Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة الأعلى
التفسير
قال الله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
بسـ
سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى ) ، وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى
﴿ وَالَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى نَ فَجَعَلَهُ غُثَ أَحْوَ سَنُقْرِتُكَ
فَلَا تَسَىَ ا إِلََّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَم ◌ْجَهْرَوَمَا يَخْفَى ، وَيُيَسِّرُكَ
لِلْيُسْرَى ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىِ ى سَيَذَّكْرُ مَن يَخْشَى ٥
وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَىِ الَّذِى يَصْلَى النَّارَالْكُبْرَىَّ ﴿١) ثُمَ لَا يَمُوتُ
فِيَهَ وَلَا يَحْنِى لَ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزََّى ﴾ وَذَّكْرَأَسْمَرَبِّهِ، فَصَلَّى
( ١٥
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) إِنَّ
هَذَا لَفِى الضُّحُفِ اُلْأُولَى ٨ صُحُفٍ إَِّاهِيمَ وَمُوسَى (١)
افتتحت السورة الكريمة ، بأمر النبى - 18 - بالمداومة على تنزيه الله - تعالى - عن كل
نقص ، ويدخل فى هذا الأمر ، كل من يصلح للخطاب . والاسم المراد به الجنس ، فيشمل
جميع أسمائه - تعالى - .
أى : نزه - أيها الرسول الكريم - أسماء ربك الأعلى عن كل ما لا يليق بها ، فلا تطلقها
على غيره - تعالى - إذا كانت خاصة به ، كلفظ الجلالة . وكلفظ الرحمن ، ولا تذكرها فى
موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها ، ولا تحرفها عن المعانى التى وضعت لها كما يفعل
الزائغون . فقد قال - تعالى -: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون فى
أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون ﴾.

٣٦٢
المجلد الخامس عشر
ونزه ربك الأعلى ، عن الشريك ، وعن الوالد ، وعن الولد ، وعن الشبيه .. وعن كل
ما لا يليق به .
قال الجمل : أى : نزه ربك عن كل ما لا يليق به ، فى ذاته ، وصفاته ، وأسمائه ، وأفعاله ،
وأحكامه . أما فى ذاته : فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض . وأما فى صفاته : فأن
تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة . وأما فى أفعاله : فأن تعتقد أنه - سبحانه -
مطلق لا اعتراض لأحد عليه فى أمر من الأمور . وأما فى أسمائه : فأن لا تذكره - سبحانه -
إلا بالأسماء التى لاتوهم نقصا بوجه من الوجوه .. وأما فى أحكامه : فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع
يعود عليه ، بل لمحض المالكية .. (١).
أخرج الإِمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهنى قال : لما نزلت : ﴿ فسبح باسم ربك
العظيم﴾ قال لنا رسول الله - 18 -: ((اجعلوها فى ركوعكم)) فلما نزلت: ﴿ سبح اسم
ربك الأعلى﴾ قال: ((اجعلوها فى سجودكم)).
ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال: ﴿ الذى خلق
فسوى﴾. والخلق: هو الإِيجاد للشىء على غير مثال سابق ، والتسوية : هى جعل
المخلوقات على الحالة والهيئة التى تناسبها ، وتتلاءم مع طبيعتها .
أى : الذى خلق الخلائق كلها ، وجعلها متساوية فى الأحكام والإتقان حسبما اقتضته
حكمته . ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ووظيفته .
قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ الذى خلق فسوى ﴾ أى: خلق كل شىء فسوى خلقه
تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ودلالة على أنه صادر عن
عالم، وأنه صنعة حكيم .. (٢) .
والذى قدر فهدى ﴾ والتقدير: وضع الأشياء فى مواضعها الصحيحة ، بمقدار معين ،
وبكيفية معينة .. تقتضيها الحكمة ، ويقرها العقل السليم .
وقوله : ﴿ فهدى﴾ من الهداية . بمعنى الإِرشاد والدلالة على طريق الخير والبر . أى:
وهو - سبحانه - الذى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة فى أجناسها ، وفى أنواعها ، وفى
أفرادها . وفى صفاتها وأفعالها .. وهدى كل مخلوق إلى ما ينبغى له طبعا واختيارا ، ووجهه إلى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٢٠ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٣٨ .

