Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة التكوير
ببيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وأن الرسول - صل﴿ - صادق فيما يبلغه عن ربه ،
فقال :
١٥
١٨
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَسِ هِ
الْجَوَارِالْكُنَسِ وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ { وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ!
◌ِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ(٦)، ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِ مَّكِينٍ ، مُطَاعِ
ثَمََّمِينٍ (١٦) وَمَا صَاحِبُّكُم بِمَجْنُونٍ ﴿ وَلَقَدْرَءَاه ◌ِلْأُفُقِ اَلْمُبِينِ
﴿١٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبٍ بِضَنِينٍ ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ تَّحِيم٥ِ
فَتَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ) لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَن
يَسْتَقِيمَ)، وَ مَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
والفاء فى قوله - تعالى - : ﴿ فلا أقسم بالخنس .. ﴾ للتفريع على ما تقدم من تحقيق
وقوع البعث، وهى تعطى - أيضاً - معنى الإفصاح، و((لا)) مزيدة لتأكيد القسم،
وجواب القسم قوله - تعالى - ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾.
و﴿ الخنس﴾ - بزنة رُكَّع - جمع خانس، والخنوس: الاستخفاء والاستتار، يقال:
خنست الظبية والبقرة ، إذا اختفت فى بيتها .
و﴿ الجوار ﴾ جمع جارية، وهى التى تجرى بسرعة، من الجرى بمعنى الإسراع فى
السير .
و ﴿ الكنس﴾ جمع كانس . يقال: كنس الظبى، إذا دخل كناسه - بكسر الكاف -
وهو البيت الذى يتخذه للمبيت ، وسمى بذلك لأنه يتخذه من أغصان الأشجار ، ويكنس
الرمل إليه حتى يكون مختفيا عن الأعين .
وهذه الصفات ، المراد بها النجوم ، لأنها بالنهار تكون مختفية عن الأنظار ، ولا تظهر إلا
بالليل ، فشبهت بالظباء التى تختفى فى بيوتها ولا تظهر إلا فى أوقات معينة .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن البعث حق ... فأقسم بالنجوم التى تخنس

٣٠٢
المجلد الخامس عشر
بالنهار ، أى : يغيب ضوؤها عن العيون بالنهار ، ويظهر بالليل ، والتى تجرى من مكان إلى
آخر بقدرة الله - تعالى - ثم تكنس - أى: تستقر وقت غروبها - كما تتوارى الظباء فى
كُنْسِها ... إن هذا القرآن لقول رسول كريم .
قال ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿ فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ﴾ :
هى النجوم تخنس بالنهار ، وتظهر بالليل ، روى ذلك عن على بن أبى طالب وابن عباس
ومجاهد .
وقال بعض الأئمة: وإنما قيل للنجوم ((الخنس)) أى: فى حال طلوعها، ثم هى جوار فى
فلكها، وفى حال غيبوبتها، يقال لها (( كنس))، من قول العرب . أوى الظبى إلى كناسه :
إذا تغيب فيه .
وفى رواية عن ابن عباس : أنها الظباء ، وفى أخرى أنها بقر الوحش حين تكنس إلى الظل
أو إلى بيوتها .
وتوقف ابن جرير فى قوله: ﴿ الخنس الجوار الكنس﴾ هل هى النجوم أو الظباء وبقر
الوحش قال : ويحتمل أن يكون الجميع مرادا .. (١).
وقوله: ﴿ والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفس﴾ معطوف على ما قبله. وداخل فى
حيز القسم .
وقوله ﴿ عسعس﴾ أدبر ظلامه أو أقبل ، فهذا اللفظ من الألفاظ التى تستعمل فى الشىء
وضده ، إلا أن المناسب هنا يكون المراد به إقبال الظلام ، لمقابلته بالصبح إذا تنفس ، أى :
أضاء وأسفر وتبلج .
وقيل : العسعسة : رقة الظلام وذلك فى طرفى النهار ، فهو من المشترك المعنوى ، وليس من
الأضداد ، أى : أقبل وأدبر معاً . أى : وحق النجوم التى تغيب بالنهار ، وتجرى فى حال
استتارها .. وحق الليل إذا أقبل بظلامه ، والصبح إذا أقبل بضيائه .
إنه ﴾ أى: القرآن الكريم ﴿ لقول رسول كريم) وهو جبريل - عليه السلام -
الذى أرسله ربه إلى نبيه محمد - * - لكى يبلغه وحيه - تعالى - .
وأقسم الله - تعالى - بهذه الأشياء ، لأنها فى حركاتها المختلفة ، من ظهور وأفول ، ومن
إقبال وإدبار .. تدل دلالة ظاهرة على قدرة الله - تعالى - ، وعلى بديع صنعه فى خلقه .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٦٠.

