Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ٢
٢٥٩
سُوَّةُ الفَاتِية
الاستغراق باعتبار تنزيل محامد غيره منزلة العدم؛ لأنَّ فيه تطويل المسافة والالتجاء
إلى معونة المقام من غير حاجة.
وقيل: حاصل الجواب عن كيفية صدور تلك الحقيقة بتخصيص العبادة المشتملة
على الحمد وغيره؛ لأنَّ انضمام غيره معه نوعُ بيانٍ لكيفيَّته، أي: حالُ حمدنا أنَّا
نجمعه بسائر عبادات الجوارح والاستعانة في المهمَّات، ونخص مجموعَها بك،
وتقدير السؤال والجواب بحاله، وحينئذٍ لا يصحُّ أن يكون الاختيار للرعاية لأنَّ
الاختصاصين متلازمان، بل لأنَّ الحمد مصدرٌ ساذٍّ مسدّ الفعل، وهو لا يدلُّ إلا على
الحقيقة، فكذا ما ينوب منابه وإن كان معرفةً ليصح بيانه بإياك نعبد، والحمل على
الاستغراق يبطل النيابة؛ إذ يصير الكلام مسوقاً لبيان العموم ولا يصح البيان.
وهذا الاختيار مستفادٌ من جَعْلٍ إياك نعبد بياناً لحمدهم، ولعلَّ الذي دعاه إليه
تركُ العاطف، فظنَّ أنه لذلك لا يكون إلا بياناً، وهو من التعكيس؛ لأنَّ جعل
الصدر متبوعاً للعجز أولى من العكس، فالمحققون المحقُّون على تعميم الحمد،
وأنَّ الفصل(١) لأنَّ الكلام الأول جارٍ على المدح للغائب بسبب استحقاقه كلَّ
الحمد، والثاني جارٍ على الحكاية عن نفس الحامد وبيان أحواله بين يدي الباطن
والظاهر والأول والآخر، فترك العطف للتفرقة بين الحالتين لا للبيان، ويدلُّ على
ذلك أنَّ حسن(٢) الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في
سياق واحد لمعلوم واحد، ولا بيان له على البيان، على أنَّ جعل ((إياك نعبد)) بياناً
ربما يناقضُ ما اذَّعاه من أنَّ الشكر بالقلب والجوارح واللسان، والحمدَ بالأخير؛
لأنَّ العبادة تكون بها كلها، فيلزم أن يكون الحمد كذلك.
وأيضاً الذهاب إلى فسحة الالتفات، والقول بأنَّ قوله: ((الحمد)، إلخ، واردٌ
على الشكر اللساني، و((إياك نعبد)» مشعرٌ بالشكر بالجوارح، و((إياك نستعين)) مؤذنٌ
بالشكر القلبي، أولى من الفرار إلى مضيق القول بالبيان.
وأيضاً في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعارٌ بأنَّ استحقاقه له لاتِّصافه بها،
وقد تقرَّر أنَّ في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعاراً بالعلِّيَّة، وهاهنا الصفات
(١) في هامش الأصل: وهو ترك العطف.
(٢) في (م): أحسن.

الآية : ٢
٢٦٠
سُورَةُ الْفَائِحَةِ
بأسرها تضمَّنتِ العموم، فينبغي أن يكون العموم في الحمد أيضاً؛ لأنَّ الشكر يقتضي
المنعِم والمنعَمَ عليه والنعمة؛ فالمنعِم هو الله تعالى، والاسم الأعظم جامعٌ لمعاني
الأسماء الحسنى ما عُلم منها وما لم يعلم، والمنعَم عليه العالمون، وقد اشتمل على
كلِّ جنسٍ مما سمِّي به، وموجب النعم الرحمن الرحيم، وقد استوعب ما استوعب،
فإذن لا يستدعي تخصيصُ الحكم بالبعض سوى التحكم أو التوهم.
هذا وأنا لو خُلِّيتُ وطبعي لا أمنع أن تكون أل للحقيقة من حيث هي، كما في
قولهم: الرجل خيرٌ من المرأة، أوْ لها من حيث وجودها في فردٍ غير معين، كما في:
ادخل السوق، أوْ لها في جميع الأفراد، وهو الاستغراق كما في: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى
خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].
والقول بأنَّ هذا المقام آبٍ عن الاستغراق لأنَّ اختصاص حقيقة الحمد به تعالى
أبلغ من اختصاص أفرادها جمعاً وفرادى؛ لاستلزام الأول الثاني، وسلوكُ طريقة
البرهان أقضى لحقِّ البلاغة. وأيضاً أصل الكلام: نحمد الله تعالى حمداً، وحَمْدُنا
بعضٌ لا كلّ، وفي اختصاص الجنس إشعارٌ بأنَّ حمدَ كلِّ حامدٍ لكلِّ محمود حمدٌ لله
تعالى على الحقيقة؛ لأنه إنما حَمِدَه على الصفات الكمالية المفاضة عليه من الفيّاض
الحق جلَّ وعلا، فهو فعلُه على الحقيقة، والحمد على الفعل الجميل، والمعتزليُّ -
وإن قال بالاستقلال - لا يمنع أنَّ الإقدار والتمكين منه تعالى، فيمكنه من هذا الوجه
أن يعمم عند المقتضي له، وقد صرَّح بهذا الزمخشريُّ أول التغابن، فقال في قوله
تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُّ﴾ [التغابن: ١]: قدَّم الظرفان ليدلَّ بتقديمهما على معنى
اختصاص الملك والحمد بالله تعالى، ثم قال: وأمَّا حَمْدُ غيره فاعتدادٌ بأنَّ نعمة الله
تعالى جرت على يده(١). وقد يقال أيضاً على أصله: إن الحمد المستغرق لا يجوز
أن يختصَّ، بل الحمد الحقيقي الكامل الذي يقتضيه إجراء هذه الصفات، فاللام
للحقيقة ويراد أكمل أنواعها، فهو من باب: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢]، و: حاتم
الجود؛ لأنه الذي يحقُّ أن يطلق عليه الحقيقة حتى كأنه كلها، لا لأنها للاستغراق في
المقام الخطابي، وتنزيل غير ذلك منزلة العدم فإنه تطويل للمسافة مع قِصَرِها = كلامٌ(٢)
(١) الكشاف ١١٢/٤ - ١١٣.
(٢) قوله: كلام ... ، هو خبر قوله: والقول بأن هذا المقام ...

