Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة القدر
بِسْم اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِبـ
تفسير
سورة القدر
٠.٠٠ ..
.. .
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((القدر)) من السور المكية عند أكثر المفسرين ، وكان نزولها بعد سورة
((عبس))، وقبل سورة ((الشمس))، فهى السورة الخامسة والعشرون فى ترتيب النزول ،
ويرى بعض المفسرين أنها من السور المدنية ، وأنها أول سورة نزلت بالمدينة .
قال الآلوسى : قال أبو حيان: مدنية فى قول الأكثر . وحكى الماوردى عكسه . وذكر
الواحدى أنها أول سورة نزلت بالمدينة . وقال الجلال فى الإتقان : فيها قولان ، والأكثر أنها
مكية .. (١) وعدد آياتها خمس آيات ، ومنهم من عدها ست آيات . والأول أصح وأرجح .
٢ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : التنويه بشأن القرآن ، والإِعلاء من قدره ،
والرد على من زعم أنه أساطير الأولين ، وبيان فضل الليلة التى نزل فيها ، وتحريض المسلمين
على إحيائها بالعبادة والطاعة لله رب العالمين .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٨٨.

٤٦٢
١
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
مِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْـ
إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَمَا أَدْرَتِكَ مَا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ قُ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ ، نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ
فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّنَ كُلِّ أَمْي٥َِ سَلَمْ هِىَ حَتَّى مَطْلَع الْفَجْرِ
والضمير المنصوب فى قوله- تعالى - ﴿أنزلناه ﴾ يعود إلى القرآن الكريم، وفى الإتيان
بهذا الضمير للقرآن ، مع أنه لم يجر له ذكر ، تنويه بشأنه ، وإيذان بشهرة أمره . حتى إنه
لُيُسْتَغْنَىَ عن التصريح به، لحضوره فى أذهان المسلمين .
والمراد بإنزاله: ابتداء نزوله على النبى - وسلّ - ، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم،
قد نزل على النبى - صل38 - منجما، فى مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا.
ويصح أن يكون المراد بأنزلناه، أى : أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، ثم
نزل بعد ذلك منجها على النبى - اَل * - .
قال الإِمام ابن كثير : قال ابن عباس وغيره : أنزل الله - تعالى - القرآن جملة واحدة من
اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع ، فى ثلاث
وعشرين سنة، على رسول الله - وَاليوم -. (١)
والقَدْر الذى أضيفت إليه الليلة ، بمعنى الشرف والعظمة، مأخوذ من قولهم : لفلان قدر
عند فلان ، أى : له منزلة رفيعة ، وشرف عظيم ، فسميت هذه الليلة بذلك ، لعظم قدرها
وشرفها ، إذ هى الليلة التى نزل فيها قرآن ذو قدر ، بواسطة ملك ذی قدر ، على رسول ذى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٦٣."

٤٦٣
سورة القدر
قدر ، لأجل إكرام أمة ذات قدر ، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله - تعالى - إذا
ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات .
ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا: التقدير ، لأن الله - تعالى - يقدر فيها ما يشاء تقديره "
لعباده، إلا أن القول الأول أظهر ، لأن قوله - سبحانه - بعد ذلك: ﴿ وما أدراك ماليلة
القدر ﴾ يفيد التعظيم والتفخيم.
أى: إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا، إنزال هذا القرآن العظيم، على رسولنا محمد - والخ -
فى ليلة القدر ، التى لها ما لها عندنا من قدر وشرف وعظم .. لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا ،
وثوابا جزيلاً .
وليلة القدر هذه هى الليلة التى قال الله - تعالى - فى شأنها فى سورة الدخان : ﴿ إنا
أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم . أمرا من عندنا إنا كنا
مرسلين . رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ﴾ .
. وهذه الليلة هى من ليالى شهر رمضان ، بدليل قوله- تعالى - : ﴿شهر رمضان الذى
أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ؟
قال بعض العلماء : ومن تسديد ترتيب المصحف ، أن سورة القدر وضعت عقب سورة
العلق ، مع أنها أقل عددَ آياتٍ من سورة البينة وسور بعدها ، وكأن ذلك إيماء إلى أن الضمير
فى ﴿ أنزلناه﴾ يعود إلى القرآن، الذى ابتدى نزوله بسورة العلق.(١).
١
وقال صاحب الكشاف : عظم - سبحانه - القرآن من ثلاثة أوجه : أحدها : أن أسند
إنزاله اليه ، وجعله مختصا به دون غيره . والثانى : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر ، شهادة
له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه ، والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذى أنزل فيه .
روى أنه أنزل جملة واحدة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وأملاه
جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله - صلجر - نجوما فى ثلاث وعشرين سنة.
وعن الشعبى: المعنى: أنا ابتدأنا إنزاله فى ليلة القدر .. (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿وما أدراك ماليلة القدر) تنويه آخر بشرف هذه الليلة ، وتفخيم
لشأنها ، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ .
أى : وما الذى يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها ، إن الذى يعلم مقدار شرفها هو الله
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٣٠ ص ٤٥٦ للشيخ ابن عاشور - رحمه الله - .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٨٠ .