٣٠٣
سورة التكوير
ونسب - سبحانه - القول إلى الرسول - وهو جبريل - لأنه هو الواسطة فى تبليغ
الوحى إلى النبى - * - .
ثم وصف - سبحانه - أمين وحيه جبريل بخمس صفات : أولها : قوله ﴿ كريم ﴾ أى :
ملك شريف ، حسن الخلق ، بهى المنظر ، ثانيها : ﴿ ذى قوة﴾ أى: صاحب قوة وبطش.
كما قال - تعالى -: ﴿ علمه شديد القوى .. ﴾ ثالثها: ﴿ عند ذى العرش مكين ﴾
أى : أن من صفات جبريل - عليه السلام - أنه ذو مكانة رفيعة ، ومنزلة عظيمة عند
الله - تعالى - .
رابعها : قوله - تعالى - ﴿ مطاع﴾ أى يطيعه من معه من الملائكة المقربين.
وخامسها: قوله : - سبحانه - ﴿ثَمَّ أمين) و((ثم)) بفتح التاء - ظرف مكان
للبعيد . والعامل ما قبله أو ما بعده ، والمعنى : أنه مطاع فى السموات عند ذى العرش ، أو
أمين فيها ، أى: يؤدى ما كلفه الله - تعالى - به بدون أية زيادة أو نقص.
قال الشوكانى: ومن قال إن المراد بالرسول محمد - وَليزر - فالمعنى : أنه ذو قوة على تبليغ
الرسالة إلى الأمة ، مطاع يطيعه من أطاع الله ، أمين على الوحى .
وقوله : ﴿ وما صاحبكم بمجنون﴾: الخطاب لأهل مكة ، والمراد بصاحبهم رسول
الله - * - .
والمعنى : وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للإِشعار بأنهم عالمون
بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره فى شىء ، وأنهم افتروا عليه ذلك ، عن علم
منهم ، بأنه أعقل الناس وأكملهم ، وهذه الجملة داخلة فى جواب القسم .
فأقسم - سبحانه - بأن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا - #1 - ليس كما يقولون
من أنه مجنون ، وأنه يأتى بالقرآن من جهة نفسه(١).
فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبى - - بأكمل وجه ، وتوبيخ أعدائه الذين
اتهموه بتهمة هم أول من يعلم - عن طريق مشاهدتهم لاستقامة تفكيره ، وسمو أخلاقه - أنه
أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا .
وقوله - سبحانه -: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين) معطوف - أيضا - على قوله
- تعالى - قبل ذلك: ﴿ إنه لقول رسول كريم﴾ فهو من جملة المقسم عليه.
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٣٩١، للشوكانى.

٣٠٤
المجلد الخامس عشر
والمقصود بهذه الرؤية: رؤية النبى - وَله - لجبريل - عليه السلام - لأول مرة ، على
الهيئة التى خلقه الله عليها، عندما كان الرسول - صل*1 - يتعبد فى غار حراء ،
وكان - والله - قد سأل جبريل أن يريه نفسه، على الهيئة التى خلقه الله - تعالى - عليها.
والأفق : هو الفضاء الواسع الذى يبدو للعين ما بين السماء والأرض .
والمبين : وصف للأفق ، أى : بالأفق الواضح البين ، الذى لا تشتبه معه المرئيات .
والمعنى: ووالله لقد رأى صاحبكم محمد - وَ له - جبريل، بصورته التى خلقه الله عليها،
بالأفق الواضح البين ، الذى لا تلتبس فيه المرئيات ، ولا مجال فيه للأوهام والتخيلات .
والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين الذين كانوا إذا أخبرهم الرسول - الهرم -
بأنه رأى جبريل . كذبوه واستهزءوا به ، وتأكيد أن هذه الرؤية كانت حقيقة واقعة ، لا مجال
معها للتشكيك أو اللبس .
قال الإِمام ابن كثير: وقوله - تعالى - ﴿ولقد رآه بالأفق المبين ) يعنى: ولقد رأى
محمد جبريل الذى يأتيه بالرسالة عن الله - عز وجل - وعلى الصورة التى خلقه الله عليها ،
له ستمائة جناح ﴿ بالأفق المبين﴾ أى: البين، وهى الرؤية الأولى التى كانت بالبطحاء -
أى بالمكان المجاور لغار حراء. وهى المذكورة فى قوله - تعالى -: ﴿ علمه شديد القوى .
ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى
عبده ما أوجى .. ﴾(١).
والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ وما هو على الغيب بضنين﴾ يعود إلى
الرسول - * - المعبر عنه قبل ذلك ﴿ بصاحبكم ﴾.
والغيب : ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم ، لأن الله - تعالى - قد استأثر بعلمه .
والضنين : هو البخيل بالشىء ، مأخوذ من الضن - بالكسر والفتح - بمعنى البخل .
قال الآلوسى: ((وماهو)) أى: رسول الله - ول﴿ل - ((على الغيب)) أى: على ما يخبر
به من الوحى إليه وغيره من الغيوب ((بضنين)) من الضن - بكسر الضاد وفتحها - بمعنى
البخل ، أى : ببخيل ، أى: لا يبخل بالوحى ، ولا يقصر فى التعليم والتبليغ ، ومنح كل
ما هو مستعد له من العلوم ، على خلاف الكهنة فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون
معرفته إلا بإعطائهم حلوانا .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٦١، وراجع تفسيرنا لهذه الآيات فى سورة النجم.

