Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة المعارج
ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثانية فقال: ﴿ والذين فى أموالهم حق معلوم . للسائل
والمحروم ﴾ .
والمراد بالحق المعلوم: ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين ، على
سبيل التقرب إلى الله - تعالى - وشكره على نعمه ، ويدخل فى هذا الحق المعلوم دخولا أوليا
ما فرضه - سبحانه - عليهم من زكاة أموالهم .
قالوا : ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية ، فقد يكون أصل مشروعية الزكاة بمكة ،
ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة ، عن طريق السنة النبوية المطهرة .
والسائل : هو الذى يسأل غيره الصدقة ، والمحروم : هو الذى لا يسأل غيره تعففا ، وإن .
كان فى حاجة إلى العون والمساعدة .
أى : ومن الذين استثناهم - سبحانه - من صفة الهلع : أولئك المؤمنون الصادقون الذين
جعلوا فى أموالهم حقا معينا ، يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر ، لمن يستحقونه من السائلين
والمحرومين .. على سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من نعم .
ووصف - سبحانه - ما يعطونه من أموالهم بأنه ﴿ حق ﴾ للاشارة إلى أنهم - لصفاء
أنفسهم - قد جعلوا السائل والمحروم ، كأنه شريك لهم فى أموالهم ، وكأن ما يعطونه له إنما هو
بمثابة الحق الثابت عندهم له .
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات كريمة أخرى فقال: ﴿والذين يصدقون بيوم الدين ﴾
والتصديق بيوم الدين معناه : الإِيمان الجازم باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء .
والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ أى: أن من صفاتهم : أنهم مع قوة إيمانهم ،
وكثرة أعمالهم الصالحة ، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب الله - تعالى - وإنما دائما أحوالهم مبنية
على الخوف والرجاء ، إذ الإشفاق توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه .
وجملة ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون) تعليلية، ومقررة لمضمون ما قبلها، أى: إنهم
مشفقون من عذاب ربهم .. لأن العاقل لا يأمن عذابه - عز وجل - مهما أتى من طاعات ،
وقدم من أعمال صالحة .
وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - ﴿ والذين يؤثون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم
.
راجعون
(١) سورة المؤمنون الآية ٦٠ .

١٠٢
1
المجلد الخامس عشر
ثم قال - تعالى -: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت
أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ﴾ .
أى : أن من صفاتهم - أيضا - أنهم أعفاء ، ممسكون لشهواتهم ، لا يستعملونها إلا مع
زوجاتهم اللائى أحلهن - سبحانه - لهم أو مع ما ملكت أيمانهم من الإِماء والسرارى .
وجملة ﴿ فإنهم غير ملومين﴾ تعليل للاستثناء. أى: هم حافظون لفروجهم،
فلا يستعملون شهواتهم إلا مع أزواجهم . أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير مؤاخذين على ذلك ،
لأن معاشرة الأزواج وما ملكت الأيمان مما أحله الله - تعالى - .
وقوله: ﴿ فمن ابتغى وراء ذلك﴾ أى: فمن طلب خلاف ذلك الذى
أحله - سبحانه - . ﴿ فأولئك هم العادون﴾ أى: فأولئك هم المعتدون المتجاوزون حدود
خالقهم ، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه .
يقال : عدا فلان الشىء يعدوه عَدْواً، إذا جاوزه وتركه . أى: أنهم تجاوزوا الحلال وتركوه
خلف ظهورهم ، واتجهوا ناحية الحرام فولغوا فيه .
قوله : ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين
الصادقين ، الذين إذا مسهم الشر لا يجزعون ، وإذا مسهم الخير لا يمنعون .. أنهم لا يخلون
بشىء من الأمانات التى يؤتمنون عليها ، ولا ينقضون شيئا من العهود التى يعاهدون غيرهم
عليها ، وإنما هم يراعون ذلك ويحفظونه حفظا تاما .
فقوله ﴿راعون﴾ جمع راع، وهو الذى يرعى الحقوق والأمانات والعهود ويحفظها
ويحرسها ، كما يحرس الراعى غنمه وإبله حراسة تامة .
وقوله : ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾ أى: والذين هم من صفاتهم أنهم يؤدون.
الشهادة على وجهها الحق ، فلا يشهدون بالزور أو الباطل ، ولا يكتمون الشهادة إذا طلب
منهم أن يؤدوها ، عملا بقوله - تعالى - ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم
قلبه ﴾ .
فالشهادات : جمع شهادة . والمراد بالقيام بها : أداؤها على أتم وجه وأكمله وأعدله ، إذ
القيام بها يشمل الاهتمام بشأنها ، وحفظها إلى أن يؤديها صاحبها على الوجه الذى
يحبه - سبحانه - .
وكما افتتح - سبحانه - هذه الصفات الكريمة بمدح الذين هم على صلاتهم دائمون ، فقد
:

١٠٣
سورة المعارج
ختمها بمدح الذين يحافظون عليها فقال: ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ أى: يؤدونها
كاملة غير منقوصة . لا فى خشوعها ، ولا فى القراءة فيها ، ولا فى شىء من أركانها وسننها .
وهذا الافتتاح والختام ، يدل على شرفها وعلو قدرها ، واهتمام الشارع بشأنها .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف قال: ﴿ على صلاتهم دائمون﴾ ثم ﴿ على
صلاتهم يحافظون﴾؟. قلت: معنى دوامهم عليها ، أن يواظبوا على أدائها ، لا يخلون بها ،
ولا يشتغلون عنها بشىء من الشواغل .
ومحافظتهم عليها : أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ، ومواقيتها ، وسننها ، وآدابها .. فالدوام.
يرجع إلى نفس الصلاة ، والمحافظة تعود إلى أحوالها(١).
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين
حماهم - سبحانه - من صفة الهلع .. وصفهم بثمانى صفات كريمة ، منها : المداومة على
الصلاة ، والمحافظة على الإِنفاق فى وجوه الخير ، والتصديق بيوم القيامة وما فيه من ثواب
وعقاب ، والحفظ لفروجهم ، وأداء الأمانات والشهادات .
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال : ﴿ أولئك فى جنات مكرمون
أى : أولئك المتصفون بذلك فى جنات عظيمة ، يستقبلون فيها بالتعظيم والحفاوة .. حيث تقول
لهم الملائكة : ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾.
وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين .. أخذت السورة فى تصوير موقف المشركين من
دعوة الرسول - ﴿ - إياهم إلى الحق ، وفى تسليته عما لحقه منهم من أذى ، وفى بيان
أحوالهم السيئة عندما يعرضون للحساب .. فقال - تعالى - .
◌َلِ الَّذِينَ كَفَرُوْقِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
٤ عَنِ الْيَمِينِوَ عَنِ الشِّمَالِ عِنَّ ◌َ أَطْمَعُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ
٦
أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴿ كَّ إِنَّا خَقْنَهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ
٣٩
فَلَ أُقْسِمُ رَبِّالْشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّالَقَدِّرُونَ ﴿ عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ خَيْرَمِنْهُمْ
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦١٢ .

١٠٤
المجلد الخامس عشر
وَمَا تَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٨) فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُو ◌ْحَتَّى يَقُواْيَوْمَعُمُالَّذِى
يُؤْعَدُونَ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاءَكَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
﴿١) خَيْعَةً أَبْصَرُ هُمْتَرَّهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواأُعَدُونَ
٤٤
والاستفهام فى قوله - تعالى - : ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ، عن اليمين وعن
الشمال عزين ﴾ للتعجيب من حال هؤلاء الذين كفروا ، ومن تصرفاتهم التى تدل على منتهى
الغفلة والجهل. و((ما)) مبتدأ. و((الذين كفروا)) خبره .
وقوله ﴿ مهطعين﴾ من الإِهطاع، وهو السير بسرعة، مع مد العنق، واتجاه البصر نحو
شىء معين .
و ﴿ عزين﴾ جمع عزة - كفتة - وهى الجماعة. وأصلها عِزْوَة - بكسر العين - من
العزو ، لأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى ، فلامها واو ، وقيل : لامها
هاء ، والأصل عزهة .
قال القرطبى : والعزين : جماعات متفرقة . ومنه الحديث الذى خرجه مسلم وغيره ، أن
رسول الله - ﴿ - خرج على أصحابه يوما فرآهم حِلَقا فقال: مالى أراكم عزين: ألا
تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يتمون
الصفوف الأول ، ويتراصون فى الصف(١) .
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات ، أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبى - * -
ويستمعون إليه ، ثم يكذبونه ويستهزئون به وبالمؤمنين ، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة كما
يقول محمد - رَ﴿ - فلندخلنها قبلهم، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم (٢).
والمعنى : ما بال هؤلاء الكافرين مسرعين نحوك - أيها الرسول الكريم - وناظرين إليك
بعيون لا تكاد تفارقك ، وملتفين من حولك عن يمينك وعن شمالك ، جماعات متعددة ،
ومظهرين التهكم والاستهزاء بك وبأصحابك ؟
ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم فى قرارة أنفسهم بأنك أنت الصادق الأمين ))
(١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٩٣.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٦٤ .

١٠٥
سورة المعارج
وقدم - سبحانه - الظرف ﴿قِبَلَك﴾ الذى بمعنى جهتك، على قوله ﴿مهطعين:
للاهتمام، حيث إن مقصدهم الأساسى من الإسراع هو الاتجاه نحو النبى - الصا*1 -
للاستهزاء به وبأصحابه .
والمراد بقوله: ﴿عن اليمين وعن الشمال﴾: جميع الجهات ، إلا أنه عبر بهاتين الجهتين ،
لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول الشخص .
وقوله : ﴿عزين﴾ تصوير بديع لا لتفافهم من حوله جماعات متفرقة فى مشاربها ، وفى
مآربها ، وفى طباعها .
والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم ﴾ للنفى
والإنكار .
أى : أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التى هى محل نعيمنا وكرامتنا
بدون إيمان صادق ، وبدون عمل نافع ... ؟
وقوله - سبحانه - ﴿ كلا﴾ ردع لهم وزجر عن هذا الطمع ، أى: كلا ليس الأمر كما
يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم أو بعدهم .. وإنما هم سيكون مأواهم
جهنم وبئس المصير .
وقال - سبحانه -: ﴿ أيطمع كل امرىء منهم ﴾ ولم يقل: أيطمعون أن يدخلوا الجنة ،
للإشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا فى دخولها ، لاستيلاء الغرور والجهالة
على قلبه .
وجملة ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ تأكيد لهذا الردع والزجر، وتهوين من شأنهم، وإبطال
لغرورهم ، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع مهذب .. لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد
خلقوا من ماء مهين ، ومن كان كذلك فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ويجوز أن يراد بقوله : ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾
أى : من النطفة المذرة ، وهى منصبهم الذى لا منصب أوضع منه . ولذلك أبهم وأخفى :
إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ويقولون :
لندخل الجنة قبلهم .
وقيل : معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم ، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد
الجنة ، إلا بالإِيمان والعمل الصالح ، فكيف يطمع فى دخولها من ليس له إيمان وعمل(١).
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦١٤ .
؛