٣٦٣
سورة الأعلى
الوظيفة التى خلقه من أجلها ، بأن أوجد فيه العقل والميول والإِلهامات والغرائز والدوافع التى
تعينه على أداء تلك الوظيفة .
وحذف - سبحانه - المفعول فى قوله : ﴿ الذى خلق فسوى . والذی قدر فهدی
للعموم ، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته - عز وجل - .
قال الآلوسي: ﴿والذى قدر .. ﴾ أى: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة ..
فهدى﴾ أى: فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه، وينبغى له .. فلو تتبعت أحوال
النباتات والحيوانات ، لرأيت فى كل منها ما تحار فيه العقول ، وتضيق عنه دفاتر النقول .
وأما فنون هداياته - سبحانه - للإِنسان على الخصوص ، ففوق ذلك بمراحل .. وهيهات
أن يحيط بها فلك العبارة والتحرير ، ولا يعلمها إلا اللطيف الخبير .
أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر (١)
وقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته - سبحانه - فقال : قوله
- تعالى -: ﴿الذى خلق فسوى . والذى قدر فهدى ﴾ أى: الذى خلق كل شىء
فسواه ، فأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذى يناسبه ، والذى قدر لكل مخلوق وظيفته
وطريقته وغايته ، فهداه إلى ماخلقه لأجله ، وألهمه غاية وجوده ، وقدر له ما يصلحه مدة
بقائه ، وهداه إليه . وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة فى كل شىء فى هذا الوجود ، ويشهد بها كل
شىء فى رحاب هذا الكون ، من الكبير إلى الصغير ..
فالطيور لها غريزة العودة إلى الموطن .. دون أن تضل عنه مهما بعد . والنحلة تهتدى إلى
خليتها ، مهما طمست الريح فى هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى ..
وسمك ((السلمون)) الصغير، يمضى سنوات فى البحر، ثم يعود إلى نهره الخاص به .. (٢).
. وقوله - سبحانه -: ﴿ والذى أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى ﴾ بيان لمظهر آخر
من مظاهر قدرته - تعالى - ، التى لا يعجزها شىء .
والمرعى : النبات الذى ترعاه الحيوانات ، وهو اسم مكان للأرض الذى يوجد فيها
النبات .
،
( ١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٠٤ .
:
(٢) راجع فى ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ٥٤٢ .

٣٦٤
المجلد الخامس عشر
والغثاء : هو اليابس الجاف من النبات الذى ترعاه المواشى .
والأحوى : أى: المائل إلى السواد ، مأخوذ من الحُوَّة - بضم الحاء مع تشديد الواو
المفتوحة - وهى لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة . ووصف الغثاء بأنه أحوى ، لأنه
إذا طال عليه الزمن ، وأصابته المياه ، اسود وتعفن فصار أحوى .
أى : وهو - سبحانه - وحده ، الذى أنبت النبات الذى ترعاه الدواب ، حالة كون هذا
النبات أخضر رطبا . ثم يحوله بقدرته - تعالى - بعد حين إلى نبات يابس جاف .
وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة ، على أنه - تعالى - يتصرف فى خلقه كما يشاء ، فهو القادر
على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف ، كما أنه قادر على إحياء الإِنسان بعد موته . .
فالمقصود من هذه الآيات الكريمة ، الإِرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع نعمه - سبحانه - ،
حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى يعود الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح
الحكيم .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صل - فقال: ﴿ سنقرئك فلا
تنسى . إلا ما شاء الله . إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾.
والنسيان : زوال ما كان موجودا فى حافظة الإِنسان . والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل .
ومفعول المشيئة محذوف . جريا على غالب استعماله فى كلام العرب ..
أى : سنقرئك - أيها الرسول الكريم - القرآن على لسان أمين وحينا جبريل - عليه
السلام - . وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك ، بحيث لا تنساه فى وقت من
الأوقات ، أو فى حال من الأحوال ، إلا فى الوقت أو فى الحال الذى يشاء الله - تعالى - أن
ينسيك شيئا من ذلك . فإنك ستنساه بأمره - تعالى - لأنه وحده - عز وجل - هو العليم بما
كان ظاهرا من الأشياء ، وبما كان خافيا منها .
فالمقصود من هاتين الآيتين: وعد الله - تعالى - لنبيه - وَ ل 1 - ببيان أنه - سبحانه - ،
كما أنه قادر على أن يقرىء الرسول - عليه - قراءة لا ينساها، فهو أيضا قادر على أن يزيل
من صدره ما يشاء إزالته ، عن طريق النسيان لما حفظه .
فالمراد بهذا الاستثناء: بيان أنه - تعالى - لو أراد أن يصير الرسول - وَله - ناسيا
للقرآن لقدر على ذلك ، كما قال - سبحانه - ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك .. ﴾