:٣٠٥
سورة التكوير
وقرأ ابن كثير والكسائى وأبو عمر ﴿بظنين) - بالظاء - أى: وماهو على الغيب
بمتهم ، من الظنة - بالكسر - بمعنى التهمة .
ثم قال: ورجحت هذه القراءة، لأنها أنسب بالمقام، لاتهام الكفرة له - ® - بذلك ،
ونفى التهمة ، أولى من نفى البخل .(١) .
وهذا القول لا نوافق الآلوسى - رحمه الله - عليه ، لأن القراءة متى ثبتت عن
النبى - 13 - لا يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التى هى مثلها فى الثبوت، والقراءتان هنا
سبعيتان ، ومن ثم فلا ينبغى التفاضل بينهما . والمعنى عليهما واضح ولا تعارض فيه .
أى: وما محمد - وَلّ - ببخيل بتبليغ الوحى، بل هو مبلغ له على أكمل وجه وأتمه ،
وما هو - أيضا - بمتهم فيما يبلغه عن ربه، لأنه - وَل - سيد أهل الصدق والأمانة.
وقوله - سبحانه - ﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾ معطوف - أيضا - على
قوله - تعالى - ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ والضمير هنا يعود على القرآن الكريم.
أى : وليس هذا القرآن الكريم ، المنزل على سيدنا محمد - وجعله - بقول شيطان مرجوم
مسترق للسمع .. وإنما هو كلام الله - تعالى - الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه .
وهذا رد آخر على المشركين الذين زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب الكهانة ، وأن
الرسول - وَلّ - إنما هو كاهن ، تلقنه الشياطين هذا القرآن .
وقوله - سبحانه - : ﴿ فأين تذهبون ﴾ جملة معترضة بين ما سبقها، وبين
قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين﴾، والمقصود فيها توبيخهم وتعجيزهم
عن أن يأتوا ولو بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم .
والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ ، على الحجج السابقة ، المثبتة بأن هذا القرآن من عند
الله - تعالى - وليس من عند غيره .
و﴿ أين﴾ اسم استفهام عن المكان، والاستفهام هنا للتعجيز والتقريع، وهو منصوب
بقوله : ﴿ تذهبون ﴾.
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم ، فأى طريق تسلكون أوضح وأبين من هذا الطريق
الذى أرشدناكم إليه ؟ إنه لا طريق لكم سوى هذا الطريق الذى أرشدناكم إليه .
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٦١.

٣٠٦
المجلد الخامس عشر
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ فأين تذهبون ﴾ استضلال لهم ، كما يقال لتارك الجادة
اعتسافا أو ذهابا فى بنيات الطريق - أى : فى الطريق المتشعبة عن الطريق الأصلى - أين
تذهب ؟ مثلت حالهم فى تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل(١).
إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ أى: ما هذا القرآن الكريم ، إلا تذكير وإرشاد وهدايات
للبشر جميعاً .
وهذا الذكر العظيم إنما هو ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ أى: هو نافع لمن شاء منكم -
أيها الناس - أن يستقيم على طريق الحق ، وأن يلزم الرشاد ويترك الضلال .
والجملة الكريمة بدل مما قبلها ، للإشعار بأن الذين استجابوا لهدى القرآن قد شاءوا
لأنفسهم الهداية والاستقامة .
فالمقصود بهذه الجملة : الثناء عليهم ، والتنويه بشأنهم .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان أن مشيئته - تعالى - هى النافذة ، فقال :
وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ .
أى: وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا إذا شاءها وأرادها الله - تعالى - رب
العالمين ، إذ مشيئة الله - تعالى - هى النافذة ، أما مشيئتكم فلا وزن لها إلا إذا أذنت بها
مشيئته - تعالى - .
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولا وزن .. إلا إذا أيدتها مشيئة
الله - عز وجل - .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر .
صباح الأربعاء : ٢٠ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ
٢٤ من سبتمبر سنة ١٩٨٦ م.
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧١٣ .

٣٠٧
سورة الانفطار
بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الانفطار
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الانفطار)) من السور المكية الخالصة، وتسمى - أيضاً - سورة ((إذا
السماء انفطرت))، وسورة ((المنفطرة)) أى: السماء المنفطرة.
٢ - وعدد آياتها: تسع عشرة آية . وهى السورة الثانية والثمانون فى ترتيب المصحف ، أما
ترتيبها فى النزول ، فكان نزولها بعد سورة ( النازعات ) ، وقبل سورة ( الانشقاق ) ، أى
أنها السورة الثانية والثمانون - أيضا - فى ترتيب النزول .
٣ - وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على إثبات البعث ، وعلى أهوال يوم القيامة ، وعلى
تنبيه الناس إلى وجوب الاستعداد لهذا اليوم الشديد ، وعلى جانب من نعم الله على خلقه ،
وعلى بيان حسن عاقبة الأبرار، وسوء عاقبة الفجار .
كــ

i
٣٠٨
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى -:
3.1
◌ِاللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَثَرَتْ ن وَإِذَا الْبِحَارُ
فُجِرَتْ ﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ل عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ
وَأَخَرَتْ ن ◌َأَيُّهَا الْإِنْسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيِ نَ الَّذِى
خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ا فِ أَمِّ صُورَقِ مَّا شَآءَ رَّكَبَكَ (٨)
كَلَا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِاَلِدِينِ ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ آ كِرَامًا
كَئِينَ آ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١) إِنَّ الْأَبْرَارَلَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ
اٌلْفُجَّارَ لَفِ جَحِيمٍ ﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَالدِّينِ (١٥) وَمَاهُ عَنْهَا بِغَيِينَ
﴿ وَمَا أَذْرَبِكَ مَا يَوْمُ الّذِينِ ) ثُمَّ مَآ أَذْرَكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
١٩
٨ يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئاً وَاُلْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ!
وقوله - سبحانه -: ﴿إذا السماء انفطرت ﴾ بيان لما ستكون عليه السماء عند اقتراب
قيام الساعة .
ومعنى: ﴿ انفطرت﴾ انشقت، من الفطر - بفتح الفاء - بمعنى الشق، كما
قال - تعالى - فى أول سورة الانشقاق: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾. يقال: فطرت الشىء
فانفطر ، أى : شققته فانشق . أى: إذا السماء تصدعت وتشققت فى الوقت الذى يريده
الله - تعالى - لها أن تكون كذلك.