الآية : ٢
٢٦١
سُوَّةُ الفَاتِةِ
لا أقبله وإن جلَّ قائله، ويعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، كيف ومن سنَّة الله
تعالى التي لا تبديل لها إجراءُ الكلام على سبيل الخطابة وإن كان برهانيًّا، فهي
أكثر تأثيراً في النفوس وأنفع لعوامٌ الناس، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى عند
قوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْمَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، فالتحرز
عن الاستغراق احترازاً عن المقام الخطابي ذهولٌ عن مغزى(١) كلام الله تعالى.
ثم لمَّا كان المقام مقتضياً لدقائق النعم وروافدها لم يكن تنزيل الحمد الغير
الكامل منزلةً العدم من مقتضيات المقام.
وتصريح الزمخشريِّ في التغابن بالتعميم ممنوعٌ؛ للتفرقة بين استغراق أفراد
الحمد الخارجية والذهنية، الحقيقية والمجازية، الكاملة وغير الكاملة، وبين
اختصاص حقيقة الحمد كما يشعر به قوله، وذلك لأنَّ الملك على الحقيقة له
وكذلك الحمد؛ فكما أنه لا يُنْفَى الملك عن غيره مطلقاً، فكذلك لا يُنْفَى الحمد
عنه؛ فإنَّ من أصل المعتزلة أنَّ نعمة الله تعالى جاريةٌ على يد العبد، لكنه موجدٌ
لإنعامه، فله حمدٌ يليق بإيجاده، ولله تعالى حمدٌ يليق بتمكينه وإفاضته، وهو الحمد
الكامل المختصُّ به عزَّ شأنه لا ذاك، وفي ((الكشاف))(٢) ما يؤيد ما قلناه لمن أمعن
النظر.
وأما حديثُ أن اختصاص حقيقة الحمد أبلغ من اختصاص الأفراد لاستلزام
الأول الثاني، فيجاب عنه: بأنَّ اختصاص الأفراد الخارجية والذهنية - كما قررنا -
مستلزم لاختصاص الحقيقة أيضاً؛ إذ لم يبق لها فردٌ غير مختصٍّ، فأين توجد؟
فالاستلزام متعاكسٌ، على أن حقيقة الحمد يصدق عليها الحمد، فهي فردٌ من أفراده
كما قال الدامغاني(٣)، فإذا خصص جميع أفراد الحمد به اختص حقيقته أيضاً.
(١) في (م): مقرى. وهو تصحيف.
(٢) في هامش الأصل و(م): فإنه قال فيه: وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى
- إلى قوله - ودليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحق منه بالحمد. اهـ منه. والكلام
في الكشاف ٥٩/١-٦٠ .
(٣) محمد بن علي الدامغاني الكبير الحنفي، ولي القضاء ببغداد بعد موت ابن ماكولا، توفي
ببغداد سنة (٤٧٨هـ). الفوائد البهية ص١٨٢ .

سُوَّةُ الفَاتِحَةِ
٢٦٢
الآية : ٢
وكون الأصل: نحمد الله تعالى حمداً، ليس بقاطع احتمالَ الاستغراق الآن،
فقد تغيَّر الحال. وأنت إذا تأملت بعدُ يرتفع عنك سِجاف الإشكال.
ولست أقول: إن الحمد أينما وقع يفيد ذلك، بل إذا دعا المقامُ إليه أجبناه،
ولهذا فرَّقوا بين هذا الحمد وحمد الإنعام؛ إذ عمومُ الربوبية وشمولُ الرحمة
واستمرارُ الملك هنا تقتضي استغراق الأفراد، توفيةً لحقِّ هذه السورة وحرصاً على
التئام نظمها، بخلاف ما في تلك السورة، فإن العمومات مفقودة فيها .
ومن الغريب أنَّ بعضهم جعلها للعهد؛ قال الفاكهي: سمعت شيخنا أبا العباس
المرسي يقول: قلت لابن النحاس(١): ما تقول في الألف واللام في الحمد، أجنسيَّةٌ
هي أم عهدية؟ فقال: يا سيدي قالوا: إنها جنسية، فقلت له: الذي أقول: إنها
عهدیة، وذلك أنَّ الله تعالی لمَّا علم عجز خلقه عن کُنْه حمده، حمدَ نفسه بنفسه في
أزله نيابةً عن خلقه، قبل أن نحمده، فقال: أُشهدكَ أنها للعهد، واستأنس له بما صحَّ
عنه وَّر من قوله: ((اللهم لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك))(٢).
وأغربُ من هذا ما ذهب إليه بعض ساداتنا الصوفية قدَّس الله أسرارهم - وليس
بالغريب عندهم - أنَّ الحمد لله على حدٍّ: الكبرياء الله و﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾
[الأعراف: ٥٤] فهو الحامد والمحمود، والجميع شؤونه، ولهم كلامٌ غيرُ هذا والكلُّ
یسقی بماء واحد.
وعن إمامنا الماتريديِّ روَّح الله تعالى روحه، أنه جعل هذا حمداً من الله تعالى
لنفسه، قال: وإنما حَمِد نفسَه ليعلم الخلق [استحقاقَه الحمدَ بذاته فيحمدوه]،
ولا ضير في ذلك؛ لأنه سبحانه هو المستحقُّ لذاته، والحقيق بما هنالك، إذ
لا عيب يمسُّه ولا آفة تحلُّ به(٣).
(١) هو بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد، أبو عبد الله النحوي، شيخ العربية بالديار
المصرية، توفي سنة (٦٩٨هـ). وأبو العباس المرسي هو أحمد بن عمر بن محمد، الزاهد
العارف، وارث شيخه الشاذلي تصوفاً، الأشعري معتقداً، توفي سنة (٦٨٦هـ). الوافي
بالوفيات ١٠/٢ و٢٦٤/٧.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٣١٢)، ومسلم (٤٨٦)، من حديث عائشة
(٣) تأويلات أهل السنة ٣/١ بنحوه، وما سلف بين حاصرتين منه.

الآية : ٢
٢٦٣
سُورَةُ الفَاتِحَة
ثم إنَّ ((الحمد)) فيما تواتر مرفوع، وهو مبتدأ خبره: ((الله))، وقرأ الحسن
البصريُّ وزيد بن عليٍّ: ((الحمدِ لله))، بإتباع الدال اللام، وإبراهيم بن أبي عبلة
وأهل البادية بالعكس(١)، وجاز ذلك استعمالاً - مع أنَّ الإتباع إنما يكون في كلمة
واحدة - لتنزيلهما لكثرة استعمالهما مقترنين منزلة الكلمة الواحدة. واختلف في
الترجيح مع الإجماع على الشذوذ؛ فقيل: قراءة إبراهيم أسهلُ لأمرين:
أحدهما: أنَّ إتباع الثاني للأول أيسر من العكس وإن وردا، كما في: مدَّ
وشدَّ، وأقبل وأدخل؛ لأنه جارٍ مجرى السبب والمسبَّب، وينبغي أن يكون السبب
أسبق رتبةً من المسبّب. وثانيهما: أنَّ ضمَّة الدال إعرابٌ وكسرة اللام بناءً، وحرمة
الإعراب أقوى من حرمة البناء، والمطَّردُ غلبة الأقوى الأضعفَ.
وقيل: إن قراءة الحسن أحسن؛ لأنَّ الأكثر جعل الثاني متبوعاً؛ لأنَّ ما مضى
فات، ولأنَّ جعل غير اللازم تابعاً للَّازم أولى، والاستقامة عين الكرامة.
وكأنه لتعارض الترجيح قال الزمخشريُّ: وأشفُّ القراءتين قراءة إبراهيم(٢). فعبَّر
بأشف، وهو من الأضداد.
وقرأ هارون بن موسى: ((الحمدَ لله))، بالنصب(٣)، وعامة بني تميم وكثيرٌ من
العرب ينصبون المصادر بالألف واللام، وهو بفعل محذوف قدَّروه: نحمد، بنون
الجماعة؛ لأنه مقولٌ على ألسنة العباد، ومناسبٌ لنعبد ونستعين، لا بنون العظمة؛
لعدم مناسبته لمقام العبادة المقتضي لغاية التذلل والخضوع، ويجوز أن يكون من باب:
وَكُلِّي إذا حدَّثْتُهُمْ أَلْسُنَّ تَثْلُو (٤)
وَإِنْ حَدَّثُوا عَنْها فَكُلِّي مَسامِعٌ
وحمل الغزالي قُدِّس سره حديثَ: ((صلاة الجماعة تَفْضُل صلاة الفذِّ بسبعِ
وعشرين درجة»(٥) على ذلك.
(١) القراءات الشاذة لابن خالويه ص١ والمحتسب ص٣٧.
(٢) الكشاف ١/ ٥٢.
(٣) البحر المحيط ١٨/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١ لرؤية بن العجاج.
(٤) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٣٨.
(٥) أخرجه أحمد (٥٧٧٩)، والبخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠). من حديث ابن عمر ـ