٣٦٥
سورة الأعلى
إذ هو - تعالى - على كل شىء قدير ، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما .
قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ أى : سنجعلك قارئا
بأن نلهمك القراءة. فلا تنسى ما تقرؤه ، والجملة مستأنفة لبيان هدايته - وَلة - الخاصة ،
بعد بيان الهداية العامة، وهى هدايته - رسالة - لحفظ القرآن .
وقوله : ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أى: لا تنسى مما تقرؤه
شيئا من الأشياء ، إلا ما شاء الله أن تنساه ، وهو لم يشأ - سبحانه - أن ينسى النبى
- وَلّ - شيئا كقوله - تعالى - ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء
ربك﴾. وقيل: ((لا)) فى قوله ﴿ فلا تنسى﴾ للنهى، والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما
فى قوله - تعالى -: ﴿فأضلونا السبيلا﴾، يعنى: فلا تغفل عن قراءته (١).
وقال الإِمام الرازى : وهاتان الآيتان تدلان على المعجزة من وجهين :
أحدهما : أن الرسول - 10 - كان أميا ، فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة ،
ولا تكرار ، ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزا . وثانيهما : أن هذه السورة من أوائل
ما نزل بمكة . فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة . سيقع فى المستقبل ، وقد
وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فيكون معجزا .. (٢) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ونيسرك لليسرى ﴾ معطوف على قوله ﴿سنقرئك ﴾ وجملة :
إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ معترضة .
والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف ، وهو جعل العمل يسيرا على عامله بأن يهيىء الله
- تعالى - للعامل الأسباب التى تهون له العسير ، وتقرب له البعيد .
واليسرى : مؤنث الأيسر ، بمعنى الأسهل ، والموصوف محذوف .
والمعنى : سنجعلك - أيها الرسول الكريم - صاحب ذاكرة قوية تحفظ القرآن ولا تنساه .
وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى فى كل باب من أبواب الدين : علما وعملا ، واهتداء
وهداية - وسنرزقك الأمور الحسنة التى تجعلك تعيش سعيدا فى دنياك ، وظافرا برضواننا فى
أخراك .
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٢٤ .
( ٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٣٨١ .

٣٦٦
المجلد الخامس عشر
ولقد أنجز الله - تعالى - لنبيه - وَّلخير - وعده ، حيث أعطاه شريعة سمحة ، ومنحه
أخلاقا كريمة، من مظاهرها أنه - وَل ◌ّ - ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، ودعا أتباعه
إلى الأخذ بمبدأ التيسير ، فقال: (( يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا .. )).
فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول - ول# - . أولاهما : تتمثل فى إلهامه الذاكرة الواعية
الحافظة لما يوحى إليه. وثانيتهما: توفيقه - ◌َليه - إلى الشريعة اليسرى، وإلى الأخلاق
الكريمة وإلى الأخذ بما هو أرفق وأيسر فى كل أحواله .
ثم أمره - تعالى - بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس فقال : ﴿ فذكر إن
نفعت الذكرى . سيذكر من يخشى . ويتجنبها الأشقى . الذى يصلى النار الكبرى . ثم لا
يموت فيها ولا يحيى ﴾ .
والفاء فى قوله ﴿ فذكر﴾ للتفريع على ما تقدم، والأمر مستعمل هنا فى طلب المداومة على
التذكير بدعوة الحق التى أرسله - سبحانه - بها ، والذكرى : بمعنى التذكير .
والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فداوم على تذكير الناس
بالهدى ودين الحق ، واتبع فى ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن ، واهتم
فى تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك ، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كان الرسول - 18 - مأمورا بالذكرى نفعت أو لم
تنفع .. فما معنى اشتراط النفع ؟ ..
قلت: هو على وجهين: أحدهما . أن رسول الله - * - قد استفرغ مجهوده فى
تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا، وكان النبى - الهرم -
يتلظى حسرة وتلهفا، ويزداد جدا فى تذكيرهم ، وحرصا عليه ، فقيل له: ﴿ وما أنت عليهم
بجبار . فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير .
والثانى : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذَمًّا للمذكّرين - بتشديد الكاف المفتوحة -
وإخبارا عن حالهم ، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم ، كما
تقول للواعظ : عظ المكاسين إن سمعوا منك ، قاصدا بهذا الشرط ، استبعاد ذلك ، وأنه لن
يكون .. (١) .
وقال الإِمام الرازى ما ملخصه: جاء التعليق بالشرط فى قوله - تعالى - : ﴿ فذكر إن
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٣٨ .

