Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة الحاقة الله - تعالى - ملائكته بقوله: ﴿ خذوه فغلوه ﴾ .. وقوله : ﴿ فغلوه ﴾ من الغل - بضم الغين - وهو ربط اليدين إلى العنق على سبيل الإذلال . ﴿ ثم الجحيم صلوه ﴾ أى: ثم بعد هذا التقييد والإذلال .. اقذفوا به إلى الجحيم ، وهى ـة ، الشديدة التأجج والتوهج . النار ومعنى ﴿صلوه﴾ بالغوا فى تصليته النار، بغمسه فيها مرة بعد أخرى. يقال: صَلى فلان النار، إذا ذاق حرها ، وصَلّى فلان فلانا النار ، إذا أدخله فيها . وقلبه على جمرها كما تقلب الشاة فى النار . ﴿ ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ﴾ والسلسلة: اسم لمجموعة من حَلَق الحديد ، يربط بها الشخص لكى لا يهرب ، أو لكى يزاد فى إذلاله وهو المراد هنا . وقوله : ﴿ ذرعها﴾ أى: طولها. والمراد بالسبعين: حقيقة هذا المقدار فى الطول ، أو يكون هذا العدد كناية عن عظيم طولها ، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ... ﴾(١). وقوله: ﴿ فاسلكوه﴾ من السَّلك بمعنى الإدخال فى الشىء، كما فى قوله - تعالى - ﴿ ما سلككم فى سقر﴾ أى: ما أدخلكم فيها. أى : خذوا هذا الكافر ، فقيدوه ثم أعدوه للنار المحرقة . ثم اجعلوه مغلولا فى سلسلة طولها سبعون ذراعا ، بحيث تكون محيطة به إحاطة تامة . أى ألقوا به فى الجحيم وهو مكبل فى أغلاله . و﴿ ثم﴾ فى كل آية جىء بها للتراخى الرتبى ، لأن كل عقوبة أشد من سابقتها . إذ إدخاله فى السلسلة الطويلة . أعظم من مطلق إلقائه فى الجحيم كما أن إلقاءه فى الجحيم ، أشد من مطلق أخذه وتقييده . وفى هذه الآيات ما فيها من تصوير يبعث فى القلوب الخوف الشديد ، ويحملها على حسن الاستعداد لهذا اليوم . الذى لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئاً . وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث والآثار ، منها : ما رواه ابن أبى حاتم ، عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله - عز وجل - ﴿ خذوه .. ﴾ ابتدره ( ١) سورة التوبة الآية ٨٠ . ٨٢ المجلد الخامس عشر سبعون ألف ملك ، وإن الملك منهم ليقول هكذا - أى : ليفعل هكذا - فيلقى سبعين ألفا فى النار﴾(١). ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهذا الشقى إلى هذا المصير الأليم فقال : ﴿ إنه ﴾ . كان لا يؤمن بالله العظيم ، ولا يحض على طعام المسكين أى : إن هذا الشقى إنما حل به ما حل من عذاب .. لأنه كان فى الدنيا ، مصرا على الكفر ، وعلى عدم الإِيمان بالله الواحد القهار .. وكان كذلك ﴿ لا يحض﴾ أى: لا يحث نفسه ولا غيره ﴿ على طعام المسكين﴾ أى: على بذل طعامه أو طعام غيره للمسكين ، الذى حلت به الفاقة والمسكنة . ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر ، أن أقبح شىء يتعلق بالعقائد ، وهو الكفر بالله - تعالى - وأن أقبح شىء فى الطباع ، هو البخل وقسوة القلب . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بزيادة البيان للمصير الأليم لهذا الشقى فقال : فليس له اليوم ﴾ أى: يوم القيامة ﴿هاهنا حميم) أى: ليس له فى هذا اليوم من صديق ينفعه ، أو من قريب يشفق عليه ، أو يحميه ، أو يدفع عنه . ولا طعام إلا من غسلين ﴾ أى: وليس له فى جهنم من طعام سوى الغسلين وهو صدید أهل النار .. أو شجر يأكله أهل النار ، فيغسل بطونهم ، أى : يخرج أحشاءهم منها ، أو ليس لهم إلا شر الطعام وأخبته . لا يأكله﴾ أى: الغسلين ﴿إلا الخاطئون﴾ أى: إلا الكافرون الذين تعمدوا ارتكاب الذنوب، وأصروا عليها ، من خَطِىّ الرجل : إذا تعمد ارتكاب الذنب . فالخاطىء هو من يرتكب الذنب عن تعمد وإصرار . والمخطىء : هو من يرتكب الذنب عن غير إصرار وتعمد . ١٥٠٠ وهكذا . نجد الآيات الكريمة قد ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب .. للكافرين ، بعد أن ساقت قبل ذلك ، أعظم أنواع النعيم المقيم للمؤمنين . وبعد هذا العرض - الذى بلغ الذروة فى قوة التأثير - لأهوال يوم القيامة ، ولبيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين .. بعد كل ذلك أخذت السورة فى أواخرها ، فى تقرير حقيقة هذا الدين، وفى تأكيد صدق الرسول -# - فيما يبلغه عن ربه ، وفى بيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وحده .. فقال - سبحانه - : (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٤٣ . ٨٣ سورة الحاقة ٣٩ فَلَ أُقْسِمُ بِمَانُصِرُونَ () وَمَا لَ نُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِمٍ ، وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّانُوْمِنُونَ (@) وَلَ بِقَوْلِ كَاِهِنَّ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٦ تَزِيلٌ مِّن رَّبِّالْعَلَمِينَ () وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَ بَعْضَ الْأَقَاوِلِ ﴿ لَأَخَذْ نَامِنَّهُ بِأَلْيَمِينِ ، ثُمَّ ◌َقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِنَ ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ ، وَإِنَّهُ لَنَذْكِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَإِنَّا لَتَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمُكَذِّبِينَ (٥) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى اُلْكَفِينَ ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٦) فَسَيِّ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ! ٥٢ والفاء فى قوله : ﴿ فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون ﴾ للتفريع على ما فهم مما تقدم ، من إنكار المشركين ليوم القيامة ، ولكون القرآن من عند الله . و ﴿لا ﴾ فى مثل هذا التركيب يرى بعضهم أنها مزيدة، فيكون المعنى: أقسم بما تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء والأرض والجبال والبحار ... وبما لا تبصرون منها ، كالملائكة والجن . وقوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم﴾ جواب القسم، وهو المحلوف عليه أى: أقسم إن هذا القرآن لقول رسول كريم، هو محمد - * - . وأضاف - سبحانه - القرآن إلى الرسول - - باعتبار أنه هو الذى تلقاه عن الله - تعالى - وهو الذى بلغه عنه بأمره وإذنه . أى: أن الرسول - - يقول هذا القرآن، وينطق به ، على وجه التبليغ عن الله - تعالى - . قال الإِمام ابن كثير: قوله ﴿ إنه لقول رسول كريم) يعنى محمدا - - أضافه إليه على معنى التبليغ ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المُرُسِل ، ولهذا أضافه فى سورة التكوير إلى الرسول الملكى فقال: ﴿ إنه لقول رسول كريم . ذى قوة عند ذى العرش مكين ، مطاع ثم أمين ﴾ وهو جبريل - عليه السلام -(١). (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٤٤. ٨٤ المجلد الخامس عشر وبعضهم يرى أن ((لا)) فى مثل هذا التركيب ليست مزيدة ، وإنما هى أصلية ، ويكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم ، إذ كل عاقل عندما يقرأ القرآن ، يعتقد أنه من عند الله . ويكون المعنى : فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات ، وبما لا تبصرونه .. لظهور الأمر واستغنائه عن القسم . قال الشوكانى : قوله : ﴿ فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون ﴾ هذا رد لكلام المشركين، كأنه قال: ليس الأمر كما تقولون. و((لا)) زائدة والتقدير: فأقسم بما تشاهدونه وبما لا تشاهدونه . وقيل إن ((لا)) ليست زائدة ، بل هى لنفى القسم، أى : لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق فى ذلك . والأول أولى(١). وتأكيد قوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم﴾ بإنّ وباللام، للرد على المشركين الذين قالوا عن القرآن الكريم : أساطير الأولين . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : ﴿ وما هو بقول شاعر ، قليلا ما تؤمنون . ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ﴾ . والشاعر : هو من يقول الشعر . والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم بأنه يعلم الغيب . وانتصب ((قليلا)) فى الموضعين على أنه صفة المصدر محذوف، و((ما)) مزيدة لتأكيد القلة. والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء الإِيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة : إيمانهم اليسير ، كإيمانهم بأن الله هو الذى خلقهم، مع إشراكهم معه آلهة أخرى فى العبادة . أى : ليس القرآن الكريم بقول شاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من رب العالمين، على قلب نبيه محمد - ﴿ - لكى يبلغه إليكم، ولكى يخرجكم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإِيمان . ولكنكم - أيها الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به . - (١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٢٨٥ . ٨٥ سورة الحاقة ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول - وصل﴿ - بأنه شاعر أو كاهن . وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه - 10 - بأنه ﴿ رسول كريم﴾ كاف لنفى الجنون أو الكذب عنه - * - أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم وصفه بأنه کریم ، لأن الشعر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى - سبحانه - عنه - - - أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم . وقوله : ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ تأكيد لكون القرآن من عند الله - تعالى - وأنه ليس بقول شاعر أو كاهن . أى : هذا القرآن ليس كما زعمتم - أيها الكافرون - وإنما هو منزل من رب العالمين ، لا من أحد سواه - عز وجل - . ثم بين - سبحانه - ما يحدث للرسول - وَ ل﴿ - لو أنه - على سبيل الفرض - غيَرّ أو بدل شيئا من القرآن فقال: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين ، ثم " لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين ﴾. والتقول : افتراء القول ، ونسبته إلى من لم يقله ، فهو تفعل من القول يدل على التكلف والتصنع والاختلاق . والأقاويل : جمع أقوال ، الذى هو جمع قول ، فهو جمع الجمع . أى: ولو أن محمداً - وَله - افترى علينا بعض الأقوال، أو نسب إلينا قولا لم نقله ، أو لم تأذن له فى قوله .. لو أنه فعل شيئا من ذلك على سبيل الفرض . ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ أى: لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه ، وهو كناية عن إذلاله . وإهانته . أو: لأخذناه بالقوة والقدرة ، وعبر عنهما باليمين ، لأن قوة كل شىء فى ميامنه . والمقصود بالجملة الكريمة : التهويل من شأن الأخذ ، وأنه أخذ شديد سريع لا يملك معه تصرفا أو هربا . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التهويل ما هو أشد منه فى هذا المعنى فقال : ﴿ ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ . أى : ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة ، لقطعنا وتينه . وهو عرق يتصل بالقلب . متى قطع مات صاحبه . ٨٦ المجلد الخامس عشر وهذا التعبير من مبتكرات القرآن الكريم ، ومن أساليبه البديعة ، إذ لم يسمع عن العرب أنهم عبروا عن الإهلاك بقطع الوتين . ثم بين - سبحانه - أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال: ﴿ فما منكم من أحد عنه حاجزين ﴾ . أى : فما منكم من أحد - أيها المشركون - يستطيع أن يدفع عقابنا عنه ، أو يحول بيننا وبين ما نريده، فالضمير فى ((عنه)» يعود إلى الرسول - ﴾ - . قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : التقول : افتعال القول ، كأن فيه تكلفا من المفتعل، وسمى الأقوال المتقولة (( أقاويل)) ، تصغيراً بها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول . والمعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم . معاجلة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده ، وتضرب رقبته . وخص اليمين عن اليسار ، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب فى قفا المقتول أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه فى جيده وأن يكفحه بالسيف - وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف - أخذ بيمينه . ومعنى: ﴿لأخذنا منه باليمين): لأخذنا بيمينه. كما أن قوله: ﴿ ثم لقطعنا منه الوتين ): لقطعنا وتينه، والوتين: نياط القلب، وهو حبل الوريد، إذا قطع مات صاحبه(١). وفى هذه الآيات الكريمة أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - لأنه لو كان - كما زعم الزاعمون أنه من تأليف الرسول - ﴿ - لما نطق بهذه الألفاظ التى فيها ما فيها من تهديده ووعيده . كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه -# - لم يتقول شيئا .. وإنما بلغ هذا القرآن عن ربه - عز وجل - دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا .. لأن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن يهلك كل من يفترى عليه الكذب ، ومن يزعم أن الله - تعالى - أوحى إليه ، مع أنه - سبحانه - لم يوح إليه . ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٠٧ . ٨٧ سورة الحاقة وقوله - سبحانه - ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين) معطوف على قوله: ﴿إنه لقول رسول کریم ﴾ . أى: إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن الله - تعالى - وإنه لتذكير وإرشاد لأهل التقوى ، لأنهم هم المنتفعون بهداياته . وقوله - تعالى -: ﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) تيكيت وتوبيخ لهؤلاء الكافرين ، الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق . أى : وإنا لا يخفى علينا أن منكم - أيها الكافرون - من هو مكذب للحق عن جحود وعناد ، ولكن هذا لن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا الدين لكى يبلغه إليكم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسنجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وقوله - سبحانه -: ﴿وإنه لحسرة على الكافرين ) بيان لما يكون عليه الكافرون من ندم شديد ، عندما يرون حسن مصير المؤمنين ، وسوء مصير المكذبين . والحسرة : هى الندم الشديد المتكرر، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن تداركه . أى : وإن هذا القرآن الكريم ، ليكون يوم القيامة ، سبب حسرة شديدة وندامة عظيمة ، على الكافرين ، لأنهم يرون المؤمنين به فى هذا اليوم فى نعيم مقيم ، أما هم فيجدون أنفسهم فى عذاب أليم . وقوله: ﴿وإنه لحق اليقين) معطوف على ما قبله، أى: وإن هذا القرآن لهو الحق الثابت الذى لاشك فى كونه من عند الله - تعالى - وأن محمدا - * - قد بلغه إلى الناس دون أن يزيد فيه حرفا ، أو ينقص منه حرفا . وإضافة الحق إلى اليقين ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أى : لهو اليقين الحق ، أو هو من إضافة الشىء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، كما فى قوله: ﴿حبل الوريد﴾، إذ الحبل هو الوريد . والمقصود من مثل هذا التركيب : التأكيد . وقد قالوا : إن مراتب العلم ثلاثة : أعلاها : حق اليقين ، ويليها : عين اليقين ، ويليها : علم اليقين . فحق اليقين : كعلم الإِنسان بالموت عند نزوله به ، وبلوغ الروح الحلقوم . وعين اليقين : كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على قربه .. وعلم اليقين : كعلمه بأن الموت سينزل به لا محالة مهما طال الأجل .. والفاء فى قوله - تعالى - ﴿ فسبح باسم ربك ٨٨ المجلد الخامس عشر العظيم ﴾ للإِفصاح. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا الدين حق ، وأن البعث حق ، وأن القرآن حق ، فنزه اسم ربك العظيم عما لا يليق به ، من النقائص ، فى الاعتقاد ، أو فى العبادة ، أو فى القول ، أو فى الفعل . والباء فى قوله : ﴿ باسم ربك ﴾ للمصاحبة. أى: نزه ربك تنزيها مصحوبا بكل ما يليق به من طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات - وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . كتبه الراجي عفو ربه القاهرة - مدينة نصر مساء الخميس ١٧ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ د . محمد سيد طنطاوى الموافق ٢٤ / ٧ / ١٩٨٦ م ٨٩ سورة المعارج بِسْمِ اللهُ الرَّحمَنِّ الرَّحِيمِ تفسير سورة المعارج مقدمة وتمهيد ١ - سورة ( المعارج ) هى السورة السبعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فهى السورة الثامنة والسبعون ، وكان نزولها بعد سورة ( الحاقة ) وقبل سورة ( النبأ ) . وتسمى - أيضا - بسورة ( سأل سائل ) ، وذكر السيوطى فى كتابه ( الإِتقان ) أنها تسمى كذلك بسورة ( الواقع ) . وهذه الأسماء الثلاثة قد وردت ألفاظها فى السورة الكريمة . قال - تعالى - ﴿ سأل سائل بعذاب واقع . للكافرين ليس له دافع . من اللّه ذى المعارج ﴾. وهى من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها أربع وأربعون آية فى عامة المصاحف ، وفى المصحف الشامى ثلاث وأربعون آية . والسورة الكريمة نراها فى مطلعها ، تحكى لنا جانبا من استهزاء المشركين بما أخبرهم به النبى - * - من بعث وثواب وعقاب .. وترد عليهم بما يكبتهم ، حيث تؤكد أن يوم القيامة حق ، وأنه واقع ، وأن أهواله شديدة . قال - تعالى - ﴿سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذى المعارج . تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . فاصبر صبرا جميلا . إنهم يرونه بعيدا . ونراه قريبا . يوم تكون السماء كالمهل . وتكون الجبال كالعهن . ولا يسأل حميم حميا ﴾ . ٣ - ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى تصوير طبيعة الإِنسان ، وتمدح المحافظين عى صلاتهم ، وعلى أداء حقوق الله - تعالى - فى أموالهم ، كما تمدح الذين يؤمنون بأن البعث حق ، ٩٠ المجلد الخامس عشر ويستعدون لهذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح . قال - تعالى - ﴿ إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا . إلا المصلين ، الذين هم على صلاتهم دائمون ٤ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها فى تسلية الرسول -# - وفى توبيخ الكافرين على مسالكهم الخبيثة بإزاء الدعوة الإسلامية ، وفى بيان أن يوم القيامة الذى یکذبون به آت لا ريب فيه . قال - تعالى -: ﴿ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون . يوم · يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون ٥ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يرى أن على رأس القضايا التى اهتمت بالحديث عنها : التذكير بيوم القيامة ، وبأهواله وشدائده ، وببيان ما فيه من حساب ، وجزاء ، وثواب وعقاب . والحديث عن النفس الإنسانية بصفة عامة فى حال عسرها ويسرها ، وصحتها ومرضها ، وأملها ويأسها ... واستثناء المؤمنين الصادقين ، من كل صفة لا يحبها الله - تعالى - وأنهم بسبب إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، سيكونون يوم القيامة . فى جنات مكرمين . كما أن السورة الكريمة اهتمت بالرد على الكافرين ، وبتسلية الرسول - - عما لحقه منهم ، وببيان مظاهر قدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شىء . الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى ٩١ سورة المعارج ١ التفسیر افتتح - سبحانه - سورة ( المعارج ) بقوله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحْمِ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعُ ن ◌َامِنَ اَللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ن ◌َاضْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا(٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (١) وَثَرَنَّهُ قَرِيبَنِ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَلَهْلِ ﴿ وَتَكُونُ الْجَالُ كَلْعِهْنِ ) وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَيْمَان يُضَّرُونَهُمْ بَوَدُ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِذٍ بِبَنِيهِ ® وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ ﴿ وَفَصِيلَتِّهِ آلَتِى تُتْوِهِ ) وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا تُمَّ يُجِهِ ﴿ كَلَّ إِنَّهَا لَظَى ◌َانَزَّاعَةٌ لِلِشَّوَى ®) تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّ ﴿ وَجَعَ فَأَوْعَ ١٨ وقوله - تعالى - ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ قرأه الجمهور بإظهار الهمزة فى سأل ﴾ . وقرأه نافع وابن عامر ﴿سال﴾ بتخفيف الهمزة . قال الجمل : قرأ نافع وابن عامر بألف محضة ، والباقون ، بهمزة محققة وهى الأصل . فأما القراءة بالألف ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بمعنى قراءة الهمزة ، وإنما خففت بقلبها ألفا . والثانى : أنها من سَالَ يَسَالُ ، مثل خاف يخاف، والألف منقلبة عن واو ، والواو منقلبة عن الهمزة . ١ ٩٢ المجلد الخامس عشر والثالث : من السيلان، والمعنى : سال واد فى جهنم بعذاب، فالألف منقلبة عن ياء(١). وقد حكى القرآن الكريم عن كفار مكة، أنهم كانوا يسألون النبى - وَله - على سبيل التهكم والاستهزاء عن موعد العذاب الذى يتوعدهم به إذا ما استمروا على كفرهم ، ويستعجلون وقوعه . قال - تعالى -: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ وقال - سبحانه - ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته، وأن المقصود به الاستهزاء بالنبى - الهرم - وبالمؤمنين . ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا . أى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع . قال الآلوسى ما ملخصه : ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ أى: دعا داع به ، فالسؤال بمعنى الدعاء ، ولذا عدى بالباء تعديته بها فى قوله ﴿يدعون فيها بكل فاكهة آمنين﴾. والمراد : استدعاء العذاب وطلبه .. وقيل إنها بمعنى (( عن)) كما فى قوله : ﴿فاسأل به خبيرا ﴾. والسائل هو النضر بن الحارث - كما روى النسائى وجماعة وصححه الحاكم - حيث قال إنكارا واستهزاء ((اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم)). وقيل السائل: أبو جهل، حيث قال: ((فأسقط علينا كسفا من السماء))(٢). وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب ، يتضمن معنى الإِنكار والتهكم ، كما يتضمن معنى الاستعجال ، كما حكته بعض الآيات الكريمة .. ومن بلاغة القرآن ، تعدية هذا الفعل هنا بالباء ، ليصلح لمعنى الاستفهام الإنكارى ، ولمعنى الدعاء والاستعجال . أى: سأل سائل النبى - * - سؤال تهكم ، عن العذاب الذى توعد به الكافرين إذا ما استمروا على كفرهم . وتعجَّلَه فى وقوعه بل أضاف إلى ذلك - لتجاوزه الحد فى عناده وطغيانه - أن قال: ((اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )). (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٠٣ . ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٢٩° ص ٥٥ . ٩٣ سورة المعارج وقال - سبحانه - ﴿ بعذاب واقع ﴾ ولم يقل بعذاب سيقع، للإشارة إلى تحقق وقوع هذا العذاب فى الدنيا والآخرة . أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل فى غزوة بدر وهو النضر بن الحارث ، وأبو جهل وغيرهما ، وأما فى الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى . ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال: ﴿ للكافرين ليس له دافع. من اللّه ذى المعارج﴾. واللام فى قوله ﴿ للكافرين﴾ بمعنى على. أو للتعليل. أى : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم ، لأنه واقع من الله - تعالى - ﴿ذى المعارج﴾. والمعارج جمع معرج، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ﴾(١) . وقد ذكر المفسرون فى المراد بالمعارج وجوها منها : أن المراد بها السموات ، فعن ابن عباس أنه قال أى : ذى السموات ، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها . ومنها : أن المراد بها : النعم والمنن . فعن قتادة أنه قال: ذى المعارج ، أى : ذى الفواضل والنعم . وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب ، وهى تصل إلى الناس على مراتب مختلفة . ومنها : أن المراد بها الدرجات التى يعطيها لأوليائه فى الجنة . وفى وصفه - سبحانه - ذاته بـ ﴿ ذى المعارج﴾: استحضار لصورة عظمة جلاله، وإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا العذاب الواقع على الكافرين . بجملة من الصفات ، لتكون رداً فيه ما فيه من التهديد والوعيد للجاحدين ، الذين استهزأوا به وأنكر وه . والمراد بالروح فى قوله: ﴿ تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾: جبريل - عليه السلام - وأفرد بالذكر لتمييزه وفضله ، فهو من باب عطف الخاص على العام . والضمير فى ((إليه)) يعود إلى الله - تعالى - . أى : تصعد الملائكة وجبريل - عليه السلام - معهم ، إليه - تعالى - . (١) سورة الزخرف الآية ٣٣ . ٩٤ المجلد الخامس عشر والسلف على أن هذا التعبير وأمثاله ، من المتشابه الذى استأثر - سبحانه - بعلمه . مع تنزيهه - عز وجل - عن المكان والجسمية . ولوازم الحدوث ، التى لا تليق بجلاله . وقيل: ((إليه)) أى: إلى عرشه - تعالى - أو إلى محل بره وكرامته . قال القرطبى ما ملخصه: قوله: ﴿ فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ أى: عروج الملائكة إلى المكان الذى هو محلهم فى وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد ، خمسين ألف سنة . وعن مجاهد : هذا اليوم هو مدة عمر الدنيا ، من أول ما خلقت إلى آخر ما بقى منها ، خمسون ألف سنة . وقال ابن عباس : هو يوم القيامة ، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة . ثم قال القرطبى: ((وهذا القول أحسن ما قيل فى الآية - إن شاء الله - بدليل مارواه قاسم بن أصبغ من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - * - ((فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة))، فقلت: ما أطول هذا؟ فقال - * - ((والذى نفسى بيده ، إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا )). وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - أنه سئل عن هذه الآية فقال : أيام سماها الله - عز وجل - ، وهو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها مالا أعلم . وقيل : ذكر خمسين ألف سنة تمثيل - لما يلقاه الناس فى موقف الحساب من شدائد ، والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر(١). وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - فى سورة السجدة أنه ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ؟ وقال فى سورة الحج: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وذكر هنا ﴿ فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ والجمع بين هذه الآيات من وجهين : أولهما : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف فى سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التى خلق الله - تعالى - فيها السموات والأرض . ويوم الألف فى سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه - تعالى - . ويوم الخمسين ألفا هنا : هو يوم القيامة . (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٨٢ . ٩٥ سورة المعارج وثانيهما : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر . ويدل لهذا الوجه قوله - تعالى -: ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير ، على الكافرين غير (١) يسير أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل فى حالة ألف سنة من سنى الدنيا ، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة . وقوله - تعالى -: ﴿فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريبا .. ﴾ متفرع على قوله - سبحانه - ﴿سأل سائل ﴾ لأن السؤال كان سؤال استهزاء ، يضيق به الصدر ، وتغتم له النفس . والصبر الجميل : هو الصبر الذى لا شكوى معه لغير الله - عز وجل - ولا يخالطه شىء من الجزع ، أو التبرم بقضاء الله وقدره . أى : لقد سألوك - أيها الرسول الكريم - عن يوم القيامة ، وعن العذاب الذى تهددهم به ... سؤال تهكم واستعجال ... فاصبر صبرا جميلا على غرورهم وجحودهم وجهالاتهم . إنهم يرون هذا اليوم وما يصحبه من عذاب .. يرونه ((بعيدا)) من الإمكان أو من الوقوع ، ولذلك كذبوا بما جئتهم به من عندنا ، واستهزؤا بك .. ونحن نراه قريبا من الإِمكان ، بل هو كائن لا محالة فى الوقت الذى تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا . ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم فقال: ﴿يوم تكون السماء كالمهل . وتكون الجبال كالعهن . ولا يسأل حميم حميا ﴾ . ولفظ ((يوم)) متعلق بقوله: ((قريبا)» أو بمحذوف يدل عليه قوله: ﴿واقع﴾ أى: هو واقع هذا العذاب يوم تكون السماء فى هيئتها ومظهرها ((كالمهل)) أى: تكون واهية مسترخية .. كالزيت الذى يتبقى فى قعر الإِناء . وتكون الجبال كالعهن ﴾ أى: كالصوف المصبوغ ألوانا ، لاختلاف ألوان الجبال ، فإن الجبال إذا فتتت وتمزقت فى الجو ، أشبهت الصوف المنفوش إذا طيرته الرياح ، قيل : أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا، ثم عهنا منفوشا ، ثم هباء منبئا . ووجه الشبه أن السماء فى هذا اليوم تكون فى انحلال أجزائها ، كالشىء الباقى فى قعر الإِناء من الزيت ، وتكون الجبال فى تفرق أجزائها كالصوف المصبوغ الذى تطاير فى الجو . وفى هذا اليوم - أيضا - ﴿ لا يسأل حميم حميا﴾ أى: لا يسأل صديق صديقه النصرة (١) تفسير أضواء البيان جـ ٦ ص ٥٣ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. : ٩٦ المجلد الخامس عشر أو المعونة ، ولا يسأل قريب قريبه المساعدة والمؤازرة .. لأن كل واحد منهما مشغول بهموم نفسه من شدة هول الموقف ، كما قال - تعالى -: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه . لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ . والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه . وضمير الجمع فى قوله - سبحانه - ﴿ يبصرونهم ﴾ يعود إلى الحميمين ، نظرا لعمومهما، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين ، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إجابة عن سؤال تقديره : ولماذا لا يسأل الصديق صديقه فى هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه ؟ فكان الجواب : لا ، إنه يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب قريبه ، وكل صديق صديقه فى هذا اليوم .. ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه . قال صاحب الكشاف: ﴿يبصرونهم﴾ أى: يبصر الأحماءُ الأحماءَ، فلا يخفون عليهم ، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما يمنعهم التشاغل . فإن قلت: ما موقع يبصرونهم ؟ قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لمّا قال: ﴿ولا يسأل حميم حميما﴾ قيل: لعله لا يبصره ، فقيل فى الجواب : يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم . فإن قلت: لم جمع الضميرين فى ﴿يبصرونهم﴾ وهى للحميمين؟ قلت: المعنى على العموم لكل حميمين، لا لحميمين اثنين (١). ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين فى هذا اليوم فقال: ﴿يود المجرم ﴾ أى: يحب المجرم فى هذا اليوم ويتمنى . ﴿ لو يفتدى من عذاب يومئذ بينيه ﴾ أى : يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه ، وألصقهم بنفسه .. وهم بنوه وأولاده . ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه بـ ﴿ صاحبته وأخيه ﴾ أى: بزوجته التى هى أحب الناس إليه ، وبأخيه الذى يستعين به فى النوائب . ﴿ وفصيلته التى تؤويه ﴾ أى: ويود كذلك أن ينقذ نفسه، من العذاب بأقرب الأقرباء إليه . وهم أهله وعشيرته التى ينتسب إليها ، إذ الفصيلة هم الأقرباء الأدنون من القبيلة ، والذين هو واحد منهم . ومعنى ﴿تؤويه﴾ تضمه إليها، وتعتبره فردا منها، وتدافع عنه بكل وسيلة. ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٠٩. ٩٧ سورة المعارج وقوله: ﴿ ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه﴾ داخل فى إطار ما يتمناه ويوده . أى : يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم، بأولاده ، ويصاحبته ، وبأخيه ، وبعشيرته التى هو فرد منها ، وبأهل الأرض جميعا من الجن والإِنس . ثم يتمنى - أيضا - أن يقبل منه هذا الافتداء ، لكى ينجو بنفسه من هذا العذاب . فقوله ﴿ ثم ينجيه﴾ معطوف على قوله ﴿يفتدى)، أى: يود لو يفتدى ثم لو ينجيه الافتداء . وكان العطف بثم ، للإشعار باستبعاد هذا الافتداء ، وأنه عسير المنال . وقوله : ﴿ومن فى الأرض﴾ معطوف على ﴿بنيه﴾ أى: ويفتدى نفسه بجميع أهل الأرض . وهكذا نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر ، حالة المجرم فى هذا اليوم ، وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب ، بأقرب وأحب الناس إليه ، بل بأهل الأرض جميعا .. ولكن هيهات أن يقبل منه شىء من ذلك . ولذا جاء الرد الزاجر له عما تمناه فى قوله - تعالى - ﴿ كلا إنها لظى ﴾ وكلا حرف ردع وزجر ، وإبطال لكلام سابق ، وهو هنا ما كان يتمناه ويحبه .. من أن يفتدى نفسه ببنيه ، وبصاحبته وأخيه .. الخ . و ((لظى)) علم لجهنم، أو لطبقة من طبقاتها . واللظى: اللهب الخالص ، والضمير للنار المدلول عنها بذكر العذاب . أى : كلا - أيها المجرم - ليس الأمر كما وددت وتمنيت .. وإنما الذى فى انتظارك ، هو النار التى هى أشد ما تكون اشتعالا . والتى من صفاتها كونها ﴿نزاعة للشوى﴾ .. أى: قلاعة لجلدة الرأس وأطراف البدن، كاليد والرجل ، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف كما كانت . فقوله: ﴿ نزاعة) صيغة مبالغة من النزع بمعنى القلع والفصل. والشوى: جمع شواة - بفتح الشين - ، وهى من جوارح الإِنسان مالم يكن مقتلا ، مثل اليد والرجل . والجمع باعتبار ما لكل أحد من جوارح وأطراف . يقال : فلان رمى فأشوى ، إذا لم يصب مقتلا ممن رماه . وقيل : الشواة : جلدة الرأس . والجمع باعتبار كثرة الناس . وهذه النار الملتهبة من صفاتها - أيضا - أنها ﴿ تدعو من أدبر وتولى﴾ أى: تدعو لدخولها والاصطلاء بحرها ، من أدبر وأعرض وتولى عن الحق والرشد ، ونآى بجانبه عن طريق الهدى والاستقامة . ٩٨ المجلد الخامس عشر قال ابن كثير : هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله - تعالى - لها وقدر لهم أنهم فى الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طَلْقِ ذَلْقٍ - أى: فصيح بليغ - ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر ، كما يلتقط الطير الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال - سبحانه - ممن أدبر وتولى. أى: ممن كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه(١). وجمع فأوعى ﴾ أى جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أى: فأمسكه فى وعائه وكنزه ومنع حق الله - تعالى - فيه، ويخل به على مستحقيه. فقوله ﴿فأوعى﴾ أى: فجعله فى وعاء. وفى الحديث الشريف، يقول - ﴿ه -: ((لا توعى - أى لا تجمع مالك فى الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى الله عليك)) - أى: فيمنع اللّه - تعالى - فضله عنك، كما منعت وقترت . وفى قوله - سبحانه - ﴿وجمع﴾ إشارة إلى الحرص والطمع، وفى قوله ﴿فأوعى﴾ إشارة إلى بخله وطول أمله . قال قتادة ﴿جمع فأوعى﴾: كان جموعا للخبيث من المال . وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم الدين ، وعن سوء عاقبة المكذبين .. اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن سجايا النفوس البشرية فى حالتى الخير والشر ، والغنى والفقر ، والشكر والجحود .. واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى - . إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا تَقْ وَإِذَا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعًا () إِلَّا الْمُصَلِِّنَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِعُونَ )، وَالَّذِينَ فِىّ أَوَهِمْ حَقٌ مَّعْلُومُ الْلِسَآئِلِ وَالْمَحْرُومِ ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بَوْمِ الدّينِ﴿)، وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٥٢ . ٩٩ سورة المعارج رَيِهِمْ غَيْرٌ مَأْمُونٍ ﴿٢) وَالَّذِينَ هُمْلِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ ) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْأَمَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) فَنِ أَبَغَى وَّةَ ذَلِكَ فَأُوْلَ هُالْعَادُونَ ﴿١٦) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمََِّهِمْ وَعَهْدِ هِم ◌َعُونَ تَ وَالَّذِينَ هُم ◌ِشَادَتِهِمْ قَِّمُونَ ﴿٢٦) وَالَّذِينَ هُ عَلَى صَلَاتِهِمْيُحَا فِظُونَ أُوْلَئِكَ فِ جَتَّتٍ مُّكْرَمُونَ ٣٤ والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى -: ﴿إن الإِنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ﴾ جنسه لافرد معين منه، كما فى قوله - تعالى - : ( والعصر إن الإنسان لفى خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. ﴾ وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿ خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتى فلا تستعجلون ﴾. ويدخل فيه الكافر دخولا أولياً ، لأن معظم الصفات التى استثنيت بعد ذلك من صفات المؤمنين الصادقين ، وعلى رأسها قوله - سبحانه -: ﴿ إلا المصلين ﴾. وقوله : ﴿ هلوعا﴾ صيغة مبالغة من الهلع، وهو إفراط النفس، وخروجها عن التوسط والاعتدال ، عندما ينزل بها ما يضرها ، أو عند ما تنال ما يسرها . والمراد بالشر : ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به الإِنسان . والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه الإِنسان ، وتميل إليه نفسه . والجزوع: هو الكثير الجزع. أى: الخوف . والمنوع: هو الكثير المنع لنعم الله - تعالى - وعدم إعطاء شىء منها للمحتاجين إليها . قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿إن الإِنسان خلق هلوعا﴾ الهلع: سرعة الجزع عند". مس المكروه ، وسرعة المنع عند مس الخير ، من قولهم : ناقة هلوع ، أى : سريعة السير . وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال: هو كما قال الله - تعالى -: ﴿إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ﴾ . ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - . ١٠٠ المجلد الخامس عشر والإِنسان: المراد به الجنس ، أو الكافر .. وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا(١) . والتعبير بقوله: ﴿ خلق هلوعا﴾ يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله - مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل .. وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين . وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء . وفى الحديث الشريف، يقول - * -: ((شر ما فى الرجل: شح هالع، وجبن خالع)) وفى حديث آخر يقول - # -: ((عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)). قال الجمل: وقوله: ﴿جزوعا﴾ و﴿ منوعا﴾ فيهما ثلاثة أوجه : أحدها: أنهما منصوبان على الحال من الضمير فى ﴿ هلوعا﴾، وهو العامل فيهما. والتقدير: هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة . أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا . الثالث: أنهما نعتان لقوله: ((هلوعا))(٢). ثم وصف - سبحانه - من استثناهم من الإِنسان الهلوع ، بجملة من الصفات الكريمة ، ﴾ . فقال: ﴿إلا المصلين . الذين هم على صلاتهم دائمون أى : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء ، وعلى المنع عند السراء .. إلا المصلين منهم ، الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة ، دون أن يشغلهم عن أدائها : عسر أو يسر ، أو غنى أو فقر، أو إقامة أو سفر . فهم ممن قال - سبحانه - فى شأنهم: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ . وقال - سبحانه -: ﴿ على صلاتهم دائمون﴾ للإشارة إلى أنهم لا يشغلهم عنها شاغل ، إذ الدوام على الشىء عدم تركه . وفى إضافة ((الصلاة)) إلى ضمير ((المصلين)) تنويه بشأنهم ، وإشعار باختصاصها بهم، إذ هم أصحابها الملازمون لها . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٦١ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٠٦.