٤٦٤
المجلد الخامس عشر
- تعالى - علام الغيوب .
ثم - بين - سبحانه - مظاهر فضلها فقال: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ أى:
ليلة القدر أفضل من ألف شهر، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى للتى هى أقوم .
ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وبسبب أن العبادة فيها أكثر ثواباً ، وأعظم فضلا من
العبادة فى أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر .
والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير ، باعتبار الزمان والمكان ، وإخلاص النية ، وحسن
الأداء ، والله - تعالى - أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص بفضائل متميزة .
والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا . ويمكن أن يراد منه التكثير . وأن المراد أن
أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا العدد . فيكون المعنى : أن هذه الليلة تفضل الدهر كله .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال : ﴿تنزل الملائكة
والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ﴾ .
أى : ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضا ، أن الملائكة - وعلى رأسهم الروح الأمين
جبريل - ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض ، بأمره - تعالى - وإذنه ، وهم جميعا إنما ينزلون
من أجل أمر من الأمور التى يريد إبلاغها إلى عباده، وأصل (( تنزل)) تتنزل ، فحذفت
إحدى التاءين تخفيفا ، ونزول الملائكة إلى الأرض ، من أجل نشر البركات التى تحفهم ،
فنزولهم فى تلك الليلة يدل على شرفها ، وعلى رحمة الله - تعالى - بعباده.
والروح : هو جبريل ، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة ، من باب ذكر الخاص بعد
العام ، لمزيد الفضل ، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها غيره .
وقوله - سبحانه - ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بقوله: ﴿تنزل)، والباء للسببية، أى:
يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم فى النزول .
قال الجمل ما ملخصه . وقوله: ﴿من كل أمر ) يجوز فى ((من)) وجهان: أحدهما أنها
بمعنى اللام ، وتتعلق بتنزل ، أى : تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل . والثانى : أنها
بمعنى الباء ، أى : تنزل بكل أمر قضاه الله - تعالى - فيها من موت وحياة ورزق .
وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا فى تلك الليلة بل المراد إظهار تلك المقادير
لملائكته .(١)
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٦٧ .