سُوَّةُ الفَاتِحَةِ
٢٦٤
الآية : ٢
وأرفع القراءات الرفع؛ لدلالة الجملة الاسمية على الثبوت والدوام بقرينة
المقام، بخلاف الفعلية فإنها تدلُّ على التجدد والحدوث. وإن كان هناك ظرف،
فإن قُدِّر متعلَّقه اسماً فهو ظاهر، وإلا فقد قيل: الخبر الفعليُّ إنما يفيد الحدوث إذا
كان مصرَّحاً به. على أنه قيل: لا تقدير، وماذكره النحاة لأمر صناعيٍّ اقتضاه؛
كقولهم: الظرفية اختصار الفعلية.
وقيل: إن الجملة الاسمية بمجرَّدها لا تدلُّ على ذلك، بل مع انضمام العدول،
وإن أعجبك فالتزمه فقد قيل بالعدول هنا، ولكن ليس هذا في كلام الشيخ
عبد القاهر (١)، بل من تدبَّر كلامه في بحث الحال من ((الدلائل))(٢) دَفَع بأقوى دليلٍ
الحالَ الذي عرض للناظرين. وقولهم: المضارع يفيد الاستمرار، أرادوا به
الاستمرار التجدُّديَّ في المستقبل لا في جميع الأزمنة، فلا ينافي ما قلنا، واختار
الجملة الاسمية ههنا إجابة لداعي المقام، وقد قال غير واحد: إنَّ أصل هذا
المصدر النصب؛ لأنَّ المصادر أحداث متعلقة بمحالٌّها، فيقتضي أن تدلّ على
نسبتها إليها، والأصل في بيان النسبة في المتعلَّقات الأفعال، فينبغي أن تلاحظ
معها، ويؤيد ذلك كثرة النصب في بعضها والتزامُه في بعض آخر، وقد تنزّل منزلة
أفعالها، فتسدُّ مسدَّها وتستوفي حقَّها لفظاً ومعنى، فيكون ذكرها معها كالشريعة
المنسوخة يستنكرها المتدیِّنُ بعقائد اللغة.
(١) في هامش الأصل و(م): فإنه قال في بحث الحال من الدلائل: فرق لطيف تمس الحاجة في
علم البلاغة إليه، بيانه: أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي
تجدده شيئاً فشيئاً، وأما الفعل فموضوعه على أن يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئاً بعد
شيءٍ، فإذا قلت: زيدٌ منطلق، فقد أثبتَّ الانطلاق فعلاً له من غير أن تجعله يتجدد ويحدث
منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: زيد طويل، وعمرو قصير، فكما
لا تقصد هنا إلى أن تجعل الطول والقصر يتجدد ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط،
وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: زيد منطلق. لأكثر من إثباته
لزيد، وأما الفعل فإنك تقصد فيه إلى ذلك، فإن قلت: زيد ينطلق، فقد زعمت أن الانطلاق
يقع منه جزءًا فجزءًا، وجعلته يزاوله ويوجبه. انتهى، فليحفظ. اهـ منه. والكلام في دلائل
الإعجاز ص١٧٤، وفيه: وجعلته يزاوله ويزجيه.
(٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في حاشيته على البيضاوي ٨٣/١، والصواب أن كلام
الجرجاني في فصل: القول على فروق في الخبر. دلائل الإعجاز ص١٧٤ .

الآية : ٢
٢٦٥
سُورَةُ الفَاتِيةِ
وبقي هاهنا أمور: الأول: اختلف في جملة الحمد، هل هي إخبارية أم
إنشائية؟ فالذي عليه معظم العلماء أنها إخبارية كما يقتضيه الظاهر؛ لما يلزم على
الإنشاء من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد، ضرورةً أنَّ الإنشاء يقارن
معناه لفظُه في الوجود، واللازمُ باطلٌ فالملزوم مثله، ولا يَرِدُ أنَّ القصدَ إحداثُ
الحمد لا الإخبار بثبوته؛ لأن الإخبار بثبوت جميع المحامد لله تعالى هو عينُ
الحمد، كما أن قولك: الله واحد، عین التوحید.
وألّف العلامة البخاريُّ في الانتصار لذلك، وردٌّ من زعم أنها إنشائية، وأطال
فيه، واهتمَّ بردِّه ابنُ الهمام، وذكر أنَّ ما ذكر باطل؛ لأن اللازم من المقارنة انتفاءُ
وصف الواصف لا الاتصاف؛ إذ الحمد إظهارُ الصفات لا ثبوتها، وأيضاً المخبر
بالحمد لا يقال له حامد؛ إذ لا يصاغ لغةً للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسمٌ
قطعاً، فلا يقال لقائلٍ: زيد له القيام: قائم، فلو كان الحمد إخباراً محضاً لم يُقَل
القائل: الحمد لله: حامد، وهو باطل، نعم يتراءى لزوم أن يكون كلٌّ مُخْبِرٍ مُنْشِأً
حيث كان واصفاً للواقع ومظهراً له، وهو توقُّم، فإنَّ الحمد مأخوذٌ فيه مع ذكر
الواقع كونهُ على وجه التعظيم، وهذا ليس جزء ماهية الخبر، فاختلفت الحقيقتان،
فالجملة إنشائية لا محالة.
وقال الملا خسرو: هي وأمثالها إخبارية لغة (١)، ونقلها الشارع للإنشاء لمصلحة
الأحكام، واعترض على إنشائيّتها بأنَّ الاستغراق ينافيه، ويستلزم كون الحامد منشئاً
لكل حمد، ومن المحال إنشاء الحمد القائم بغيره. وأجيب بأنه لا منافاة
ولا استلزام، ويكفي كونه منشئاً للإخبار بأنَّ كلَّ حمدٍ ثابت له ومحمود به.
والذي أرتضيه أنها إخبارية كما عليه المعظم، ويد الله تعالى مع الجماعة،
والمراد الإخبار بأنَّ الله تعالى مستحقُّ الحمد كما قال سبحانه: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِ الأُولَى
وَالَّخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] والمتكلم بها عن اعتقاد واصفُ ربَّه سبحانه بالجميل،
ومعظّمٌ له جلَّ شأنه، فيقال له: حامد، لذلك، لا لمحض الإخبار بما فيه لفظ
الحمد، بل إذا غيَّر الصيغة إلى ما ليس فيها ذلك اللفظ مما هو مشتملٌ على
(١) في هامش الأصل و(م): وقال الزمخشري: إنه خبر عَدَل به عن الأمر، كما في حواشي
البيضاوي للإمام السيوطي. اهـ منه.

