Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة القلم
والنبذ: الطرح والترك للشىء، والعراء : الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره .
والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته ، وبقبول توبته .. لطرح من بطن
الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران .. وهو مذموم ، أى : وهو ملوم ومؤاخذ
منا على ما حدث منه ..
ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت ، لتداركه برحمتنا ، حيث قبلنا توبته ، وغسلنا
حوبته ، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا ..
فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه
السلام - ، وبيان أن رحمته - تعالى - به ، ونعمته عليه ، قد حالت بينه وبين أن يكون
مذموما على ما صدر منه ، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه ..
قال الجمل ما ملخصه: قوله: ﴿وهو مذموم﴾ أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من
مرفوع ((نَبِذْ))، وهى محط الامتناع المفاد بلولا ، فهى المنفية لا النبذ بالعراء ..
أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم ..
فلولا - هنا - ، حرف امتناع لوجود ، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه .. (١).
وقوله : ﴿ فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ﴾ تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى
أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام - ، وهو معطوف على مقدر .
أى : فتداركته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه ،
وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس ، وقبل توبته ، فجعله من عباده الكاملين فى
الصلاح والتقوى ، وفى تبليغ الرسالة عن ربه .
-٠
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى
- * - ومن حقد عليه ، فقال - تعالى - : ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم،
لما سمعوا الذكر، ويقولون إنه لمجنون . وما هو إلا ذكر للعالمين
﴾.
وقوله: ﴿ليُزْلِقونك) من الزَّلَق - بفتحتين - ، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد
يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض ، يقال : زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاڤا،
إذا نحاه وأبعده عن مكانه ، واللام فيه للابتداء .
قال الشوكانى : قرأ الجمهور: ﴿ ليزلقونك) بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله ..
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٩١ .

٦٢
المجلد الخامس عشر
وقرأ نافع وأهل المدينة ﴿لَيَزلقونك) - بفتح الياء - من زلق عن موضعه .
و﴿إن﴾ هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و((لما)) ظرفية
منصوبة بيزلقونك . أو هى حرف ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه . أى : لما سمعوا
الذكر كادوا يزلقونك ... (١).
أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك ، أو ليزلون قدمك عن موضعها ، أو ليصرعونك
بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا ، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر ،
وهو القرآن الكريم ..
: ويقولون﴾ على سبيل البغض لك (إنه لمجنون﴾ أى: إن الرسول - * - لمن
الأشخاص الذين ذهبت عقولهم ..
﴿ وما هو﴾ أى: القرآن الذى أنزلناه عليك ﴿إلا ذكر للعالمين) أى: تذكير بالله
- تعالى - وبدينه وبهداياته .. وشرف لهم وللعالمين جميعا .
وجاء قوله ﴿ يكاد﴾ بصيغة المضارع، للإشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.
وجاء قوله ﴿ سمعوا﴾ بصيغة الماضى، لوقوعه مع ﴿لما﴾، وللإشعار بأنهم قد حصل
منهم هذا القول السَّئِ ..
وجاء قوله ﴿ ليزلقونك﴾ بلام التأكيد للإشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم
عليها .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وما هو إلا ذكر للعالمين﴾ رد على أكاذيبهم ، وإبطال لأقوالهم
الزائفة، حيث وصفوه - * - بالجنون ، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية
وتذكير بالخير للناس .. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا .
ومنهم من فسر قوله - تعالى -: ﴿ ليزلقونك بأبصارهم .. ﴾ أى: ليحسدونك عن طريق
النظر الشديد بعيونهم ..
قال الإِمام ابن كثير : وقوله : ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال ابن
عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿ ليزلقونك): لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيَعِينوك بأبصارهم،
بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك ، لولا وقاية اللّه لك، وحمايتك منهم .
وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل - ، كما وردت
بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة .
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٢٧٧ للشوكانى.
٢٠٠

٦٣
سورة القلم
ثم ساق - رحمه الله - جملة من الاحاديث فى هذا المعنى ، منها ما رواه أبو داود فى سننه ،
عن أنس أن رسول الله -* - قال: ((لا رقية إلا من عين أو حُّه - أى: سم - ، أودم.
لا يرقأ )».
وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله -* - قال: («العين
حق ، ولو كان شىء سابق القدر سَبَقَتْ العين)).
وعن ابن عباس - أيضا - قال: كان رسول الله - * - يعوذ الحسن والحسين فيقول:
((أعيذ كما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل - ، ومن
كل عين لامّة )).
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله -# - قال: ((العين حق حتى لتورد الرجل
القبر ، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين(١)) ..
وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة (( ن))، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم ..
کتبه الراجی عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
د . محمد سيد طنطاوى
صباح السبت ١٢ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ
والموافق ١٩٨٦/٧/١٩ م
-
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٢٦ وما بعدها.

.