٤٦٥
سورة القدر
وقوله - تعالى -: ﴿ سلام هى حتى مطلع الفجر ﴾ بيان لمزية ثالثة من مزايا هذه الليلة،
وقوله ﴿ سلام﴾ مصدر بمعنى السلامة، وهو خبر مقدم، و﴿ هى﴾ مبتدأ مؤخر، وإنما قدم
الخبر تعجيلا للمسرّة ، وقد أخبر عن هذه الليلة بالمصدر على سبيل المبالغة ، أو على سبيل
تأويل المصدر باسم الفاعل ، أو على تقدير مضاف .. والمراد بمطلع الفجر : طلوعه وبزوغه .
أى : هذه الليلة يظلها ويشملها السلام المستمر ، والأمان الدائم ، لكل مؤمن يحييها فى
طاعة الله - تعالى - إلى أن يطلع الفجر، أو هى ذات سلامة حتى مطلع الفجر ، أو هى سالمة
من كل أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر .
هذا وقد أفاض العلماء فى الحديث عن فضائل ليلة القدر ، وعن وقتها . وعن خصائصها ..
وقد لخص الإِمام القرطبى ذلك تلخيصا حسناً فقال: وهنا ثلاث مسائل :
الأولى : فى تعيين ليلة القدر .. والذى عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين .. والجمهور على
أنها فى كل عام من رمضان .. وقيل : أخفاها - سبحانه - فى جميع شهر رمضان ، ليجتهدوا فى
العمل والعبادة طمعا فى إدراكها .
الثانية : فى علاماتها : ومنها أن تطلع الشمس فى صبيحتها بيضاء لاشعاع لها .
الثالثة : فى فضائلها .. وحسبك قوله - تعالى - ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر )
وقوله: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها﴾ وفى الصحيحين ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً
غفر الله له ما تقدم من ذنبه .. ))(١) .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من المنتفعين بهذه الليلة المباركة .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء السبت ٢٨ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ.
١ / ١١ / ١٩٨٦ م .
'٣
حسـبـــ
(١) تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ١٣٤.

..
:
.
٠

٤٦٧
سورة البينة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة البينة
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((البينة))، تسمى - أيضاً - سورة ((لم يكن .. )) وسورة ((المنفكين))
وسورة ((القيمة)) وسورة ((البرية))، وعدد آياتها ثمانى آيات عند الجمهور، وعدها قراء
البصرة تسع آيات .
٢ - وقد اختلف المفسرون فى كونها مدنية أو مكية ، وقد لخص الإِمام الآلوسى هذا الخلاف
فقال : قال فى البحر : هى مكية .. وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار : مدنية .. وجزم ابن كثير
بأنها مدنية ، واستدل على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد . عن أبى خيثمة البدرى قال : لما نزلت
هذه السورة، قال جبريل: يا رسول الله، إن ربك يأمرك أن تقرئها ((أُبِيًّا)).
فقال - وَله - لَابِيِّ بن كعب - رضى الله عنه -: ((إن جبريل أمرنى أن أقرئك هذه
السورة ، فقال أُبىّ : أو قد ذكرت ثَمَّ يا رسول الله؟ قال: نعم .)) فبكى أبىّ.
وقد رجح الإِمام الآلوسى كونها مدنية، فقال: وهذا هو الأصح (١).
وهذا الذى رجحه الإِمام الآلوسى هو الذى تميل إليه ، لأن حديثها عن أهل الكتاب ،
وعن تفرقهم فى شأن دينهم ، يرجح أنها مدنية ، كما أن الإمام السيوطى قد ذكرها ضمن السور
المدنية ، وجعل نزولها بعد سورة ((الطلاق)) وقبل سورة ((الحشر))(٢).
-
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٢٠٠.
(٢) الإتقان جـ ١ ص ٢٧ .
،۔ ۔

٤٦٨٠
المجلد الخامس عشر
٣ - ومن أهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة ، توبيخ أهل الكتاب
والمشركين ، على إصرارهم على ضلالهم من بعد أن تبين لهم الحق . والتعجيب من تناقض
أحوالهم . وبيان أن كفرهم لم يكن بسبب جهلهم ، وإنما بسبب جحودهم وعنادهم وحسدهم
للنبى -* - على ما آتاه الله من فضله، والتسجيل عليهم بأنهم شر البرية، وأن المؤمنين
هم خير البرية .
** :

٤٦٩
سورة البينة
.
التفسير
قال الله - تعالى -:
بِسـ
لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ
حَّ تَأْفِيَهُمُ الْبِنَةُ ن ◌َ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَبْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً
فِيَهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ ، وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّ مِنْ
بَعْدِ مَا جَآءَ نْهُمُ الْبَهِنَةُ ، وَمَا أُمِرُ وَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْاللّهُ مُخْلِصِينَ
لَهُ اَلِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ
اَلْقَيِّمَةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ
فِي نَارِجَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) إِنَّ
٧
الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ
جَزَآؤُهُمْ عِنْدَرَبِّهِمْ جَنَّتُ عَذْنٍ تَجْرِىٍ مِنْ تَمِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ
فِيهَا أَبَدَ ا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّبُه
و «مِنْ)) فى قوله - تعالى - ﴿من أهل الكتاب﴾ للبيان، وقوله - سبحانه - :
منفكين ): للعلماء فى معنى هذا اللفظ أقوال متعددة ، منها : أنه اسم فاعل من انفك بمعنى
انفصل ، يقال : فككت الشىء فانفك إذا افترق ما كان ملتحما منه .
والبينة : الحجة الظاهرة التى يتميز بها الحق من الباطل ، وأصلها من البيان بمعنى الظهور
والوضوح ، لأن بها تتضح الأمور، أو من البينونة بمعنى الانفصال ، لأن بها ينفصل الحق عن
الباطل بعد التباسها .

٤٧٠
المجلد الخامس عشر
والمراد بها هنا: رسول الله - وَله - ، لقوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ رسول من الله
يتلو صحفا مطهرة﴾، ولأنه - وَلجر - كان فى ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة ،
لتحليه بكمال العقل وبمكارم الأخلاق ، ولإتيانه بالمعجزات التى تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن
ربه .
والمعنى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، ولم
يكن - أيضاً - الذين كذبوا الحق من المشركين ، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن
كفرهم وشركهم، ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ التى هى الرسول - * - فلما أتتهم هذه البينة ،
منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((كان الكفار من الفريقين ، أهل الكتاب ،
وعبدة الأصنام، يقولون قبل مبعث النبى - * - : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ،
ولا نتركه حتى يبعث النبى المكتوب فى التوراة والإنجيل، وهو محمد - والله - ، فحكى الله
- تعالى - ماكانوا يقولونه ، ثم قال: ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾، يعنى أنهم كانوا
يَعِدُون باجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق ، إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ،
ولا أقرهم على الكفر، إلا مجىء الرسول - صل18 - ، ونظيره فى الكلام أن يقول الفقير
الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقنى الله - تعالى - الغنى ، فيرزقه الله الغنى
فيزداد فسقا ، فيقول له واعظه : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك فى
الفسق إلا بعد اليسار، يذكره ما كان يقولهُ توبيخا وإلزاما .
وانفكاك الشىء من الشىء ، أن يزايله بعد التحامه به . كالعظم إذا انفك من مفصله .
والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجىء البينة . (١).
ومنهم من يرى: أن ﴿ منفكين﴾ بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين ، أى : لم يكونوا جميعا
متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك ، حتى تأتيهم البينة ، على معنى قوله - تعالى - :
أيحسب الإِنسان أن يترك سدى ﴾ .
أو المعنى : لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله - تعالى - وقدرته ونظره لهم ، حتى
يبعث الله - تعالى - إليهم رسولا منذرا ، تقوم عليهم به الحجة ، ويتم على من آمن النعمة ،
فكأنه - تعالى - قال: ما كانوا ليتركوا سدى ... (٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٨٢ .
(٢) راجع تفسير ((أضواء البيان)) جـ ٨ ص ٣٩٧ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
٠

