأصلُ حتى يفتقرَ غیرُه إلی دلیل. وقال بعضُهم: إنَّ ذلك إنَّما يلزم لو كان المبدَلُ منه في حكم التنحية مع حرف العطفِ لیَؤُولَ إلی: نصركم الله في مواطن کثیرة إذ أعجبتكم، ولیس کذلك، بل يَؤُولُ إلى: نصركم الله في مواطن كثيرة وإذ أعجبتكم، ولا محذورَ فيه. وفي كونٍ البدلِ قيداً للمبدَلِ منه نظرٌ. و(حُنين)) وادٍ بين مكَّة والطائفِ على ثلاثة أميالٍ من مكَّة، حاربَ فيه رسولُ الله ◌َله والمسلمونَ هوازنَ وثقيفاً وجُشَماً، وفيهم دريد بن الصِّمَّة يتيمَّنون برأيه، وأناساً من بني هلال وغيرهم، وكانوا أربعةَ آلاف، وكان المسلمون على ما روي عن(٢) الكلبيِّ عشرةَ آلافٍ، وعلى ما روي عن عطاء ستةَ عشر ألفاً، وقيل: (١) في الكشاف ٢/ ١٨١. (٢) قوله: عن، ليس في (م). الآية : ٢٥ ٢٧٥ وَرَّةُ التَّوَيَّةِ ثمانية آلاف، وصُحِّح أنَّهم كانوا اثني عشر ألفاً، العَشر الذين حضروا مَّةً وألفان انضمُّوا إليهم من الطلقاء، فلما التَقوا قال سلمةُ بن سلامة(١)، أو أبو بكر ظًَّا: لن نُغلب اليومَ من قِلَّةُ(٢). إعجاباً بكثرتهم. وقيل: إنَّ قائلَ ذلك رسولُ اللهِ وَّهِ. واستَبْعدَ ذلك الإمامُ(٣) لانقطاعه وَُّ عن كلِّ شيءٍ سوى الله عزَّ وجلَّ. ويؤيِّد ذلك ما أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) عن الربيع أنَّ رجلاً قال يوم حنين: لن نُغلبَ من قِلَّة. فشقَّ ذلك على رسول الله وَلِيَّ(٤). والظاهرُ أنَّ هذه الكلمةَ إذا لم ينضمَّ إليها أمرٌ آخرُ لا تُنافي التوُّلَ على الله تعالى، ولا تستلزمُ الاعتمادَ على الأسباب، وإنَّما شقَّتْ على رسول الله وَّهِ لِمَا انضمَّ إليها من قرائنِ الأحوال ممَّا يدلُّ على الإعجاب. ولعلَّ القائلَ أخذها من قولِهِ عليه الصلاة والسلام: ((خيرُ الأصحاب أربعةٌ، وخِيرُ السَّرايا أربعُ مئةٍ، وخيرُ الجيوش أربعةُ آلاف، ولا يُغْلَبُ اثنا عشر ألفاً من قِلَّة كلمتُهم واحدة)»(٥) لكنْ صَحِبها ما صَحِبها من الإعجاب. ثمّ إنَّ القومَ اقتتلوا قتالاً شديداً فأدرك المسلمين(٦) إعجابهم - والجمعُ قد يُؤْخَذُ بِفِعْلِ بعضِهم - فولَّوا مدبرين، وكان أوَّلَ مَن انهزم الطلقاءُ مكراً منهم، وكان ذلك سبباً لوقوع الخَلل وهزيمةِ غيرهم. (١) سلمة بن سلامة بن وقش أبو عوف الأشهلي، شهد العقبتين وبدراً وأحداً والمشاهد (ت٣٤هـ)، وقيل: مات سنة خمس وأربعين وهو ابن سبعين سنة، ودفن بالمدينة. الإصابة ٢٣٠/٤، وطبقات ابن سعد ٤٣٩/٣ - ٤٤٠. (٢) أخرجه البزار (١٨٢٧ - كشف) من حديث أنس ظه، وفيه: قال غلام منا من الأنصار ... ، وأخرجه الطبري ١١/ ٣٨٧ - ٣٨٩ عن قتادة والسدي دون تسمية القائل أيضاً. (٣) في تفسيره ٢١/١٦. (٤) الدلائل ١٢٣/٥. (٥) أخرجه أحمد (٢٦٨٢)، وأبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥) من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ها عن النبي ◌َّلقر به. قال الترمذي: إنما روي هذا الحديث عن النبي صل﴾ مرسلاً. وقال أبو داود: والصحيح أنه مرسل. وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٣٤٧/١: مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي ◌َّر. (٦) في (م): المسلمون، وهو خطأ. وقوله: فأدرك المسلمين إعجابهم، يعني: شآمته. حاشية الشهاب ٣١٤/٤. سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٢٧٦ الآية : ٢٥ وقيل: إنَّهم حملوا أوَّلاً على المشركين فهزموهم، فأقبلوا على الغنائم، فتراجعوا عليهم، فكان ما كان. والنبيُّ ◌َّهِ على بغلتِه الشهباء، تزولُ الجبال ولا يزولُ، ومعه العباس، وابنُ عمِّه أبو سفيان بن الحارث، وابنُه جعفر، وعليُّ بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه، وربيعةُ بن الحارث، والفضلُ بن العباس، وأسامةُ بن زيد، وأيمنُ بن عبيد، وقُتل ◌َظُبه بين يديه عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء من أهل بيته، وثبت معه أبو بكر وعمرُ ◌ِّبًا، فكانوا عشرةَ رجال(١). ولذا قال العبّاس ◌ُبه: وقد فرَّ مَن قد فرَّ عنه(٢) وأَقْشَعوا نَصَرْنا رسولَ الله في الحرب تسعةً بما مسَّه في اللهِ لا يَتَوجَّعُ(٣) وعاشرُنا لاقَى الحِمَامَ بنَفْسِه وقد ظهر منه وَّر من الشجاعة في تلك الوقعةِ ما أبهرَ العقولَ، وقطعَ لأَجْلِه أصحابُه ﴿ه بأنَّه عليه الصلاة والسَّلام أشجعُ الناس، وكان يقول إذ ذاك غيرَ مكترثٍ بأعداء الله تعالى: ((أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)»(٤). واختار ركوبَ البغلة إظهاراً لثباته الذي لا يُنكره إلَّا الحمار(٥)، وأنه عليه الصلاة والسَّلام لم يخطرْ بباله مفارقةُ القتال، فقال للعباس وكان صيِّتاً: ((صحْ بالناس)) فنادى: يا عباد الله، يا أصحابَ الشجرة، يا أصحابَ سورة البقرة. فكرُّوا عنقاً واحداً لهم حنينٌ يقولون: لبّيك لبّيك، ونزلت الملائكةُ، فالتقوا مع المشركين، فقال وَّ: ((هذا حين حَمِيَ الوطيس)) ثم أخذ كفَّا من تراب فرماهم ثم قال ◌َله: ((انْهَزَموا وربٍّ الكعبة)) فانهزموا(٦). وتفصيلُ القصة على أتم وجهٍ في كتب السير. (١) الدرر لابن عبد البر ص ٢٦٨ - ٢٦٩. ووقع في هامش الأصل عند قوله جعفر: وقيل قثم بن العباس بدله. والحديث أخرجه أحمد (١٥٠٢٧) عن جابر ◌َه، فذكر فيه تسعة ولم يذكر جعفر بن أبي سفيان ولا قثم بن العباس. وينظر تفسير الطبري ١٠/ ١٤٤. (٢) في الأصل و(م): منهم، والمثبت من المصادر، على ما يأتي. (٣) الاستيعاب ٨/٦، وأسد الغابة ١٨٩/١، والأول في العمدة لابن رشيق ص٣٦. ووقع في المصادر: سبعة، بدل: تسعة. وثامننا، بدل: وعاشرنا. (٤) أخرجه أحمد (١٨٤٧٥)، والبخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء (٥) في الأصل: الحمارة. (٦) أخرجه أحمد (١٧٧٥)، ومسلم (١٧٧٥) من حديث العباس ح ◌ُله بنحوه مطولاً دون ذكر = الآية : ٢٦ ٢٧٧ سُورَةُالتَّوَنَّةِ قَ تُغْنِ عَنكُمْ﴾ أي: لم تنفعكم تلك الكثرةُ ﴿شَيْئًا﴾ من النفع في أمرٍ العدوّ، أو: لم تُعطِكم شيئاً يدفعُ حاجتكم. ◌ْوَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: برحْبِها وسعتِها على أنَّ ((ما)) مصدريَّة، والباءُ للملابسة والمصاحبة، أي: ضاقتْ مع سعتِها عليكم. وفيه استعارةٌ تبعيَّةٌ إمَّا لعدم وجدان مكانٍ يقرُّون