١٠٦
المجلد الخامس عشر
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء
الكافرين ، والتحقير من أمرهم فقال: ﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون .
على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين
وجمع - سبحانه - هنا المشارق والمغارب ، باعتبار أن لها فى كل يوم من أيام السنة مشرقا
معينا تشرق منه ، ومغربا معينا تغرب فيه .
وقال فى سورة الرحمن ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ أى: مشرق ومغرب الشتاء
والصيف .
وقال فى سورة المزمل: ﴿رب المشرق والمغرب) والمراد بهما هنا: جنسهما، فهما صادقان
على كل مشرق من مشارق الشمس ، وعلى كل مغرب من مغاربها .
وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجىء هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة بصيغة المثنى ، وتارة
بصيغة الجمع .
وجملة ﴿ إنا القادرون﴾: جواب القسم. أى: أقسم بالله - تعالى - الذى هو رب
مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها .. إنا لقادرون قدرة تامة ﴿ على أن نبدل خيرا
منهم ﴾ أى: على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما .. أو على
أن نبدل ذواتهم ، فنخلقهم خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذى هم عليه .. فإن قدرتنا
لا يعجزها شىء .
وقوله ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ معطوف على جواب القسم ومؤكد له. أى: إنا لقادرون
على ذلك ، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين خير منهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى
الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ ... وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا
أمثالكم﴾(٢)، والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين وبيان أن قدرته - تعالى -
لا يعجزها شىء .
والفاء فى قوله: ﴿ فذرهم يخوضوا ويلعبوا .. ﴾ للتفريع على ما تقدم . والخوض يطلق
على السير فى الماء ، والمراد به هنا : الكلام الكثير الذى لا نفع فيه .
واللعب : اشتغال الإِنسان بشىء لا فائدة من ورائه . والمراد به هنا : استهزاؤهم بالحق
الذى جاء به النبى - زَط - .
(١) سورة فاطر الآيات ١٥ - ١٧ .
(٢) سورة محمد الآية ٣٨.

١٠٧
سورة المعارج
أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاترك هؤلاء الكافرين ،
ليخوضوا فى باطلهم ، ويلعبوا فى دنياهم ، ولا تلتفت إليهم .
ودعهم فى هزلهم ولهوهم ﴿ حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون﴾ وهو يوم القيامة الذى
لا شك فى إتيانه ووقوعه .
وقوله ﴿ يوم يخرجون من الأجداث سراعا﴾ بدل من ﴿يومهم﴾. والأجداث جمع
جدث - بفتح الجيم والدال - وهو القبر . أى : اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم
المحتوم . وهو اليوم الذى يخرجون فيه من قبورهم مسرعين إلى الداعى .
كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ والنصب - بضمتين - حجارة كانوا يعظمونها . وقيل :
ر.
هى الأصنام ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ويقيمونها للعبادة .
يوفضون ﴾ أى: يسرعون. يقال: وفَض فلان يفض وفْضاً - كوعد - إذا أسرع فى
سيره . أى : يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعى ، مستبقين إليه ، كما كانوا فى الدنيا
يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكى يستلموها ، ويلتمسوا منها الشفاعة .
خاشعة أبصارهم ﴾ أى : يخرجون من قبورهم ، حالة كونهم ذليلة خاضعة أبصارهم ،
لا يرفعونها لما هم فيه من الخزى والهوان .
ترهقهم ذلة﴾ أى: تغشاهم ذلة شديدة، وهوان عظيم. يقال: رَهِقِهَ الأمر يرهَقَهُ
رَهَقاً ، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن له دفعها .
ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون ﴾ أى : ذلك الذى ذكرناه من الأهوال ، هو اليوم
الذى كانوا يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل ، والذى كانوا ينكرون وقوعه ، وها هو ذا فى
حكم الواقع، لأن كل ما أخبر الله - تعالى - عنه، فهو متحقق الوقوع . كما
قال - سبحانه - فى أول السورة: ﴿سأل سائل بعذاب واقع . للكافرين ليس له دافع ﴾.
وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق ، واختتمت كذلك بإثبات أن يوم القيامة
حق . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
-----
کتبه الراجی عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر - مساء الإثنين
٢١ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ
٢٨ من يوليو سنة ١٩٨٦ م .

..

١٠٩
سورة نوح
بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة نوح
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((نوح)) - عليه السلام - من السور المكية الخالصة ، وسميت بهذا الاسم
لاشتمالها على دعوته - عليه السلام - وعلى مجادلته لقومه ، وعلى موقفهم منه ، وعلى دعائه
عليهم .
وكان نزولها بعد سورة ((النحل)) وقبل سورة ((إبراهيم)).
وعدد آياتها ثمان وعشرون آية فى المصحف الكوفى . وتسع وعشرون فى المصحف البصرى
والشامى ، وثلاثون آية فى المصحف المكى والمدنى .
٢ - وهذه السورة الكريمة من أولها إلى آخرها ، تحكى لنا ما قاله نوح لقومه ، وما ردوا به
عليه ، كما تحكى تضرعه إلى ربه - عز وجل - وما سلكه مع قومه فى دعوته لهم إلى الحق ،
تارة عن طريق الترغيب وتارة عن طريق الترهيب ، وتارة عن طريق دعوتهم إلى التأمل
والتفكر فى نعم الله - تعالى - عليهم ، وتارة عن طريق تذكيرهم بخلقهم .
كما تحكى أنه - عليه السلام - بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما - دعا
الله - تعالى - أن يستأصل شأفتهم. فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين
ديارا . إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ، ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا . رب اغفر لى ولوالدى ولمن
دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ، ولا تزد الظالمين إلا تبارا