٣٦٧
سورة الأعلى
نفعت الذكرى﴾ مع أنه - والله - مطلوب منه أن يذكر الناس جميعا، نفعتهم الذكرى أم لم
تنفعهم - للتنبيه على أشرف الحالين ، وهو وجود النفع الذى من أجله شرعت الذكرى ،
كقوله - تعالى -: ﴿ سرابيل تقيكم الحر﴾. وللإشعار بأن المراد من الشرط: البعث على
الانتفاع بالذكرى ، كما يقول الإِنسان لغيره بعد أن بين له الحق ، قد أوضحت لك الأمر إن
كنت تعقل ، فيكون مراده الحض على القبول .. (١) .
ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة ، تحريض النبى - وَله - على المداومة على دعوة
الناس إلى قبول الحق الذى جاء به ، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا ، فسينفع
بعضهم ، فقد اقتضت سنة الله - تعالى - أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى الحق ، ويستجيب
له .
ويدل على هذا المعنى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ أى : سينتفع
بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - من يخشى الله - تعالى - ويخاف عذابه ، ويرجو ثوابه .
ويتجنبها الأشقى ﴾ أى: ويتجنب الذكرى ، ويبتعد عن الموعظة ، ويتجافى عن
النصيحة ، الإِنسان الشديد الشقاوة والتعاسة ، الذى أبى إلا الإصرار على كفره وعناده ،
وخلا من خشية الله - تعالى - . والمراد بالأشقى : الجنس ، أى : يبتعد عن الانتفاع
بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون .
وقيل : المراد به الكافر المتوغل فى كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة وأشباههما .
وقوله: ﴿ الذى يصلى النار الكبرى﴾ صفة للأشقى. أى: سيبتعد عن الانتفاع
بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - الكافر المصر على كفره ، الذى من صفاته أنه سيصلى
وسيلقى فى أشد طبقات النار سعيرا وحريقا ، وهى الطبقة السفلى منها .
فوصف النار بالكبرى ، من قبيل التهويل والإِنذار للمصرين على كفرهم ﴿ ثم لا يموت
فيها ولا يحيى﴾ أى: ثم إن هذا الشقى بعد أن يلقى به فى النار الكبرى ، ﴿ لا يموت
فيها ﴾ فيستريح من العذاب ﴿ ولا يحبى﴾ حياة طيبة فيها شىء من الراحة، بل يبقى
هكذا ﴿ يأتيه الموت من كل مكان وماهو بميت ﴾.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم
فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزى كل كفور﴾(٢).
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٣٨٢.
( ٢) سورة فاطر الآية ٣٦ .

٣٦٨
المجلد الخامس عشر
وبعد هذا البيان الذى يهز القلوب .. عن سوء عاقبة الأشقياء ، ساق - سبحانه -
ما يدخل البهجة والسرور على النفوس ، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء ، فقال :
قد أفلح من تزكى . وذكر اسم ربه فصلى﴾ .
أى : قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير ، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء .
ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه ، فصلى الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى -
عليه . وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن .
وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿ قد أفلح ﴾ ليجمع فى هذا التعبير البليغ، كل معانى الخير
والنفع، لأن الفلاح معناه : وصول المرء إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع. وجاء التعبير
بالماضى المسبوق بقد ، للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل الله - تعالى - ورحمته .
وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة ﴿ تزكى ﴾ وعلى استحضار
معرفة الله - تعالى - ﴿وذكر اسم ربه ﴾ وعلى أداء التكاليف الشرعية التى على رأسها
الصلاة ﴿ فصلى ﴾.
وهذه المعانى هى التى وصلت صاحبها إلى الفلاح الذى ليس بعده فلاح .
وقوله - تعالى -: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى ﴾ الإضراب فيه
عن كلام مقدر يفهم من السياق .
والمعنى : لقد بینت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزکم .. ولکنکم ۔ یابنی آدم - کثیر منکم
لم يستجب لما بينته له ، بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا ، بأن تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها ..
على ما ينفعكم فى آخرتكم، والحال أن ما فى الدار الآخرة من نعيم ، خير وأبقى من حطام
الدنيا ، لأن الدنيا ومتعها زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول .
والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه يكون المراد بإيثار
الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين ، مالا يخلو منه غالب الناس ، من اشتغالهم فى كثير من الأحيان
بمنافع الدنيا ، وتقصيرهم فيما يتعلق بآخرتهم .
ويرى كثير من العلماء : أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات ، ويؤيد أن الخطاب
للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة .
أى : بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، مع أن الآخرة خير وأبقى .
ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ﴿ إن هذا لفى الصحف الأولى . صحف إبراهيم
وموسى﴾ أى: إن هذا الذى ذكرناه من فلاح من تزكى، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على

٣٦٩
سورة الأعلى
الآخرة ، لكائن وثابت ومذكور فى الصحف الأولى ، التى هى صحف إبراهيم وموسى ، التى
أنزلها - سبحانه - على هذين النبيين الكريمين ، ليعلم الناس ما اشتملت عليه من آداب
وأحكام ومواعظ . وفى إيهام هذه الصحف ، ووصفها بالقدم ، ثم بيان أنها لنبيين كريمين من
أولى العزم من الرسل ، تنويه بشأنها ، وإعلاء من قدرها .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الاثنين ٢ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ
- ٦ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م .