٤٧١
سورة البينة
وهناك أقوال أخرى فى معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها .
وقد قدم اللّه - تعالى - ذكر أهل الكتاب فى البيان ، لأن كفرهم أشنع وأقبح . إذ كانوا
يقرأون الكتب، ويعرفون أوصاف النبى - وَ الز - فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر
وأتم . وفى التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى ، تسجيل للغفلة وسوء النية
عليهم . حيث علموا الكتاب . وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله
- تعالى - لهدايتهم ، ومع ذلك كفروا به ، كما قال - تعالى -: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا
كفروا به فلعنة اللّه على الكافرين ﴾.
وقوله - سبحانه -: ﴿رسول من اللّه يتلو صحفا مطهرة) بدل من ((البيِّنَةِ)) على
سبيل المبالغة ، حيث جعل - سبحانه - الرسول نفس البينة .
أى : لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم ، كائن من عند الله - تعالى - لكى يقرأ
على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم ، مطهرة ، أى : منزهة عن الشرك والكفر والباطل ،
وهذه الصحف من صفاتها - أيضا - أنها ﴿ فيها كتب قيمة ﴾ أى: فيها سور آيات قرآنية
مستقيمة لا عوج فيها ، بل هى ناطقة بالحق والخير والصدق والهداية ، وبأخبار الأنبياء
السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم .
فقوله: ﴿ قيمة﴾ بمعنى مستقيمة لا وج فيها ولا اضطراب ، من قولهم : قام فلان
يقوم ، إذا استوى على قدميه فى استقامة .
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق ، ومن إنكارهم له مع
علمهم به ، فقال - تعالى - ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم
البينة﴾ . أى : أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل
الكتاب ، ما تفرقوا فى أمره ، وما اختلفوا فى شأن نبوتك .. إلا من بعد أن جئتهم أنت بما يدل
على صدقك ، دلالة لا يجحدها إلا جهول ، ولا ينكرها إلا حسود ، ولا يعرض عنها إلا من
طغى وآثر الحياة الدنيا .
فالآية الكريمة كلام مستأنف ، المقصود به تسليته - وله - عما أصابه من هؤلاء الجاحدين
فكأنه - سبحانه - يقول له : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لإِعراض من أعرض عن
دعوتك من أهل الكتاب ، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل ، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك
على ما آتاك الله من فضله .
وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر ، مع أن الكلام فى أول السورة كان فيهم
وفى المشركين ، للدلالة على شناعة حالهم ، وقبح فعالهم ، لأن الإِعراض عن الحق ممن له

٤٧٢
المجلد الخامس عشر
كتاب ، أشد قبحا ونكرا ، ممن ليس له كتاب وهم المشركون .
والاستثناء فى الآية مفرغ ، والمستثنى منه عموم الأوقات . والمعنى : لم يتفرق الجاحدون من
الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات ، إلا فى الوقت الكائن بعد مجىء البينة لهم .
ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - ﴿ وما تفرقوا إلا
من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ﴾
ثم بين - سبحانه - ماكان يجب عليهم أن يفعلوه ، فقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين حنفاء ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، وذلك دين القيمة
والواو فى قوله - تعالى - ﴿ وما أمروا ﴾ للحال، فهذه الجملة حالية ، والمقصود منها
بيان أن هؤلاء الضالين ، قد بلغوا النهاية فى قبح الأفعال ، وفى فساد العقول ، إذ أنهم تفرقوا
واختلفوا وأعرضوا عن الهدى ، فى حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم .
وقوله: ﴿حنفاء﴾ من الحنف، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين الحق . كما أن
الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل .
أى : أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا فى شأن الحق ، والحال ، أنهم لم
يؤمروا إلا بعبادة الله - تعالى - وحده ، مخلصين له الطاعة ، ومائلين عن الأديان الباطلة إلى
الدين الحق ، مؤمنين بجميع الرسل بدون تفرقة بينهم ، إذ ملتهم جميعا واحدة ، ولم
يؤمروا - أيضا - إلا بإقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين ، وبإيتاء
الزكاة التى تطهرهم وتزكيهم .
وذلك ﴾ الذى أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا، ومن أداء فرائضنا ﴿ دين
القيمة﴾ . أى : دين الملة المستقيمة القيمة ، أو دين الكتب القيمة.
ولفظ ((القيمة)) - بزنة فيعلة - من القوامة ، وهى غاية الاستقامة ، وهذا اللفظ صفة
لموصوف محذوف .
ثم - بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين فقال :
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها ﴾
أى : إن الذين أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم ، من اليهود والنصارى ، ومن المشركين
الذين هم عبدة الأصنام .. مكانهم المهيأ لهم هو نار جهنم ، حالة كونهم خالدين فيها خلودا
أبديا ﴿ أولئك﴾ الموصوفون بتلك الصفات الذميمة ﴿هم شر البرية﴾ أى: هم شر كل
صنف من أصناف المخلوقات ، لإصرارهم على الكفر والإِشراك مع علمهم بالحق .