به مطمئنين، أو أنَّهم لا يجلسون في مكانٍ كما لا يُجلسُ في المكان الضيق. ثُمَّ وَلَيْتُمْ﴾ أي: الكفارَ ظهورَكم على أنَّ ((وَلَّى)) متعدِّيةٌ إلى مفعولين كما في قوله سبحانه: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَذْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ويدلُّ عليه كلامُ الراغب(١). وزعم بعضُهم أنَّه لا حاجةَ إلى تقدير مفعولين؛ لمَا في ((القاموس)»: ولَّى توليةً: أَدبر(٢). بل لا وجهَ له عند بعضٍ. وليس بشيء، والاعتمادُ على كلام الراغب في مثل ذلك أرغبُ عند المحقّقين، بل قيل: إنَّ كلام ((القاموس)) ليس بعُمْدة في مثله. وقوله تعالى: ﴿مُدْرِينَ ﴾﴾ حالٌ مؤكِّدةٌ، وهو من الإدبار بمعنى الذَّهاب إلى خلفٍ، والمرادُ: منهزمين. ﴿ثُمَّ أَزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: رحمتَه التي تَسْكُن بها القلوبُ، وتطمئنُّ اطمئناناً كليًّا مستتبعاً للنصر القريب، وأمَّا مطلقُ السكينة فقد كانتْ حاصلةً له وَله. ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على رسولِهِ، وإعادةُ الجارِّ للإيذان بالتفاوتِ، والمرادُ بهم الذين انهزموا، وفيه دلالةٌ على أنَّ الكبيرة لا تُنافي الإيمان. وعن الحسن: أنَّهم الذين ثبتوا مع رسول الله وٍَّ. وقيل: المرادُ ما يعمُّ الطائفتين، ولا يخلو عن حُسن. ولا ضير في تحقّق أصلٍ السَّكينة في الثابتين من قبلُ. = نزول الملائكة. قوله: فكرُّوا عنقاً واحداً، أي: رجعوا جماعة واحدة، من قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَفُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أي: رؤساؤهم وجماعاتهم، فهو بضم العين والنون، وتسكَّن، ويجوز فتحها بمعنى: مسرعين. حاشية الشهاب ٣١٥/٤. (١) في مفرداته (ولي). (٢) القاموس (ولي). سُورَةُ التَّوَيَّةِ ٢٧٨ الآية : ٢٦ وفسَّر بعضُهم السكينةَ بالأمان، وهي(١) له ◌ِّ بمعاينة الملائكةِ عليهم السَّلام، ولمن معه بظهورٍ علامات ذلك، وللمنهزمين بزوالِ قلقِهم واضطرابهم باستحضارهم(٢) أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكنْ، أو نحو ذلك. والظاهر أنَّ ((ثم)) في محلٌّها للتراخي بين الانهزام وإنزالِ السكينة على هذا الوجه. وقيل: إذا أُريد من المؤمنين المنهزمون، فهي على محلّها، وإنْ أُريد الثابتون يكون التراخي في الإخبار، أو باعتبار مجموعٍ هذا الإنزال وما ◌ُطِفَ عليه، وجَعْلُها للتراخي الرُّتْبِيِّ بعيدٌ. ﴿وَأَنَزَلَ جُنُودًا أَزْ تَرَوْهَا﴾ بأبصاركم كما يرى بعضُكم بعضاً، وهم الملائكةُ عليهم السلام على خيولٍ بُلقٍ عليهم البياضُ. وكونُ المرادِ: لم تَرَوْا مثلَها قبلَ ذلك، خلافُ الظاهر، ولم نر في الآثار ما يساعده. واختلف في عددهم فقيل: ثمانيةُ آلاف؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَن يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَثَةِ ءَالَفٍ﴾ [آل عمران: ١٢٤] مع قوله سبحانه بعدُ: ﴿يُمْدِذَكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةٍ ءَالَفٍ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. وقيل: خمسةُ آلافٍ للآية الثانيةِ والثلاثةُ الأولى داخلٌ في هذه الخمسة. وقيل: ستة عشر ألفاً بعددِ العسكرين، اثنا عشر ألفاً عسكرُ المسلمين، وأربعةُ آلاف عسكرُ المشرکین. وكذا اختلفوا في أنَّهم قاتلوا في هذه الوقعة أم لا، والجمهور على أنَّ الملائكة لم يقاتلوا إلَّ يومَ بدرٍ، وإنَّما نزلوا لتقويةِ قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنةِ وتأييدهم بذلك، وإلقاءِ الرُّعب في قلوب المشركين؛ فعن سعيد بن المسيب قال: حدَّثني رجلٌ كان في المشركين يومَ حنين قال: لمَّا كَشَفْنا المسلمين جَعَلْنَا نسوقُهم، فلما انتهينا إلى صاحبِ البغلة الشهباء تلقَّانا رجالٌ بيضُ الوجوه فقالوا: شاهتٍ الوجوهُ، ارجعوا فرجعنا، فركبوا أكتافنا (٣). (١) في (م): وهو. (٢) في (م): باستحضار. (٣) ذكره عن سعيد بن المسيب الرازي في تفسيره ٢٢/١٦، وذكره القرطبي ١٤٦/١٠ عن الآية : ٢٧ ٢٧٩ سُورَةُ التّئَةِ واحتجَّ مَن قال: إنَّهم قاتلوا، بما روي أنَّ رجلاً من المشركين قال لبعض المؤمنين بعدَ القتال: أين الخيلُ البلق والرجالُ عليهم ثيابٌ بيض؟ ما كنّا نراهم فيكم إلَّا كهيئة الشَّامة، وما كان قتلُنا إلا بأيديهم. فأُخبر بذلك رسولُ اللهِ وَّل، فقال عليه الصلاة والسلام: ((تلك الملائكة))(١) وليس له سندٌ يعوَّل عليه. ﴿وَعَذَّبَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالقتل والأسر والسَّبي ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: ما فعل بهم ممَّا ذكر ﴿َجَزَآءُ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ لكفرهم في الدنيا ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ التعذيبِ ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ أنْ يتوبَ عليه منهم لحكمةٍ تقتضيه، والمرادُ: يوفِّقُه للإسلام. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يتجاوز عمَّا سلفَ منهم من الكفر والمعاصي ﴿رَّحِيمٌ یتفضّل علیھم ويُئیبهم بلا وجوبٍ علیه سبحانه. روى البخاريُّ عن المِسْوَر بن مخرمَة أنَّ أناساً منهم جاؤوا إلى رسول الله وَهـ وبايعوه على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أَنت خيرُ الناس وأبرُّ الناس، وقد سبي أهلونا وأولادُنا وأُخذتْ أموالنا. وقد سُبي يومئذٍ ستةُ آلافٍ نَفْسٍ، وأُخذ من الإبل والغنم ما لا يُحصى. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ عندي مَن(٢) تَرَوْنَ، وإنَّ خيرَ القولِ أصدقُه، اختاروا إمَّا ذراريكم ونساءَكم وإمَّا أموالَكم)) قالوا: ما كنَّا نَعْدِلُ بالأحساب شيئاً. فقام النبي وَّ فقال: ((إنَّ هؤلاء جاؤونا مسلمين، وإنَّا خيَّرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدِلوا بالأحساب شيئاً، فَمَنْ كان بيده شيءٌ وطابتْ به نَفْسُه أنْ يردَّه فشَأْنُه، ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضاً علينا حتَّى نُصيبَ شيئاً فنعطيه مكانه)) قالوا: قد رضينا وسلَّمنا. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنا لا ندري لعلَّ فيكم مَن لا يَرْضَى، فَمُرُوا عُرَفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا)) فَرَفَعَتْ إليهِوَّهِ العرفاءُ أنَّهم قد رضُوا(٣). = سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري ٣٩٣/١١ و٣٩٥، والبيهقي في الدلائل ١٤٣/٥ عن عبد الرحمن بن أم بُرْتُن، وهو عبد الرحمن بن آدم البصري. (١) ذكره البغوي في التفسير ٢٧٩/٢، وفيه :... ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة .... (٢) في الأصل و(م): ما، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٣) الخبر بنحوه في صحيح البخاري (٤٣١٨، ٤٣١٩)، ومسند أحمد (١٨٩١٤) من طريق الزهري عن عروة عن المسور ومروان. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٢٧٠ من طريق الزهري عن عروة بلفظ المصنف. سُورَةُ التَّوَتِّيةِ، ٢٨٠ الآية : ٢٨ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أَخْبَرَ عنهم بالمصدر للمبالغة، كأنَّهم عينُ النجاسة، أو المراد: ذَوو نجسٍ، لخبثٍ بواطنهم وفسادِ عقائدهم، أو لأنَّ معهم الشركَ الذي هو بمنزلة النَّجَس، أو لأنَّهم لا يتطهَّرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاساتِ، فهي مُلابِسٌ لهم. وجوِّز أن يكون (نَجَسٌ)) صفةً مشبَّهة، وإليه ذهب الجوهريُّ(١)، ولا بدَّ حينئذٍ من تقديرٍ موصوفٍ مفردٍ لفظاً مجموعٍ معنىَ ليَصِحَّ الإخبارُ به عن الجمع، أي: جنسٌ نَجَسُ ونحوه. وتخريجُ الآية على أحد الأوجُهِ المذكورة هو الذي يقتضيه كلامُ أكثر الفقهاء، حيثُ ذهبوا إلى أنَّ أعيان المشركين طاهرةٌ، ولا فرقَ بين عبدةِ الأصنامِ وغيرهم من أصنافِ الكفار في ذلك. أنَّ أعيانَهم نَجِسةٌ كالكلاب والخنازير(٢). وروي عن ابن عباس رطَـ وأخرج أبو الشيخ وابنُ مردويه عنه ﴿هَا أنَّه قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن صافَحَ مشركاً فليتوضَّأ أو ليغسل كفيَّه))(٣). وأخرج ابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدِّه قال: استقبل رسول الله وَّي جبريل عليه السلام، فناوله يده فأبى أن يتناولها، فقال: ((يا جبريل، ما مَنَعَكَ أنْ تأخذَ بيدي؟)) فقال: إنَّك أخذتَ بيد يهوديٍّ، فكرهتُ أن تمسَّ يدي يداً قدْ مسَّتْها يدُ كافر. فدعا رسولُ اللهِ وَلَه بماءٍ فتوضَّأ، فناولَه يدَه فتناولها(٤). (١) في الصحاح (نجس). (٢) ذكره الطبري ١٩٨/١١ وقال: وهذا قول روي عن ابن عباس من وجهٍ غير حميد فكرهنا ذكره. (٣) الدر المنثور ٢٢٧/٣، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٢٥٨/١ - ٢٥٩ بلفظ: ((من صافح يهوديًّا أو نصرانيًّا ... ))، وفي إسناده إبراهيم بن هانئ، قال عنه ابن عدي: مجهول يأتي بالبواطيل، ولا يشبه حديثُ إبراهيمَ هذا حديثَ أهل الصدق. (٤) الدر المنثور ٢٢٧/٣، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٢٨١٣)، والعقيلي في الضعفاء ١٦٠/٣. قال الهيثمي في المجمع ٢٤٦/٣: فيه عمر بن رياح وهو مجمعٌ على ضعفه. اهـ. وقال عنه الفلاس كما في الميزان ١٩٧/٣: دجال، وقال الدارقطني: متروك الحديث.