٦٥
سورة الحاقة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الحاقة
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الحاقة)) من السور المكية الخالصة، وكان نزولها بعد سورة ((الملك)) وقبل
سورة ((المعارج))، وعدد آياتها إحدى وخمسون آية ، وعند بعضهم اثنتان وخمسون آية .
قال الآلوسى: ((ويدل على مكيتها ما أخرجه الإِمام أحمد عن عمر بن الخطاب قال :
((خرجت أتعرض لرسول الله - * - قبل أن أسلم ، فوجدته قد سبقنى إلى المسجد ،
فوقفت خلفه ، فاستفتح بسورة ( الحاقة ) ، فجعلت أعجب من تأليف القرآن ، فقلت - أى
فى نفسى -: هذا والله شاعر، فقرأ ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ فقلت:
كاهن ، فقرأ ﴿وما هو بقول كاهن قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين) إلى آخر
السورة . فوقع الإِسلام فى قلبى كل موقع))(١) .
وعلى هذا الحديث يكون نزولها فى السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة لأن إسلام عمر -
رضى الله عنه - كان - تقريبا - فى ذلك الوقت .
٢ - والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن مصارع المكذبين ،
وعن أحوال أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، وعن إقامة الأدلة المتعددة على أن هذا القرآن
من عند الله - تعالى - وعلى أن الرسول - * - صادق فيما يبلغه عن ربه - عز
وجل - .
وتمتاز هذه السورة بقصر آياتها ، وبرهبة وقعها على النفوس ، إذ كل قارىء لها بتدبر
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٣٨.

٦٦
المجلد الخامس عشر
وتفكر ، يحس عند قراءتها بالهول القاصم ، وبالجد الصارم ، ويبيان أن هذا الدين حق
لا يشوبه باطل. وأن ما أخبر به الرسول - * - صدق لا يحوم حوله كذب .
نرى ذلك كله فى اسمها ، وفى حديثها عن مصارع الغابرين ، وعن مشاهد يوم القيامة التى
يشيب لها الولدان .
نسأل الله تعالى - أن يرحمنا جميعا برحمته .
الراجي عفو ربه
د / محمد سيد طنطاوى

٦٧
سورة الحاقة
التفسير
افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
اَلْمَاقَّةُ ن مَا الْحَاقَّةُ نْ، وَمَا أَذْرَتِكَ مَا الْحَاقَّةُ نْ كَذَّبَتْ ثَمُودُ
وَعَادٌّبِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاعِيَةِ ﴾ وَأَمَّا
عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصٍَ عَاتِيَةٍ آ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ
سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَاصَرْعَى
كَّهُمْ أَعْجَازُ فَخْلٍ خَاوِيَةٍ ، فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنَ بَاقِيَةٍ
٨
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ, وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ أْ فَعَصَوْرَسُولَ
رَيِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةَ رَّبِيَةً ﴿ إِنَّالَمَّا طَفَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
١٢
و
١٠ الِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةُ وَتَعِيَهَا أُذَنْ وَعِيَة
وكلمة ((الحاقة)) مأخوذة من حق الشىء إذا ثبت وجوده ثبوتا لا يحتمل الشك .. وهى من
أسماء الساعة ، وسميت الساعة بهذا الإِسم لأن الأمور تثبت فيها وتَحِق ، خلافا لما كان يزعمه
الكافرون من أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء .
١
والهاء فيها يصح أن تكون هاء التأنيث، فيكون لفظ ((الحاقة)) صفة لموصوف محذوف ،.
أى : الساعة الحاقة .
ويصح أن تكون هاء مصدر ، بزنة فاعلة ، مثل الكاذبة للكذب والباقية للبقاء ، والطاغية
للطغيان.

٦٨
المجلد الخامس عشر
وأصلها تاء المرة، ولكنها لما أريد بها المصدر، قطع النظر عن المرة، وصار لفظ ((الحاقة))
بمعنى الحق الثابت الوقوع .
ولفظ ((الحاقة)) مبتدأ، و((ما)) مبتدأ ثان، ولفظ الحاقة الثانى، خبر المبتدأ الثانى،
والجملة من المبتدأ الثانى وخبره ، خبر المبتدأ الأول .
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿ الحاقة . ما الحاقة) يريد القيامة،
سميت بذلك : لأن الأمور تَحُق فيها .
وقيل سميت بذلك ، لأنها تكون من غير شك . أو لأنها أحقت لأقوام الجنة ، ولأقوام
النار ، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله، أو لأنها تَحُقُ كل مُحَاق فى دين الله
بالباطل . أى: تبطل حجة كل مخاصم فى دين الله بالباطل - يقال: حاقَقْتُهُ فحققته فأنا
أُحِقُّه، إذا غالبتُهُ فغلبته .. والتّحاق التخاصم، والاحتقاق: الاختصام .. (١) .
و «ما)» فى قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة) اسم استفهام المقصود به هنا التهويل.
والتعظيم ، وهى مبتدأ . وخبرها جملة ﴿ أدراك ما الحاقة) وما الثانية وخبرها فى محل نصب
سادة مسد المفعول الثانى لقوله ﴿أدراك ) لأن أدرى يتعدى لمفعولين، الأول بنفسه والثانى
بالباء ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾(٢).
وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من التهويل من شأن
الساعة ، ومن التعظيم لأمرها ، فكأنه - تعالى - يقول : يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه
الكافرون ، والذى تَحِق فيه الأمور وتثبت . أتدرى أى شىء عظيم هو ؟ وكيف تدرى أيها
المخاطب ؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم ، ولا بزمان وقوعه ؟
وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم ، فإن أهواله فوق ما تتصور، وكيفما
قدرت لشدائده : فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت .
ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ ((الحاقة)) الذى قصد به
ترويع المشركين ، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق .
كما أن تكرار لفظ ((ما)) ثلاث مرات ، مستعمل - أيضا - فى التهويل والتعظيم ، كما أن
إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ، بأن قال ﴿ ما الحاقة ) ولم يقل ما هى،
يدل أيضا على التهويل . لأن الإظهار فى مقام الإضمار يقصد به ذلك، ونظيره
١
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٥٧ .
(٢) سورة يونس الآية ١٦ .

٦٩
سورة الحاقة
قوله - تعالى -: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ ﴿وأصحاب الشمال
ما أصحاب الشمال ﴾ .
والخطاب فى الآيات الكريمة ، لكل من يصلح له ، لأن المقصود تنبيه الناس إلى أن الساعة
حق . وأن الحساب والجزاء فيها حق ، لكى يستعدوا لها بالإِيمان والعمل الصالح .
قال بعض العلماء ما ملخصه: واستعمال (( ما أدراك)) غير استعمال (( ما يدريك)) .. فقد
روى عن ابن عباس أنه قال: كل شىء من القرآن من قوله ﴿ ما أدراك ﴾ فقد أدراه ،
وكل شىء من قوله : ﴿ وما يدريك ﴾ فقد طوى عنه.
فإن صح هذا عنه فمراده أن مفعول (( ما أدراك)) محقق الوقوع ، لأن الاستفهام فيه
للتهويل وأن مفعول ((مايدريك)) غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للإنكار ، وهو فى معنى
نفى الدراية .
قال - تعالى -: ﴿ وما أدراك ماهيه. نار حامية﴾ وقال - سبحانه - ﴿وما يدريك
لعل الساعة قريب ﴾(١).
ثم فصل - سبحانه - أحوال بعض الذين كذبوا بالساعة ، وبين ما ترتب على تكذيبهم
من عذاب أليم فقال : ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة . فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية . وأما عاد
فأهلكوا بريح صرصر عاتية ﴾ .
وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - ، سموا بذلك باسم جدهم ثمود . وقيل سموا
بذلك لقلة المياه التى كانت فى مساكنهم، لأن الثمد هو الماء القليل .
وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام . وما زالت أماكنهم معروفة باسم قرى صالح وتقع بين
المملكة الأردنية الهاشمية ، والمملكة العربية السعودية .
وقد ذكرت قصتهم فى سور : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والنمل ، والقمر ... إلخ .
وأما عاد فهم قبيلة عاد ، وسموا بذلك نسبة إلى جدهم الذى كان يسمى بهذا الاسم ،
وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حِقف وهو الرمل الكثير المائل ... وينتهى
نسب عاد وثمود إلى نوح - عليه السلام - .
والقارعة : اسم فاعل من قرعه ، إذا ضربه ضربا شديدا ، ومنه قوارع الدهر ، أى :
شدائده وأهواله، ويقال: قرع فلان البعير، إذا ضربه ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا .
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٩ ص ١١٤ للشيخ ابن عاشور.

٧٠
المجلد الخامس عشر
ولفظ القارعة ، من أسماء يوم القيامة ، وسمى يوم القيامة بذلك ، لأنه يقرع القلوب
ويزجرها لشدة أهواله : وهو صفة الموصوف محذوف ، أى : بالساعة القارعة .
والطاغية من الطغيان وهو تجاوز الحد ، والمراد بها هنا الصاعقة أو الصيحة التى أهلكت قوم
ثمود، كما قال - تعالى -: ﴿ وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم
جائمين ﴾ (١) .
ولفظ الطاغية - أيضا - صفة لموصوف محذوف .
والريح الصرصر العاتية : هى الريح الشديدة التى يكون لها صوت كالصرير ، كما
قال - تعالى -: ﴿ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى أيام نحسات ﴾(٢).
والعاتية من العتو بمعنى الشدة والقوة وتجاوز الحد .
أى : كذبت قبيلة ثمود ، وقبيلة عاد ، بالقيامة التى تقرع القلوب ، وتزلزل النفوس ، فأما
قبيلة ((ثمود)) فأهلكوا ، بالصيحة أو بالصاعقة ، أو بالرجفة ، التى تجاوزت الحد فى الشدة
والهول والطغيان .
وأما قبيلة عاد ، فأهلكت بالريح الشديدة ، التى لها صوت عظيم ، والتى تجاوزت كل حد
فی قوتها .
وابتدأ - سبحانه - بذكر ما أصاب هاتين القبيلتين ، لأنهما أكثر القبائل المكذبة معرفة
لمشركى قريش ، لأنهما من القبائل العربية ، ومساكنهما كانت فى شمال وجنوب الجزيرة
العربية .
ثم بين - سبحانه - كيفية نزول العذاب بهم فقال: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال ، وثمانية
أيام حسوما ﴾ .
" والتسخير : التذليل عن طريق القهر والأمر الذى لا يمكن مخالفته .
وحسوما : من الحَسْم بمعنى التتابع ، من حسمت الدابة ، إذا تابعت كيها على الداء مرة بعد
مرة حتى ينحسم .. أو من الحسم بمعنى القطع ، ومنه سمى السيف حساما لأنه يقطع الرءوس ،
وينهى الحياة .
قال صاحب الكشاف: ((والحسوم)»: لا يخلو من أن يكون جمع حاسم، كشهود وقعود . أو
(١) سورة هود الآية ٦٧ .
(٢) سورة فصلت الآية ١٦ .