٤٧٣
سورة البينة
ولفظ ((البرية)) من البرَى وهو التراب، لأنهم قد خلقوا فى الأصل منه ، يقال : فلان
برَاه الله - تعالى - يبرُوه بَرْوًّا. أى: خلقه. وقرأ نافع بالهمز، من قولهم برأ الله
- تعالى - الخلق يبرؤهم ، أى : خلقهم .
وقدم سبحانه - أهل الكتاب فى المذمة، لأن جنايتهم فى حق الرسول - وَ ل - أشد ، إذ
كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون لهم : إن نبيا قد أظلنا زمانه ، وإننا عند مبعثه
سنتبعه .. فلما بعث - ل - كفروا به .
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين : الأول : أن هؤلاء الضالين خالدون فى النار ،
والثانى : أنهم شر المخلوقات التى خلقها الله - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات ﴾ . أى: وعملوا الأعمال الصالحات ﴿ أولئك هم خير البرية) أى: أولئك هم
خير المخلوقات التى خلقها الله - تعالى - .
جزاؤهم عند ربهم ﴾ أى: جزاؤهم الطيب الكائن لهم عند ربهم وخالقهم ومالك
أمرهم .
جنات عدن﴾. أى: جنات يقيمون فيها إقامة دائمة ، من عدن فلان بالمكان إذا أقام
فيه . ﴿ تجرى من تحتها الأنهار ﴾ أى: تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار ﴿ خالدين
فيها أبدا﴾ أى : خالدين فى تلك الجنات خلودا أبديا.
﴿ رضى الله عنهم ورضوا عنه) أى: قبل اللّه - تعالى - منهم أعمالهم ورضيها عنده،
وفرحوا هم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم .
فالمراد برضاء - تعالى - عنهم : قبوله لأعمالهم ، وبرضاهم عنه : فرحهم بما أعطاهم من
فضله . ﴿ ذلك﴾ أى: العطاء الجزيل ﴿ لمن خشى ربه﴾ أى: كائن وثابت لمن خاف مقام
ربه ونهى النفس عن الهوى .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الميمنة .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
صباح الأربعاء ٣ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ
م
٦ من نوفمبر سنة ١٩٨٦

..

٤٧٥
سورة الزلزلة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنَّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الزلزلة
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الزلزلة)) وتسمى - أيضاً - سورة ((إذا زلزلت)) وسورة ((الزلزال)) من
السور المكية ، وقيل : هى من السور المدنية .
قال الآلوسى : هى مكية فى قول ابن عباس ومجاهد وعطاء ، ومدنية فى قول مقاتل وقتادة .
ويبدو لنا أن القول بكونها مكية أرجح ، لأن الحديث عن أهوال يوم القيامة ، يكثر فى
السور المكية ، ولأن بعض المفسرين - كالإِمام ابن كثير - قد اقتصر على كونها مكية ، ولم.
يذكر فى ذلك خلافا .
وعدد آياتها ثمانى آيات فى المصحف الكوفى ، وتسع آيات فى غيره . وسبب ذلك اختلافهم
فى قوله - تعالى -: ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ﴾ هل هو آيتان أو آية
واحدة .
٢ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : إثبات أن يوم القيامة حق وبيان ما اشتمل عليه
من أهوال ، وتأكيد أن كل إنسان سيجازى على حسب عمله فى الدنيا ..