سُورَةُ الفَاتِيةِ
٢٦٦
الآية : ٢
الوصف بالجميل بقصد التعظيم قيل له أيضاً: حامد، فللحمد صيغٌ شتَّى وعباراتٌ
كثيرة، حتى جُعل منها الإقرارُ بالعجز عن الحمد، وقد نقل أنَّ داود عليه السلام
قال: يارب كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فقال: يا داود، لمَّا علمتَ عجزَك عن
شكري فقد شكرتني.
فما ذكره ابن الهمام أولاً من أنَّ المخبر بالحمد لا يقال له حامد، إن أراد أن
المخبر من حيث إنه مخبرٌ لا يقال له ذلك، فمُسَلَّمٌ، والدليل تامٌ، لكنَّا بمعزل عن
هذه الدعوى، وإن أراد أن المخبر مطلقاً ولو قصد التعظيم لا يقال له ذلك،
فممنوع، ولا تقریب في الدليل كما لا يخفى.
وما ذكره ثانياً من قوله: نعم .. . إلخ، يُعلم دفعه من خبايا زوايا كلامنا.
وما ذكره الملا خسرو يَرِدُ عليه أنَّ النقل في أمثال ما نحن فيه بلا ضرورة
ممنوع، ولا تظنَّ من كلامي هذا أني أمنع أن يكون الحمد بجملة إنشائية رأساً،
معاذ الله، ولكني أقول: إن الجملة هنا إخباريةٌ، وإن الحمد يصحُّ بها بناءً على
ما ذكرناه، والبحث بعدُ محتاجٌ إلى تحرير، ولعل الله تعالى يوفقه لنا في مظانِّه،
والظن بالله تعالى حسن.
الثاني: أنه شاع السؤال عن معنى كون حمد العباد لله تعالى، مع أنَّ حمدهم
حادثٌ، وهو سبحانه القديم، ولا يجوز قيام الحادث به.
وأجيب(١) بأنَّ المراد تعلُّق الحمد به تعالى، ولا يلزم من التعلَّق القيام؛ كتعلق
العلم بالمعلومات، فلا يتوجه الإشكال أصلاً .
وقيل: إنَّ الحمد مصدرُ بناء المجهول، فيكون الثابت له عزَّ شأنه هو
المحمودية، وصيغة المصدر تحتمل ذلك وغيره، ولهذاجعل بعضهم في الحمد لله
أوائل الكتب اثنين وأربعين احتمالاً (٢).
(١) في هامش الأصل و(م): المجیب محيي الدين الکافیجي. اهـ منه.
(٢) في هامش الأصل و(م): فإن للحمد معنيين مشهورين: لغوي وعرفي، وعلى كلا التقديرين،
إما أن يراد المعنى المبنيُّ للفاعل، أو المعنى المبني للمفعول، أو الحاصل بالمصدر،
ويجوز أن يراد ما يطلق عليه لفظ الحمد ليعم الكل، ولام التعريف يحتمل أن يكون =

الآية : ٢
٢٦٧
سُوَّةُ الْفَاتِيَةِ
وقيل - وهو من الغرابة بمكان -: إنَّ اللام للتعليل، أي: الحمد ثابتٌ لأجل الله
تعالی.
الثالث: أنه أتى باسم الذات في الحمدلة لئلا يُتوهمَّ - لو اقتصر على الصفة -
اختصاصُ استحقاقه الحمدَ بوصفٍ دون وصف، وذلك لأنَّ اللام على ما قيل
للاستحقاق، فإذا قيل: ((الحمد لله)) يفيد استحقاق الذات له، وإذا عُلِّق بصفةٍ أفاد
استحقاق الذات الموصوفة بتلك الصفة له، والاختصاص إفادة التعريف، ولكون
الاختصاص كذلك حكماً باطلاً في نفسه جُعل متوهماً، لا لأنَّ تعليق الحكم
بالوصف يدلُّ على العِلِّية لا على الاختصاص؛ لأنه مستفادٌ من تعريف المسند إليه،
ومعنى الاستحقاق الذاتي: ما لا يُلاحظ معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون
الذات البحث مستحقّاً له، فإن استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل، وسُمِّي ذاتيّاً
لملاحظة الذات فيه من غير اعتبارٍ خصوصيةِ صفةٍ، أو لدلالة اسم الذات عليه، أو
لأنه لَمَّا لم يكن مستنداً إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسنداً إلى الذات.
وقد قسّم بعض ساداتنا قدَّس الله تعالى أسرارهم الحمدَ باعتبار صدوره إلى
قسمين؛ فمصدره باعتبار الفرق من محلَّين، ومنبعُه من عينين، فإن وُجد من الحقِّ
وصدر من الوجود المطلق، فتارة يكون على الذات بانفرادها ووحدتها وغيبتها في
عَماءُ هُويَّتها، وتارةً بكمال إطلاقها في وجودها، وتارةً بتنَزُّلاتها إلى حضرات(١)
شهودها. وتارةً بكمال أوصافها ونعوتها، وتارةً بكمال آثارها وأفعالها، وتارةً يثني
على أوصافها من حيث الجملة، وتارةً من حيث التفصيل، فيثني على العلم من
حيث إحاطته بكلِّ معلوم من حقِّ وخلق وغيب وشهادة وملك وملكوت وبرزخ
وجبروت، واستقلاله بالوجودمن غير مدَّة ولا مادة ولا معلم ولا مفيد، وتقدُّسه عن
النقص وتنَزُّهه عما يخطر في الوهم، وكذلك على سائر الصفات بما يليق بها
ویجب لها .
= للاستغراق، وأن يكون للجنس، وأن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى الفرد الكامل،
ولام (الله)) يحتمل أن يكون لاختصاص الصفة بالموصوف، وأن يكون لاختصاص المتعلق
بالمتعلق، فهناك اثنان واربعون احتمالاً حاصلة من ضرب الثلاثة في اثنين أولاً، وضرب
الثلاثة في سبعة ثانياً، وضرب الاثنين في أحد وعشرين ثالثاً، فتأمل. اهـ منه.
(١) في (م): حظيرات.

سُورَةُ الفَاتِحَةِ
٢٦٨
الآية : ٢
وإن وجد من الخلق والوجود المقيَّد، فتارةً يكون على ذات الحق، وتارةً على
صفاته، وتارةً على أسمائه، ومرَّة على أفعاله، وطوراً على أسراره، وكرَّة على لطيف
صنعه وخفيٍّ حكمته في أفعاله وآثاره، وذلك بحسب مبلغ الناس في العلم، ومنتهاهم
في العقل والفهم: ﴿وَمَا فَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، و﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾
[طه: ١١٠] و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَنَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، وإذا اعتبر الجمع
كان الكل منه وإليه ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢] فلا حامدَ ولا محمود سواه:
وأَنْتَ الذي تُعْنَى وأَنْتَ المُؤَمّلُ(١)
أُورِّي بِسُعْدی والرَّبابِ وزَیْنَبٍ
وهناك يرتفع كلُّ إشكال وينقطع كل مقال. وإنما قُدِّم الحمد على الاسم الكريم
لاقتضاء المقام مزید اهتمام به، لكونه بصدد صدور مدلوله، فهو نصب العين، وإن كان
ذكر الله تعالى أهمَّ في نفسه، والأهمية تقتضي التقديم، إلا أنَّ المقتضي العارض
بحسب المقام أقوى عند المتكلِّم، وتأخيرُ ما قُدِّم هنا في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ
فِي السَّمَوَتِ﴾ [الروم: ١٨] لغرضٍ آخر سيأتيك مع أمورٍ أُخر في محلِّه إن شاء الله تعالى.
والربُّ في الأصل مصدر بمعنى التربية(٢): وهي تبليغ الشيء إلى كماله بحسب
استعداده الأزلي شيئاً فشيئاً، وكأنها من ربًا الصغير - كعلا -: إذا نشأ، فعُدِّي
بالتضعيف، ووُصف به للمبالغة الحقيقية والصورية، فالتجوُّز فيه إما عقليٍّ من قبيل:
فإنما هي إقبال وإدبار(٣)
أو لغوي كـ ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل: هو صفة مشبهة. وفي (شرح التسهيل)): أنه ممنوع، والظاهر أنه من
مبالغة اسم الفاعل. أو هو اسم فاعل وأصله رابٌّ، فحذفت ألفه كما قالوا: رجل
بارِّ وبرٍّ، قاله أبو حيان(٤) ويؤيده إضافته إلى المفعول، وقد ذكروا أن الصفة
المشبَّهة تضاف إلى الفاعل.
(١) البيت لمحمد بن فرح بن أحمد الإشبيلي، كما في أعيان العصر ٩٣/١، وطبقات الشافعية
٢٩/٨، ونفح الطيب ٢/ ٥٣٠، وعقد الجمان ص٤/ ١٠٠.
(٢) في هامش الأصل: وقيل: أصله ربَّاه ترببة، فجعلت الباء ياءً. اهـ منه. وينظر حاشية
الشهاب ٨٨/١.
(٣) وصدره: تَرْتَعُ ما رَتَعتْ حتى إذا اذَّكرتْ، وهو للخنساء في الديوان ص٤٨.
(٤) في البحر المحيط ١٩/١.