٧١
سورة الحاقة
مصدرا كالشكور والكفور ، فإن كان جمعا فمعنى قوله ﴿ حسوما ﴾ : نحسات حسمت كل
خير ، واستأصلت كل بركة . أو : متتابعة هبوب الرياح ، ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم ،
تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم فى إعادة الكى على الداء ، كرة بعد كرة حتى ينحسم .
وإن كان مصدراً، فإما أن ينتصب بفعله مضمراً، أى: تحسم حسوما ، بمعنى تستأصل
استئصالا . أو يكون صفة كقولك: ذات حسوم .. (١).
أى : أرسل الله - تعالى - على هؤلاء المجرمين الريح التى لا يمكنها التخلف عن أمره ،
فبقيت تستأصل شأفتهم ، وتخمد أنفاسهم ... ﴿ سبع ليال وثمانية أيام حسوما ﴾ أى: متتابعة
ومتوالية حتى قطعت دابرهم ، ودمرتهم تدميرا .
وقوله: ﴿ حسوما ﴾ يصح أن يكون نعتا لسبع ليال وثمانية أيام، ويصح أن يكون منصوبا
على المصدرية بفعل من لفظه ، أى : تحسمهم حسوما .
ثم صور - سبحانه - هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال: ﴿ فترى القوم فيها صرعى كأنهم
أعجاز نخل خاوية ﴾ .
والخطاب فى قوله ﴿ فترى .. ﴾ لغير معين. والفاء للتفريع على ما تقدم والضمير فى قوله
: فيها ﴾ يعود إلى الأيام والليالى. أو إلى مساكنهم.
وقوله: ﴿صرعى﴾ أى: هلكى، جمع صريع كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى.
والأعجاز جمع عَجُز، والمراد بها هنا جذوع النخل التى قطعت رءوسها .
وخاوية ، أى : ساقطة ، مأخوذ من خوى النجم ، إذا سقط للغروب أو من خوى المكان
إذا خلا من أهله وسكانه، وصار قاعا صفصفا. بعد أن كان ممتلئا بُعُمَّارِه .
أى : أرسل الله - تعالى - على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال وثمانية أيام ،
فدمرتهم تدميرا ، وصار الرائى ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا على الأرض هلكى ، كأنهم فى
ضخامة أجسادهم ... جذوع نخل ساقطة على الأرض ، وقد انفصلت رءوسها عنها .
وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿ فترى القوم ... ﴾ لاستحضار صورتهم فى الأذهان ، حتى
يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم ، وبما حل بهم .
والتشبيه بقوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل خاوية ﴾ المقصود منه تشنيع صورتهم ، والتنفير من
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٩٨ .
..

٧٢
المجلد الخامس عشر
مصيرهم السَّيِّئِّ ، لأن من كان هذا مصيره ، كان جديرا بأن يتحامى ، وأن تجتنب أفعاله التى
أدت به إلى هذه العاقبة المهينة .
والاستفهام فى قوله : ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ للنفى، والخطاب - أيضا - لكل من
يصلح له ، وقوله ﴿ باقية ﴾ صفة لموصوف محذوف .. أى: فهل ترى لهم من فرقة أو نفس
باقية .
ثم بين - سبحانه - النهاية السيئة لأقوام آخرين فقال: ﴿وجاء فرعون ومن قبله
والمؤتفكات بالخاطئة . فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ﴾ .
وفرعون : هو الذى قال لقومه - من بين ما قال - أنا ربكم الأعلى ... وقد أرسل
الله - تعالى - إليه نبيه موسى - عليه السلام - ولكنه أعرض عن دعوته .. وكانت نهايته
الغرق .
والمراد بمن قبله : الأقوام الذين سبقوه فى الكفر ، كقوم نوح وإبراهيم - عليهما
السلام - .
والمراد بالمؤتفكات : قرى قوم لوط - عليه السلام - التى اقتلعها جبريل - عليه
السلام - ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها ، مأخوذ من ائتفك الشىء إذا انقلب رأساً على
عقب .
قال - تعالى - ﴿ فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود﴾(١).
والمراد بالمؤتفكات هنا : سكانها وهم قوم لوط الذين أتوا بفاحشة ما سبقهم إليها أحد من
العالمين .
وخصوا بالذكر ، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها ... ولمرور أهل مكة على قراهم وهم
فى طريقهم إلى الشام للتجارة ، كما قال - تعالى -: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين.
﴾ (٢).
وبالليل أفلا تعقلون
أى : وبعد أن أهلكنا أقوام عاد وثمود .. جاء فرعون، وجاء أقوام آخرون قبله ، وجاء
قوم لوط ، وكانوا جميعا كافرين برسلنا ، ومعرضين عن دعوة الحق ومرتكبين للفعلات
الخاطئة ، والفواحش المنكرة .
ومن مظاهر ذلك أنهم ﴿ عصوا رسول ربهم﴾ أى: كل أمة من أمم الكفر تلك ، عصت
(١) سورة هود الآية ٨٢ ..
(٢) سورة الصافات: الآيتان ١٣٧ - ١٣٨.