١١٠
المجلد الخامس عشر
4
التفسير
قد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - :
مِاللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
بسـ
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ نْ قَالَ يَقَوْمِ إِّ لَكُمْنَذِيرٌمُّبِينُ نْ أَنِ اعْبُدُواْ
اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ، يَغْفِرْ لَكُ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِرَكُمْ
إِلَىْ أَجَلٍ مُسَمَّىَّ إِنَّأَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَُّ لَوْكُمْ تَعْلَّمُونَ
(٤
وقصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت فى سور متعددة منها : سورة الأعراف ،
ويونس ، وهود ، والشعراء ، والعنكبوت .
وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاثة
وأربعين موضعا .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحا ليدلهم على طريق
الرشاد .
وقد افتتحت السورة هنا بالأسلوب المؤكد بإنَّ ، للاهتمام بالخبر ، وللاتعاظ بما اشتملت
عليه القصة من هدايات وإرشادات .
وأن فى قوله ﴿ أن أنذر قومك﴾ تفسيرية، لأنها وقعت بعد أرسلنا، والإِرسال فيه معنى
القول دون حروفه ، فالجملة لا محل لها من الإِعراب .
ويصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن أنذر قومك .. والإِنذار ، هو الإِخبار الذى معه
تخويف .
وقوم الرجل : هم أهله وخاصته الذين يجتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم الرجل بين
الأجانب . فيسميهم قومه على سبيل المجاز للمجاورة .

١١١
سورة نوح
أى : إنا قد اقتضت حكمتنا أن نرسل نوحا - عليه السلام - إلى قومه ، وقلنا له :
يا نوح عليك أن تنذرهم وتخوفهم من عذابنا ، وأن تدعوهم إلى إخلاص العبادة لنا ، من قبل
أن ينزل بهم عذاب مؤلم ، لا طاقة لهم بدفعه ، لأن هذا العذاب من الله - تعالى - الذى
لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .
وقال - سبحانه - ﴿ أن أنذر قومك ) ولم يقل: أن أنذر الناس ، لإثارة حماسته فى
دعوته ، لأن قوم الرجل يحرص الإنسان على منفعتهم .. أكثر من حرصه على منفعة غيرهم .
والآية الكريمة صريحة فى أن ما أصاب قوم نوح من عذاب أليم ، كان بسبب إصرارهم على
كفرهم ، وعدم استماعهم إلى إنذاره لهم .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله نوح لقومه فقال : ﴿ قال ياقوم إنى لكم نذير
مبين أن اعبدوا الله ، واتقوه وأطيعون
اى : قال نوح لقومه - على سبيل التلطف فى النصح ، والتقرب إلى قلوبهم - يا قوم
ويا أهلى وعشيرتى: إنى لكم منذر واضح الإِنذار ، ولا أسألكم على هذا الإنذار الخالص
أجرا ، وإنما ألتمس أجرى من الله .
وإنى آمركم بثلاثة أشياء : أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة ، وأن تتقوه فى كل أقوالكم
وأفعالكم ، وأن تطيعونى فى كل ما آمركم به وأنهاكم عنه .
وافتتح كلامه معهم بالنداء ﴿ يا قوم﴾، أملا فى لفت أنظارهم إليه، واستجابتهم له ،
فإن النداء من شأنه التنبيه للمنادَى .
ووصف إنذاره لهم بأنه ﴿ مبين﴾ ، ليشعرهم بأنه لا لبس فى دعوته لهم إلى الحق ،
ولا خفاء فى كونهم يعرفونه ، ويعرفون حرصه على منفعتهم ...
وقال: ﴿ إنى لكم ﴾ للإشارة الى أن فائدة استجابتهم له، تعود عليهم لا عليه، فهو
مرسل من أجل سعادتهم وخيرهم .
وأمرهم بطاعته ، بعد أمرهم بعبادة الله وتقواه ، لأن طاعتهم له هى طاعة لله - تعالى -
كما قال - تعالى -: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾.
ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم الله ، وخشيتهم منه - سبحانه - ، وطاعتهم
لنبيهم فقال: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسمى ؟
وقوله: ﴿يغفر﴾ مجزوم فى جواب الأوامر الثلاثة، و﴿ من ﴾ للتبعيض أى: يغفر
لكم بعض ذنوبكم ، وهى تلك التى اقترفوها قبل إيمانهم وطاعتهم لنبيهم ، أو الذنوب التى