٣٠٩
سورة الانفطار
وإذا الكواكب انتثرت ﴾ أى: وإذا النجوم تهاوت وتساقطت وتفرقت، ويقال: نثرت
الشىء على الأرض ، إذا ألقيته عليها متفرقا . فانتثار الكواكب معناه : تفرقها عن مواضعها
التى كانت فيها .
وإذا البحار فجرت ﴾ أى: شققت جوانبها ، فزالت الحواجز التى بينها ، واختلط
بعضها ببعض فصارت جميعها بحرا واحدا ، فقوله ﴿ فجرت ﴾ مأخوذ من الفجر - بفتح
الفاء - وهو شق الشىء شقا واسعا ، يقال : فجر الماء فتفجر ، إذا شقه شقا واسعا ترتب
عليه سيلان الماء بشدة .
وإذا القبور بعثرت﴾ أى: صار باطنها ظاهرَهَا، وخرج ما فيها من الموتى مسرعين ،
يقال : بعثر فلان متاعه ، إذا فرقه وبدده وقلب بعضه على بعض .
والمراد أن التراب الذى كان فيها يبعثر ويزال ، ويخرج الموتى من تلك القبور للحساب
والجزاء .
وقوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ جواب ﴿ إذا﴾ فى الآيات الأربع.
أى : إذا تم ذلك ، علمت كل نفس ما قدمت من خير أو شر ، وما أخرت من سنة
حسنة ، أو سنة سيئة يعمل بها بعدها .
قال الجمل ما ملخصه : واعلم أن المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت هذه الأشياء التى هى
أشراط الساعة ، فهناك يحصل الحشر والنشر ، وهى هنا أربعة : اثنان منها يتعلقان
بالعلويات ، واثنان يتعلقان بالسفليات ، والمراد بهذه الآيات : بيان تخريب العالم ، وفناء
الدنيا ، وانقطاع التكاليف .. وإنما كررت إذا لتهويل ما فى حيزها من الدواهى .
وجواب ﴿ إذا﴾ وما عطف عليها قوله ﴿علمت نفس﴾ أى: علمت كل نفس وقت
هذه المذكورات الأربعة ﴿ ما قدمت﴾ من الأعمال وما أخرت منها فلم تعمله .
ومعنى علم النفس بما قدمت وأخرت : العلم التفصيلى . وذلك عند نشر الصحف - كما
تقدم فى سورة التكوير - أما العلم الإجمالى فيحصل فى أول زمن الحشر ، لأن المطيع يرى آثار
السعادة، والعاصى يرى آثار الشقاوة فى أول الأمر ، وأما العلم التفصيلى فإنما يحصل عند
قراءة الكتب والمحاسبة .. (١) .
وبعد أن أشار - سبحانه - إلى أهوال علامات الساعة التى من شأنها أن تنبه العقول
والحواس والمشاعر .. أتبع ذلك بنداء للإِنسان فقال - تعالى - :
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٩٨.

٣١٠
المجلد الخامس عشر
يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ والغرور: الخداع. يقال: غر فلان فلانا،
إذا خدعه وأطمعه بالباطل . والخطاب لجنس الإِنسان . وقيل للكافر .
و((ما)» استفهامية، والمقصود بالاستفهام: الإنكار والتعجيب من حال هذا الإِنسان
المخدوع .
أى: يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده ، أى شىء غرك وخدعك وجعل جانبا من
جنسك يكفر بخالقه ، ويعبد غيره ، وجانبا آخر يعصى ربه ، ويقصر فى أداء حقوقه ؟
قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ﴿يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ﴾:
هذا تهديد ، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب ، حيث قال :
الكريم ﴾، حتى يقول قائلهم : غره كرمه . بل المعنى فى الآية: ما غرك يا بن آدم بربك
الكريم - ، أى : العظيم - حتى أقدمت على معصيته ، وقابلته بما لا يليق ؟ كما جاء فى
الحديث: ((يقول الله يوم القيامة: يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟)) ..
وهذا الذى تخيله هذا القائل ليس تحته طائل ، لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه
لا ينبغى أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة ، وأعمال السوء .. (١).
والمقصود بالنداء هنا : التنبيه إلى ما سيأتى بعده من توجيهات ، وليس المقصود به طلب
الإقبال على شىء معين .
وإيثار تعريف الله - تعالى - بصفة الرب ، لما فى معنى الرب من التربية والرعاية
والملكية ، والإِيجاد من العدم .. ففى هذا الوصف تذكير للإِنسان بنعم خالقه الذى أنشأه من
العدم ، وتعهده بالرعاية والتربية .
وكذلك الوصف بالكريم ، فيه - أيضاً - تذكير لهذا الإِنسان بكرم ربه عليه ، إذ مقتضى
هذا الكرم منه - تعالى - ، أن يقابل المخلوق ذلك بالشكر والطاعة .
وقوله - سبحانه -: ﴿ الذى خلقك فسواك فعدلك . فى أى صورة ماشاء ركبك ﴾
صفات أخرى للرب - عز وجل - الكريم المنان .
والخلق : هو الإيجاد على مقدار معين مقصود . والتسوية : جعل الشىء سويا ، أى : قويما
سليما خاليا من الاضطراب والاختلال .
وقوله: ﴿ فعدلك﴾ قرأها بعضهم بفتح الدال مع التخفيف، وقرأها آخرون بفتحها مع
التشديد ، وهما متقاربان ، إلا أن التشديد يفيد المبالغة فى التعديل ، الذى هو جعل البنية
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٦٤.