٤٧٦
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى -:
.31
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَان ◌ِ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
(١) وَقَالَ الْإِنسَنُ مَالَهَا )، يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا فَةٌ يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا
لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ
٨
وقوله - تعالى -: ﴿زلزلت﴾ أى: حركت تحريكا شديدا لا يعلم مقداره إلا الله
- تعالى - ، إذ الزلزال : الحركة الشديدة مع الاضطراب ، وهو بفتح الزاى اسم لذلك ،
وبكسرها مصدر بمعنى التحرك والاضطراب ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿إذا رجت
الأرض رجا﴾، ويكون هذا الزلزال الشديد ، عندما يأذن الله - تعالى - بقيام الساعة،
ويبعث الناس للحساب .
وافتتح - سبحانه - الكلام بظرف الزمان ﴿ إذا ﴾، لإفادة تحقق وقوع الشرط .
وقوله: ﴿زلزالها) مصدر مضاف لفاعله. أى: إذا زلزلت الأرض زلزالها الذى لا يماثله
زلزال آخر فى شدته وعظمته وهوله ، كما قال - تعالى -: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة
الساعة شيء عظيم ﴾
وقوله - تعالى -: ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها﴾ بيان الأثر آخر من آثار ما يحدث فى
هذا اليوم الهائل الشديد .
والأثقال : جمع ثِقل - بكسر فسكون - وهو المتاع الثقيل، ومنه قوله - تعالى - :
٠

٤٧٧
سورة الزلزلة
وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس
والمراد بها هنا : ما يكون فى جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون فى
باطنها . قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت فى جوف الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان
فوقها فهو ثقل عليها، وإنما سعى الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم ... (١) .
والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه -: ﴿وقال الإِنسان مالها ) جنسه فيشمل المؤمن
والكافر .
وقوله ﴿ مالها﴾ مبتدأ وخبر، والاستفهام: المقصود به التعجب مما حدث من أهوال.
أى : وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة ، أى : شىء حدث للأرض ، حتى جعلها
تضطرب هذا الاضطراب الشديد .
قال الجمل : وفى المراد بالإنسان هنا قولان : أحدهما : أنه اسم جنس يعم المؤمن
والكافر ، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة ، والمعنى : أنها حين تقع لم
يعلم الكل أنها من أشراط الساعة ، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك . والثانى : أنه الكافر
خاصة ، وهذا يدل على قول من جعلها زلزلة القيامة ، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها ،
والكافر جاحد لها ، فإذا وقعت سأل عنها .. (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿يومئذ تحدث أخبارها) جواب الشرط، و((أخبارها)) مفعول
ثان لقوله: ﴿ تحدث﴾ والمفعول الأول محذوف. أى: إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت
الأرض أثقالها . وقال الإِنسان ماذا حدث لها .. عندئذ تحدِّثُ الأرضُ الخلائقَ أخبارَها ، بأن
تشهد للطائع بأنه كان كذلك ، وتشهد على الفاسق بأنه كان كذلك .
أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن أبى هريرة قال: قرأ رسول الله - صل - هذه
الآية ﴿يومئذ تحدث أخبارها) ثم قال: ((أتدرون ما أخبارها))؟ قالوا: الله ورسوله
أعلم. قال: ((فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عُمِل على ظهرها ، بأن تقول :
عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا. فهذه أخبارها.))(٣).
والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة ، بأن يخلق الله - تعالى - فيها
حياة وإدراكا ، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح أو طالح ، كما تشهد على من فعل ذلك .
(١) تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ١٤٧ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٧٣ .
(٣) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٨١ .