١١٢
المجلد الخامس عشر
تتعلق بحقوق الله - تعالى - دون حقوق العباد .
ويرى بعضهم أن ((من)) هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة . أى : يغفر لكم جميع ذنوبكم التى
فرطت منكم ، متى آمنتم واتقيتم ربكم ، وأطعتم نبيكم .
﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ أى: ويؤخر آجالكم إلى وقت معين
عنده - سبحانه - ، ويبارك لكم فيها ، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح ، وبالحياة الآمنة
الطيبة .
فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب يوم
القيامة ، وبالخير الدنيوى وهو البركة فى أعمارهم . وطول البقاء فى هناء وسلام .
قال ابن كثير: ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ أى: ويمد فى أعماركم ، ويدرأ عنكم
العذاب ، الذى إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه : أوقعه - سبحانه - بكم .
وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم . يزاد بها فى العمر حقيقة ،
كما ورد به الحديث: ((صلة الرحم تزيد فى العمر)) (١) .
وقوله : ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ﴾ بمنزلة التعليل لما قبله. أى:
يغفر لكم - سبحانه - من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجل معين عنده - تعالى - إن الوقت
الذى حدده الله - عز وجل - لانتهاء أعماركم ، متى حضر، لا يؤخر عن موعده ، ﴿ لو
كنتم تعلمون ﴾ أى: لو كنتم من أهل العلم لاستجبتم لنصائحى، وامتثلتم أمرى، وبذلك
تنجون من العقاب الدنيوى والأخروى .
قال الآلوسي : قوله ﴿ لو كنتم تعلمون﴾. أى: لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما
آمركم به . لكنكم لستم من أهله فى شىء ، لذا لم تسارعوا ، فجواب لو مما يتعلق بأول
الكلام .
ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره . أى : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ذلك ، أى : عدم
تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له . والفعل فى الوجهين منزل منزلة اللازم .. (٢).
ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك ، ما قاله نوح لربه . على سبيل الشكوى
والضراعة ، وما وجهه إلى قومه من نصائح فيها ما فيها من الترغيب والترهيب ، ومن الإِرشاد
الحكيم ، والتوجيه السديد .. قال - تعالى - :
(١) تفسير ابن کثیر ج ٨ ص ٢٥٨ .
(٢) تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ٧١ .

١١٣
سورة نوح
قَالَ رَبٍ إِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَلَمْ يَزِدْ هُرْ دُ عَاءِىَ إِلَّا
فِرَارً ، وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَلَهُمْ جَعَلُواْأَصَبِعَهُمْ
فِّمَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْثِيَابَهُمْ وَأَصَرُوا وَأَسْتَكْبَرُواْأَسْتِكْبَارًا
ثُمَّ إِِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ، ثُمَّ إِّ أَعْلَنْتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ
٧
◌َهُمْ إِسْرَارًا ، فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ إِنَّةٌ كَانَ غَفَّارًا
يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا ، وَيُعْدِدَّكُمُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل
لَكُجَتَتٍ وَيَجْعَل لَّكُ أَنْهَرًّا ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرَّجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
١٣
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا () أَتَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ
طِبَاقًا (٥)، وَجَعَلَ الْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾
وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا (٦) ثُمَيُعِيذُ كُمْ فِيهَا وَيُخْرِيُكُمْ
إِخْرَاجَا() وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمُالْأَرْضَ بِسَاطًا (٦) لِتَسْلُكُواْمِنْهَا
سُبُلًا فِجَاجًا
وقوله - تعالى -: ﴿ قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائى إلا
فرارا . ) بيان للطرق والمسالك التى سلكها نوح مع قومه، وهو يدعوهم إلى إخلاص العبادة
لله - تعالى - بحرص شديد ومواظبة تامة .. وموقف قومه من دعوته لهم .
والمقصود بهذا الخبر لازم معناه ، وهو الشكاية إلى ربه ، والتمهيد لطلب النصر
منه - تعالى - عليهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه أن نوحا - عليه السلام - لم يقصر
فى تبليغ رسالته .
أى : قال نوح متضرعا إلى ربه : يارب إنك تعلم أننى لم أقصر فى دعوة قومى إلى عبادتك ،
تارة بالليل وتارة بالنهار ، من غير فتور ولا توان .

١١٤
المجلد الخامس عشر
فلم يزدهم دعائى﴾ لهم إلى عبادتك وطاعتك ﴿إلا فرارا﴾ أى: إلا تباعدا من
الإِيمان وإعراضا عنه. والفرار: الزّوَغَان والهرب . يقال: فر فلان يفر فرارا ، فهو فرور،
إذا هرب من طالبه ، وزاغ عن عينه .
والتعبير بقوله : ﴿ دعوت قومى ليلا ونهارا﴾ ، يشعر بحرص نوح التام على دعوتهم ،
فى كل وقت يظن فيه أن دعوته لهم قد تنفع .
كما أن التعبير بقوله: ﴿ فلم يزدهم دعائى إلا فرارا﴾ يدل دلالة واضحة على إعراضهم
التام عن دعوته ، أى : فلم يزدهم دعائى شيئا من الهدى ، وإنما زادهم بُعْداً عنى ، وفرارا
منى .
وإسناد الزيادة إلى الدعاء ، من باب الإسناد إلى السبب ، كما فى قولهم : سرتنى رؤيتك .
وقوله ﴿ فرارا﴾ مفعول ثان لقوله ﴿فلم يزدهم﴾ والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال
والمستثنى منه مقدر، أى : فلم يزدهم دعائى شيئا من أحوالهم التى كانوا عليها إلا الفرار .
ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا . أى : فلم يزدهم دعائى قرباً من الحق ، لكن زادهم
فرارا منه .
ثم أضاف إلى فرارهم منه ، حالة أخرى . تدل على إعراضهم عنه ، وعلى كراهيتهم له ،
فقال: ﴿ وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم، جعلوا أصابعهم فى آذانهم ، واستغشوا ثيابهم ، وأصروا
واستكبروا استكبارا
وقوله : ﴿ كلما﴾ معمول لجملة: ﴿ جعلوا﴾ التى هى خبر إن، واللام فى قوله
لتغفر لهم ﴾ للتعليل .
والمراد بأصابعهم : جزء منها . واستغشاء الثياب معناه : جعلها غشاء ، أى : غطاء
لرءوسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه، ومتعلق الفعل ((دعوتهم» محذوف لدلالة ما تقدم
عليه ، وهو أمرهم بعبادة الله وتقواه .
والمعنى : وإنى - يا مولاى - كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتى فيما أمرتهم به ،
لكى تغفر لهم ذنوبهم .. ما كان منهم إلا أن جعلوا أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا قولى ،
وإلا أن وضعوا ثيابهم على رءوسهم . وأبصارهم حتى لا يرونى ، وإلا أن ﴿ أصروا ﴾ إصرارا
تاما على كفرهم ﴿واستكبروا استكبارا﴾ عظيما عن قبول الحق.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد صورت عناد قوم نوح ، وجحودهم للحق ، تصويرا
بلغ الغاية فى استحبابهم العمى على الهدى .