٧٣
سورة الحاقة
رسولها حين أمرها بالمعروف ، ونهاها عن المنكر .
فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصى والفواحش .. أن أخذهم الله - تعالى -
أخذة رابية ﴾ أى : أخذة زائدة فى الشدة - لزيادة قبائحهم - على الأخذات التى أخذ بها
غيرهم .
فقوله: ﴿ رابية﴾ مأخوذ من ربا الشىء إذا زاد وتضاعف.
وقال - سبحانه - ﴿ فعصوا رسول ربهم﴾ ولم يقل رسولهم ، للإشعار بأنهم لم يكتفوا
بمعصية الرسول الذى هو بشر مثلهم ، وإنما تجاوزوا ذلك إلى الاستخفاف بما جاءهم به من عند
ربهم وخالقهم وموجدهم .
والتعبير بالأخذ ، للإشعار بسرعة الإِهلاك وشدته ، فإذا وصف هذا الأخذ بالزيادة عن
المألوف ، كان المقصود به الزيادة فى الاعتبار والاتعاظ لأن هؤلاء جميعا قد
أهلكهم - سبحانه - هلاك الاستئصال ، الذى لم يبق منهم باقية .
ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانبا من مننه ونعمه
على المخاطبين ، فقال: ﴿ إنا لما طغى الماء حملناكم فى الجارية . لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن
واعية ﴾ .
وقوله : ﴿طغى﴾ من الطغيان وهو مجاوزة الحد فى كل شىء، والجارية صفة لموصوف
محذوف .
أى : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا ، ما جرى للكافرين من قوم نوح - عليه
السلام - فإنهمٍ حين أصروا على كفرهم ، أغرقناهم بالطوفان ، وحين علا الماء واشتد فى
ارتفاعه اشتداداً خارقاً للعادة .. حملنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة
الجارية ، التى صنعها نوح بأمرنا . وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - فى تلك السفينة إلى أن
انتهى الطوفان .
وقد فعلنا ذلك ﴿ لنجعلها لكم تذكرة﴾ أى: لنجعل لكم هذه النعمة وهى إنجاؤكم
وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله - تعالى - عليكم .
وهذه النعمة والمنة ﴿ تعيها﴾ وتحفظها ﴿أذن واعية). أى: أذن من شأنها أن تحفظ
ما يجب حفظه ، وتعى ما يجب وعيه .
فقوله: ﴿ واعية﴾ من الوعى بمعنى الحفظ للشىء فى القلب. يقال: وعى فلان الشىء
يعيه إذا حفظه أكمل حفظ .

٧٤
المجلد الخامس عشر
وقال - سبحانه - ﴿ حملناكم فى الجارية﴾ مع أن الحمل كان للآباء الذين آمنوا
بنوح - عليه السلام - لأن فى نجاة الآباء ، نجاة للأبناء ، ولأنه لو هلك الآباء لما وجد
الأبناء .
قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ حملناكم﴾ أى: حملنا آباءكم، فى الجارية ، أى: فى
السفينة الجارية ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ،
وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم سبب ولادتهم .
لنجعلها ﴾ الضمير للفعلة: وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ﴿ تذكرة﴾ عبرة
وعظة. ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها أن تعى وتحفظ مايجب حفظه ووعيه ، ولا تضيعه
بترك العمل .
فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير ؟ قلت : للإِيذان بأن الوعاة فيهم
قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن
اللّه، فهى السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم، وإن ملأوا الخافقين .. (١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ أسلوب ،
وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل فى القلوب .
ثم أخذت السورة فى تفصيل أهوال يوم القيامة ، وفى بيان ما تكون عليه الأرض والسماء فى .
هذا اليوم ، وفى بيان ما أعده - سبحانه - لمن أوتى كتابه بيمينه فى هذا اليوم ،
فقال - تعالى - :
فَإِذَا ◌ُفِخَ فِ الصُّورِ
نَفْخَةُ وَحِدَةٌ ﴿ وَجُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُ كَّنَا دَّكَّةً وَحِدَةً
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنشَقَتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ
﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا وَيَحْلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ تَنِيَةٌ
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٠٠.
١٧

