Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة الحديد بهم ، وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا ، وقيل المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السياق واللحاق مع استحالة الحقيقة . وقد أول السلف هذه الآية بذلك ، أخرج البيهقى فى الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال فيها : عالم بكم أينما كنتم . وأخرج - أيضا - عن سفيان الثورى أنه سئل عنها فقال : علمه معكم . وفى البحر : أنه اجمعت الأمة على هذا التأويل فيها ، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات (١) . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿والله بما تعملون بصير﴾ أى: والله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أقوالكم أو أفعالكم .. بل هو مطلع عليكم اطلاعا تاما . ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ أى : له - سبحانه - التصرف الكلى فى السموات والأرض . وفيما فيهما من موجودات ، من حيث الإِيجاد والإِعدام وسائر التصرفات . وإلى الله ترجع الأمور﴾ أى: وإلى الله - تعالى - وحده لا إلى غيره ، مرد الأمور كلها ، والحكم عليها ، والتصرف فيها .. وليس إلى أحد غيره لا على سبيل الاستقلال ، ولا على سبيل الاشتراك . ﴿ يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ﴾ أى: يدخل - سبحانه - طائفة من الليل فى النهار ، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة من النهار فى الليل ، فيقصر النهار ، ويزيد الليل ، ثم يسيران على هذا النظام البديع، دون أن يسبق أحدهما الآخر . وهو عليم بذات الصدور) و((ذات)) هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب. أى : وهو - سبحانه - عليم علما تاما بمكنونات الصدور ، وما تضمره من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار . والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، يراها قد اشتملت على بضع عشرة صفة ، من صفات الله عز وجل - الدالة على وجوب إخلاص العبادة له ، والانقياد لأمره ونهيه . ( ١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٦٨ . ٢٠٢ المجلد الرابع عشر ثم - دعا - سبحانه - عباده المؤمنين إلى التمسك بهذا الإِيمان ، وإلى تنفيذ تكاليفه ، ووعدهم على ذلك بأجزل الثواب ، فقال - تعالى - : ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم ◌ُسْتَّْلَفِينَ فِيهِ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنْفَقُواْلَمْ أَتْرُكِرٌ ٧ وَمَا لَكُلَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْبِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ إِنَّكُمْ مُؤْمِنِينَ ) هُوَالَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ بَيِّنَاتٍ لَيُخْرِ حَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَ إِنَّاللَّهَ بِّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ، وَ مَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَللَّهِمِيرَتُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَلْ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ مَنْذَا ١٠ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ الَّذِى يُقْرِضُ اللَّه ◌َّضَا حَسَنَّا فَيُ ضَِفَهُ لَهُ, وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ آمنوا بالله ورسوله) إلى الناس جميعا ويدخل فيه المؤمنون دخولا أوليا ، ويكون المقصود بدعوتهم إلى الإِيمان المداومة عليه والتمسك بتعاليمه ، وتنفيذ توجيهاته .. كما قال - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذى نزل على رسوله، والكتاب الذى أنزل من قبل﴾(١). وقوله: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ بيان لما يقتضيه هذا الإِيمان. وقوله : ﴿مستخلفين﴾ اسم مفعول من الاستخلاف، بمعنى أن يخلف الإِنسان غيره ، أو أن يخلفه غيره من بعده . (١) سورة النساء الآية ١٣٦. حمـ ٢٠٣ سورة الحديد أى : آمنوا - أيها الناس - بالله - تعالى - وبرسوله - - إيمانا حقا، وإن من مقتضيات هذا الإيمان ، أن تنفقوا من أموالكم فى وجوه الخير ، فإن هذه الأموال هى عارية فى أيديكم ، فقد ورثتموها من غيركم ، وغيركم سيرثها عنكم ، وهى فى جميع الأحوال ملك الله - تعالى - وحده على الحقيقة . قال القرطبى: قوله: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ دليل على أن أصل الملك لله - سبحانه - وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذى يرضى الله فيثيبه على ذلك بالجنة ، فمن انفق منها فى حقوق الله ، وهان عليه الإنفاق منها ، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ، كان له الأجر الجزيل . وقال الحسن : مستخلفين فيه : ورثتكم إياه عمن كان قبلكم . وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم فى الحقيقة ، وما أنتم إلا بمنزلة النواب والوكلاء ، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق ، قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم(١). ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال: ﴿ فالذين آمنوا منكم ﴾ إيمانا حقا .. وأنفقوا ﴾ أموالهم فيما يرضى الله - تعالى - ﴿لهم) منه - عز وجل - ﴿أجر كبير ﴾ لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - . ثم رغبهم - سبحانه - فى الثبات على الإِيمان بالله ورسوله فقال: ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله ، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ﴾. أى: وأى مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان . ومن القيام بتكاليفه ، ومن إخلاص العبادة له - تعالى - وحده، والحال أن الرسول - 1 - بينكم صباح مساء ، يدعوكم إلى الإيمان بربكم ، وقد أخذ - سبحانه - عليكم العهود والمواثيق على هذا الإِيمان ، عن طريق ما ركب فيكم من عقول تعقل ، وعن طريق ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب . إخلاص العبادة لله الواحد القهار . قال : الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : أى : وأى شىء يمنعكم من الإِيمان ، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به . وقد روينا فى الحديث من طرق ، فى أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخارى ، أن رسول الله - ريج - قال يوما لأصحابه: ((أى المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟)) قالوا : الملائكة . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٣٨ . ٢٠٤ المجلد الرابع عشر قال: ((ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟)) قالوا: فالأنبياء قال: ((ومالهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم)) قالوا: فنحن، قال: ((فما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها)). وقوله - تعالى -: ﴿وقد أخذ ميثاقكم) كما قال - تعالى -: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به ، إذ قلتم سمعنا وأطعنا .. ﴾ ويعنى بذلك بيعة الرسول - ط - .. وزعم ابن جرير: أن المراد بذلك: الميثاق الذى أخذ عليهم فى صلب آدم(١). وجواب الشرط فى قوله - تعالى -: ﴿إن كنتم مؤمنين) محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى : إن كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب ، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول - ج - بينكم يدعوكم إلى هذا الإِيمان ويقنعكم بوجوب الاعتصام به . ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - وجد - وعليهم فقال: ﴿ هو الذى ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور . وإن الله بكم لرءوف رحيم ﴾ . والرءوف : مبالغة فى الاتصاف بالرأفة ، ومعناها : كراهية إصابة الغير بما يضره أو يؤذيه . والرحيم : مبالغة فى الاتصاف بصفة الرحمة . ومعناه : محبة إيصال الخير والنفع إلى الغير . أى: هو - سبحانه - وحده الذى ينزل على عبده ورسوله محمد - صل٤ - ﴿آيات بينات ﴾ أى: حججا واضحات، ودلائل باهرات ، لكى يخرجكم من ظلمات الكفر والجهل ، إلى نور الإيمان والعلم . وإن الله - تعالى - بكم - أيها الناس - لكثير الرأفة والرحمة ، حيث أنزل إليكم كتابه ، وأرسل إليكم رسوله - * - . وكما حضهم - سبحانه - على الثبات على الإِيمان .. حضهم أيضاً مرة أخرى على الإِنفاق فى سبيله بأبلغ أسلوب ، فقال: ﴿ومالكم ألا تنفقوا فى سبيل الله، ولله ميراث السموات والارض ٠ والاستفهام فى قوله تعالى: ﴿ومالكم ألا تنفقوا .. ﴾ للتعجيب من حال من يمسك عن الإِنفاق فى سبيل الله، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى هذا الإِنفاق . والكلام فى قوله (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٠٥. ٢٠٥ سورة الحديد - تعالى -: ﴿ولله ميراث السموات والأرض) على حذف مضاف، والجملة حال من فاعل ﴿ ألا تنفقوا ﴾، أو من مفعوله المعلوم مما تقدم. وإضافة ميراث إلى السموات والأرض ، من إضافة المصدر إلى المفعول أى : وأى سبب يحملكم على البخل وعدم الإِنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله، والحال أن الله - تعالى - ميراث أهل السموات وأهل الأرض . إنه لا عذر لكم فى الشح والإمساك بعد أن بينت لكم ما بينت من وجوب الإِنفاق فى سبيل الله . قال الآلوسى: قوله: ﴿ولله ميراث السموات والأرض﴾ أى: يرث كل شىء فيهما، ولا يبقى لأحد مال ، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيها ، لأن أخذ الظرف . يلزمه. أخذ المظروف . وجوز أن يراد : يرثهما وما فيهما ، واختير الأول ، لأنه يكفى لتوبيخهم ، إذ لا علاقة لأخذ السموات والأرض هنا .. والجملة مؤكدة للتوبيخ ، فإن ترك الإِنفاق بغير سبب قبيح منكر ، ومع تحقيق ما يوجب الإِنفاق أشد فى القبح ، وأدخل فى الإِنكار(١). ثم قال - تعالى -: ﴿ لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ . والمراد بمن أنفق من قبل الفتح وقاتل : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، الذين انفقوا الكثير من أموالهم ، قيل فتح مكة ... وقيل : المراد بالفتح : صلح الحديبية . وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الوقت ، أعظم درجة ممن فعل ذلك بعد هذا الوقت ، لأن الأيام التى سبقت الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من المصائب والخوف والجوع ونقص الثمرات .. فكان الإِنفاق والجهاد فيها أشق على النفس ، والثواب على قدر المشقة . أى : لا يستوى منكم - أيها المؤمنون - فى الفضيلة والدرجة من أنفق الكثير من ماله ، من قبل أن تفتح مكة ، وجاهد فى سبيل الله - تعالى - جهادا كبيرا ، أولئك الذين فعلوا ذلك ، أعظم درجة ومنزلة من الذين انفقوا وقاتلوا بعد أن فتحت مكة . فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات ، على حسب تفاوت الأحوال والأعمال ، وعطف - سبحانه - القتال فى قوله ﴿وقاتلوا﴾ على الإنفاق فى قوله: ﴿أنفقوا﴾ للإشعار بشدة ارتباطهما ، وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٧١ . ٢٠٦ المجلد الرابع عشر قال القرطبى : أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح : فتح مكة . وقال الشعبى والزهرى : فتح الحديبية ... وفى الكلام حذف . أى : لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقائل ، فحذف لدلالة الكلام عليه . وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم ، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإِسلام ، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق ، والأجر على قدر النصب(١) . وقوله - تعالى -: ﴿ من أنفق .. ﴾ عام يشمل جميع من بذل ماله قبل الفتح فى سبيل الله. وقيل : المراد به أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - لأنه أول من أسلم ، وأول من أنفق . وقوله - عز وجل -: ﴿ وكلا وعد الله الحسنى﴾ مدح للفريقين ، ودفع للتوهم من أن يظن ظان أن الفريق الثانى وهو الذى أنفق من بعد الفتح وقاتل ، محروم من الأجر . أى : وكلا الفريقين وعده الله - تعالى - المثوبة الحسنى وهى الجنة ، إلا أن الذين انفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك . فهذه الآية أصل فى تفاضل أهل الفضل فيما بينهم ، وأن الفضل ثابت لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم . ثم حتم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أى: أنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم الله - تعالى - لتنالوا أجره وثوابه . وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تدل على فضل الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها ما جاء فى الحديث الصحيح أن رسول الله - عليه - قال: (( لا تسبوا أصحابى ، فو الذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))(٢). ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، بتحريض أشد وأقوى على الإِنفاق فى وجوه الخير ، فقال - تعالى - : ﴿ من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا ، فيضاعفه له ، وله أجر کریم ﴾ . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٤٠ . ( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٠٦ . ٢٠٧ سورة الحديد قال القرطبى : القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، وأقرض فلان فلانا ، أى : أعطاه ما يتجازاه واستقرضت من فلان أى : طلبت منه القرض فأقرضنى ، واقترضت منه أى : أخذت منه القرض . وأصل الكلمة : القطع . ومنه المقراض ، وأقرضته ، أى : قطعت له من مالى قطعة يجازى عليها . ثم قال : والتعبير بالقرض فى هذه الآية ، إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغنى الحميد ، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به ثوابه فى الآخرة بالقرض ، كما شبه إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع والشراء))(١) . والقرض الحسن : هو الإِنفاق من المال الحلال ، مع صدق النية ، دون رياء أو سمعة . أو منٍّ أو أذى مع تحرى أوسط الأموال . والاستفهام : للحض على البذل والعطاء ، والتحريض على التحلى بمكارم الأخلاق . و﴿ من﴾ اسم استفهام مبتدأ، و﴿ ذا﴾ اسم إشارة خبره، و﴿ الذى ﴾ وصلته صفة لاسم الإِشارة ، أو بدل منه . والمعنى : من هذا المؤمن القوى الإِيمان ، الذى يقدم ماله فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفى غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين، وسد حاجة البائسين .. ﴿فيضاعفه له ﴾ أى: فيعطيه - سبحانه - أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة. وله أجر كريم ﴾ ، أى : ولهذا المنفق - فضلا عن كل ذلك - أجر كريم عند خالقه ، لا يعلم مقداره إلا هو - تعالى - . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على ألوان من الحض على الإنفاق فى وجوه الخير . ومن ذلك التعبير بالاستفهام فى ذاته ، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبر والاستجابة . ومن ذلك - أيضا - التعبير بقوله : ﴿ من ذا الذى﴾ .. إذ لا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر ، وكأن المخاطب لعظم شأنه ، من شأنه أن يشار إليه ، وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم الموصول . ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرضا ، ولمن هذا القرض ؟ إنه الله الذى له خزائن السموات والأرض . (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٣٩ . ١.٠ ٢٠٨ المجلد الرابع عشر فكأنه - تعالى - يقول : أقرضونى مما أعطيتكم ، وسأضاعف لكم هذا القرض أضعافا مضاعفة ، يوم القيامة ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ﴾ . ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ، وضم الأجر الكريم إليها . ومن ذلك التعبير عن الإِنفاق بالقرض ، إذ القرض معناه : إخراج المال . وانتظار ما يقابله من بدل . والخلاصة أن هذه الآية وما قبلها ، فيها ما فيها من الدعوة إلى الإِنفاق فى وجوه الخير ، وإلى الجهاد فى سبيل الله . ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب ، وساق جانبا مما يدور بينهم وبين المنافقين من محاورات .. فقال - تعالى - : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَبْدِ يِهِمْ وَبِأَّمَتِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَثٌَّ تَجْرِى مِنْ تَمِنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَبِسْ مِن تُوْرِكُمْ قِيلَ آَرْ جِعُواْ وَرَ كُمْفَالْتِسُوا نُورً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍلَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيِهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ٣) يُنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْبَلَى وَلَكِنَّكُمْفَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ وَ غَزَّكُمْ بِاللهِالْغَرُوُ (٥) قَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلَنْكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيُّ وا وقوله - تعالى - ﴿ يوم ترى المؤمنين ) منصوب بفعل مقدر، والرؤية بصرية ، والخطاب لكل من يصلح له . ٢٠٩ سورة الحديد والمعنى : واذكر - أيها العاقل - لتتعظ ولتعتبر ، يوم تبصر المؤمنين والمؤمنات ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ). والأيمان : جمع يمين . والمراد جهة اليمين . أى : يتحرك نورهم معهم من أمامهم ، ومن جهة يمينهم ، على سبيل التشريف والتكريم لهم . قال ابن كثير : يقول - تعالى - مخبرا عن المؤمنين المتصدقين ، أنهم يوم القيامة ، يسعى نورهم بين أيديهم فى عرصات القيامة بحسب أعمالهم ، كما قال عبد الله بن مسعود : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، ويمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم (١) . وعطف - سبحانه - ﴿ المؤمنات ﴾ على ﴿ المؤمنين ) للتنبيه على أن كلا من الذكر والأنثى . له أجره على عمله الصالح ، بدون إجحاف أو محاباة لجنس على جنس ، كما قال - تعالى -: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾(٢). والباء فى قوله: ﴿وبأيمانهم) بمعنى عن. واقتصر على ذكر الإِيمان على سبيل التشريف لتلك الجهة ، والمراد أن نورهم يحيط بهم من جميع جوانبهم . وقوله : ﴿ بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ذلك هو الفوز العظيم ) مقول لقول محذوف . وقوله : ﴿ بشراكم﴾ اسم مصدر من بشر. أى : أخبر بما يسر. والمعنى : تقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية : نبشركم اليوم بجنات عظيمة . تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار العذبة ، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا ، وذلك الذى أنتم فيه من نور يسعى بين أيديكم ، ومن جنات أنتم خالدون فيها .. هو الفوزالعظيم ، الذى لا يعادله فوز أو فلاح . وقوله - عز وجل -: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴾ بدل من قوله - تعالى - يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ﴾ . أى: واذكر - أيها العاقل - أيضا - يوم يقول المنافقون والمنافقات ، الذين أظهروا الإِسلام ، وأبطنوا الكفر ، يقولون للذين آمنوا، على سبيل التذلل والتحسر . (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٠٨. (٢) سورة النحل الآية ٩٧ . ٢١٠ المجلد الرابع عشر انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ أى انتظرونا وتريثوا فى سيركم لكى نلحق بكم ، فنستنير بنوركم الذى حرمنا منه ، وننتفع بالاقتباس من نوركم الذى أكرمكم الله - تعالى - به . قال الآلوسي: ﴿ انظرونا﴾ أى: انتظرونا ﴿نقتبس من نوركم﴾ نصِب منه، وذلك بأن يلحقوا بهم ، فيستنيروا به .. وأصل الاقتباس طلب القبس ، أى الجذوة من النار . وقولهم للمؤمنين ذلك ، لأنهم فى ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها . وروى أن ذلك يكون على الصراط(١). وقوله - سبحانه - ﴿ قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ﴾ حكاية لما يرد به عليهم المؤمنون ، أو الملائكة . أى : قال المؤمنون فى ردهم على هؤلاء المنافقين: ارجعوا وراءكم حيث الموقف الذى كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور ، أوارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً ، عن طريق تحصيل سببه وهو الإِيمان ، أو ارجعوا خائبين فلا نور لكم عندنا . وهذا القول من المؤمنين لهم ، على سبيل التهكم بهم ، إذ لا نور وراء المنافقين . وقوله: ﴿وراءكم﴾ تأكيد لمعنى ﴿ارجعوا﴾ إذ الرجوع يستلزم الوراء. ثم بين - سبحانه - ما حدث للمنافقين بعد ذلك فقال : ﴿ فضرب بینهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب أى : فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين يحاجز عظيم ، هذا الحاجز العظيم ، والسور الكبير له باب﴾ باطن هذا الباب مما يلى المؤمنين ﴿فيه الرحمة﴾ أى: فيه الجنة ، وظاهر هذا الباب مما يلى المنافقين ﴿ من قبله العذاب ﴾. أى : بأنى من جهته العذاب . قالوا : وهذا السور، هو الحجاب المذكور فى سورة الأعراف فى قوله - تعالى -: ﴿ وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ﴾ . والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان أن المؤمنين فى مكان آمن تحيط به الجنة ، أما المنافقون ففى مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار . ثم حكى - سبحانه - أن المنافقين لم يكتفوا بهذا الرجاء للمؤمنين ، بل أخذوا ينادونهم فى تحسر وتذلل فيقولون لهم - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ ينادونهم ألم نكن معكم ﴾. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٧٦ . ٢١١ سورة الحديد أى : ينادى المنافقون المؤمنين نداء كله حسرة وندامة ، فيقولون لهم : ألم نكن معكم فى الدنيا ، نصلى كما تصلون ، وننطق بالشهادتين كما تنطقون ؟ قالوا بلى ﴾ أى : قال المؤمنون للمنافقين : بل كنتم معنا فى الدنيا تنطقون بالشهادتين . ولكنكم ﴾ فى الدنيا ﴿ فتنتم أنفسكم﴾ أى: أضللتم أنفسكم بالنفاق الذى هو كفر باطن ، وإسلام ظاهر . وتربصتم ﴾ والتربص: الانتظار والترقب، أى: وانتظرتم وقوع المصائب بالمؤمنين . وارتيتم﴾ أى: وشككتم فى الحق الذى جاءكم به الرسول - مَلي - وأعرضتم عنه. وغرتكم الأمانى﴾ والأمانى: جمع أمنية ، وهى ما يمنون به أنفسهم من الباطل . كزعمهم أنهم مصلحون ، وأنهم على الحق ، وأن المسلمين على الباطل . ﴿ حتى جاء أمر الله﴾ أى: بقيتم على الفتنة، والارتياب، والتربص، والاغترار بالباطل ، حتى جاءكم أمر الله ، وهو قضاؤه فيكم بالموت . وغركم بالله الغرور﴾ أى: وخدعكم فى سعة رحمة الله الشيطان. فأطمعكم بأنكم ستنجون من عقابه - تعالى - مهما فتنتم أنفسكم وتربصتم بالمؤمنين وارتبتم فى كون الإِسلام حق . وها أنتم الآن ترون سوء عاقبة نفاقكم، وإصراركم على كفركم . فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية﴾ وهى ما يبذل من أجل افتداء النفس من العذاب . ﴿ ولا من الذين كفروا﴾ أى: ولا يؤخد - أيضا - من الذين كفروا ظاهرا وباطنا فداء . مأواكم﴾ جميعا ﴿النار﴾. أى: المكان الذى تستقرون فيه، هو النار. ﴿ هى مولاكم﴾ أى: هذه النار هى أولى بكم من غيرها. والأصل هى مكانكم الذى يقال فيه أولى بكم . ويجوز أن يكون المعنى : هذه النار : هى ناصركم ، من باب التهكم بهم ، على حد قول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع ... أى : لا ناصر لكم إلا النار . والمراد نفى الناصر لهم على سبيل القطع ، بعد نفى اخذ الفدية منهم . ( ١ ) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٧٦ . ٢١٢ المجلد الرابع عشر قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ هى مولاكم) قيل: هى أولى بكم ... وحقيقة مولاكم ، أى : مكانكم الذى يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم ، أى مكان لقول القائل إنه لكريم . ويجوز أن يراد : هى ناصركم . أى ، لا ناصر لكم غيرها . والمراد : نفى الناصر على البتات ، ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر بالجزع . ومنه قوله - تعالى - ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ . وقيل : هى مولاكم، أى تتولاكم كما توليتم فى الدنيا أعمال أهل النار . وعطف - سبحانه - الذين كفروا على المنافقين فى عدم قبول الفدية ، لا تحادهم فى التكذيب بيوم الدين ، وفى الاستهزاء بالحق الذى جاءهم من عند الله - تعالى - . والمخصوص بالذم فى قوله - تعالى -: ﴿وبئس المصير) محذوف والتقدير: وبئس المصير جهنم التى هى المكان الذى تصيرون إليه . فأنت ترى أن المؤمنين قد بينوا للمنافقين ، أنهم يوافقونهم على أنهم كانوا معهم فى الدنيا . ولكن الذى أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الأليم هو : فتنة أنفسهم ، والتربص بالمؤمنين ، والارتياب فى صدق الرسول - صل1 - والاغترار بخداع الشيطان .. فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب أفعالهم القبيحة . وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم ، وعن المنافقين وظلماتهم وعن تلك المحاورات التى تدور بينهم .. بعد كل ذلك حرض - سبحانه - المؤمنين ، على أن يروضوا أنفسهم على خشية الله - تعالى - وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب فى قسوة القلب ، ووعد - سبحانه - المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل ، وبالنور العظيم ، فقال - تعالى - : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَ أْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَانَزَّلَ مِنَ الْحِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ١٦ أَعْلَمُوْأَنَّاللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُواْ ٢١٣ سورة الحديد اللَّهَ قَرْضَا حَسَنَّا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيرٌ (١٨ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَرَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْحَحِيمِ والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ألم يأن﴾ للتقرير، و((يأن)) فعل مضارع، يقال: أنى الشىء - كرمى - أنيا وأناء - بالفتح - وإِنى - بالكسر - إذا حان أناه ، أى: وقته ، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة ، ومنه قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ أى غير ناظرين حلول وقته . والخطاب فى الآية يحتمل أن يكون من باب العتاب لطائفة من المؤمنين ، أصابهم بعض الفتور أو التكاسل ، فيما أمروا به من الاجتهاد فى طاعة الله - تعالى - بعد أن فتح الله - تعالى - لهم أقطار الأرض ورزقهم بالكثير من لين العيش ، وخيرات الدنيا . ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المبارك ، وعبد الرازق ، وابن المنذر عن الأعمش قال : لما قدم أصحاب رسول الله - ﴿ - المدينة ، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا . بعد أن كان لهم من الجهد - وشظف العيش فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه ، فعوتبوا على ذلك فنزلت هذه الآية . ويحتمل أن يكون الخطاب فى الآية لجميع المؤمنين ، على سبيل الحض على المداومة على طاعة الله - تعالى - ، والتحذير من التقصير . قال الألوسى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾. استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه ، والمعاتب - على ما قاله الزجاج - طائفة منهم ، وإلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعا منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه (١). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٧٩ . ٢١٤ المجلد الرابع عشر والخشوع : التذلل والخضوع، واللام فى قوله ﴿ لذكر الله﴾ للتعليل، والمراد بذكر الله - تعالى - : ما يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف من الله - تعالى - بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح . وقيل: المراد به: القرآن الكريم ، فيكون قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ وما نزل من الحق﴾ من باب عطف الشىء على نفسه ، لاختلاف اللفظين، كما فى قوله - تعالى - : سبح اسم ربك الأعلى . الذى خلق فسوى . والذى قدر فهدى ﴾ . والمعنى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله - تعالى - وأن تلين قلوبهم لما أنزله - سبحانه - على نبيه - 18 - من قرآن ، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم ، وترق له مشاعرهم ونفوسهم . وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة فى طاعة الله - تعالى - وخشيته والإِكثار من ذكره : نهاهم - سبحانه - عن التشبه بأهل الكتاب ، الذين طال عليهم الأمد فى الانغماس فى شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال - تعالى - ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم ، وكثير منهم فاسقون ﴾ . والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى ، وبالكتاب : التوراة والإنجيل . والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: ﴿ تخشع﴾ والأمد: الغاية من زمان أو مكان . والمراد به هنا : الزمان الطويل . أى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من الحق ، وآن الأوان - أيضا - أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم ، حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون فى الشهوات والملذات ، فقست قلوبهم ، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب ، ولا تفرق بين الحرام والحلال . وأصبح كثير منهم خارجين عن الصراط المستقيم . فأنت ترى الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على الركون إلى ذكر الله - تعالى - بشدة ومداومة .. ونهتهم عن التشبه بأهل الكتاب فى عدم الحشوع وفى قسوة القلوب ، بسبب استيلاء المطامع والشهوات على قلوبهم . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿ ألم يأن ﴾ من أنى الأمر إذا جاء أناه أى : وقته .. والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب فى قسوة القلوب ، وذلك ان بنى إسرائيل ، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ورقت ٢١٥ سورة الحديد قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان ، غلبهم الجفاء والقسوة ، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من ١ التحريف وغيره . فإن قلت : ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق ؟ قلت : يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن ، لأنه جامع للأمرين : الذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء . وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله. وإذا تلى القرآن ، كقوله - تعالى - : ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾(١). والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمال لذكر الله ، والاسترسال فى الشهوات كل ذلك يؤدى إلى قسوة القلوب ، وإلى الفسوق عن أمر الله - تعالى - . ولذا وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، تحض على الإكثار من ذكر الله - تعالى - قال - سبحانه -: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾ . وفى الحديث الشريف: يقول - رَلر -: ((لا يقعد قوم يذكرون الله - تعالى - إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم فيمن عنده)). ولقد كان سماع الآية الكريمة ، بتدبر وتفكر وخشوع ، على رأس الأسباب التى أدت إلى توبة بعض العصاة توبة صادقة نصوحا . .. فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ليلا لارتكاب ما نهى الله عنه ، فيسمع قارئا يقرأ هذه الآية ، فيرتجف ويعود أدراجه وهو يقول: بلى والله قد آن أوان الخشوع لذكر الله .. اللهم إنى تبت إليك ، وجعلت توبتى إليك جوار بيتك الحرام(٢) . ثم وجه - سبحانه - خطابه إلى المؤمنين فقال: ﴿ اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها ، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ﴾ . وافتتاح الآية بقوله - تعالى -: ﴿ اعلموا . ﴾ يؤذن بأن ما سيلقى على مسامعهم من توجيهات ، جدير بالانتباه إلى مضمونه ، وإلى الامتثال لما اشتمل عليه من أمر أو نهى . وليس المقصود من الآية إخبار المؤمنين بأن الله - تعالى - قادر على إحياء الأرض بعد موتها ، فذلك أمر يعتقدونه ، ولا يتم إيمانهم إلا به . وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن المواظبة على ذكر الله - تعالى - وعلى تلاوة ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٥١ . ٢١٦ المجلد