١١٥
سورة نوح
فهى - أولا - جاءت بصيغة ((كلما )) الدالة على شمول كل دعوة وجهها إليهم نبيهم
نوح - عليه السلام - أى : فى كل وقت أدعوهم إلى الهدى يكون منهم الإِعراض .
وهى - ثانيا - عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله - تعالى -: ﴿ جعلوا أصابعهم فى
آذانهم﴾. وعبر عن الأنامل بالأصابع على سبيل المبالغة فى إرادة سد المسامع ، فكأنهم لو
أمكنهم إدخال أصابعهم جميعها فى آذانهم لفعلوا . حتى لا يسمعوا شيئا مما يقوله نبيهم لهم .
فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل ، لعلاقة البعضية ، حيث
أطلق - سبحانه - الكل وأراد البعض ، مبالغة فى كراهيتهم لسماع كلمة الحق .
وهى - ثالثا - عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله - تعالى -: ﴿ واستغشوا
ثيابهم﴾ أى: بالغوا فى التَّغطّى بها ، حتى لكأنهم قد طلبوا منها أن تلفهم بداخلها حتى
لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا .
وهذا كناية عن العداوة الشديدة ، ومنه قول القائل : لبس لى فلان ثياب العداوة .
وهى - رابعا - قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك ، بل أضافوا إليه الإصرار على
الكفر - وهو التشدد فيه ، والامتناع من الإقلاع عنه مأخوذ من الصَّرة بمعنى الشدة -
والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق .
فقد أفادت هذه الآية ، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك ماهو أقبح منها ظاهرا ،
حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم ، وليس هناك ماهو أقبح منها باطنا ، حيث أصروا على
كفرهم ، واستكبروا على اتباع الحق .
ومع كل هذا الإِعراض والعناد .. فقد حكت لنا الآيات بعد ذلك ، أن نوحا - عليه
السلام - قد واصل دعوته لهم بشتى الأساليب . فقال - كما حكى القرآن عنه -: ﴿ ثم إنى
﴾ .
دعوتهم جهارا
وقوله : ﴿جهارا﴾ صفة لمصدر محذوف، أى: دعوتهم دعاء جهارا. أى: مجاهرا لهم
بدعوتى ، بحيث صارت دعوتى لهم أمامهم جميعا .
ثم إنى أعلنت لهم﴾ تارة ﴿وأسررت لهم إسرارا﴾ تارة أخرى.
أى : أنه - عليه السلام - توخى ما يظنه يؤدى إلى نجاح دعوته ، وراعى أحوالهم فى
ذلك ، فهو تارة يدعوهم جهرا ، وتارة يدعوهم سراً ، وتارة يجمع بين الأمرين .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا ، ثم دعاهم جهارا ، ثم

١١٦
-
المجلد الخامس عشر
دعاهم فى السر والعلن ، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف ؟
قلت : قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فى
الابتداء بالأهون والترقى فى الأشد فالأشد ، فافتتح بالمناصحة فى السر ، فلما لم يقبلوا ثنى
بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإِسرار والإعلان .
ومعنى (( ثم)): الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإِسرار ، والجمع بين
الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما .. (١).
! ثم حكى - سبحانه - جانبا من إرشادات نوح لقومه فقال: ﴿ فقلت استغفروا
ربكم ﴾ .
أى : فقلت لهم - على سبيل النصح والإرشاد إلى ما ينفعهم ويغريهم بالطاعة -
استغفروا ربكم﴾ بأن تتوبوا إليه، وتقلعوا عن كفركم وفسوقكم
إنه﴾ - سبحانه - ﴿ كان غفارا ﴾.
أى : كثير الغفران لمن تاب إليه وأناب .
يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ والمراد بالسماء هنا : المطر لأنه ينزل منها ، وقد جاء فى
الحديث الشريف أن من أسماء المطر السماء ، فقد روى الشيخان عن زيد بن خالد الجهنى أنه
قال ((صلى لنا رسول الله - ليه - صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من
الليل ... )) أى : على إثر أمطار نازلة بالليل .
ومنه قول بعض الشعرا:
إذا نزل السماء بأوض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
والمدرار: المطر الغزير المتتابع ، يقال: درت السماء بالمطر، إذا نزل منها بكثرة وتتابع ،
والدر، والدرور معناه: السيلان .. فقوله ﴿مدرارا﴾ صيغة مبالغة منها .
أى : استغفروا ربكم وتوبوا إليه ، فإنكم إذا فعلتم ذلك أرسل الله - تعالى - عليكم
بفضله ورحمته ، أمطارا غزيرة متتابعة ، لتنتغعوا بها فى مختلف شئون حياتكم .
وفضلا عن ذلك: ﴿ ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ﴾ أى: بساتين عظيمة،
ويجعل لكم أنهارا ﴾ جارية تحت أشجار هذه الجنات ، لتزداد جمالا ونفعا.
قال الإمام الرازى ما ملخصه: (( إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا ، حبس الله عنهم
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦١٦.