٧٥
سورة الحاقة
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْخَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِى
كِتَهُ بِسَمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُآقْرَهُ وَأْكِتَبِيَهْ(٦) إِّ ◌َنَنْتُ أَنّ مُلَقٍ
حِسَابِيَّة ◌ِ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ، فِ جَنَّةٍ عَالِيَتِ
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ®) كُلُوا وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ
الْخَالِيَةِ
٢٤
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فإذا نفخ فى الصور .. ﴾ للتفريع ، أى : لتفريع ما بعدها
على ما قبلها ، وهو الحديث عن أهوال يوم القيامة .
والصور : هو البوق الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - .
قال الآلوسى : قوله : ﴿ فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة ﴾ شروع فى بيان نفس الحاقة ،
وكيفية وقوعها ، إثر بيان عظم شأنها ، بإهلاك مكذبيها .
والمراد بالنفخة الواحدة : النفخة الأولى ، التى عندها يكون خراب العالم . وقيل هى
النفخة الثانية . والأول أولى ، لأنه هو المناسب لما بعده(١) .
وجواب الشرط قوله : ﴿فيومئذ وقعت الواقعة﴾. أو قوله: ﴿ يومئذ تعرضون
لا تخفى منكم خافية ﴾ .
أى : فإذا نفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا . وقعت الواقعة التى لا مفر من وقوعها ، لكى
يحاسب الناس على أعمالهم .
ووصفت النفخة بأنها واحدة ، للتأكيد على أنها نفخة واحدة وليست أكثر ، وللتنبيه على أن
هذه النفخة - مع أنها واحدة - تتأثر بها السموات والأرض والجبال ، وهذا دليل على وحدانية
الله - تعالى - وقدرته .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ﴾ بيان لما ترتب على
تلك النفخة الهائلة من آثار .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٥٩ ص ٤٣.

٧٦
المجلد الخامس عشر
والمراد بحمل الأرض والجبال : إزالتهما من أماكنها ، وتفريق أجزائها .
والدك : هو الدق الشديد الذى يترتب عليه التكسير والتفتيت للشىء .
أى : عندما ينفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا نفخة واحدة ، وعندما تزال الأرض والجبال
عن أماكنها ، وتتفتت أجزاؤهما تفتتا شديدا .
فيومئذ ﴿وقعت الواقعة ﴾ أى: ففى هذا الوقت تقع الواقعة التى لا مرد لوقوعها،
والواقعة من أسماء يوم القيامة . كالحاقة ، والقارعة .
ثم بين - سبحانه - ما تكون عليه السماء فى هذا اليوم فقال: ﴿وانشقت السماء فهى
يومئذ واهية
﴾ .
والانشقاق : الانفطار والتصدع . ومعنى : ﴿واهية ﴾ ضعيفة متراخية.
يقال: وهَى البناء يَهِى وَهْياً فهو واهٍ ، إذا كان ضعيفا جدا ، ومتوقعا سقوطه .
أى : وفى هذا الوقت - أيضا - الذى يتم فيه النفخ فى الصور بأمرنا تتصدع السماء
وتتفطر ، وتصير فى أشد درجات الضعف والاسترخاء ، والتفرق .
وقيد - سبحانه - هذا الضعف بهذا الوقت ، للإشارة إلى أنه ضعف طارىء ، قد حدث
بسبب النفخ فى الصور، أما قبل ذلك فكانت فى نهاية الإِحكام والقوة .
وهذا كله للتهويل من شأن هذه النفخة ، ومن شأن المقدمات التى تتقدم قيام الساعة ، حتى
يستعد الناس لها بالإِيمان والعمل الصالح .
والمراد بالملك فى قوله - تعالى -: ﴿والملك على أرجائها ﴾ جنس الملك ، فيشمل عدد
مبهم من الملائكة .. أو جميع الملائكة إذا أردنا بأل معنى الاستغراق .
والأرجاء : الأطراف والجوانب ، جمع رَجًا بالقصر ، وألفه منقلبة عن واو ، مثل : قفا
وقفوان .
أى : والملائكة فى ذلك الوقت يكونون على أرجاء السماء وجوانبها ، ينفذون أمر
الله - تعالى - ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ أى: والملائكة واقفون على
أطراف السماء ، ونواحيها . ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة فى هذا اليوم ، ثمانية منهم ،
أو ثمانية من صفوفهم التى لا يعلم عددها إلا الله - تعالى - .
وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فنحن نؤمن بأن الله - عز وجل -
عرشا، إلا أننا نفوض معرفة هيئته وكنهه .. إلى الله - تعالى - .