الرابع عشر كتابه ، كل ذلك يكون له أثره فى خشوع النفوس ، وفى طهارة القلوب .. كأثر المطر عندما ينزل على الأرض الجدباء المقفرة .. فما تلبث إلا أن تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج . قال الإِمام الرازى: قوله - تعالى -: ﴿اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها﴾. فيه وجهان : الأول : أنه تمثيل . والمعنى : أن القلوب التى ماتت بسبب القساوة ، المواظبة على الذكر سبب لعودة حياة الخشوع إليها ، كما يحيى الله - تعالى - الأرض بالغيث . والثانى : أن المراد من قوله: ﴿ يحيى الأرض بعد موتها﴾، بعث الأموات فذكر ذلك تزغيبا فى الخشوع والخضوع، وزجرا عن القساوة(١) . والمراد بالآيات فى قوله - تعالى -: ﴿ قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ﴾ الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلمه - سبحانه - . أى : قد بينا لكم الدلائل والبراهين الناطقة بقدرتنا وحكمتنا .. لعلكم بهذا البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه ، وتعملون بموجب ما عقلتموه ، وبذلك تنالون الفلاح والسعادة ، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا . ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم فى سبيله . والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه . فقال: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ، يضاعف لهم ، ولهم أجر كريم ﴾ . وقراءة: ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ بتشديد الصاد - من التصدق ، فأدغمت التاء فى الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما .. وأصل الكلام : المتصدقين والمتصدقات . وقرأ ابن كثير وغيره ﴿ إن المصدقين والمصدقات) - بتخفيف الصاد - على أنه من التصديق لما جاء به الرسول - * - . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿وأقرضوا﴾؟ قلت: على معنى الفعل فى المصدقين، لأن ((أل)) بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى : اصدقوا، فكأنه قيل: ((إن الذين أصدقوا وأقرضوا)) (٢). والمعنى : إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم فى وجوه الخير والدين ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ بأن أنفقوا أموالهم الحلال فى سبيل الله بدون من أو أذى . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٩ ص ٢٣١ . طبعة دار الفكر - بيروت . ( ٢) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٥ . ٢١٧ سورة الحديد هؤلاء الذين فعلوا ذلك ﴿ يضاعف لهم﴾ أجرهم عند الله - تعالى - أضعافا كثيرة . ﴿ ولهم﴾ فضلا عن كل ذلك، أجر كريم، لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - . وقوله: ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله) مبتدأ. وقوله: ﴿ أولئك هم الصديقون﴾ خبره، والذين آمنوا بالله ورسله إيمانا حقا - لهم منزلة الصديقين : منزلة المبالغين فى الصدق واليقين . فالصديق - بتشديد الدال - هو المبالغ فى الصدق بما جاءه به الرسول - صل * - وفى تنفيذ ما كلف به تنفيذا تاما . والشهداء عند ربهم﴾ وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله - تعالى - : ﴿لهم أجرهم ﴾ العظيم عند الله - تعالى - ﴿ونورهم) الذى يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة لهم كذلك . فعلى هذا التفسير يكون قوله : ﴿ والشهداء عند ربهم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾، خبره، ويكون الوقف على ﴿الصديقون﴾ وقفا تاما .. والضمائر فى ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ للشهداء . ويصح أن يكون قوله ﴿ والشهداء ﴾ معطوف على ﴿الصديقون﴾ عطف المفرد على المفرد ، فهو عطف على الخبر . أى : وهم الشهداء عند ربهم .. ويكون الوقف على الشهداء تاما ، وأخبر - سبحانه - عن الذين آمنوا بالله ورسله ، أنهم صديقون وشهداء . والمعنى على هذا الوجه : والذين آمنوا بالله ورسله ، أولئك هم الذين فى حكمه - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ، ورفعة الدرجة . وقوله - تعالى - ﴿ عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ أى: للذين آمنوا بالله ورسله عند ربهم ، مثل أجر الصديقين والشهداء ولهم مثل نورهم يوم القيامة ، وناهيك به من أجر عظيم ، ونور عميم . وحذف ما يفيد التشبيه فى الجملتين ، للتنبيه على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : يريد أن المؤمنين بالله ورسله ، هم عند الله - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء ، وهم الذين سبقوا إلى التصديق ، واستشهدوا فى سبيل الله. وقوله : ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ أى: لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت : كيف يسوى بينهم فى الأجر ولابد من التفاوت ؟ قلت : المعنى أن الله ٢١٨ المجلد الرابع عشر - تعالى - يعطى الذين آمنوا بالله ورسله أجرهم . ويضاعفه لهم بفضله . حتى يساوى أجرهم مع أضعافه ، أجر أولئك ، أى : أجر الصديقين والشهداء . ويجوز أن يكون قوله: ﴿والشهداء﴾ مبتدأ، وقوله، ﴿لهم أجرهم﴾ خبره .... ﴾(١) . وقوله - تعالى -: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) بيان لسوء عاقبة الكافرين ، بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين . أى: والذين كفروا بالله ورسله ، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا أولئك : أصحاب الجحيم ، الملازمون لها ملازمة الشىء لصاحبه . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حضت المؤمنين على المواظبة على ذكر الله - تعالى - وطاعته ونهتهم عن التشبه بالذين قست قلوبهم ، وبشرت المصدقين والمصدقات ، والذين آمنوا بالله - تعالى - وبرسله إيمانا حقا .. بالأجر العظيم ، وبالعطاء الجزيل . ثم بين - سبحانه - حال الحياة ، التى ركن إليها الكافرون ، واطمأنوا بها .. ودعا المؤمنين إلى أن تكون هممهم متجهة نحو الآخرة ، عن طريق التسلح بالأعمال الصالحة . فقال - تعالى - : أَعْلَمُوَ أْأَنَّمَا الْحَيَوَةُ اُلُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَنَّكُمْ وَتَكَاثُرُ فِ اَلْأَمْوَلِ وَاْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْتٍ أَعْجَبَ اُلْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ ◌َهِيجُ فَرَنُهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ خُطَمَّاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَاللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٥ . ٢١٩ سورة الحديد وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرُسُلٍِّ، ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١) أى: ﴿اعلموا﴾ - أيها المؤمنون علم استجابة وامتثال لما آمركم به - ﴿ أنما الحياة" الدنيا﴾ التى تعيشون فيها ما شاء الله لكم أن تعيشوا .. ﴿لعب﴾ واللعب: هو قضاء الوقت فى قول أو فعل لا فائدة من ورائه . ﴿ولهو ﴾ واللهو: اسم لفعل أو قول يقصد من ورائه التلذذ والتمتع، وصرف الآلام والهموم عن النفس . وزينة ﴾ الزينة اسم لما يتزين به الإنسان من ملبس أو مسكن أو ما يشبههما مما يفعله من أجل أن يكون فى أعين الناس مهيبا جميلا . وتفاخر بينكم ﴾ أى: وتفاخر فيما بينكم بالأموال والمناصب والأحساب والأعمال .. وتكاثر فى الأموال والأولاد ، والتكاثر تفاعل من الكثرة - كما أن التفاخر تفاعل من الفخر - وصيغة التفاعل جىء بها هنا ، للمبالغة فى إظهار ما يتفاخرون به ، وما يتكاثرون فيه ، حتى لكأنه ينافس غيره فى ذلك ويريد الظهور عليه . والحرص على التفاخر والتكاثر فى الأموال والأولاد ، من طبيعة كثير من الناس ، كما قال - تعالى -: ﴿ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ﴾. ثم بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا ، التى يلعب الناس فيها ، ويلهون ويتفاخرون . ویتکاثرون . فقال: ﴿ كمثل غيث أعجب الكفار نباته أى : هذه الحياة الدنيا حالها وصفتها ومثلها كمثل مطر أعجب الكفار وراقهم وسرهم ، ما ترتب على هذا المطر ، من نبات جميل نبت من الأرض بعد هطول الغيث عليها . فقوله - تعالى -: ﴿ كمثل﴾ خبر لمبتدأ محذوف ، أى: مثلها كمثل مطر. والمراد بالكفار هنا : الجاحدون لنعم الله - تعالى - الساترون لها ، وخصوا بالذكر ، لأنهم أشد إعجابا وسروراً وانغماسا فى زينة الحياة الدنيا من غيرهم . وروى عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - أن المراد بالكفار هنا : الزراع الذين يزرعون الأرض بعد نزول المطر عليها ، ويبذرون فيها البذور سموا كفارا من الكفر بمعنى ٢٢٠ المجلد الرابع عشر الستر والإِخفاء ، يقال : كفر الزارع بذره أو زرعه إذا أخفاه فى الأرض ، حتى لا يتعرض للتلف أو الضياع . وقوله - سبحانه -: ﴿ ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما﴾ . والهيجان : الاضطراب والثوران ، ومنه سميت الحرب بالهيجاء ، لأن فيها يضطرب المقاتلون ، ويثور بعضهم على بعض . ويرى بعضهم أن معنى ﴿يهيج﴾ هنا: بيبس ويجف . وعطف - سبحانه - جملة ﴿يهيج﴾ بحرف ( ثم) لإفادة التراخى الرتبى ، إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهيجان وبلوغ منتهاه ، لا يتأتى إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته . ولم يرتض بعض المحققين هذا المعنى فقال : تفسير ﴿يهيج ﴾ بيببس فيه تسامح ، فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له . أى: من الطول والغلظ(١). أى : ثم يتحرك هذا النبات الذى أعجب الكفار إلى أقصى ما يتأتى له من طول وقوة ، ثم يبدأ فى الضعف ، فتراه - أيها الناظر إليه - نباتا مصفراً متغيرا عما كان عليه من النضرة ، آخذا فى الذبول وفى التهيؤ للحصاد ، ثم يكون بعد ذلك حطاما ، أى : نباتا محطما مكسرا . والمقصود بقوله - تعالى - ﴿ كمثل غيث .. ﴾ إلخ التقرير والتأكيد لما وصفت به الدنيا من كونها لعبا ولهوا وزينة . وتشبيهها فى سرعة زوالها ، وانقضاء نعيمها ، وقلة فائدتها .. بحال نبات ظهر على الأرض بعد هطول المطر عليها، واستمر فى ظهوره وجماله ونضرته وهيجانه ، لفترة مَّا من الحياة ، أعجب خلالها الكفار به ، ثم حل بهذا النبات اليانع الاصفرار والاضمحلال حتى صار حطاما مفتتا تذروه الرياح . والمقصود بهذا التشبيه ، زجر الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا ركونا ينسون معه فرائض الله - تعالى - وتكاليفه التى كلفهم بها - سبحانه - . وعطف - سبحانه -: ﴿ فتراه مصفرا﴾ بالفاء للإشعار بقصر المسافة، مهما طالت فى عرف الناس - بين نضرة الزرع واستوائه ، وبين اصفراره ونهايته . قال صاحب الكشاف - رحمه الله - : أراد - سبحانه - أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور، وهى اللعب واللهو .... وأما الآخرة فما هى إلا أمور عظام . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٩٢ .