٣١١
سورة الانفطار
معتدلة ، متناسبة الأعضاء ، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان فى الأعضاء ، والتعديل يرجع
إلى عدم التخالف فيها وهذا ، باعتبار الأصل فى خلق الإِنسان ، فلا عبرة بوجود ما يخالف
ذلك فى قلة من أفراد الإِنسان .
والمعنى : يأيها الإِنسان ، أى شىء خدعك وجرأك على معصية ربك الكريم .. الذى من
مظاهر كرمه أنه ﴿ خلقك فسواك ﴾ بأن جعل أعضاءك سوية سليمة . مهيأة لا كتساب
منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك ﴿ فعدلك ﴾ أى : فعدل أعضاءك بأن جعلها
متناسقة متوازنة بعضها مع بعض ، فلم يجعل - مثلا - إحدى يديك طويلة والأخرى
قصيرة . ولم يجعل - مثلا - جانباً من جسدك أبيض ، والأخر أسود .
ومن مظاهر قدرته وكرمه - أيضاً - أنه - سبحانه - ركبك ووضعك فى أى صورة من
الصور المتنوعة التى اقتضتها مشيئته وحكمته .
فقوله: ﴿فى أى صورة) متعلق بركبك. و((ما)) مزيدة، و((شاء)) صفة لصورة.
ولم يعطف ((ركبك)) على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها ، لأنه بيان لقوله :
فعدلك ﴾ . والتقدير: فعدلك بأن ركبك فى أى صورة من الصور التى شاءها لك ، وهى
صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار، فضلا عن أنها أحسن صورة وأكملها ، كما
قال - تعالى - : ﴿لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾.
فالمقصود من الآيات الكريمة ، تذكير الإِنسان بفضل ربه - تعالى - عليه ، وحضه على
طاعته وشكره ، وتوبيخه على تقصيره وجحوده ، وتهديده بسوء المصير إذا ما استمر فى غفلته
وغروره .
قال بعض العلماء : إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة ، الكاملة
الشكل والوظيفة. أمر يستحق التدبر الطويل ، والشكر العميق . والأدب الجم لربه الكريم
الذى أكرمه بهذه الخلقة .
وهناك مؤلفات كاملة فى وصف كمال التكوين الإِنسان العضوى ودقته وإحكامه .
كاكتمال التكوين الجسدى ، والعضلى، والجلدى ، والهضمى ، والدموى والعظمى ،
والتنفسى ، والتناسلى ، والعصبى .. للإِنسان .
وإن جزءا من أذن الإِنسان ((الأذن الوسطى)) لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة
معقدة ، متدرجة بنظام بالغ الدقة فى الحجم والشكل .
ومركز حاسة الإبصار فى العين التى تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء ،

٣١٢
المجلد الخامس عشر
وهى أطراف الأعصاب ، ويقوم بجمايتها الجفن ذو الأهداب الذى يقيها ليلا ونهارا .. (١) .
ثم يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة - وهى التكذيب بيوم الحساب -
ويقرر أن كل عمل يعمله الإِنسان هو مسجل عليه فيقول : ﴿ كلا بل تكذبون بالدين . وإن
عليكم لحافظين . كراما كاتبين . يعلمون ما تفعلون ﴾ .
و ((كلا)) حرف ردع وزجر ، وهى هنا للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله - تعالى -
وعن جعله ذريعة إلى الكفر والفسوق والعصيان .
وقوله ﴿ بل تكذبون بالدين ﴾ إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو كانوا يعقلون.
أى : كلا ليس هناك شىء يقتضى غروركم بالله - تعالى - ويجرؤكم على عصيانه لو كنتم
تتفكرون وتتدبرون .. ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب والجزاء هو الذى حملكم على الكفر
والفسوق والعصيان .
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ﴿ كلا﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله - تعالى -
وقوله : ﴿بل تكذبون بالدين ﴾ إضراب عن جملة مقدرة ، ينساق إليها الكلام ، كأنه قيل
بعد الردع بطريق الاعتراض ، وأنتم لا ترتدعون عن ذلك ، بل تجترئون على أعظم منه ،
حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأساً ، أو بدين الإِسلام ، اللذين هما من جملة أحكامه ، فلا
تصدقون سؤالا ولا جوابا ، ولا ثوابا ولا عقابا ، وفيه ترق من الأهون إلى الأعظم .
وعن الراغب: ((بل)» هنا لتصحيح الثانى وإبطال الأول . كأنه قيل : ليس هنا مقتض
لغرورهم ، ولكن تكذيبهم بالبعث حملهم على ما ارتكبوه .
وقيل تقدير الكلام : كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى إليكم ، وإرشادى لكم ،
بل تكذبون بالدين .. (٢) .
وقوله : ﴿وإن عليكم لحافظين﴾ عطف على جملة ﴿تكذبون بالدين﴾ لتأكيد ثبوت
الجزاء على الأعمال ، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا تاما .
وقوله ﴿ لحافظين﴾ صفة لموصوف محذوف . أى: وإن عليكم الملائكة يحفظون أعمالكم
عليكم ، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئا .
وقوله : ﴿ كراما كاتبين . يعلمون ما تفعلون﴾ صفات أخرى لهؤلاء الملائكة.
(١) راجع تفسير فى ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ٤٩٠ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٦٥ .

