Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة الفتح الطريق القويم ، والدين الحق ، والأقوال الطيبة ، والأعمال الصالحة .. ﴿ وينصرك الله﴾ - تعالى - ﴿نصرا عزيزا﴾ أى: نصرا قويا منيعا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع ، لأنه من خالفك الذى لاراد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يرى أن الله - تعالى - قد أكرم نبيه - الهرم - إكراما لا يدانيه إكرام ، ومنحه من الخير والفضل ما لم يمنحه لأحد سواه . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال : ﴿ هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ، ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .. ﴾ .. والسكينة : من السكون ، والمراد بها الثبات والطمأنينة التى أودعها - سبحانه - فى قلوب المؤمنين ، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله ، بعد أن ظنوا أن فى شروط صلح الحديبية ظلها لهم. وأن بايعوا النبى - مَ له - على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى الله عنه - قد قتله المشركون ، وفى التعبير عن ذلك بالإِنزال ، إشعار بعلو شأنها ، حتى لكأنها كانت مودعة فى خزائن رحمة الله - تعالى - ، ثم أنزلها بفضله فى قلوبهم بعد ذلك .. أى : هو - سبحانه - بفضله ورحمته ، الذى أنزل السكينة والطمأنينة والثبات فى قلوب المؤمنين ، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت فى أول الأمر . وقوله : ﴿ ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ﴾ تعليل لهذا الانزال للسكينة. أى : أوجد السكينة وخلقها فى قلوبهم ، ليزدادوا يقينا على يقينهم ، وتصديقا إلى تصديقهم وثباتا على ثباتهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ﴾ وقوله - سبحانه -: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ﴾(١). وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، أن الإِيمان يزيد وينقص . قال الآلوسى ما ملخصه : قال البخارى : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أحدًا منهم يختلف فى أن الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص . واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل . أما العقل ، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإِيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين فى الفسوق والمعاصى ، مساويا لإِيمان الأنبياء ، واللازم باطل ، فكذا الملزوم .. (١ ) سورة التوبة الآية ١٢٤ . ٢٦٢ المجلد الثالث عشر وأما الثانى : فلكثرة النصوص فى هذا المعنى ، ومنها الآية التى معنا وأمثالها ، ومنها وما روى عن ابن عمر قال: قلنا: يارسول الله، إن الايمان يزيد وينقص، قال: ((نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخله النار )). وقال الإِمام النووى وغيره : إن الايمان بمعنى التصديق القلبى ، يزيد وينقص - أيضا بكثرة النظر، ووضوح الأدلة ، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم .. (١). ثم بين - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال: ﴿ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليا حكيما). أى: ولله - تعالى - وحده جنود السموات والأرض من ملائكة وجن وإنس ، إذ الكل تحت قهره وسلطانه ، فهو - سبحانه - الذى يدبر أمرهم كيف شاء ، ويدفع بعضهم ببعض كما تقتضى حكمته وإرادته ، وهو - تعالى - العليم بكل شىء . الحكيم فى جميع أفعاله ... واللام فى قوله - سبحانه -: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار ... ﴾ متعلقة بمحذوف أو بقوله : ﴿ فتحنا ﴾ .. أى : فعل - سبحانه - ما فعل من جعل جنود السموات والأرض تحت سيطرته وملكه ، ومن دفع الناس بعضهم ببعض ، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار . ﴿ خالدين فيها ﴾ خلودا أبديا ﴿ويكفر عنهم سيئاتهم﴾ التى فعلوها فى دنياهم، بأن يغفرها لهم ، ويزيلها عنهم ، بل ويحولها لمن شاء منهم بفضله وكرمه إلى حسنات . وكان ذلك ﴾ الإِدخال للمؤمنين الجنة ، وتكفير سيئاتهم .. عند الله﴾ - تعالى - ﴿ فوزا عظيما﴾ لا يقادر قدره ، لأنه نهاية آمال المؤمنين، وأقصى ما يتمناه العقلا المخلصون . المنافقين والمنافقات ، والمشركين والمشركات ، ويعذب ﴾ - سبحانه - بعدله الظانين باللّه ظن السوء ... ﴾. أى : الظانين بالله - تعالى - وبرسوله وبالمؤمنين الظن السيئ بأن توهموا أن الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم هم الذين سينتصرون . أو أنهم هم على الحق . وأن الرسول - * - وأتباعه على الباطل . فقوله : ﴿ السوء) صفة لموصوف محذوف. أى: الظانين باللّه ظن الأمر السوء. (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٩٢ . ٢٦٣ سورة الفتح وقوله - تعالى - ﴿ عليهم دائرة السوء) دعاء عليهم بأن ينزل بهم ما توقعوه للمؤمنين من سوء . أى : عليهم وحدهم ينزل ما يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء . والدائرة فى الأصل : تطلق على الخط المحيط بالشىء . ثم استعملت فى النازلة المحيطة بمن نزلت به . وتستعمل أكثر ما تستعمل فى المصائب والمكاره . قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ عليهم دائرة السوء﴾ أى: ما يظنونه ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم . والسوء : الهلاك والدمار . فإن قلت: هل من فرق بين السَّوْء والسُّوء؟ قلت: هما كالكَره والكُره، والضَّعف والضّعف : من ساء ، إلا أن المفتوح غالب فى أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شىء ، وأما السوء بالضم، فجار مجرى الشر الذى هو نقيض الخير (١). ثم قال - تعالى -: ﴿وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا﴾. أى : ليس عليهم دائرة السوء فقط ، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله - تعالى - عليهم ، وطردهم من رحمته ، وأعد لهم فى الآخرة نار جهنم ، وساءت هذه النار مصيرا لهم . ثم أكد - سبحانه - ملكيته لكل شىء فقال: ﴿ولله جنود السموات والأرضِ وكان الله عزيزا حكيما﴾، أى: والله - تعالى - وحده جنود السموات والأرض ، وكان - سبحانه - ومازال غالبا على كل شىء ، حكيما فى كل أوامره ونواهيه . وفى كل تصرفاته وأفعاله . ولما كان المقصود من ذكر الجنود هنا : تهديد المنافقين والمشركين ، وأنهم فى قبضته - تعالى - ، ناسب أن تذيل الآية هنا بقوله: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ لأن العزة تقتضى الغلبة للغير . ولما كان المقصود من ذكر الجنود فى الآية الرابعة ، بيان أن المدبر لهذا الكون هو الله - تعالى - ناسب أن تذيل الآية هناك بقوله - سبحانه - : ﴿وكان اللّه عليها حكيمًا ﴾. ثم حدد الله - تعالى - الوظيفة التى كلف بها رسوله - 08 - وبشر المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال : إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴿٥، لِّتُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٣٤. ٢٦٤ المجلد الثالث عشر وَتُعَزِرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٩ إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللهَ يَدُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِ يهِمْ فَمَنْ تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْنَى بِمَاعَهَدَ عَلَيْهُ ١٠ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًاعَظِيمًا وقوله: ﴿ مبشرا﴾ من التبشير، وهو الإِخبار بالأمر السار لمن لا علم له بهذا الأمر. وقوله: ﴿ ونذيرا﴾ من الإنذار، وهو الإِخبار بالأمر المخيف، لكى يجتنب ويحذر. أى: ﴿ إنا أرسلناك) - أيها الرسول الكريم - إلى الناس، لتكون ﴿ شاهدا﴾ لمن آمن منهم بالإِيمان ، ولمن كفر منهم بالكفر ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا . ولتكون ﴿ مبشرا﴾ للمؤمنين منهم برضا الله عنهم ومغفرته لهم ﴿ونذيرا﴾ للكافرين وللعصاة بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وعصيانهم . والحكمة فى جعله - وير - شاهدا مع أن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء: إظهار العدل الإِلهى للناس فى صورة جلية واضحة، وتكريم النبى - 18 - بهذه الشهادة . وجمع - سبحانه - بين كونه - بصل - ﴿ مبشرا ونذيرا﴾ لأن من الناس من ينفعه الترغيب فى الثواب ، ومنهم من لا يزجره إلى التخويف من العقاب . وانتصاب ﴿ شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴾ على الحال المقدرة . وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ... ﴾(١). وقوله - سبحانه - ﴿ ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء .. ﴾(٢) . وقوله - عز وجل -: ﴿ يأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴾(٢) ٠ (١) سورة البقرة الآية ١٤٣ . (٢) سورة النحل الآية ٨٩ . ( ٣) سورة الأحزاب الآية ٤٥ . ٢٦٥ سورة الفتح ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله - وَالله - فقال: ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴾ . وقوله: ﴿ وتعزروه ﴾ من التعزير بمعنى النصرة مع التعظيم والتفخيم . وقوله : ﴿ وتوفروه ﴾ أى: تعظموه وتقدروه . وقوله: ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح بمعنى التنزيه. تقول: سبحت الله - تعالى - ، أى : نزهته عما لا يليق به، و﴿ بكرة﴾ أول النهار، و﴿ أصيلا﴾ آخره، والمراد ظاهرهما، أو جميع أوقات النهار ، كما يقال : شرقا وغربا لجميع الجهات . والخطاب للرسول - وَلّة - ولأمته، كقوله - تعالى - : ﴿ يأيها النبى إذا طلقتم النساء ... ﴾ والقراءة بتاء الخطاب ، هى قراءة الجمهور من القراء . قال الآلوسى : وهو من باب التغليب ، غلب فيه المخاطب على الغائب فيفيد أن النبى - وَيه - مخاطب بالإِيمان برسالته كأمته .. (١). أى : أرسلناك - أيها الرسول الكريم - شاهدا ومبشرا ونذيرا ، لتكون على رأس المؤمنين بما أرسلناك به ، وليتبعك فى ذلك أصحابك ومن سيأتى بعدهم ، بأن يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا ، ولينصروك ويعظموك ، وليسبحوا الله - تعالى - فى الصباح والمساء . وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى -: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ يعود إلى الرسول - رضاليوم - وفى قوله وتسبحوه ﴾ يعود إلى الله - تعالى - . قال القرطبى ما ملخصه : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليؤمنوا﴾ وكذلك ﴿ يعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ كله بالياء على الخبر .. وقرأ الباقون بالتاء فى الخطاب ... والهاء فى قوله: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ للنبى - والخير - وهنا وقف تام . ثم تبتدىء بقوله: ﴿وتسبحوه ﴾ أى: تسبحوا الله بكرة وأصيلا. وقيل: الضمائر كلها لله - تعالى - فعلى هذا يكون تأويل: ﴿تعزروه وتوقروه ﴾ أى: تثبتوا له صحة الربوبية ، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .. (٢) . ثم مدح - سبحانه - الذين عاهدوا الرسول - 18 - ووفوا بعهودهم أكمل وفاء ، فقال : ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله .. ﴾ (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٩٥ . ( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٢٦٦. ٢٦٦ المجـ الثالث عشر وقوله - سبحانه -: ﴿ يبايعونك ﴾ من المبايعة أو من البيعة، بمعنى المعاهدة أو