الآية : ٢
٢٦٩
سُورَةُ الفَاتِةِ
ويطلق أيضاً على الخالق والسيد والملك والمنعم والمصلح والمعبود
والصاحب، إلا أنَّ المشهور كونه بمعنى التربية، فلهذا قال بعض المحققين: إنه
حقيقة فيه؛ لأن التبادر أمارتها، وفي البواقي إما مجازٌ أو مشتركٌ، والأول أرجح؛
لأن في جميعها يوجد معنى التربية، ووجود العلاقة أَمَارة المجاز، ولأن اللفظ إذا
دار بين المجاز والاشتراك يحمل على المجاز، كما تقرَّر في مبادئ اللغة.
وحمله الزمخشريُّ(١) هنا على معنى المالك، ولعل ما اخترناه خيرٌ منه؛ لأنه -
بعد تسليم أنه حقيقة في ذلك - يؤدي إلى أن يكون ((مالك يوم الدين)، تكراراً؛
لدخوله في ((رب العالمين))، وإن قلنا بالتخصيص بعد التعميم، يحتاج إلى بيان نكتةٍ
إدراجٍ ((الرحمن الرحيم)) بينهما، ولا تظهر لهذا العبد.
على أن مختارنا أنسب بالمقام؛ لأن التربية أجلُّ النعم بالنسبة إلى المنعَم
عليه، وأدلُّ على كمال فعله تعالى وقدرته وحكمته، تدلك على ذلك الآثار وما فيها
من الأسرار.
واستَظْيَبَ بعضهم ما اختاره الطيبي من وجوب حمل الرب على كلا مفهومیه،
والقَدْر المشترك المتصرِّف ألزم (٢)، وسبيل إعمال المشترك في كلا مفهوميه إذا اتفقا
في أمر سبيلُ الكناية من أنها لا تنافي إرادة التصريح مع إرادة ما عبِّر عنه، وإذا
اختلفا(٣)، سبيلُ الحقيقة والمجاز، وعلى (٤) كل حال لا يطلق لغةً على غيره تعالى
إطلاقاً مستفيضاً إلا مقيَّداً بإضافةٍ ونحوها، مما يدل على ربوبية مخصوصة، وقول
ابن حِلُّزة في المنذر بن ماء السماء:
مِ الجِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ(٥)
وَهُوَ الرِبُّ والشَّهِيدُ على يَوْ
(١) في الكشاف١/ ٥٣.
(٢) في الأصل: التام.
(٣) في (م): اختلف.
(٤) في هامش الأصل و(م): ولا يضر إطلاق الجمع، ففي التنزيل: ﴿مَأَرْبَابٌ مُتَّفَرُِّنَ﴾ إذ
لا اشتباه. اهـ منه .
(٥) شرح المعلقات للنحاس ٧٠/٢، وشرح القصائد العشر للتبريزي ص٣٠٧، والخزانة ٣٦٣/٤،
وذكروا في شرحه: الرب: هو المنذر بن ماء السماء، وعنى به السيد. والشهيد: الحاضر.
والحياران بكسر الحاء المهملة: بلد.

سُورَُّ الفَاتِحَةِ
٢٧٠
الآية : ٢
نادر، واستظهر الإمام السيوطي أنَّ المراد نفي إطلاقه على غيره تعالى
شرعاً، والشعر جاهليٍّ، وفي كلام الجوهري ما يؤيده(١). وقال الشهاب(٢): لو كان
بمعنى غير المالك جاز مع القرينة إطلاقه على غيره تعالى. وجوّز بعضهم إطلاقه
منكَّراً كما في قول النابغة:
نَحُتُّ إلى النُّعْمانِ حَتَّى نَنَالَهُ
فِدَى لكَ منْ رَبِّ طَرِيْفِي وَتالدِي(٣)
وكره بعضهم إطلاقه مقيَّداً بالإضافة إلى عاقل؛ كربِّ العبد، لإيهام
الاشتراك، وروى الشيخان عن أبي هريرة ظله: ((لا يقل (٤) أحدكم: أطعم
ربَّك، وضِّئ ربك، ولا يقل أحدٌ: ربي، وليقل: سيدي مولاي))(٥). وأجابوا
عن قول يوسف عليه السلام: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و ﴿إِنَّهُ رَّ﴾
[يوسف: ٢٣] ونحوه بأنه مثل: ﴿وَخَرُواْ لَهُ، سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] مخصوصٌ جَوازُه
بزمانه .
و﴿اَلْعَلَمِينَ﴾ في المشهور جمع عالَم، واعترض بأنه يعمُّ العقلاء وغيرهم،
وعالمون خاصٌّ بالعقلاء. وأجيب بكونه جمعاً له بعد تخصيصه بهم، وهو في حكم
الصفات كما سيعلم - بتوفيقه تعالى - من تعريفه، أو نقول بالتغليب.
وقيل: نزل مَن ليس له العلم لكونه دالًّا على معنى العلم منْزلةَ مَن له العلم،
فجُمع بالواو والنون كما في: ﴿أَنْنَا طَآيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] و﴿رَأَيْنُهُمْ لِ سَيِدِينَ﴾
[يوسف: ٤].
(١) الصحاح (ريب).
(٢) في حاشيته على تفسير البيضاوي٨٩/١.
(٣) ديوان النابغة ص٤٥. الطريف: ما استحدثت من المال. والتالد: ما ورثته عن الآباء.
اللسان (طرف).
(٤) في هامش الأصل و(م): قيل هذا الحديث منسوخ، فافهم. اهـ منه.
(٥) صحيح البخاري (٢٥٥٢)، وصحيح مسلم (٢٢٤٩). قال أبو العباس القرطبي في المفهم
٥٥٢/٥: هذا من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم،
ألا ترى قول يوسف: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ﴾
[يوسف: ٥٠]. وقال الحافظ في الفتح ١٧٩/٥: والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب
بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه ... ، وينظر تتمة كلامه فيه.