٣١٣
سورة الانفطار
أى : وإن عليكم ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم ، ويسجلونها عليكم ، وأنهم لهم
عند اللّه - تعالى - الكرامة والمنزلة الحسنة ، وأنهم يكتبون أعمالكم كلها، وأنهم يعلمون
أفعالكم التى تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة ، صغيرة أم كبيرة .
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة : بيان أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الجزاء حق ،
وأن أعمال الإِنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما ، بواسطة ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم
ويفعلون ما يؤمرون .
أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإِنسان ، وعلى أى شىء تكون هذه الكتابة ،
ومتى تكون هذه الكتابة .. فمن الأمور التى يجب الإِيمان بها كما وردت ، مع تفويض كنهها
وكيفيتها ودقتها إلى الله - تعالى - لأنه لم يرد حديث صحيح عن المعصوم - ولو - يعتمد
عليه فى بيان ذلك .
ثم بين - سبحانه - النتائج المترتبة على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان فقال: ﴿إن
الأبرار لفى نعيم . وإن الفجار لفى جحيم . يصلونها يوم الدين. وماهم عنها بغائبين ﴾.
والأبرار : جمع بر - بفتح الباء - ، وهو الإِنسان التقى الموفى بعهد الله - تعالى - .
والفجار: جمع فاجر، وهو الإِنسان الكثير الفجور، أى : الخروج عن طاعة
الله - تعالى - . أى: إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه، لفى نعيم دائم،
وهناء مقيم ، وإن الفجار الذين نقضوا عهودهم مع الله، وفسقوا عن أمره ، لفى نار متأججة
بعضها فوق بعض ، هؤلاء الفجار الذين شقوا عصا الطاعة ﴿ يصلونها ﴾ أى: يدخلون
الجحيم ويقاسون حرها ﴿ يوم الذين﴾ أى: يوم الجزاء والحساب.
﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ أى: وما هم عن النار بمبعدين، بل هم ملازمون لها ملازمة
تامة .
ثم فخم - سبحانه - وعظم من شأن يوم الجزاء فقال: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين . ثم
ما أدراك ما يوم الدين
و((ما)) اسم استفهام مبتدأ. وجملة ((أدراك)) خبره ، والكاف مفعول أول.
وجملة ﴿ ما يوم الدين ﴾ المكونة من مبتدأ وخبر سدت مسد المفعول الثانى الأدراك.
: والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين، كما فى قوله - تعالى - ﴿الحاقة ما الحاقة وما أدراك
ما الحاقة :
أى : وأى شىء أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء ، ثم أى شىء أدراك بذلك؟

٣١٤
المجلد الخامس عشر
إننا نحن وحدنا الذين ندرك شدة هوله .. وقد أخبرناك بجانب مما يحدث فيه من شدائد ،
لتنذر الناس ، حتى يستعدوا له بالإِيمان والعمل الصالح .
ثم فصل - سبحانه - جانبا من أهواله فقال: ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ، والأمر
يومئذ له﴾. أى: يوم الدين والجزاء هو اليوم الذى لا تملك فيه نفس لغيرها شيئا من
النفع . وإنما الذى ينفع فيه هو الإيمان والعمل الصالح، والأمر فيه لله - تعالى - وحده ، ولا
سلطان ولا تصرف لأحد سواه .
وقوله: ﴿ يوم لا تملك .. ﴾ بيان ليوم الدين. وقد قرأ بعض القراء السبعة ﴿يوم﴾
بالنصب على أنه منصوب بفعل محذوف . أى : اذكر يوم لا تملك نفس لنفس شيئا .
وقرأ البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أى : هو يوم لا تملك نفس لنفس
شيئا .. أو على أنه بدل من (( يوم الدين)).
وهكذا اختتمت السورة الكريمة كما بدئت بالتهويل من شأن يوم القيامة، ليزداد العقلاء
استعداداً له ، عن طريق الإيمان والعمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى - .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الخميس : ٢١ من المحرم ١٤٠٧ هـ
٢٥ من سبتمبر ١٩٨٦ م

٣١٥
سورة المطففين
بِسْم اللهُ الرّحمَنّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة المطففين
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((المطففين)) أو سورة ((ويل للمطففين)) أو سورة ((التطفيف)) من السور
التى اختلف المفسرون فى كونها مكية أو مدنية أو بعضها مكى وبعضها مدنى .
فصاحب الكشاف يقول : مكية .. وهى آخر سورة نزلت بمكة .
والإِمام ابن كثير يقول : هى مدنية ، دون أن يذكر فى ذلك خلافا .
والإِمام القرطبى يقول: سورة ((المطففين)): مكية فى قول ابن مسعود والضحاك ومدنية
فى قول الحسن وعكرمة ، وهى ست وثلاثون آية .
قال مقاتل : وهى أول سورة نزلت بالمدينة . وقال ابن عباس وقتادة : هى مدنية إلا ثمانى
آيات ، من قوله - تعالى -: ﴿إن الذين أجرموا﴾ إلى آخرها. فإنها مكية . وقال الكلبى
وجابر بن زيد : نزلت بين مكة والمدينة .
والإِمام الآلوسى يجمع كل هذه الأقوال فى تفسيره بشىء من التفصيل دون أن يرجح
بینها .
٢ - ويبدو لنا أن سورة المطففين من السور المكية ، إلا أننا نرجح أنها من آخر ما نزل
على الرسول - ﴿ - من قرآن مكى، وقد ذكرها الإمام السيوطى فى كتابه الإتقان ، على
أنها آخر سورة مكية، نزلت على الرسول - 3 38 - قبل الهجرة(١).
ومما يجعلنا نرجح أن سورة المطففين من السور المكية : حديثها الواضح عن الفجار
والأبرار .
(١) راجع الإتقان جـ ١ ص ٢٧ .