٧٧
سورة الحاقة
قال الألوسى ما ملخصه : قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ أى: والجنس المتعارف
بالملك ، وهم الملائكة .. على جوانب السماء التى لم تتشقق .
﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم ﴾ أى : فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء المدلول عليهم
بالملك ، وقيل : فوق العالم كلهم .
يومئذ ثمانية) أى: من الملائكة، أو ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم إلا
الله - تعالى -(١).
هذا ، وقد وردت فى صفة هؤلاء الملائكة الثمانية ، أحاديث ضعيفة لذا ضربنا صفحا عن
ذكرها .
ثم بين - سبحانه - ما يجرى على الناس فى هذا اليوم فقال : ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى
منكم خافية ﴾ .
والعرض أصله : إظهار الشىء لمن يريد التأمل فيه ، أو الحصول عليه ، ومنه عرض البائع
سلعته على المشترى .
وهو هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة .
أى : فى هذا اليوم تعرضون للحساب والجزاء ، لا تخفى منكم خافية ، أى تعرضون
للحساب ، دون أن يخفى منكم أحد على الله - تعالى - أو دون أن تخفى منكم نفس واحدة
على خالقها - عز وجل - .
قال الجمل: وقوله: ﴿يومئذ تعرضون﴾ أى: تسألون وتحاسبون، وعبر عنه بذلك
تشبيها له بعرض السلطان العسكر والجند ، لينظر فى أمرهم فيختار منهم المصلح للتقريب
والإِكرام ، والمفسد للإِبعاد والتعذيب (٢).
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه .. ﴾ لتفصيل ما يترتب على
العرض والحساب من جزاء .
والمراد بكتابه : ما سجلته الملائكة عليه من أعمال فى الدنيا ، والمراد بيمينه : يده اليمنى ،
لأن من يعطى كتابه بيده اليمنى ، يكون هذا الإِعطاء دليلا على فوزه ونجاته من العذاب .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٤٥ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٩٧ .

٧٨
المجلد الخامس عشر
والعرب يذكرون التناول باليمين ، على أنه كناية عن الاهتمام بالشىء المأخوذ ، وعن
الاعتزاز به ، ومنه قول الشاعر :
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
وجملة ﴿ فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه) جواب ((أما)) - ولفظ ((هاؤم)) هنا:
اسم فعل أمر. بمعنى: خذوا، والهاء فى قوله ((كتابيه وحسابية)) وما مائلهما للسكت ،
والأصل كتابى وحسابى فأدخلت عليهما هاء السكت لكى تظهر فتحة الياء .
والمعنى فى هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء ، ويؤتى كل فرد كتاب أعماله ،
فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه ، على سبيل التبشير والتكريم ، ﴿فيقول ﴾ على سبيل
البهجة والسرور لكل من يهمه أن يقول له : ﴿ هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ أى: هذا هو كتابى
فخذوه واقرءوه فإنكم ستجدونه مشتملا على الإِكرام لى ، وتبشيرى بالفوز الذى هو نهاية
آمالى ، ومحط رجائى .
﴿ إنى ظننت ﴾ أى: تيقنت وعلمت ﴿أنى ملاق حسابيه﴾ أى: إنى علمت أن يوم
القيامة حق ، وتيقنت أن الحساب والجزاء صدق ، فأعددت للأمر عدته عن طريق الإِيمان
الكامل ، والعمل الصالح .
قال الضحاك : كل ظن فى القرآن من المؤمن فهو يقين ، ومن الكافر فهو شك .
وهذه الجملة الكريمة بمنزلة التعليل للبهجة والمسرة التى دل عليها قوله - تعالى - ﴿ هاؤم
اقرءوا كتابيه ﴾ .
: فهو﴾ أى: هذا المؤمن الفائز برضا الله - تعالى - ﴿ فى عيشة راضية ) أى: فى
حياة ذات رضا ، أى : ثابت ودائم لها الرضا . فهى صيغة نسب ، كلابن وتامر لصاحب اللبن
والتمر .
أو فهو فى عيشة مرضية يرضى بها صاحبها ولا يبغضها ، فهى فاعل بمعنى مفعول ، على حد
قولهم : ماء دافق بمعنى مدفوق .
وفى هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن هذه الحياة التى يحياها المؤمن فى الجنة ، فى أسمى
درجات الجبور والسرور ، حتى لكأنه لو كان للمعيشة عقل ، لرضيت لنفسها بحالتها ،
ولفرحت بها فرحا عظيما .
﴿ فى جنة عالية ﴾ أى: هذا الذى أوتى كتابه بيمينه، يكون - أيضا - فى جنة مرتفعة
على غيرها ، وهذا لون من مزاياها .