١١٧
سورة نوح
المطر ، وأعقم أرحام نسائهم .. فرجعوا إلى نوح ، فقال لهم : استغفروا ربكم من الشرك.
حتى يفتح عليكم أبواب نعمه .
واعلم أن الاشتغال بالطاعة ، سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه : أحدها :
أن الكفر سبب لخراب العالم . والإِيمان سبب لعمارة العالم . وثانيها : الآيات الكثيرة التى
وردت فى هذا المعنى ، ومنها قوله - تعالى - ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم
بركات من السماء والأرض .. ﴾ وثالثها : أن عمر خرج يستسقى فما زاد على الاستغفار.
فقيل له : ما رأيتك استسقيت ؟ فقال : لقد استسقيت لكم بمجاديح السماء ، والمجاديح : جمع
نْدَح - بكسر فسكون وهو نجم من النجوم المعروفة عند العرب .
وشكا رجل الى الحسن البصرى الفاقة ، وشكا إليه آخر الجدب ، وشكا إليه ثالث قله
النسل .. فأمر الجميع بالاستغفار .. فقيل له : أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة ،
فأمرتهم جميعا بالاستغفار ؟ فتلا الحسن هذه الآيات الكريمة (١) .
وما قاله الإمام الرازى - رحمه الله - ، يؤيده القرآن الكريم فی کثیر من آياته ، ويؤيده
واقع الحياة التى نحياها ونشاهد أحداثها .
أما آيات القرآن الكريم فمنها قوله - تعالى -: ﴿وألو استقاموا على الطريقة
لأسقيناهم ماء غدقا ﴾(٢) .
وقوله - سبحانه - على لسان هود - عليه السلام - : ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم
توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم .. ﴾(٢).
وقال - عز وجل -: ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة
طيبة ﴾(٤) .
وأما واقع الحياة . فإننا نشاهد بأعيننا الأمم التى تطبق شريعة الله - تعالى - وتعمل بما
جاء به النبى - مَاء - من آداب وأحكام وهدايات .
نرى هذه الأمم سعيدة فى حياتها ، آمنة فى أوطانها ، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وإذا
أصابها شىء من النقص فى الأنفس أو الثمرات .. فذلك من باب الامتحان الذى يمتحن
الله - تعالى - به عباده ، والذى لا يتعارض مع كون العاقبة الطيبة إنما هى لهده الأمم
الصادقة فى إيمانها .
..
٠
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٢١٥ .
(٢) سورة الجن آية ١٦.
(٣) سورة هود آية ٥٢ .
( ٤ ) سورة النحل آية ٩٧ .

١١٨
المجلد الخامس عشر
مے
وما يجرى على الأمم والشعوب ، يجرى أيضا على الأفراد والجماعات ، فتلك سنة اللّه التى
لا تتغير .
أما الأمم الفاسقة عن أمر ربها ، فإنها مهما أوتيت من ثراء وبسطة فى الرزق .. فإن حياتها
دائما تكون متلبسة بالقلق النفسى ، والشقاء القلبى ، والاكتئاب الذى يؤدى إلى فساد الحال
واضطراب البال .
وقوله - سبحانه - بعد ذلك حكاية عن نوح - عليه السلام -: ﴿ مالكم لا ترجون الله
وقارا . وقد خلقكم أطوارا ﴾ : بيان لما سلكه نوح فى دعوته لقومه ، من جمعه بين الترغيب
والترهيب .
فهو بعد أن أرشدهم إلى أن استغفارهم وطاعتهم لربهم ، تؤدى بهم إلى البسطة فى الرزق ..
أتبع ذلك بزجرهم لسوء أدبهم مع الله - تعالى - منكرا عليهم استهتارهم واستخفافهم بما
يدعوهم إليه .
وقوله : ﴿ مالكم﴾ مبتدأ وخبر ، وهو استفهام قصد به توبيخهم والتعجيب من حالهم .
ولفظ ((ترجون)) يرى بعضهم أنه بمعنى تعتقدون . والوقار معناه: التعظيم والإِجلال.
والأطوار : جمع طور، وهو المرة والتارة من الأفعال والأزمان .
أى: ما الذى حدث لكم - أيها القوم - حتى صرتم لا تعتقدون لله - تعالى - عظمة
أو إجلالا ، والحال أنه - سبحانه - هو الذى خلقكم وأوجدكم فى أطوار متعددة ، نطفة ،
فعلقة ، فمضغة .
كما قال - سبحانه - ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة فى قرار
مكين . ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام
لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾(١).
وكما قال - تعالى - ﴿ اللّه الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل
من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما يشاء ، وهو العليم القدير ﴾(٢).
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿ مالكم لا ترجون اللّه وقارا ﴾ قيل:
الرجاء هنا بمعنى الخوف .
أى : مالكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أخذكم بالعقوبة .
(١) سورة المؤمنون الآيات ١٢ - ١٤.
(٢) سورة الروم الآية ٥٤ .