٣٧١٠
سورة الغاشية
بِسْمِ اللّهُ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الغاشية
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الغاشية))، وتسمى سورة (( هل أتاك حديث الغاشية)) من السور المكية
الخالصة ، وعدد آياتها ست وعشرون آية ، وهى السورة الثامنة والثمانون فى ترتيب المصحف ،
أما ترتيبها فى النزول ، فهى السورة السابعة والستون من بين السور المكية ، وكان نزولها بعد
سورة ((الذاريات)) وقبل سورة ((الكهف)).
٢ - وهى من السور التى كان النبى - ول﴿ - يقرؤها كثيرا، فقد أخرج الإِمام مسلم فى
صحيحه، عن النعمان بن بشير، أن رسول الله - وَ لجر - كان يقرأ ((سبح اسم ربك
الأعلى)) ((والغاشية)) فى صلاة الجمعة والعيدين.
وفى رواية - أيضا - عن النعمان بن بشير أن الرسول - وسلم - كان يقرأ هذه السورة مع
سورة الجمعة ، فى صلاة الجمعة .
٣ - وقد اشتملت السورة الكريمة على بيان أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة ، كما
لفتت أنظار الناس إلى مظاهر قدرة الله فى خلقه ، لكى يتفكروا ويتدبروا أن الخالق لهذه
الأشياء بتلك الصورة البديعة ، هو المستحق للعبادة والطاعة ، وأنهم سيعودون إليه للحساب
والجزاء ﴿ إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا حسابهم )
مے

٣٧٢
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
ـمِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يُؤْمَئِذٍ خَشِعَةُ أ
عَامِلَةٌ تَصِبَةٌ لَ اتَصْلَى نَارًا حَامِيَةً أ ◌ُتَّقَى مِنْ عَيْنٍ ◌َانِيَةٍ
٥
لَّيْسَ لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعِ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوع
٧
وُجُوهٌ يُؤَمَعِذٍ نَاعِمَةٌ ، لِسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ فِ جَنَِّ عَالِيَةِ
١٠
لَا تَسْمَعُ فِيهَ لَغِيَةٌ ﴿) فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴿) فِيهَا سُرٌمَرْ فُوعَةٌ هُ
١٣
١٦
وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ ﴿ وَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِىٌّ مَبْنُونَةُ
أَفَلَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَ إِلَى السَّمَاءِكَيفَ
رُفِعَتْ ﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ
سُطِحَتْ نَ) فَذَكِرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكٌِّ لَّسْتَ عَلَيْهِمِ
بِمُصَيْطِرٍ (١) إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُالْعَذَابَ
اُلْأَكْبَرَ ﴿ إِنَّإِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
٢٦
والاستفهام فى قوله - تعالى - : ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ) للتحقيق والتقرير ، أو
المقصود به التعجيب من حديث القيامة ، والتشويق إلى الاستماع إليه .
والغاشية : لفظ مشتق من الغشيان ، وهو تغطية الشىء لغيره ، يقال : غشيه الأمر ، إذا

٣٧٣
سورة الغاشية
غطاه ، والمقصود بالغاشية يوم القيامة ، ووصف يوم القيامة بذلك ، لأنه يغشى الناس بأهواله
وشدائده ، ويغطى عقولهم عن التفكير فى أى شىء سواه .
والمعنى : هل بلغك - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - حديث يوم القيامة ، الذى
يغشى الناس بأحواله المفزعة ، ويعمهم بشدائده .. إن كان لم يأتك فهذا خبره ، وتلك هى
أقسام الناس فيه .
وافتتاح السورة بهذا الافتتاح - بجانب ما فيه من تشويق - يدل على أهمية هذا الخبر ،
وأنه من الأخبار التى ينبغى الاستعداد لما اشتملت عليه من معانى لا يصح التغافل عنها .
ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال : ﴿وجوه يومئذ خاشعة ﴾.
قال الشوكانى : الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما هو ؟ أو مستأنفة
استئنافًا نحويا ، لبيان ما تضمنته من كون ثَمَّ وجوه فى ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة
المذكورة، و ((وجوه)) مرتفع على الابتداء - وإن كانت نكرة - لوقوعه فى مقام التفصيل ..
والتنوين فى ((يومئذ)) عوض عن المضاف إليه . أى : يوم غشيان الغاشية.
والخاشعة : الذليلة الخاضعة ، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع .. (١).
والمراد بالوجوه : أصحابها ، من باب التعبير عن الكل بالبعض ، وخصت الوجوه
بالذكر ، لأنها أشرف أعضاء الإِنسان ، ولأنها هى التى تظهر عليها الآثار المختلفة من حزن أو
فرح. أى: وجوه فى يوم قيام الساعة ، تكون خاشعة ذليلة ، تبدو عليها آثار الهوان
والانتكاس والخزى ، كما قال - تعالى - : ﴿ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من
الذل .. ﴾.
وهذه الوجوه - أيضا - من صفاتها أنها ﴿ عاملة ناصبة ﴾ أى : مكلفة بالعمل الشاق
المرهق الذى تنصَبُّ له الوجوه فى هذا اليوم ، وتتعب تعبا ما عليه من مزيد ، كجر السلاسل ،
وحمل الأغلال ، والخوض فى النار .
.---
فقوله : ﴿ عاملة ﴾ اسم فاعل من العمل، والمراد به هنا: العمل الشاق المهين.
وقوله: ﴿ ناصبة﴾ من النّصَب، بمعنى: التعب والإِعياء يقال: نَصِب فلان بكسر
الصاد - كفرح - ينصب نصبا ، إذا تعب فى عمله تعبا شديدا .
وفى هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار ، لأنهم لما تركوا فى الدنيا الخشوع لله - تعالى -
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٢٨ للشوكانى.