٧٩
سورة الحاقة
قطوفها دانية ﴾ أى : ثمارها قريبة التناول لهذا المؤمن ، يقطفها كلما أرادها بدون
تعب . فالقطوف جمع قِطْف بمعنى مقطوف ، وهو ما يجتنيه الجانى من الثمار ، و ﴿ دانية ﴾ اسم
فاعل ، من الدنو بمعنى القرب . وجملة ﴿ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية ﴾
مقول القول محذوف .
أى : يقال لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم كلوا أكلا طيبا ، واشربوا
هنيئًا مريئًا بسبب ما قدمتموه فى دنياكم من إيمان بالله - تعالى - ومن عمل صالح خالص
لوجهه - تعالى - .
قال الإِمام ابن كثير : أى : يقال لهم ذلك ، تفضلا عليهم ، وامتنانا وإنعاما وإحسانا ،
وإلا فقد ثبت فى الصحيح، عن رسول الله -* - أنه قال: ((اعملوا وسددوا وقاربوا ،
. واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة . قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :
ولا أنا ، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل))(١).
وكعادة القرآن الكريم ، فى بيان سوء عاقبة الأشرار ، بعد بيان حسن عاقبة الأخيار ،
أو العكس ، جاء الحديث عمن أوتى كتابه بشماله ، بعد الحديث عمن أوتي كتابه بيمينه ،
فقال - تعالى - :
وَمَا مَنْ أُوْقِ كِتَبَهُ بِشِمَالِهِ فَقُولُ يَلَتْنَنِى ◌َأُوتَ كِنَِيَةْ
﴿ وَلَوْأَدْرٍ مَ حِسَابِيَهْ () وَلَيَّتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ) مَآ أَغْنَى
عَنِى مَالِيَةٌ ﴿ هَلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَة ٦ خُذُوهُ فَقُلُوهُ الْ اَلْبَحِيمَ
صَلُّوهُ ◌َ ثُمَّفِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاءَافَاسْلُكُوهُ () إِنَّهُ,
٣٤
وَلَا يَحْضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
٣٣
كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
فَلَسَ لَهُالْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ رَ وَلَا طَعَمْ إِلَّمِنْ غِسْلِينِ ◌َ لَّ يَأْكُلُهُ:
إِلَّا الْخَطِّئُونَ
٣٧
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٤٢ .

٨٠
المجلد الخامس عشر
أى: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله ﴾ أى: من الجهة التى يعلم أن الإِتيان منها يؤدى إلى
هلاكه وعذابه .
فيقول ﴾ على سبيل التحسر والتفجع ﴿يا ليتنى لم أوت كتابيه﴾ أى: فيقول ياليتنى
لم أعط هذا الكتاب ، لأن إعطائى إياه بشمالى دليل على عذابى وعقابى .
ولم أدر ما حسابيه ﴾ أى: وياليتنى لم أعرف شيئا عن حسابى، فإن هذه المعرفة التى لم
أحسن الاستعداد لها ، أوصلتنى إلى العذاب المبين .
ياليتها كانت القاضية ﴾ أى: وياليت الموتة التى متها فى الدنيا، كانت هى الموتة
النهائية التى لا حياة لى بعدها .
فالضمير للموتة التى ماتها فى الدنيا ، وإن كان لم يجر لها ذكر ، إلا أنها عرفت من المقام .
والمراد بالقاضية : القاطعة لأمره ، التى لا بعث بعدها ولا حساب .. لأن ما وجده بعدها
أشد مما وجده بعد حلوله بها .
قال قتادة : تمنى الموت ولم يكن عنده فى الدنيا شىء أكره منه . وشر من الموت ما يطلب
منه الموت .
ثم أخذ هذا الذى أوتى كتابه بشماله يتحسر على تفريطه وغروره ، ويحكى القرآن ذلك
فيقول: ﴿ ما أغنى عني ماليه﴾ أى: هذه الأموال التى كنت أملكها فى الدنيا ، وأتفاخر
بها . لم تغن عنى شيئاً من عذاب الله، ولم تنفعنى ولو منفعة قليلة .
فما نافية ، والمفعول محذوف للتعميم ، ويجوز أن تكون استفهامية والمقصود بها التوبيخ .
أى : أى شىء أغنى عنى مالى؟ إنه لم يغن عنى شيئاً .
هلك عنى سلطانيه ﴾ أى: ذهب عنى ، وغاب عنى فى هذا اليوم ما كنت أتمتع به فى
الدنيا من جاه وسلطان ، ولم يحضرنى شىء منه ، كما أن حججى وأقوالی التی کنت أخاصم بها
المؤمنين . قد ذهبت أدراج الرياح .
وعدى الفعل (( هلك)» بعن ، لتضمنه معنى غاب وذهب .
وخلال هذا التفجع والتحسر الطويل ... يأتى أمر الله - تعالى - الذى لا يرد ،
فيقول - سبحانه - للزبانية المكلفين بإنزال العذاب بالكافرين: ﴿ خذوه فغلوه ﴾ أى :
خذوا هذا الكافر ، فاجمعوا يديه إلى عنقه .
فقوله : ﴿ خذوه ﴾ معمول لقول محذوف . وهو جواب عن سؤال نشأ مما سبق من
الكلام . فكأنه قيل : وماذا يفعل به بعد هذا التحسر والتفجع . فكان الجواب : أمر
١
١