٣١٦
المجلد الخامس عشر
وعن يوم القيامة وسوء عاقبة المكذبين به ، وعن أقوال المشركين فى شأن القرآن الكريم .
وعن الموازنة بين مصير المؤمنين والكافرين ، وعن موقف كفار قريش من فقراء المؤمنين .
وهذه الموضوعات نراها من السمات الواضحة للقرآن المكى ، وإذا كان القرآن المدنى قد
تحدث عنها ، فبصورة أقل تفصيلا من القرآن المكى .
٣ - والسورة الكريمة فى مطلعها تهدد الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون الناس
أشياءهم . وتذكرهم بيوم البعث والحساب والجزاء ، لعلهم يتوبون إلى خالقهم ويستغفرونه مما
فرط منهم .
ثم تسوق موازنة مفصلة بين سوء عاقبة الفجار ، وحسن عاقبة الأبرار .
ثم تختتم بذكر ما كان يفعله المشركون مع فقراء المؤمنين ، من استهزاء وإيذاء ، وبشرت
هؤلاء المؤمنين : بأنهم يوم الجزاء والحساب ، سيضحكون من الكفار ، كما ضحك الكفار منهم
فى الدنيا . قال - تعالى -: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . على الأرائك
ينظرون . هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
٠

٣١٧
سورة المطففين
التفسير
وقد افتتح - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله :
1
مِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحْمِ
3.1
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ا الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْعَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴿
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم
مَّبْعُوتُونَ ١ لِيَوْمٌ عَظِيمِ ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ))
كَلَّا إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِلَفِى سِجِينٍ ، وَمَا أَذَرَتِكَ مَاسِينٌّ ◌َ كِتَبٌ
مَّرْقُوٌ ، وَيَلٌ يَوْمَيٍِ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ يُّكَذِّبُونَ بَوْمِ الذِينِ
وَمَا يُّكَذِّبُ بِهِلََّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِمٍ ﴿٣) إِذَاتْلَى عَلَيْهِ ، إِيَنْنَقَالَ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَّلِينَ ﴿ كَلَا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوايَكْسِبُونَ ﴿ كَّ إِنَّهُمْ
عَنْ رَّبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّ حْجُوبُونَ (٢٥) ثُمََِّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ، ثُمَبَقَالُ
هَذَا الَّذِى كُنْتُم ◌ِ تُكَّذِّبُونَ
الويل : لفظ دال على الهلاك أو الشر ، وهو اسم لا فعل له من لفظه .. وقيل : هو اسم
واد فى جهنم .
و ﴿ المطففين﴾ جمع مطفف، من الطفيف، وهو الشىء التافه الحقير، لأن ما يغتاله
المطفف من غيره شىء قليل . والتطفيف : الإِنقاص فى المكيال أو الميزان عن الحدود المطلوبة .
قال الإِمام ابن جرير : وأصل التطفيف ، من الشىء الطفيف ، وهو القليل النزر .
والمطفف: المقلل صاحب الحق عمّا له من الوفاء والتمام فى كيل أو وزن . ومنه قيل للقوم الذين

٣١٨
المجلد الخامس عشر
يكونون سواء فى حسبة أو عدد : هم سواء كطف الصاع . يعنى بذلك كقرب الممتلئ منه ناقص
عن الملء ... (١) .
وقوله: ﴿ اكتالوا﴾ من الاكتيال وهو افتعال من الكيل. والمراد به: أخذ مالهم من
مكيل من غيرهم بحكم الشراء .
ومعنى : ﴿ كالوهم أو وزنوهم﴾: كالوهم أو وزنوا لهم ، فحذفت اللام ، فتعدى الفعل
إلى المفعول ، فهو من باب الحذف والإِيصال .
فالواوان فى ((كالوهم أو وزنوهم)» يعودان إلى الاسم الموصول فى قوله: ﴿ الذين إذا
اكتالوا﴾. والضميران المنفصلان ((هم))، يعودان إلى الناس.
قال صاحب الكشاف: والضمير فى ((كالوهم أو وزنوهم)) ضمير منصوب راجع إلى
الناس . وفيه وجهان : أن يراد : كالوا لهم ، أو وزنوا لهم فحذف الجار ، وأوصل الفعل ، كما
فى قول الشاعر :
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
بمعنى جنيت لك . وأن يكون على حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، والمضاف هو
المكيل أو الموزون .. (٢).
والمعنى : هلاك شديد ، وعذاب أليم ، للمطففين ، وهم الذين يبخسون حقوق الناس فى
حالتى الكيل والوزن وما يشبههما ، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا من الناس شيئا حرصوا
على أن يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة ، وإذا باعوا لهم شيئا ، عن طريق الكيل أو
الوزن أو ما يشبهها ﴿ يُخْسِرون﴾ أى: ينقصون فى الكيل أو الوزن.
يقال : خسَر فلان الميزان وأخْسَره ، إذا نقصه ، ولم يتمه كما يقتضيه العدل والقسط .
وافتتحت السورة الكريمة بلفظ ((الويل)) للإشعار بالتهديد الشديد، والوعيد الأليم لمن
يفعل ذلك. وقوله ﴿ ويل) مبتدأ، وهو نكرة ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء . وخبره
((للمطففين)».
وقال - سبحانه - ﴿ إذا اكتالوا على الناس﴾ ولم يقل: من الناس. للإشارة إلى ما فى
عملهم المنكر من الاستيلاء والقهر والظلم .
(١) تفسير ابن جرير جـ ٣٠ ص ٩٠.
( ٢ ) تفسير انكشاف جـ ٤ ص ٧١٩ .