٣٧٤
المجلد الخامس عشر
والعمل لصالح ، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة .. كان جزاؤهم يوم القيامة ، الإِذلال ،
والعمل الشاق المهين الذى لا تعقبه راحة .
ثم أخبر - سبحانه - عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال : ﴿ تصلى نارا
حامية﴾ أى: أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة. يقال: صَلِيَ فلان النار فهو
يصلاها ، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا .
تسقى من عين آنية ﴾ أى : هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد بلغت النهاية فى
الحرارة والغليان ، إذ الشىء الآتى ، هو الذى بلغ النهاية فى الحرارة ، يقال: أَنَى الماء يَأْنِى
: - كرمى يرمى - ، إذا بلغ الغاية فى الغليان ، ومنه قوله - تعالى - ﴿يطوفون بينها وبين
حميم آن ﴾ .
قال الإِمام ابن جرير: قوله : ﴿تسقى من عين آنية﴾ أى : تسقى أصحاب هذه
الوجوه من شراب عين قد أنَى حرها ، فبلغ غايته فى شدة الحر ، وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال
أهل التأويل .. فعن ابن عباس : هى التى قد طال أنيْهُا - أى : حرها - .
وقال بعضهم: عنى بقوله: ﴿ من عين آنية﴾ أى: من عين حاضرة - أى: حاضرة
لعذابهم ... (١).
وقوله - تعالى -: ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغنى من جوع﴾.
والضريع : هو شجر فى النار يشبه الشوك ، فيه ما فيه من المرارة والحرارة وقبح الرائحة .
وقوله: ﴿ يسمن﴾ من السِّمَن - بكسر السين وفتح الميم - وهو وفرة اللحم والشحم فى
الحيوان وغيره . يقال : فلان أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن .
وقوله ﴿يغنى ﴾ من الإِغناء ودفع الحاجة . يقال: أغنانى هذا الشىء عن غيره ، إذا كفاه
واستغنى به عن سواه . أى : أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة بجانب شرابهم من الماء البالغ
النهاية فى الحرارة ، لهم - أيضا - طعام من أقبح الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة .. هذا
الطعام لا يأتى بسمن ، ولا يغنى من جوع ، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من الأخبار
المحزنة المؤلمة ، التى منها ما يتعلق بهيئاتهم ، ومنها ما يتعلق بأحوالهم ، ومنها ما يتعلق
بشرابهم ، ومنها ما يتعلق بطعامهم .
(١) تفسير ابن جرير جـ ٣٠ ص ١٠٢ .

٣٧٥
سورة الغاشية
ووصف - سبحانه - طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع ، لزيادة تقبيح هذا الطعام ،
وأنه شر محض ، لا مكان لأية فائدة معه .
قال صاحب الكشاف : الضريع : اليابس من نبات الشبرق ، وهو جنس من الشوك ،
ترعاه الإِبل مادام رطبا . فإذا يبس تحامته الإِبل وهو سم قاتل ..
فإن قلت : كيف قيل: ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ وفى الحاقة ﴿ ولا طعام إلا من
غسلين ؟ ﴾. قلت : العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات، فمنهم: أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة
الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع .
والضريع : منفعتا الغذاء منفيتان عنه : وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوة والسمن فى
البدن . أو أريد: أن لا طعام لهم أصلا ، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم ، فضلا عن الإِنس ،
لأن الطعام ما أشبع أو أسمن ، وهما منه بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس .
تريد : نفى الظل على التوكيد .. (١).
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم .. جاء الحديث عن المؤمنين
ونعيمهم ، فقال - تعالى -: ﴿ وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية . فى جنة عالية ﴾.
قال الآلوسى: قوله : ﴿وجوه يومئذ ناعمة ﴾ شروع فى رواية حديث أهل الجنة،
وتقديم حكاية أهل النار ، لأنه أدخل فى تهويل الغاشية ، وتفخيم حديثها ، ولأن حكاية حُسْنٍ
حال أهل الجنة ، بعد حكاية سوء أهل النار ، مما يزيد المحكى حسنا وبهجة .. وإنما لم تعطف
هذه الجملة على تلك الجملة ، إيذانا بكمال التباين بين مضمونهما .. (٢).
أى : وجوه كثيرة تكون يوم القيامة ، ذات بهجة وحسن ، وتكون متنعمة فى الجنة بما
أعطاها - سبحانه - من خير عميم ، جزاء عملها الصالح فى الدنيا .
لسعيها راضية ﴾ أى: لعملها الذى عملته فى الدنيا راضية ، لأنها قد وجدت من
الثواب عليه فى الآخرة ، أكثر مما كانت تتوقع وترجو .
فالمراد بالسعى : العمل الذى كان يعمله الإنسان فى الدنيا ، ويسعى به من أجل الحصول
على رضا خالقه، وهو متعلق بقوله ﴿راضية﴾. وقدم عليه للاعتناء بشأن هذا السعى.
وقوله - تعالى -: ﴿ فى جنة عالية ﴾ بيان لسمو مكانتهم . أى: هم كائنون فى جنة
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٤٢ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١١٤ .
عمـ