١١٩
سورة نوح
وقيل : المعنى: مالكم لا تعلمون لله عظمة .. أولا ترون لله عظمة .. أو لا تبالون أن الله
عظمة .. والوقار : العظمة ، والتوقير: التعظيم .. (١).
وبعد هذا الترغيب والترهيب والتوبيخ .. أخذ فى لفت أنظارهم إلى عجائب صنع الله فى
خلقه، فقال: ﴿ ألم تروا كيف خلق اللّه سبع سماوات طباقا . وجعل القمر فيهن نورا ،
وجعل الشمس سراجا
"!
والاستفهام فى قوله: ﴿ألم تروا .. ﴾ للتقرير، والرؤية: بصرية وعلمية، لأنهم
يشاهدون مخلوقات الله - تعالى - ويعلمون أنه - سبحانه - هو الخالق . و ﴿ طباقا
أى : متطابقة كل طبقة أعلى من التى تحتها .
أى: لقد علمتم ورأيتم أن الله - تعالى - هو الذى خلق ﴿سبع سماوات﴾ متطابقة،
بعضها فوق بعض ﴿وجعل القمر فيهن نورا﴾ أى: وجعل - سبحانه - بقدرته القمر فى
السماء الدنيا نورا للأرض ومن فيها .
وإنما قال ﴿ فيهن) مع أنه فى السماء الدنيا ، لأنها محاطة بسائر السموات فما فيها يكون.
كأنه فى الكل . أو لأن كل واحدة منها شفافة ، فيرى الكل كأنه سماء واحدة . فساغ أن
يقال فيهن .
وقوله : ﴿وجعل الشمس سراجا﴾ أى: كالسراج فى إضاءتها وتوهجها وإزالة ظلمة
الليل ، إذ السراج هو المصباح الزاهر نوره ، الذى يضىء ما حوله .
قال الآلوسى: قوله ﴿وجعل القمر فيهن نورا﴾ أى: منورًا لوجه الأرض فى ظلمة
الليل ، وجعله فيهن مع أنه فى إحداهن - وهى السماء الدنيا - ، كما يقال : زيد فى بغداد وهو
فى بقعة منها . والمرجح له الإِيجاز والملابسة بالكلية والجزئية ، وكونها طباقا شفافة . .
: وجعل الشمس سراجا ﴾ يزيل الظلمة .. وتنوينه للتعظيم ، وفى الكلام تشبيه بليغ،
ولكون السراج أعرف وأقرب ، جعل مشبها به ، ولا عتبار التعدى إلى الغير فى مفهومه
بخلاف النور، كان أبلغ منه .(٢) .
وقال بعض العلماء : وفى جعل القمر نورا ، إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته . فإن
القمر مظلم . وإنما يستضىء بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه ، بحسب
اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام ، هو أثر ظهوره هلالا .. ثم بدرا .
(١) تفسير القرطبى ج ١٨ ص ٣٠٣ .
(٢) تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ٧٥ .

١٢٠
المجلد الخامس عشر
وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا ، لأنها ملتهبة ، وأنوارها ذاتية فيها ، صادرة عنها إلى
الأرض وإلى القمر، مثل أنوار السراج تملأ البيت .. (١).
ثم انتقل نوح - عليه السلام - من تنبيههم إلى ما فى خلق السموات والشمس والقمر
من دلالة على وحدانية الله وقدرته .. إلى لفت أنظارهم إلى التأمل فى خلق أنفسهم ، وفى
مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، فقال - كما حكى القرآن عنه - : ﴿والله
أنبتكم من الأرض نباتا . ثم يعيدكم فيها ، ويخرجكم إخراجا ﴾.
والمراد بأنبتكم : أنشأكم وأوجدكم ، فاستعير الإِنبات للإِنشاء للمشابهة بين إنبات النبات ،
وإنشاء الإِنسان ، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد للشىء بقدرته - تعالى - .
والمراد بأنبتكم: أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم ، فأنتم فروع عنه . و ﴿ نباتا ﴾ مصدر
لأنبت على حذف الزوائد ، فهو مفعول مطلق لأنبتكم ، جىء به للتوكيد ، ومصدره القیاسی
((إنباتا))، واختير ((نباتا)) لأنه أخف .
قال الجمل : قوله : نباتا ، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد . ويسمى اسم
مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا . أى : فنبتمّ نباتا - فيكون منصوبا بالمطاوع
المقدر . (٢) .
أى: والله - تعالى - هو الذى أوجد وأنشأ أباكم آدم من الأرض إنشاء وجعلكم فروعا
عنه ، ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم لتكون قبورا لكم ، ثم يخرجكم منها يوم البعث
للحساب والجزاء .
وعبر - سبحانه - عن الإِنشاء بالإِنبات ، لأن هذا التعبير يشعر بأن الإِنسان مخلوق
محدث ، وأنه مثل النبات يحصد ثم يعود إلى الحياة مرة أخرى .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((استعير الإِنبات للإنشاء كما يقال : زرعك
الله للخير . وكانت هذه الاستعارة أدل دليل على الحدوث لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين
لا محالة حدوث النبات))(٣).
ثم ختم نوح - عليه السلام - إرشاداته لقومه ، بلفت أنظارهم إلى نعمة الأرض التى
يعيشون عليها ، فقال: ﴿واللّه جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا ﴾.
(١) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ج ٢٩ ص ٢٠٤ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٤١٢ .
(٣) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦١٨ .