الآية : ٢
٢٧١
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
وقيل: هو اسمُ جمع على وزن السلامة ولا نظير له. وفيه نظر؛ لأنَّ الاسم
الدالَّ على أكثر من اثنين إن كان موضوعاً للآحاد المجتمعة دالًّا عليها دلالةَ تكرار
الواحد بالعطف، فهو الجمع، وإن كان موضوعاً للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية،
فهو اسم الجنس الجمعي؛ كتمرٍ وتمرة، وإن كان موضوعاً لمجموع الآحاد فهو
اسم جمع، سواء كان له واحد - کَرَکْب - أو لا؛ کَرَهْط، فانظر أيَّ التعريفات
صادقة عليه .
وفي ((الكشف)): لو قيل: عالم وعالمون؛ کعرفة وعرفات، لم یبعد. وفيه أنه أبعد
بعيد؛ لأنه قياس فيما يعرف بالسماع، على أن للعالمين آحاداً يسمَّى كلٌّ منها عالماً،
فلا مرية في كونه جمعاً له، بخلاف عرفات؛ فإنه ليس لها آحادٌ كلٌّ منها عرفة.
والعالم - كالخاتم - اسمٌ لما يُعلم به، وغلب فيما يعلم به الخالق تعالى شأنه،
وهو كل ماسواه من الجواهر والأعراض، ويطلق على مجموع الأجناس - وهو
الشائع - كما يطلق على واحدٍ منها فصاعداً، فكأنه اسم للقَدْر المشترك، وإلا يلزم
الاشتراك أو الحقيقة والمجاز، والأصل نفيهما. ولا يطلق على فردٍ منها، فلا يقال:
عالَم زيد، كما يقال: عالم الإنسان، ولعله ليس إلا باعتبار الغلبة والاصطلاح،
وأما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الإطلاق قطعاً لتحقق المصداق حتماً، فإنه
كما يستدلُّ على الله سبحانه وتعالى بمجموع ما سواه وبكل جنس من أجناسه،
يستدل عليه تعالى بكل جزء من أجزاء ذلك المجموع، وبكل فرد من أفراد تلك
الأجناس؛ لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل، فإنَّ كلَّ ما ظهر في
المظاهر مما عزَّ وهان، وحضر في هذه المحاضر كائناً ما كان، لإمكانه وافتقاره،
دليلٌ لائحٌ على الصانع المجید، وسبیل واضح إلى عالم التوحيد:
فيا عَجَباً كيفَ يُعْصَى الإِلهُ أَمْ كَيفَ يَجْحَدُهُ الجاحِد
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لهُ آيَةٌ تَدِلُّ عَلَى أَنَّهُ واحِدُ(١)
وإنما أتى الربُّ سبحانه بالجمع المعرَّف؛ لأنه لو أفرد وعُرِّف بلام الاستغراق
لم يكن نصًّا فيه، لاحتمال العهد بأن يكون إشارة إلى هذا العالم المحسوس؛ لأن
(١) البيتان لأبي العتاهية، وهما في ديوانه ص١٠٤.

سُورَةُ الفَاتِحَةِ
٢٧٢
الآية : ٢
العالم وإن كان موضوعاً للقدر المشترك، إلا أنه شاع استعماله بمعنى المجموع؛
كالوجود في الوجود الخارجي، وقد غلب استعماله في العرف بهذا المعنى في
العالم المحسوسِ لألف النفس بالمحسوسات، فجُمع ليفيد الشمول قطعاً؛ لأنه
حينئذٍ لا يكون مستعملاً في المجموع حتى يتبادر منه هذا العالم المحسوس، فيكون
مستعملاً في كلِّ جنس إذ لا ثالث، فيكون المعنى: ربُّ كلِّ جنس سُمِّي بالعالم،
والتربيةُ للأجناس إنما تتعلق باعتبار أفرادها، فيفيد شمولَ آحاد الأجناس المخلوقة
كلها نظراً إلى الحكم، وحديث أن استغراق المفرد أشمل - على ما فيه - أمرٌ فرغ
عنه(١)، ولا ضرر لنا منه كما لا يخفى على المتأمل.
وبعضهم خصَّ العالمين بذوي العلم من الملائكة والثقلين، وربُّ أشرف
الموجودات ربُّ غيرهم، قال الإمام السيوطي: وعليه هو مشتقٌّ من العلم، وعلى
القول بالعموم من العلامة. وفيه أنَّ الكلَّ في كلِّ محتمل، والتخصيص دعوى من
غير دليل.
وقيل: هم الجن والإنس؛ لقوله تعالى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وقيل: هم الإنس؛ لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]، وهو
المنقول عن جعفر الصادق، والمأخوذ من بحر أهل البيت، وربُّ البيت أدرى.
ولعل الوجه فيه الإشارةُ إلى أنَّ الإنسان هو المقصود بالذات من التكليف
بالحلال والحرام وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولأنه فذلكةُ جميع
الموجودات، ونسخةُ جميع الكائنات المنقولة من اللوح الرباني بالقلم الرحماني،
ومن هذا الباب ما نسب لباب مدينة العلم كرّم الله وجهه:
دواؤك فِيكَ ومَا تُبْصرُ ودَاؤُك مِنْكَ وما تَشْعرُ
(١) في هامش الأصل و(م): فإن قلت: قال الطيبي: ليس هذا مخالفاً لقولهم: الاستغراق في
المفرد أشمل، قلت: لا؛ لأنهم يريدون أن الجمع قد يحتمل غير الشمول في بعض
المقامات، والمفرد وإن دلّ على الشمول والاستغراق لكن الغرض استغراق الأجناس
المختلفة، فلو أفرد وقيل: ربِّ العالم، لاحتمل الاستغراق وشمول أفراد كل ما يصح عليه
إطلاق اسم العالم، فلا يعلم نصوصية تعداد الأجناس وكثرتها، كالجن والإنس والملائكة
وغيرها، كما يعلم من الجمعية، فجمع لیشمل ذلك المعنى. اهـ منه.

الآية : ٢
٢٧٣
سُوَرَّةُ الفَاتِحَةِ
وَفِيكَ انْطَوَى العالمُ الأَكْبَرُ(١)
وَتَزْعم أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيْرٌ
ومن تأمل في ذاته وتفكّر في صفاته ظهرت له عظمة باریه وآيات مبدیه ﴿وَفِی
اُلْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِينَ (٥) وَفِىّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١] بل من عرف نفسه
فقد عرف ربه .
والمناسب للمقام هنا العموم. والعوالم كثيرةٌ لا تحصيها الأرقام ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ
اْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ [لقمان: ٢٧] وروي في بعض الأخبار أن الله تعالى خلق مئة
ألف قنديل وعلَّقها بالعرش، والسمواتُ والأرضُ وما فيهن حتى الجنةُ و النارُ في
قنديل واحد، ولا يعلم ما في باقي القناديل إلا الله تعالى.
وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين إلا الله تعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَّكَ إِلَّا هُوَّ﴾ [المدثر: ٣١]. وما من ذَرَّةٍ من ذرَّات
العوالم إلا وهي في حيطة تربيته سبحانه، بل ما من شيءٍ مما أحاط به نطاق
الإمكان والوجود من العلويَّات والسفليات والمجرَّدات والمادِّیات والروحانيات
والجسمانيات، إلا وهو في حدِّ ذاته، بحيث لو فرض انقطاع آثار التربية عنه آناً
واحداً لما استقرَّ له القرار، ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم ومهاوي
البوار(٢)، لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالی شأنه وتقدَّس في كل زمان
يمضي وكلِّ آن يمرُّ وينقضي، من فنون الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وصفاته
وكمالاته، ما لا يحيط بذلك فَلَكُ التعبير، ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير، ضرورةً
أنه كما يستحقُّ شيءٌ من الممكنات بذاته الوجود ابتداءً، لا يستحقه بقاء، وإنما ذلك
من جناب المبدأ الأول عزَّ وعلا. فكما لا يتصوَّر وجوده ابتداءً ما لم(٣) ينسدَّ عليه
جميع أنحاء عدمه الأصلي، لا يتصوَّر بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلّته ما لم
ينسدَّ عليه جميع أنحاء عدمه الطارئ، لِمَا أن الدوام من خصائص الوجود
الواجبي، وظاهرٌ أنَّ ما يتوقّف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله
وشرائطه، وإن كانت متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود، ولكنَّ الأمور
(١) البيتان في الديوان المنسوب لعليّ ظُه ص٥٧.
(٢) البوار: الهلاك. اللسان (بور).
(٣) في الأصل: ممالم.