٣٧٦
المجلد الخامس عشر
عالية ، مرتفعة المكان والمكانة . فقد وصفت الجنة بالعلو ، للمبالغة فى حسنها وفى علو منزلتها ،
فقد جرت العادة أن تكون أحسن الجنات ، ما كانت مرتفعة على غيرها .
ثم وصف - سبحانه - هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال: ﴿ لا تسمع فيها
لاغية﴾. أى: لا تسمع فى هذه الجنة كلمة ذات لغو. واللغو: هو الكلام الساقط الذى
لا فائدة فيه . أى : أنك - أيها المخاطب - لا تسمع فى الجنة إلا الكلام الذى تسر له
نفسك ، وتقرُّ به عينك ، فلفظ اللاغية هنا : مصدر بمعنى اللغو ، مثل الكاذبة للكذب ، وهو
صفة لموصوف محذوف .
فيها عين جارية ﴾ أى : فى هذه الجنة عيون تجرى بالماء العذب الزلال المتدفق .
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ فيها عين جارية﴾ يريد عيونا فى غاية الكثرة ،
كقوله : ﴿ علمت نفس ماقدمت وأخرت ﴾ .
فالمراد بالعين هنا : جنس العيون ، وبالجارية : التى لا ينقطع ماؤها .. ﴿ فيها سرر
مرفوعة ﴾ أى : فى الجنة أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا مرتفعا عن الأرض .
وينامون فوقها نوما هادئا لذيذا .. والسرر : جمع سرير ، وهو الشىء ذو القوائم المرتفعة
الذى يتخذ للجلوس والاضطجاع .
ووصف - سبحانه - هذه السرر بالارتفاع ، لزيادة تصوير حسنها .
وأكواب موضوعة﴾ والأكواب جمع كوب . وهو عبارة عن الإِناء الذى تشرب فيه
الخمر . أى : وفى الجنة أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها ، بحيث يشربون من الخمر
التى وضعت فيها ، دون أن يجدوا أى عناء فى الحصول عليها .
ونمارق مصفوفة ﴾ والنارق : جمع مرقة - بضم النون وسكون الميم وضم الراء - ،
وهى الوسادة الصغيرة التى يتكىء عليها الجالس والمضجع . أى : وفى الجنة وسائد كثيرة ، قد
صف بعضها إلى جانب بعض صفا جميلا ، بحيث يجدها الجالس قريبة منه فى كل وقت .
وزرابى مبثوثة ﴾ والزرابى جمع زربية - بتثليث الزاى - وهى البساط الواسع الفاخر ،
أو ما يشبهه من الأشياء الثمينة التى تتخذ للجلوس عليها . والمبثوثة : أى : المنتشرة على
الأرض ، من البث بمعنى النشر ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿وبث فيها من كل دابة ﴾.
أى : وفيها بسط فاخرة جميلة .. مبسوطة فى كل مكان ، ومتفرقة فى كل مجلس .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الجنة التى أعدها - سبحانه - لعباده المتقين ،
بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة .
٠