٤٧٨
المجلد الخامس عشر
,٠
وقيل : هذا مثل ضربه الله - تعالى - والمقصود منه أن كل إنسان فى هذا اليوم سيتبين
جزاء عمله ، وما أعده الله - تعالى - له على ما قدم فى حياته الأولى ، ونظير ذلك أن تقول:
إن هذه الدار لتحدثنا بأنها كانت مسكونة .
قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ يومئذ بدل من إذا .
أى : فى ذلك الوقت تحدثك الأرض أحاديثها ، وتحديث الأرض تمثيل - كما قال الطبرى
وغيره - أى : أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب ، وما لم يعهد من الخراب ، يعلم السائل
ويفهمه الخبر ، وأن ما يراه لم يكن بسبب من الأسباب التى وضعتها السنة الإلهية ، حال
استقرار نظام الكون ، بل ذلك بسبب ﴿ أن ربك أوحى لها ﴾ أى : أن ما يحدث للأرض
يومئذ، إنما هو بأمر إلهى خاص . بأن قال لها كونى كذلك فكانت كما قال لها (١) .
وعدى فعل ((أوحى)) باللام - مع أن حقه أن يتعدى بإلى كما فى قوله - تعالى -
وأوحى ربك إلى النحل﴾ لتضمينه معنى ((قال)) كما فى قوله - سبحانه - ﴿ فقال لها
وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ﴾ .
والمعنى : إن الأرض تحدث الناس عن أخبارها ، وتبينها لهم ، وتشهد عليهم .... بسبب أن
ربك الذى خلقك فسواك فعدلك - أيها الإِنسان - قد أمرها بذلك .
.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس فى هذا اليوم فقال: ﴿ يومئذ يصدر الناس
أشتاتا ليروا أعمالهم ﴾ .
والجملة الكريمة بدل من جملة ((يومئذ تحدث أخبارها))، وقوله ﴿يصدر﴾ فعل مضارع
من الصدر - بفتح الدال - وهو الرجوع عن الشرب ، يقال : صدّر الناس عن الوِرْد ، إذا
انصرفوا عنه. و ﴿ أشتاتا﴾ جمع شتيت، أى: متفرق، ومنه قولهم: شتت الله جمع
الأعداء ، أى فرق أمرهم .
وقوله - تعالى - ﴿ ليروا﴾ فعل مضارع مبنى للمجهول ، وماضيه المبنى للمعلوم
((أراه )) بمعنى أطلعه. أى: فى هذا اليوم الذى تتزلزل فيه الأرض زلزلة شديدة .. يخرج
الناس من قبورهم متجهين أشتاتا إلى موقف الحساب ، وكل واحد منهم مشغول بنفسه ، لكى
يبصروا جزاء أعمالهم ، التى عملوها فى دنياهم .
وجاء فعل ((ليروا)) مبنيا للمجهول ، لأن المقصود رؤيتهم لأعمالهم، وليس المقصود تعيين ..
(١) تفسير جزء عم ص ١٠٦ للشيخ محمد عبده.

٤٧٩
سورة الزلزلة
من يريهم إياها . ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال : ﴿ فمن
يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
و((المثقال)) مفعال من الثقل، ويطلق على الشىء القليل الذى يحتمل الوزن، "
و ((الذرة)» تطلق على أصغر النمل ، وعلى الغبار الدقيق الذى يتطاير من التراب عند النفخ
فيه . والمقصود المبالغة فى الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها ، وحقر وزنها .
والفاء : للتفريع على ما تقدم . أى : فى هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين
لا يلوى أحد على أحد . متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعمالهم الدنيوية ..
فمن كان منهم قد عمل فى دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة ، حتى ولو كان هذا العمل فى
نهاية القلة ، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا فى دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان هذا
العمل - أيضا - فى أدنى درجات القلة .
فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب ، ولذا قال
كعب الأحبار: لقد أنزل الله - تعالى - على نبيه محمد - والز - آيتين ، أحصتا ما فى التوراة
والإِنجيل والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين الآيتين .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ، منها : ما أخرجه الإِمام
أحمد . أن صعصعة بن معاوية، أتى النبى - ﴿ - فقرأ عليه هاتين الآيتين ، فقال: حسبى
لا أبالى أن لا أسمع غيرها. وفى صحيح البخارى أن رسول الله - بصل - قال: ((اتقوا
النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة )).
وفى الصحيح - أيضاً - أن رسول الله - وَ ل فيه - قال: (( لا تحقرن من المعروف شيئاً،.
ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط )).
وكان - * - يقول لعائشة: (( يا عائشة، استترى من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد
من الجائع مسدها من الشبعان . يا عائشة . إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله
- تعالى - طالبا))(١) .
ومن الآيات الكريمة التى وردت فى معنى هاتين الآيتين قوله - تعالى - ﴿إن الله لا يظلم
مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ، ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٨٢ .
٠٠

٤٨٠
المجلد الخامس عشر
وقوله - سبحانه -: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن
﴾ .
كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ٥ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ .
٧ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م.