الآية : ٢
٢٧٤
سُوْدَّةُ الفَائِحَةِ
العدمية التي لها دخل في وجوده - وهي المعبَّرُ عنها بارتفاع الموانع - ليست كذلك؛
إذ لا استحالة في أن يكون لشيءٍ واحد موانع غير متناهية يتوقف وجوده أو بقاؤه
على ارتفاعها، أي: بقائها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها، فإبقاء تلك
الموانع التي لا تتناهى على العدم تربية لذلك الشيء من وجوه غير متناهية.
وبالجملة آثار تربیته تعالی واضحةُ المنار ساطعة الأنوار، فسبحانه من ربِّ
لا يضاهى، ومَنَّانٍ لا يحصى كرمه ولا يتناهى، ونحن في تيار بحر جوده سابحون،
وعن إقامة مراسم شكره قاصرون، وما أحسن قول بعض العارفين: إنه تعالى يملك
عباداً غيرك وأنت ليس لك ربِّ سواه، ثم إنك تتساهل في خدمته والقيام بوظائف
طاعته، كأنَّ لك ربًّا بل أرباباً غيره، وهو سبحانه يعتني بتربيتك حتى كأنه لا عبد له
سواك، فسبحانه ما أتمَّ تربيته وأعظم رحمته.
وإنما كان الجمع بالواو والنون مع أنه في المشهور جمع قلّة، والظاهر مستدع
لجمع الكثرة، تنبيهاً على أن العوالم وإن كثرت قليلة، بل أقلُّ من القليل في جنب
عظمة الله تعالى وكبريائه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهٍ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ, يَوْمَ
اُلْفِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: ٦٧] على أن جمعَ القلَّة كثيراً ما يوصله
المقام إلى جمع الكثرة، على أن بعض المحققين المحقين من أرباب العربية ذهب
إلى أن الجمع المذكَّر السالم صالحٌ للقلّة والكثرة، فاختر لنفسك ما يحلو.
وقد أشار سبحانه وتعالى بقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى حضرة الربوبية التي
هي مقامُ العارفين، وهي اسمٌ للمرتبة المقتضية للأسماء التي تطلب الموجودات،
فدخل تحتها العليم والسميع والبصير والقيوم والمريد والملك، وما أشبه ذلك؛ لأنَّ
كلَّ واحدٍ من هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقع عليه، فالعليم يقتضي معلوماً،
والقادر مقدوراً، والمريد مراداً، إلى غير ذلك. والأسماء التي تحت اسم الربِّ هي
الأسماء المشتركة بين الحقِّ والخلق، والأسماء المختصَّة بالخلق اختصاصاً تأثيريّاً؛
فمن القسم الأول: العليم مثلاً، فإن له وجهين: وجهٌ يختصُّ بالجناب الإلهي ومنه
تعالى(١) يعلم نفسه، ووجهٌ ينظر إلى المخلوقات ومنه تعالى(٢) يعلم غيره.
(١) في (م): يقال.
(٢) في (م): يقال.

الآية : ٢
٢٧٥
سُوَّةُ الْفَاتِةِ
ومن القسم الثاني: الخالق ونحوه من الأسماء الفعلية، فله وجهٌ واحدٌ، ومنه
يقال: خالقٌ للموجودات، ولا يقال: خالقٌ لنفسه، تعالى عن ذلك، وهذا القسم
من الأسماء تحت اسمه الملك، ومنه يظهر الفرق بينه وبين الربّ.
وأما الفرق بين الربِّ والرحمن فهو: أنَّ الرحمن عندهم اسمٌ لمرتبةٍ اختصَّت
بجميع الأوصاف العَلِيَّة الإلهية، سواء انفردت الذاتُ به؛ كالعظيم والفرد، أو
حصل الاشتراك أو الاختصاص بالخلق؛ كالقسمين المتقدِّمين، فهو أكثر شمولاً من
الربِّ، ومن مرتبة الربوبية ينظر الرحمن إلى الموجودات.
وأما اسمه تعالى: الله، فهو اسمٌ لمرتبةٍ ذاتيةٍ جامعة، وفلكِ محيط بالحقائق، وهو
مشيرٌ إلى الألوهية التي هي أعلى المراتب، وهي التي تعطي كلَّ ذي حقِّ حقَّه، وتحتها
الأحدية، وتحتها الواحدية، وتحتها الرحمانية، وتحتها الربوبية، وتحتها الملكية،
ولهذا كان اسمه: الله، أعلى الأسماء وأعلى من اسمه الأحد، فالأحدية أخصُّ مظاهر
الذات لنفسها، والألوهية أفضلُ مظاهر الذات لنفسها أو لغيرها، ومن ثم منع أهل الله
تعالى تجلِّي الأحدية، ولم يمنعوا تجلِّي الألوهية؛ لأنَّ الأحدية ذاتٌ محضّ، لا ظهورَ
لصفةٍ فيها فضلاً عن أن يظهر فيها مخلوق، فما هي إلا للقديم القائم بذاته.
ومما قررناه يُعلم سُّ كثرة افتاح العبد دعاءه بيا رب يا رب، مع أنه تعالى ما عيَّن
هذا الاسم الكريم في الدعاء ونفى ما سواه، بل قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُوا
الرَّحْمَنْ﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال: ﴿وَلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال
أرباب الظاهر: الداعي لا يطلب إلا ما يظنُّه صلاحاً لحاله وتربيةً لنفسه، فناسب أن
يدعوه بهذا الاسم، ونداءُ المربِّي في الشاهد بوصف التربية أقرب لدرِّ ثدي الإجابة،
وأقوى لتحريك عرق الرحمة.
وعند ساداتنا الصوفية قدَّس الله أسرارهم يختلف الكلام باختلاف المقام فرقاً
وجمعاً، وعندي - وهو قَبَسٌ من أنوارهم - أنَّ الأرواح أول ما شَنَّفت آذانها وعطّرت
أردانها بسماع وصف الربوبية، كما يشعر بذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ
ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِّرْ ذُرِيِّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فهم
ينادونه سبحانه بأول اسم قرَّرهم به فأقرُّوا، وأَخذ به عليهم العهد فاستقاموا
واستقرُّوا، فهو حبيبهم الأول، ومَفْزعهم إذا أشكل الأمر وأعضل:

سُوَرَّةُ الْفَائِحَةِ
٢٧٦
الآية : ٢
وعدتُ إلى مَضْحُوبٍ أَوَّل مَنْزِلٍ
تَرکْتُ هَوَی سُعْدَى وَلَیلی پِمَعْزلٍ
مَنازِلُ مَنْ تَهْوَى رويدكَ فَانْزِلٍ(١)
وَنَادتْنِيَ الأَهْواءُ مَهْلاً فهذِهِ
وقريبٌ من هذا ما ذكره الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه الأنور، مما حاصله أنَّ الله
تعالى لمَّا أوجد الكلمة المعبَّرَ عنها بالروح الكلِّي إيجاد إبداع، وأعماه عن رؤية
نفسه، فبقي لا يعرف من أين صدر ولا كيف صدر، فحرَّك همَّته لطلب ما عنده
ولا يدري أنه عنده:
قَدْ يَرْحَلُ الَمِرْءُ لمطلُوبِهِ
والسَّبَبُ المطلوبُ في الرَّاحِلِ(٢)
﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فأخذ في الرحلة بهمَّته، فأشهده الحقُّ
ذاته، فعلم ما أودع الله تعالى فيه من الأسرار والحكم، وتحقّق عنده حدوثه وعرف
ذاته معرفةً إحاطية، فكانت المعرفة غذاءً مُعِيناً يتقوَّت به وتدوم حياته، فقال له عند
ذلك التجلِّي الأقدس: ما اسمي عندك. فقال: أنت ربي، فلم يعرفه إلا في حضرة
الربوبية، وتفرُّدِ القديم بالألوهية، فإنه لا يعرفه إلا هو، فقال له سبحانه: أنت
مربوبي وأنا ربك، أعطيتك أسمائي وصفاتي، ولا يحصل لك العلم إلا من حيث
الوجود، ولو أحطتَ علماً بي لكنتَ أنت أنا، ولكنتُ محاطاً لك، وأمدُّك بالأسرار
الإلهية وأربِّيك بها، فتجدها مجعولة فيك فتعرفها، وقد حجبتُك عن معرفة كيفية
إمدادي لك بها إذ لا طاقة لك أن تحمل مشاهدتها؛ إذ لو عرفتها لاتَّحدت الأنية،
وأين المركّب من البسيط، ولا سبيل إلى قلب الحقائق، إلى آخر ما قال(٣).
ويعلم منه إشارة سرِّ افتتاح الأوصاف في الفاتحة بربِّ العالمين، وفيه أيضاً
مناسبةٌ لحال البعثة وإرساله ◌َّ﴿ إلى من أرسل إليه؛ لأنَّ ذلك أعظمُ تربيةٍ للعباد
ورمزّ خفي إلى طلب الشفقة والرأفة بالخلق كيف كانوا؛ لأنَّ الله تعالى ربُّهم
أجمعين :
(١) البيتان أنشدهما الغزالي، كما في شذرات الذهب٦/ ٢٢، والكشكول ١٠٥/٢. وفيهما:
ونادت بي الأشواق مهلاً ...
(٢) البيت لإبراهيم بن مسعود الإلبيري. الفتوحات المكية ١/ ١١٣.
(٣) الفتوحات المكية ١/ ١١٣.

الآية : ٢
٢٧٧
سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ
دَارَيْتُ أَهْلكِ في هَوَاكِ وَهُمْ عِدا ولَأَجْلٍ عَيْنٍ ألفُ عَيْنٍ تكرَمُ(١)
وقد قُرِئَ: ((ربَّ العالمين) بالنصب، ونسب ذلك إلى زيد بن علي ﴾(٢)، وقد
اختلف في توجيهه؛ فقيل: نُصبَ على القطع، ويُقدَّر العامل هنا: أَمْدَحُ، للمقام،
أو أذكر، لا أعني؛ لأن ذلك إذا لم يكن المنعوت متعيِّناً كما في ((شرح
العمدة)»(٣)، وضُعِّف بالإتباع بعد القطع في النعت، وأجيب بأنَّ الرحمن بدلٌ
لا نعت، وروي أنه قرئ بنصب ((الرحمن الرحيم)) فلا ضعف حينئذ.
وقيل: بفعلٍ مقدَّر دلَّ عليه الحمد، وليس على التوهُّم كما توهّم أبو حيان،
فضعَّفه بزعمه أنه من خصائص العطف(٤).
وقيل: بالحمد المذكور، واعترض بأنَّ فيه إعمالَ المصدر المحلی باللام،
وبأنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر الأجنبي. وأجيب عن الأول بأن
سيبويه وهو هو جوَّز إعمال المحلَّى مطلقاً، والظرف تكفيه رائحة الفعل، نعم منعه
الكوفيُّون مطلقاً، وجوَّزه على قبحِ الفارسيُّ وبعض البصريين، وفصَّل البعض بين
ما تُعاقِب أل فيه الضمير فيجوز، وما لا فلا، وعن الثاني بأنَّ هذا الخبر كان
معمولاً لهذا المبتدأ في موضع المفعول كما تقول: حمداً له، فليس بأجنبي صرف،
على أنَّ المبتدأ والخبر لاتِّحادهما معنّى كشيءٍ واحد فلا أجنبي. وحكي عن بعض
النحاة جواز الإعمال مطلقاً .
وقيل: بالنداء، ولا يخفى ما فيه من اللبس والفصل والالتفات الذي لا يكاد
لخلوِّه عما يأتي إن شاء الله تعالی يلتفت إليه.
وقيل: ((ربَّ)) فعلٌ ماضٍ، وفيه أنَّ أمره مضارِعٌ في البعد لِمَا تقدم، وأنَّ الجملة
لا تكون صفة، والحاليةُ غير حسنة الحال، مع أنه قرئ بنصب ما بعد، والمناسب
المناسَبة. وأهونُ الأمور عندي أوَّلُها، بل يكاد يقطع الظاهر بالقطع.
(١) البيت للشاب الظريف شمس الدين بن محمد التلمساني، وهو في ديوانه ص٧١.
(٢) البحر المحيط ١٩/١ .
(٣) لابن مالك، شَرَح فيه كتابه: عمدة الحافظ وعدة اللافظ. كشف الظنون ١١٦٦/٢ .
(٤) البحر ١٩/١.

سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
٢٧٨
الآية : ٣
ثم إنه سبحانه وتعالى بعدما ذكر عموم تربيته صرَّح بعظيم رحمته، فقال عزَّ
شأنه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) وقد تقدَّم الكلام عليهما، والجمهور على
خفضهما، ونَصبَهُما زيد وأبو العالية وابن السميفع وعيسى ابن عمر،
ورفعهما أبو رزين العقيلي والربيع بن خثيم وأبو عمران الجوني (١).
واستدلَّ بعض ساداتنا بتكرارهما على أنَّ البسملة ليست آية من الفاتحة، وليس
بالقوي؛ لأنَّ التكرار لفائدة، فذِكْرُهما في البسملة تعليلٌ للابتداء باسمه عزَّ شأنه،
وذكرهما هنا تعليلٌ لاستحقاقه تعالى الحمد.
وقال الإمام الرازي قُدِّس سرُّه في بيان حكمة التكرار: التقدير: كأنه قيل له:
أذكر أني إله وربُّ مرة واحدة، واذكر أني رحمن رحيم مرتين، لتعلم أنَّ العناية
بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور، ثم لما بيَّن الرحمة المضاعفة فكأنه قال: لا تغترُّوا
بذلك، فإني مالك يوم الدين، ونظيره قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّبِ شَدِيدِ
اَلْمِقَابِ﴾ [غافر: ٣]. انتهى(٢).
وفي القلب منه شيءٌ؛ فإنَّ الألوهية مكرَّرةٌ أيضاً كما ترى.
وعندي بمسلكٍ صوفيٍّ: أنَّ ذكر الرحمن الرحيم تفصيل من وجهٍ لِمَا في ((ربِّ
العالمين)) من الإجمال، وذلك أنَّ التربية تنقسم ببعض الاعتبارات إلى قسمين؛
أحدهما: التربية بغير واسطة كالكلمة؛ لأنه لا يتصور في حقه واسطة البثّة.
وثانيهما: التربية بواسطة كما فيمن دون الكلمة. وهذا الثاني له قسمان أيضاً؛ قسمٌ
ممزوجٌ بألم؛ كما في تربية العبد بأمورٍ مؤلمة له شاقَّةٍ عليه، وقسمٌ لا مزج فيه،
كما في تربية كثير ممن شمله اللطف السبحاني:
غَافِلٌ والسَّعادَةُ احْتَضَنَتْهُ وَهْوَ عَنْها مُسْتَوحِشٌ نَفَّارُ(٣)
فالرحمن يشير إلى التربية بالوسائط وغيرها في عالمه، والرحيم يشير إلى
(١) في الأصل و(م): الجولي، والمثبت هو الصواب، والقراءتان ذكرهما أبو حيان في البحر
المحيط ١٩/١.
(٢) التفسير الكبير١/ ٢٤٢.
(٣) البيت للشيخ عبد الغني النابلسي، وهو في ديوانه ١/ ٢٠٨.