العهد ، وسميت المعاهدة مبايعة ، لاشتمال كل واحدة منهما على معنى المبادلة ، وعلى وجوب الصدق والوفاء . والمراد بهذه المبايعة ، ما كان من المؤمنين فى صلح الحديبية ، عندما عاهدوا الرسول - وَلَه - على الثبات وعلى مناجزة المشركين بعد أن أشيع أنهم قتلوا عثمان - رضى الله عنه - . أى : إن الذين يبايعونك على الموت أو على عدم الفرار عند لقاء المشركين ، إنما يبايعون ويعاهدون الله - تعالى - على ذلك قبل أن يبايعوك أنت ، لأن المقصود من هذه البيعة إنما هو طاعته - سبحانه - وامتثال أمره ، كما قال - تعالى - : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. فالمقصود بقوله: ﴿ إنما يبايعون اللّه ) تأكيد وجوب الوفاء بما عاهدوا الرسول - * - عليه من الثبات وعدم الفرار، والطاعة له فى كل ما يأمرهم به. وقوله - سبحانه -: ﴿ يد الله فوق أيديهم ) زيادة فى تأكيد وجوب الوفاء. ومذهب السلف فى هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات : أنه يجب الإِيمان بها ، وتفويض علم معناها المراد منها إلى الله - تعالى - وترك تأويلها مع تنزيهه - تعالى - عن حقيقتها ، لاستحالة مشابهته - تعالى - بالحوادث ، كما قال - سبحانه - : ﴿ ليس كمثله شىء وهو السميع البصير ﴾ . أما الخلف فمذهبهم تأويل هذه الصفات على معنى يليق بجلاله ، فيؤولون اليد هنا بالقوة أو القدرة . أى : قوة الله - تعالى - وقدرته ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ، كما يقال : اليد فى هذه المسألة لفلان ، أى : الغلبة والنصرة له . أو المعنى : يد الله - تعالى - بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم .. والمقصود بهذه الجملة - كما أشرنا - زيادة التأكيد على وجوب الوفاء والثبات . قال صاحب الكشاف: لما قال - سبحانه -: ﴿إنما يبايعون الله﴾ أكده تأكيداً على سبيل التمثيل ، فقال: ﴿يد الله فوق أيديهم) يريد أن يد رسول الله - عزوجل - التى تعلو أيدى المبايعين: هى يد الله، والله - تعالى - منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام .. وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق من الرسول - وَله - كعقده مع الله - تعالى - (١). ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الناكثين فقال : ﴿ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾ ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٣٥ . ٢٦٧ سورة الفتح أى : فمن نقض العهد بعد إبرامه وتوثيقه ، فإنما عاقبة نقضه يعود وبالها وشؤمها عليه . فقوله ﴿ نكث﴾ مأخوذ من النّكث - بكسر النون - وهو فك الخيوط المغزولة بعد غزلها ، وقوله: ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ أى: ومن ثبت على الوفاء بما عاهد الله - تعالى - عليه فسيعطيه - سبحانه - من فضله أجرا عظيما على ذلك . والهاء فى قوله: ﴿ عليه ﴾ قرأها حفص بالضم، توصلا إلى تفخيم لفظ الجلالة ، الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام ، وقرأها الجمهور بالكسر . هذا ، وقد وردت أحاديث متعددة ، تصرح بأن الذين كانوا مع النبى - بَير - فى صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبى - *- على الموت أو على عدم الفرار ، سوى جماعة من المنافقين ، امتنعوا عن هذه البيعة ، لمرض قلوبهم ، وسوء طويتهم .. ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول الله - وَيّه - تحت الشجرة، قيل: على أى شىء ؟ قال: على الموت . وروى مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله أنه سئل : كم كان عددكم يوم الحديبية ؟ قال : كنا أربع عشرة مائة، فبايعنا الرسول - 18 - على أن لا نفر - سوى الجد بن قيس فإنه اختفى تحت بطن بعيره ، ولم يسرع مع القوم .. وهكذا فاز المؤمنون الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض قلوبهم . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين ، الذين لم يخرجوا مع النبى - وَالغر - إلى صلح الحديبية ، فتحكى أعذارهم الزائفة ، وتفضحهم على رءوس الأشهاد ، وترد على أقوالهم الباطلة، وتأمر النبى - ◌َ لر - بالإِعراض عنهم، وإهمال أمرهم، فهم قوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .. سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَ لُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم ◌َالَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنِ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْأَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿ بَلْ ظَنَمْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى ١ ٢٦٨ المجلد الثالث عشر أَهْلِهِمْ أَبَدًّا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ وَظَنَفْتُمْ ظَنَّ اُلسَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمَا بُورًا ، وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا (١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى ١٤ رَّحِيمًا مَغَانِمَ لِتَأْخُذُ وهَا ذَرُونَانَتَّبِعُكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَ اللَّهِقُل لَّنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِن قَبْلٌ فَسَيَقُولُونَ بَّ تَحْسُدُ ونَنَابَلْ كَانُوْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّاقَلِيلًا ( ١٥ سام قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ فَإِن تُطِيعُواْيُؤْتِكُمُ الَّهُأَجْرًا حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَوْ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّ بَكُمْ عَذَابًاأَ لِيمًا() لَيْسَ عَلَى ◌ْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ خَرٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْسِلْهُ جَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ ١٧ وَمَن يَتَوَّلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ، قال الإِمام الرازى ما ملخصه : لما بين - سبحانه - حال المنافقين ، ذكر المتخلفين - بعد ذلك - فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله - وَالول - إلى مكة ، لظنهم أنه يهزم ، فإنهم قالوا : أهل مكة قاتلوه على باب المدينة .. فكيف يذهب إليهم .. واعتذروا عن الخروج معه - وَليد -(١). (١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٥٤١ . ٢٦٩ سورة الفتح والمخلفون : جمع مخلف ، وهو المتروك فى مكان خلف الخارجين من البلد كالنساء والصبيان ، فإنهم فى العادة لا يخرجون مع الرجال للجهاد ، وعبر عنهم بالمخلفين على سبيل الذم لهم . والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده أعرابى ، والأنثى أعرابية ، والمقصود بهم هنا سكان البادية من قبائل غِفَار، ومُزينة ، وجُهَينة ، وأشجع ، وأسلم ، والدِّيل ، وكان الرسول - وَله - قد دعاهم إلى الخروج معه إلى مكة ، ليساعدوه على إقناع قريش فى الإِذن بدخول مكة للطواف بالبيت الحرام .. ولكنهم اعتذروا . وقوله - سبحانه - سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا .. إعلام من الله - تعالى - لنبيه - 1 - بما سيقوله هؤلاء المتخلفون له ، بعد عودته إليهم من صلح الحديبية . : أى : سيقول المخلفون لك - أيها الرسول الكريم - : إننا ما تخلفنا عنك باختيارنا ، ولكن انشغالنا بحفظ ورعاية أموالنا ونسائنا وأولادنا الصغار ، حال بيننا وبين الخروج معك إلى الحديبية ، وما دام الأمر كذلك ﴿ فاستغفر لنا ﴾ الله - تعالى - لكى يغفر لنا ذنوبنا التى وقعنا فيها بسبب هذا التخلف الذى لم يكن عن تكاسل أو معصية لك . ولما كان قولهم هذا لم يكن صحيحا ، فقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله : ﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم ﴾. أى: هم ليسوا صادقين فيما يقولون ، والحق أنهم يقولون قولا من أطراف ألسنتهم ، دون أن تؤيده قلوبهم ، فإن السبب الحقيقى لعدم خروجهم معك ، هو ضعف إيمانهم ، ومرض قلوبهم ، وتذبذب نفوسهم . فالجملة الكريمة تكذيب لهم فيما قالوه ، وفضيحة لهم على رءوس الأشهاد . ثم أمر الله - تعالى - أن يجابههم بقوله : ﴿ قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ﴾ .. والاستفهام للإِنكار والنفى . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المتخلفين من الأعراب لا أحد يستطيع أن يمنع عنكم قضاء الله - تعالى - ، إن أراد بكم ما يضركم من قتل أو هزيمة ، أو إن أراد بكم ما ينفعكم ، من نصر أو غنيمة ؛ لأن قضاء الله - تعالى - لا دافع له ، كما قال - سبحانه -: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾ (١) .. (١) سورة فاطر الآية ٢. ٢٧٠ المجلد الثالث عشر ثم أضرب - سبحانه - عن ذلك وقال: ﴿بل كان الله بما تعملون خبيرا﴾ أى: إن تخلفكم ليس سببه مازعمتم ، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف إيمانكم ، والله - تعالى - مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما ، وسيجازيكم بما تستحقون . ثم أكد - سبحانه - كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال : ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب ، الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ، وزين ذلك فى قلوبكم ، وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا﴾ والبور فى الأصل: مصدر كالهلكِ ، يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث . وهو هنا مستعمل بمعنى اسم الفاعل . وقيل : هو جمع بائر ، كحائل وحول . قال صاحب الكشاف والبور من بار ، كالهلك من هَلَك بناء ومعنى ، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ .. (٢). والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم - أيها المخلفون - من أن أموالكم وأولادكم هى التى شغلتكم عن الخروج مع رسولكم - * - ولكن الحق أنكم ظننتم أن العدو سيستأصل شأفة المؤمنين بالقتل والإِهلاك . وأنهم لن يعودوا بعد ذلك إلى أهليهم أبدا .. وزين الشيطان هذا الظن الفاسد فى قلوبكم ، ومكنه من نفوسكم فقبعتم فى دياركم ، وظننتم ، فى كل ما يتعلق بالرسول - صل18 - وبأتباعه الصادقين ﴿ظن السوء﴾ أى: الظن الذى كله سوء وشر ومنكر .. وكنتم ﴾ فى علم الله - تعالى - وحكمه ﴿قوما بورا﴾ أى: قوما هالكين فاسدين، لا تصلحون لشىء من الخير ، ولا تستحقون إلا الخزى والعقاب . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم وتوعدهم بسوء المصير ، لأسباب متعددة، منها : سوء ظنهم بالله - تعالى - وبرسوله، - وَل - فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون على يد أعدائهم ، وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا . ومنها : اعتذارهم الكاذب ، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم .. ومنها : تعمدهم الكذب . وتفوههم بالكلام الذى لا تؤيده قلوبهم . ثم ختم - سبحانه - هذا الذم والتهديد للمتخلفين بقوله: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ﴾ . أى: ومن لم يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا، وبصدق الرسول - صل38 - فى كل ما جاء (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٢٧ . ٢٧١ سورة الفتح به من عند ربه ، ويطيعه فى كل ما أمر به أو نهى عنه ، عاقبناه عقابا شديدا ، فإنا قد هيأنا للكافرين نارا مسعرة ، تحرق الأبدان ، وتشوى الوجوه .. ثم بين - سبحانه - أنه هو المالك لكل شىء فقال: ﴿ولله ملك السموات والأرض ﴾ خَلْقا وتصرفا ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أن يغفر له ﴿ويعذب من يشاء﴾ أن يعذبه. ﴿ وكان﴾ - سبحانه - ومازال ﴿غفورا﴾ أي: واسع المغفرة ﴿رحيما﴾ أى: واسع الرحمة . ---- ے ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين ، وإلى الرد عليها ، فقال - تعالى -: ﴿ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم .. ﴾. والمراد بالمخلفين هنا : السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب ، فاللام للعهد . أى : سيقول المخلفون عن الخروج معك يا محمد إلى مكة بعد أن خاب ظنهم فرجعتم سالمين إليهم بعد صلح الحديبية ، سيقولون لك ولأصحابك: ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ أى: اتركونا لنسير معكم ، لنشارككم فى جمع الغنائم التى تنالونها من أعدائكم . فقوله ﴿ ذرونا ﴾ بمعنى اتركونا ودعونا . قال الآلوسى : والمراد بالمغانم هنا : مغانم خيبر - كما عليه عامة المفسرين - ولم نقف على خلاف فى ذلك ، وأيد بأن السين تدل على القرب ، وخيبر أقرب المغانم التى انطلقوا إليها من الحديبية - كما علمت - ، فإرادتها كالمتعينة ، وقد جاء فى الأخبار الصحيحة أن الله - تعالى - وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر ، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا»(١). وقد كان رجوع النبى - و98َّ - وأصحابه من صلح الحديبية فى ذى الحجة من السنة السادسة ، وخروجهم إلى خيبر كان فى المحرم من السنة السابعة ، وقد أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة، وقد جعلها - وَالز - لمن شهد معه صلح الحديبية دون غيرهم. وقوله : ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾ أى: يريد هؤلاء المخلفون بقولهم ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ أن يغيروا حكم الله - تعالى - الذى حكم به، وهو أن غنائم خيبر خاصة لمن شهد صلح الحديبية ، أما هؤلاء المخلفون فلا نصيب لهم فيها . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٠١ . ٢٧٢ - المجلد الثالث عشر ثم لقن الله - تعالى - نبيه - بصل - الرد الذى يخرسهم فقال: ﴿ قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ... ﴾ أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين - على سبيل الإِقناط والتيئيس والزجر - لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها . فالنفى فى قوله لن تتبعونا ﴾ بمعنى النهى للمبالغة فى منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خيبر. وقوله : ﴿ كذلكم قال اللّه من قبل﴾ أى: مثل هذا النهى الصادر منى قد قاله الله - تعالى - من قبل رجوعنا من الحديبية ، فقد أمرنى بمنعكم من الخروج معى إلى خيبر ، وبحرمانكم من غنائمها ، عقابا لكم على معصيتكم لى ، وعلى سوء ظنكم بى وبأصحابى .. ثم حكى - سبحانه - ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابهتهم بتلك الحقيقة فقال : فسيقولون بل تحسدوننا ، بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا﴾ . أى : فسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خيبر ، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله فيهم .. سيقولون لك على سبيل السفاهة وسوء الأدب : أنتم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خيبر ، أن تحسدوننا وتمنعوننا حقنا فى الغنيمة ، واللّه - تعالى - لم يأمركم بمنعنا ، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا . وقوله : ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ﴾ إضراب عن قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول - صل١٣ - أى: ليس الحق كما زعموا ، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فقها قليلا ، لا يسمن ولا يغنى من جوع . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين حرفى الإضراب ؟ قلت : الأول إضراب معناه : رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد . والثانى : إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين ، إلى وصفهم بما هو أطم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه .. (١) . ثم فتح - سبحانه - أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة، فأمر النبى - الار - أن يدعوهم إلى الجهاد معه ، فإن صدقوا أفلحوا ، وإن أعرضوا خسروا فقال : ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ، تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك ، ستدعون فى المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب قوة وشدة فى الحرب ، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما : إما قتالكم لهم، وإما الإِسلام منهم . ((فأو)) فى قوله ﴿أو يسلمون﴾ للتنويع والحصر. وجملة ((تقاتلونهم أو يسلمون)) (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٢٨. ٢٧٣ سورة الفتح مستأنفة للتعليل ، كما فى قوله : سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك . وقد اختلف المفسرون فى المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد ، فمنهم من قال : فارس والروم ، ومنهم من قال : بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب . والذى عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم : هوزان وثقيف الذين التقى بهم المسلمون فى غزوة حنين بعد فتح مكة . وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت فى تلك الغزوة ، حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما يقرب من اثنى عشر ألفا ، ولأن أهل هوازن وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر ، فاستطاعوا فى أول المعركة - بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم - أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين ، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصروا عليهم ، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوازن وثقيف . كما هو معروف فى كتب السيرة . ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوازن وثقيف من قتال فى قوله - تعالى - : ﴿ لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ، ثم وليتم مدبرين . ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم تروها ، وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين . ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء، والله غفور رحيم ﴾(١). وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم أولى البأس الشديد هوازن وثقيف ، فقال ما ملخصه : وتكاد تتفق كتب السيرة على أن الجيش الذى ذهب لفتح مكة ، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزو هوازن وثقيف يوم حنين ، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ومزينة . وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية ، ساهمت فى الجهاد بقسط وافر يوم . فتح مكة ، ويوم حنين .. وقد أقام المسلمون بمكة بعد أن فتحوها - بدون قتال يذكر - خمسة عشر يوما .. ثم ذهبوا لقتال هوازن وثقيف .. وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية ، ودراية بفنون القتال فهزموا المسلمين فى أول الأمر ، ثم هزمهم المسلمون . ومن كل ذلك يترجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوازن ، وأن كثيرا من المخلفين أسلم (١) سورة التوبة الآيات ٢٥ - ٢٧ . ٢٧٤ المجلد الثالث عشر إسلاما خالصا ، وحسنت توبته .. (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ فإن تطيعوا يؤتكم اللّه أجرا حسنا ، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ﴾ بيان للثواب العظيم الذى أعده - سبحانه - للطائفين ، وللعذاب الأليم الذى توعد به الفاسقين . أى : فإن تطيعوا - أيها المخالفون - رسولكم - ◌َله - يؤتكم الله من فضله أجرا حسنا ، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة ، كما أعرضتم من قبل فى صلح الحديبية عن طاعته ، يعذبكم - سبحانه - عذابا أليما . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا لأعذار حقيقية فقال : ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج .. ﴾ . أى: ليس على هؤلاء إثم فى التخلف عن الجهاد ، لما بهم من الأعذار والعاهات المرخصة لهم فى التخلف عنه . ﴿ ومن يطع الله ورسوله﴾ فيما أَمَراَ به أو نَهَيَا عنه، ﴿يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، ومن يتول﴾ عن طاعتهما ﴿يعذبه﴾ الله - تعالى - ﴿عذابا أليما) لا يقادر قدره . ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة ، ومدحهم مدحا عظيما ، وبين - سبحانه - أن سنته فى خلقه لن تتخلف ، فقال - تعالى - : لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ اٌلْمُؤْمِنِينَ إِذْيُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِّمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ ١٨) وَمَغَانِمَ فَأَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ كَثِيرَةُ يَأْخُذُ ونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٦)، وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَطًا (١) راجع تفسير سورة الفتح ص ٨٩ وما بعدها لفضيلة أستاذنا الدكتور أحمد الكومى. ٢٧٥ سورة الفتح ج مُسْتَقِيمًا (٢) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُ واْعَلَيْهَا قَدْ أَ حَطَ اُللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ، وَلَوْقَتَلَكُمُ الَّذِيِنَّ كَفَرُواْ لَوَلَّوْا ◌ْلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا (١) سُنَّةَ اللَّهِالَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِاللَّهِتَبْدِ يلًا ٢٣ وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْعَنْهُم بَطْنِ مَكَّةَ مِنْ ٠ ٢٤ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيًّا واللام فى قوله - تعالى -: ﴿ لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ... ﴾ هى الموطئة للقسم ، وتسمى هذه البيعة بيعة الرضوان . والشجرة: كانت بالحديبية، وقد جلس - ◌َ﴿ - تحتها ليبايع أصحابه على الموت أو على عدم الفرار ، فبايعوه على ذلك - ما عدا بعض المنافقين - ، وقد كان الناس بعد ذلك يترددون على تلك الشجرة ويصلون تحتها ، ويدعون الله - تعالى - .. فأمر عمر - رضى الله عنه - قطعها خشية الافتتان بها . أى: والله لقد رضى الله - تعالى - عن المؤمنين الذين بايعوك - أيها الرسول الكريم - تحت الشجرة ، على الموت من أجل إعلاء كلمة ربهم . وفى هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان ، وهو رضا الله - تعالى - عنه ودخوله فى زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته - سبحانه - ورحمته . قال الآلوسى - رحمه الله - : والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايعة . وقوله - سبحانه -: ﴿ تحت الشجرة ﴾ متعلق بيبايعونك ... وفى التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة فى النفوس . ولذا استوجبت رضا الله - تعالى - الذى لا يعادله شىء ، ويستتبع مالا يكاد يخطر على البال . ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر ، ومسلم عن أم بشر ، عنه ، عن النبى - ٤ - أنه قال: ((لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)) .. وصح برواية الشيخين وغيرهما فى أولئك المؤمنين من حديث جابر، أنه - بَير - قال لهم ٢٧٦ المجلد الثالث عشر ((أنتم خير أهل الأرض .. ))(١). وقوله - تعالى -: ﴿ فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ، وأتابهم فتحا قريبا بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين . أى : لقد رضى - سبحانه - عن الذين بايعوك تحت الشجرة - أيها الرسول الكريم - حيث علم ما فى قلوبهم من الصدق والإخلاص وإيثار الآخرة على الأولى ، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم، ﴿وأثابهم﴾ أى: وأعطاهم ومنحهم فتحا قريبا ، وهو فتح خيبر ، الذى كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين . وقيل المراد به : فتح مكة ، والأول أرجح ، لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه ، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة . وقد أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال: ﴿ومغانم كثيرة يأخذونها ... ﴾. أى : وأئابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خيبر. ﴿وكان الله ﴾ - تعالى - ومازال عزيزا ﴾ أى: غالبا ﴿ حكيما﴾ فى كل أفعاله وأحكامه. وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ... ﴾ أيها المؤمنون من أعدائكم فى مستقبل أيامكم. وقد صدق اللّه - تعالى - وعده معهم ، فلقد غنموا بعد ذلك من بلاد فارس والروم وغيرهما . والإِشارة فى قوله ﴿فعجَّل لكم هذه ﴾ تعود إلى مغانم خيبر، كما روى عن مجاهد - وعليه يكون المراد بالناس فى قوله: ﴿وكف أيدى الناس عنكم ﴾ أهل خيبر وحلفاءهم من بنى أسد وغطفان حين جاءوا لنصرة يهود خيبر ، فألقى الله الخوف فى قلوبهم جميعا . ويرى بعض المفسرين أن الإشارة فى قوله: ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ إلى صلح الحديبية وقد روى ذلك عن ابن عباس . وعليه يكون المراد بالناس فى قوله: ﴿وكف أيدى الناس عنكم ﴾ مشركى قريش ، أى : منعهم من حربكم، بأن قذف فى قلوبهم الرعب منكم . ويبدو لنا أن هذا الرأى الذى قاله ابن عباس - رضى الله عنهما - هو الأقرب إلى الصواب ، لأنه يتسق مع سياق الآيات ، ولأنه يؤكد أن صلح الحديبية كان فتحا ومغنمها ، كان فتحا بدليل قول الرسول - صل# - لمن شك فى ذلك: ((أى والذى نفسى بيده إنه لفتح)) (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٠٨. - ٢٧٧ سورة الفتح وكان مغنما لأن المسلمين غنموا من ورائه انتشار الدعوة الإسلامية فى آفاق الأرض . واللام فى قوله: ﴿ولتكون آية للمؤمنين ) متعلقة بمحذوف ، أى فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون تلك النعم والبشارات علامات للمؤمنين على رعاية الله - تعالى - لهم ، ورضاه عنهم . ﴿ ويهديكم﴾ أيها المؤمنون ﴿صراطا مستقيما﴾ أى: طريقا واضحا قويما، به تصلون إلى ما تبغونه من عزة وأمان . وقوله: ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ... ﴾ معطوف على ﴿هذه﴾ أى : فعجل لكم هذه المغانم ، وعجل لكم مغانم أخرى ، لم تقدروا على الحصول عليها قبل ذلك لبعدها عن أن تنالها أيديكم . وقد أحاط الله بها لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء :وكان الله على كل شىء قديرا﴾. وتختلف الأقوال فى هذه المغانم الأخرى فمنهم من يرى أنها فتح مكة ، ومنهم من يرى أنها فتح خيبر . ومنهم من يرى أنها مغانم هوازن وثقيف ، ومنهم من يرى أنها مغانم المسلمين من الفرس والروم . ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال أولها ، لأنه ترتب على هذا الصلح فى الحديبية أن فتحت مكة بعد سنتين منه ، بسبب نقض المشركين له ، وقد تم فتحا بدون قتال يذكر ، بعد أن حدث ما حدث بين المسلمين وبين مشركى مكة من قتال انتصر فيه المسلمون تارة كغزوة بدر ، وانتصر فيه المشركون أخرى كغزوة أحد ... فالمسلمون لم يقدروا على دخول مكة إلا فى عام الفتح ، وبعد أن أحاط الله - تعالى - بها بقدرته التى لا يغلبها شىء ، وبعد أن استعصت على المسلمين زمنا طويلا ، وقد سلمها - سبحانه - لهم بأقل أنواع القتال ﴿وكان اللّه على كل شىء قديرا ﴾. والذى يتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى الله - تعالى -، قد بشر المسلمين الذين شهدوا صلح الجديبية ببشارات متعددة . بشرهم - أولا - برضاه عنهم - وهذه أسمى بشارة وأعلاها .. وبشرهم - ثانيا - بتفضله عليهم بمنحهم السكينة والطمأنينة التى تجعلهم فى ثبات وأمان .. وبشرهم - ثالثا - بفتوحات وغنائم منها القريب العاجل، ومنها الآجل المتحقق، الذى يكاد لتحققه أن يشاهدوه بأعينهم لأن الله - تعالى - وعد به ووعده لا يتخلف . : ٢٧٨ المجلد الثالث عشر ثم بشرهم - رابعا - بأنهم هم المنصورون لأن سنته قد اقتضت ذلك، فقال: ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ... ﴾ وتولية الأدبار كناية عن الهزيمة، لأن المنهزم يعطى ظهره لمن انتصر عليه. أى: ولو قاتلكم الذين كفروا وأنتم على تلك الحالة من قوة الإِيمان، وصدق العهد، وإخلاص النية، وحسن الاستعداد، ومباشرة الأسباب .. لولوا الأدبار أمامكم ﴿ ثم لا يجدون وليا﴾ يعينهم ﴿ ولا نصيرا﴾ لنصرهم. وقوله ﴿ سنة اللّه التى قدخلت من قبل .. ﴾ زيادة فى تثبيتهم وفى إدخال السرور على قلوبهم .. ولفظ ﴿ سنة) منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أى: سن الله انتصار أهل الحق على أهل الباطل سنة قديمة وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . ولن تجد ﴾ أيها العاقل - ﴿ لسنة الله) - تعالى - ﴿ تبديلا) أو تغييرا أو تحويلا. وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون﴾(١). ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة من نعمه التى أنعمها عليهم فى رحلتهم هذه التى انتهت بصلح الحديبية فقال: ﴿وهو الذى كف أيديهم عنكم، وأيديكم عنهم، ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم .. ﴾ . والمراد ببطن مكة: الحديبية، وسميت بذلك لأنها قريبة من مكة . أى: وهو - سبحانه - الذى منع المشركين - بقدرته وحكمته من مهاجمتكم والاعتداء عليكم، ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم، فى هذا المكان القريب من مكة، وكان ذلك بعد أن نصركم عليهم، وجعلكم أعلى منهم فى القوة والحجة والثبات، وكان - سبحانه - ومازال ﴿ بما تعملون بصيرا ﴾. وقد ذكروا فى هذا الظفر روايات منها ما أخرجه الإِمام مسلم وغيره عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله - بشيءٍ - وأصحابه. ثمانون رجلا من أهل مكة فى السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله - وَ لي - فدعا عليهم، فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية))(٣). فالآية الكريمة تذكير من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بجانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم . وهو تذكير يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم، وعاشوا أحداثها، وعند ما يأتى التذكير بالأمور المشاهدة المحسوسة، يكون أدعى إلى الشكر لله - عز وجل - . . (١) سورة الصافات، الآيات ١٧١ - ١٧٣ . ( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٢٣ وتفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١١١. ٢٧٩ سورة الفتح ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه عليهم، وكشف لهم عن جانب من حكمته فى منع القتال بينهم وبين مشركى مكة، وفى هدايتهم إلى هذا الصلح فقال: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْ مِنَتٌ لَّمْتَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَُّوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اَللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ لَوْتَزَيُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُ واْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ. عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُوَأَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَ كَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (٨) والمراد بالذين كفروا فى قوله - تعالى -: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم﴾ مشركو قريش، الذين منعوا النبى - * - من دخول مكة، ومن الطواف بالبيت الحرام . والهدى: مصدر بمعنى المفعول، أى: المهدى، والمقصود به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإِبل والبقر والغنم، ليذبح تقربا إلى الله - تعالى - وكان مع المسلمين فى رحلتهم هذه التى تم فيها صلح الحديبية سبعين بدنة - على المشهور - . ولفظ الهدى قرأه الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب فى قوله: ﴿ صدوكم﴾ وقرأه أبو عمرو بالجر عطفا على المسجد .. وقوله: ﴿ معكوفا﴾ أى: محبوسا. يقال: عكفه يعكفه عكفا، إذا حبسه ومنه الاعتكاف فى المسجد، بمعنى الاحتباس فيه، وهو حال من الهدى . وقوله: ﴿ أن يبلغ محله) منصوب بنزع الخافض، أى: عن أن يبلغ محله، أى: مكانه الذى يذبح فيه وهو منى . ٢٨٠ المجلد الثالث عشر والتعبير بقوله: ﴿ هم الذين كفروا .. ﴾ تصريح بذمهم وتوبيخهم على موقفهم المشين من المؤمنين، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب، وإنما أتوا لأداء شعيرة من شعائر الله . أى: هم فى ميزان اللّه واعتباره الكافرون حقا. لأنهم صدوكم ومنعوكم - أيها المؤمنون - عن دخول المسجد الحرام، وعن الطواف به، ولم يكتفوا بذلك، بل منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله - تعالى - من الوصول إلى محله الذى يذبح فيه فى العادة وهو منى . قال القرطبى ما ملخصه: ((قوله: ﴿والهدى معكوفا﴾ أى: محبوسا ..... ﴿ أن يبلغ محله﴾.أى: منحره .. والمحل - بالكسر - غاية الشىء، وبالفتح: هو الموضع الذى يحله الناس، وكان الهدى سبعين بدنة، ولكن الله - تعالى - بفضله جعل ذلك الموضع - وهو الحديبية - له محلا . وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله قال: نحرنا مع رسول الله - مَالله - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ... وفى البخارى عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله - بَير - معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله - وَلا - بدنة وحلق رأسه .. ))(١). وقوله - تعالى -: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ... ﴾ بيان لحكمة الله - تعالى - فى منع الحرب بين الفريقين. وجواب ((لولا)) محذوف لدلالة الكلام عليه . والمراد بالرجال المؤمنين وبالنساء المؤمنات : سبع رجال وامرأتان كانوا مكة . قال الآلوسى: ((وكانوا على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبى جمعة جنبذ بن سبع - تسعة نفر: سبعة رجال - وهو منهم - وامرأتين . وجملة ﴿ لم تعلموهم﴾ صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على المؤنث . وقوله ﴿ أن تطأوهم﴾ بدل اشتمال من رجال ونساء، والوطء الدَّوْس، والمراد به هنا الإِهلاك. وقوله: ﴿معرة﴾ أى: مكروه وأذى. يقال: عَرَّه يُعُره عَرًّا، إذا أصابه بمكروه، وأصله من العُرِّ وهو الجرب . والمراد به هنا: تعيير الكفار للمؤمنين بقولهم: لقد قتلتم من هم على دينكم . (١) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٢٨٣ .