٣٧٧
سورة الغاشية
وصفها بأنها عالية فى ذاتها ، وبأنها خالية من الكلام الساقط ، وبأن مياهها لا تنقطع ، وبأن
أثاثها فى غاية الفخامة ، حيث اجتمع فيها كل ما هو مريح ولذيذ .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أهلها .
ثم ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة المشاهدة ، التى لا يستطيع أحد إنكارها ، ليلفت
أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته . فقال - تعالى -: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل
كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت . وإلى الجبال كيف نصبت . وإلى الأرض كيف
٠
سطحت
والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتحريض على التأمل والتفكر ، والفاء للعطف على مقدر
يقتضيه المقام ، والمراد بالنظر : التدبر فى تلك المخلوقات ، فإن من شأن هذا التدبر ، أنه يؤدى
إلى الاعتبار والانتفاع .. والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذين أمامهم الشواهد
الواضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ومع ذلك لم ينتبهوا لها .
والمعنى : أيستمر هؤلاء الكافرون فى جهلهم وضلالهم ، وفى إنكارهم لأمر البعث والحساب
والجزاء .. فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل ، إلى الإِبل - وهى أمام أعينهم - كيف خلقها الله
- تعالى - بهذه الصورة العجيبة ، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخِلْقِى ،
ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم ، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لحمها
يأكلون ، وعلى ظهرها يسافرون ، وأثقالهم عليها يحملون .
وخص - سبحانه - الإِبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها أعز الأموال عند
العرب ، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم ، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا .
قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى -: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإِبل﴾ نظر اعتبار
كيف خلقت ﴾ خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا بتدبير مدبر ، حيث خلقها
للنهوض بالأثقال ، وجرها إلى البلاد الشاحطة . أى البعيدة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن
قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها ، لا تعارض
ضعيفا ، ولا تمانع صغيرا .
فإن قلت : كيف حسن ذكر الإِبل ، مع السماء والجبال والأرض ، ولا مناسبة ؟ ..
· قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب فى أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على
حسب ما انتظمها نظرهم .. (١) .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٤٥ .

٣٧٨
المجلد الخامس عشر
وقوله - تعالى -: ﴿وإلى السماء كيف رفعت ﴾ أى: وهلا نظروا إلى السماء نظر اعتبار
واتعاظ ، فعرفوا أن الذى خلقها هذا الخلق البديع ، بأن رفعها بدون أعمدة .. هو الله - عز
وجل - .
﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ أى : كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن نصبت على وجه
الأرض نصبا ثابتا راسخا . يحمى الأرض من الاضطراب والتزلزل .
وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ أى : كيف سويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل الناس
يتمكنون من الانتفاع بخيرها ، ومن الاستقرار عليها ، وهذا لا ينافى كونها كروية ، لأن الكرة
إذا اشتد عظمها .. كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان الانتفاع بها .
وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، ولم ينتبهوا لآيات الله
- تعالى - الدالة على قدرته ووحدانيته .. أمر الله - تعالى - نبيه - بصل - ، أن يداوم على
التذكير بدعوة الحق، فقال: ﴿ فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمصيطر ﴾.
والفاء فى قوله ﴿ فذكر﴾ للتفريع، وترتيب ما بعدها على ما قبلها . والأمر مستعمل فى
طلب الاستمرار والدوام فى دعوته الناس إلى الحق، ومفعول: ((فذكر)) محذوف للعلم به .
وجملة ((إنما أنت مذكر)) تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه .
والمصيطر : هو المتسلط ، المتجبر ، الذى يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به .
وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد ، وقرأ ابن عامر بالسين .
أى : إذا كان الأمر كما بينا لك - أيها الرسول الكريم - من أحوال الناس يوم الغاشية ،
ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا .. فداوم - أيها الرسول الكريم - على دعوة
الناس إلى الدين الحق ، فهذه وظيفتك التى لا وظيفة لك سواها ، وكِلّ أمرهم بعد ذلك إلينا ،
فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا
الحساب .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾ كلام معترض
بين قوله: ﴿ فذكر ... ) وبين قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿إن إلينا إيابهم ﴾ والاستثناء
فيه استثناء منقطع، و((إلا)) بمعنى لكن، و ((مَنْ)) موصولة مبتدأ .. والخبر. ((فيعذبه الله
العذاب الأكبر )) ..
أى: داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير .. لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك
وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا .

٣٧٩
سورة الغاشية
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ﴿إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا
حسابهم ﴾ .
وهاتان الآيتان تعليل لقوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾.
والإياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذى كان فيه قبل ذلك . والمراد به
هنا : الرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة للحساب والجزاء .
أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على تذكير الناس بدعوة الحق ، بدون إجبار لهم ، أو
: تُسلط عليهم ، واتركهم بعد ذلك وشأنهم .. فإن إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد
سوانا ، ثم إن علينا وحدنا - أيضا - حسابهم على أعمالهم ، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى
نراه مناسبا لهم .
وصدر - سبحانه - الآيتين بحرف التأكيد ((إن)) وعطف الثانية على الأولى بحرف
((ثم)) المفيد للتراخى فى الرتبة، وقدم خبر ((إن)) فى الجملتين على اسمها .. لإفادة التهديد
والوعيد ، وتأكيد أن رجوعهم إليه - تعالى - أمر لاشك فيه . وأن حسابهم يوم القيامة
سيكون حسابا عسيرا ، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا في السماء .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الصالحين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم ..
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ٥ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ
١٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م