٣١٩
سورة المطففين
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ،
ويتحامل فيه عليهم، أبدل ((على)) مكان ((من)) للدلالة على ذلك .
ويجوز أن يتعلق ((على)) بيستوفون ، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية . أى:
يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها .
وقال الفراء: ((من)) و((على)) يعتقبان فى هذا الموضوع ، لأنه حق عليه ، فإذا قال :
اكتلت عليك ، فكأنه قال: أخذت ما عليك . وإذا قال : اكتلت منك ، فكقوله : استوفيت
منك .. (١) .
والتعبير بقوله : ﴿يستوفون﴾ و﴿ ويخسرون﴾ يدل على حرصهم الشديد فيما يتعلق
بحقوقهم . وإهمالهم الشنيع لحقوق غيرهم ، إذ استيفاء الشىء ، أخذه وافيا تاما ، فالسين
والتاء فيه للمبالغة .
وأما ﴿ يخسرون) فمعناه إيقاع الخسارة على الغير فى حالتى الكيل والوزن وما يشبهها .
ثم أتبع - سبحانه - هذا التهديد للمطففين . بما يجعل الناس يتعجبون من أحوالهم ،
فقال - تعالى - :
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم . يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ .
والهمزة للاستفهام التعجيبى من أحوالهم ، والجملة مستأنفة مسوقة لتفظيع ما فعلوه من
بخس الناس أشياءهم. وأدخلت همزة الاستفهام على ((لا)) النافية لزيادة التوبيخ والإِنكار،
حتى لكأن سوء عاقبة التطفيف لا تخطر لهم على بال .
والظن هنا مستعمل فى معناه الحقيقى، وهو اعتقاد الشىء اعتقادا راجحا .
وقال - سبحانه -: ﴿ ألا يظن أولئك .. ﴾ ولم يقل: ألا يظنون ، لقصد تميزهم
والتشهير بهم ، زيادة فى ذمهم ، وفى تقبيح أفعالهم .
أى : أبلغت الجرأة بهؤلاء المطففين ، أنهم صاروا من بلادة الحس ، ومن فقدان الشعور ،
لا يخشون الحساب يوم القيامة ، ولا يخافون العذاب الشديد الذى سينزل بهم ، يوم يقوم
الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين ، حيث يتلقون جزاءه العادل ، وحكمه النافذ .
ووصف - سبحانه - اليوم بالعظم . باعتبار عظم ما يقع فيه من أهوال .
وقوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين) بدل مما قبله. واللام فى قوله ﴿لرب﴾
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧١٩ .

٣٢٠
المجلد الخامس عشر
للتعليل . أى : يقومون لأجل ربوبيته - تعالى - وتلقى حكمه الذى لا يستطيعون الفرار
منه . وفى هذا الوصف ما فيه من استحضار جلاله - وعظمته - سبحانه - .
قال القرطبى : وفى هذا الإِنكار والتعجيب ، وكلمة الظن . ووصف اليوم بالعظيم ، وقيام
الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين، بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإِثم فى
التطفيف ، وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على التسوية والعدل ،
فى كل أخذ وإعطاء ، بل فى كل قول وعمل .. (١) .
هذا، وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان ، والنهى عن تطفيفهما ، فى آيات كثيرة ، منها
قوله - تعالى -: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ،
ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير ، وإنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ (٢).
ومنها قوله - سبحانه -: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير
وأحسن تأويلا ﴾(٣).
وقوله - تعالى -: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾(٤).
قال بعض العلماء ما ملخصه : والتصدى لشأن المطففين بهذا الأسلوب فى سورة مكية ، أمر
يلفت النظر ، فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقائد .
ومن ثم فالتصدى لهذا الأمر بذاته ، يدل أولا على أن الإِسلام ، كان يواجه فى البيئة
المكية ، حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء .. الذين يملكون إكراه الناس على
ما يريدون فهم (( يكتالون على الناس)) لا من الناس .. فكان لهم سلطانا على الناس .
ويدل - ثانيا - على طبيعة هذا الدين ، وشمول منهجه للحياة الواقعية ، وشئونها
العملية ، وإقامتها على الأساس الأخلاقى الأصيل فى طبيعة هذا المنهج الإِلهى القويم .. (٥) .
ثم زجر - سبحانه - هؤلاء الفاسقين عن أمره زجراً شديداً ، وتوعدهم بالعذاب
الشديد، فقال - تعالى -: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفى سجين ﴾.
وقوله : ﴿ كلا ﴾ حرف ردع وزجر، وما بعده كلام مستأنف ، وقد تكرر فى الآيات التى
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٢٥٥ .
(٢) سورة هود الآية. ٨٤ .
(٣) سورة الإسراء الآية ٣٥.
( ٤) سورة الأنعام الآية ١٥٢.
(٥ ) راجع تفسير فى ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ٥٠١ .