Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة محمد
على أن الرسول - صل﴿ه - صادق فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن الإسلام هو الدين الحق.
وقوله: ﴿ الشيطان سول لهم وأملى لهم﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وهى خبر إن فى قوله -
إن الذين ارتدوا
سبحانه - :
وقوله: ﴿ سول﴾ من التسويل بمعنى التزيين والتسهيل. يقال: سولت لفلان نفسه هذا
الفعل ، أى : زينته وحسنته له ، وصورته له فى صورة الشىء الحسن مع أنه قبيح .
وقوله : ﴿وأملى﴾ من الإملاء وهو الإبقاء ملاوة من الدهر، أى: زمنا منه أى:
الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سوء أعمالهم ، ومد لهم فى الأمانى الباطلة ، والآمال الفاسدة ،
وأسباب الغواية والضلال .
وأسند - سبحانه - هذا التسويل والإملاء إلى الشيطان ، مع أن الخالق لذلك هو الله -
تعالى - لأن الشيطان هو السبب فى هذا الضلال والخسران .
ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الارتداء فقال : ﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل
اللّه سنطيعكم فى بعض الأمر ﴾.
أى : ذلك الارتداء عن الحق والتردى فى الباطل . بسبب أن هؤلاء المنافقين قالوا للذين
كرهوا ما نزل الله من الهدى على نبيه - 18 - وهم اليهود ومن على شاكلتهم ، قالوا لهم :
سنطيعكم فى بعض الأمر ﴾ أى : سنطيعكم فى بعض أموركم وأحوالكم التى على رأسها :
العداوة لهذا الرسول - - ولما جاء به من عند ربه .
كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون
لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب . لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، ولا نطيع فيكم أحدا
أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم، والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿والله يعلم إسرارهم﴾ تهديد لهم على هذا الدس والكيد والتآمر
على الإِسلام وأتباعه . أى : والله - تعالى - يعلم ما يسرونه من أقوال سيئة ، ومن أفعال
قبيحة ، وسيعاقبهم على ذلك عقابا شديدا .
وكلمة ( إسرارهم ﴾ - بكسر الهمزة - مصدر أسررت إسرارا ، بمعنى كتمت الشىء
وأخفيته وقرأ بعض القراء السبعة ﴿ أسرارهم﴾ - بفتح الهمزة - جمع سر. أى: يعلم
الأشياء التى يسرونها ويخفونها .
(١) سورة الحشر الآية ١١ .

٢٤٢
المجلد الثالث عشر
ثم بين - سبحانه - حالهم - عندما تقبض الملائكة أرواحهم فقال: ﴿ فكيف إذا توفتهم
الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ .
والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام للاستعظام والتهويل، و((كيف)»
منصوب بفعل محذوف هو العامل فى الظرف ((إذا)).
والمراد بوجوههم : كل ما أقبل منهم ، وبأدبارهم : كل ما أدبر من أجسامهم .
أى : هؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم ، وقالوا ما قالوا من كفرو ضلال ، كيف يكون
حالهم إذا توفتهم الملائكة وقبضت أرواحهم ؟ لاشك أن حالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه ،
لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء المنافقين وأدبارهم ، ضربا أليما
موجعا .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون
وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق ﴾(١).
واسم الإشارة فى قوله: ﴿ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط اللّه وكرهوا رضوانه ﴾ يعود إلى
توفى الملائكة لهم ، وقبضهم لأرواح هؤلاء المنافقين . أى : ذلك الضرب الأليم لهم من الملائكة
عند قبضهم لأرواحهم بسبب أن هؤلاء المنافقين قد اتبعوا ما يغضب الله - تعالى - من الكفر
والمعاصى ، وبسبب أنهم كرهوا ما يرضيه من الإِيمان والطاعة .
﴿ فأحبط﴾ - سبحانه -: ﴿ أعمالهم) بأن أبطلها ولم يقبلها منهم، لأنها لم تصدر عن
قلب سليم .
ثم هددهم - سبحانه - بكشف أستارهم ، وفضح أسرارهم فقال : ﴿ أم حسب الذين فى
قلوبهم مرض ، أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ .
و ((أم)) منقطعة بمعنى بل والهمزة، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، و((أن)) مخففة من
الثقتلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف ، والجملة بعدها خبرها ، وأن وصلتها سادة مسد مفعولی
حسب .
والأضغان: جمع ضغن، وهو الحقد الشديد. يقال: ضَغِن صدر فلان ضَغَنا - بزنة
تعب - ، إذا اشتد حقده وغيظه ، والاسم الضّغن ، بمعنى الالتواء والاعوجاج الذى يكون فى
كل شىء، ويقال: تضاغن القوم، إذا انطوت قلوبهم على البغض والحقد .
(١) سورة الأنفال الآية ٥٠.

٢٤٣
سورة محمد
أى: بل أحسب هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر والضلال ، أن الله -
تعالى - غير قادر على إظهار أحقادهم الشديدة لرسوله - صل﴿ - والمؤمنين ؟
إن حسبانهم هذا هو لون من جهالاتهم ومن غباوتهم وانطماس بصائرهم .
لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء، ولا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال : ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم
بسيماهم ، ولتعرفتهم فى لحن القول ﴾ .
والمراد بالإِراءة هنا : التعريف والعلم الذى يقوم مقام الرؤية بالبصر ، كما فى قولهم :
سأريك يا فلان ما أصنع بك . أى : سأعلمك بذلك .
والفاء فى قوله: ﴿ فلعرفتهم بسيماهم﴾ لترتيب المعرفة على الإِراءة، والمراد بسيماهم:
علاماتهم . يقال : سوم فلان فرسه تسويما، إذا جعل له علامة يتميز بها .
وكررت اللام فى قوله: ﴿ فلعرفتهم ﴾ للتأكيد .
ولحن القول : أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة ، كأن يقول للقائل قولا
يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام، يقال: لحَنْتُ لفلان ألْحَن لحنا ، إذا قلت له قولا
يفهمه عنك ويخفى على غيره .
قال الجمل : واللحن يقال على معنيين ، أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير
مخاطبك - ومنه قول الرسول - * - لبعض أصحابه فى غزوة الأحزاب: ((وإن
وجدتموهم - أى : بنى قريظة - على الغدر فالحنوا لى لحنا أعرفه )).
والثانى : صرف الكلام من الإِعراب إلى الخطأ - أى : من النطق السليم إلى النطق
الخطأ - .
ويقال من الأول : لحنَتْ - بفتح الحاء - ألحن فأنا لاحن ، ويقال من الثانى : لَمِن -
بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما - فهو لحن (١).
والمعنى : ولو نشاء إعلامك وتعريفك - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء المنافقين وبذواتهم
وأشخاصهم لفعلنا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء ﴿ فلعرفتهم بسيماهم ﴾ أى: بعلاماتهم
الخاصة بهم ، والتى يتميزون بها عن غيرهم .
ولتعرفنهم﴾ - أيضا - ﴿ فى لحن القول) أى: ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٥٣.

٢٤٤
المجلد الثالث عشر
الأساليب المعروفة فى الكلام ، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظاهرها ، وإنما
يقصدون أشياء أخرى فيها الإِساءة إليك وإلى أتباعك .
قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى -: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ﴾
يقول - تعالى -: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم ، فعرفتهم عيانا ، ولكن لم يفعل -
سبحانه - ذلك فى جميع المنافقين ، سترا منه على خلقه .
ولتعرفنهم فى لحن القول ﴾ أى: فيما يبدون من كلامهم الدال على مقاصدهم . كما قال
عثمان - رضى الله عنه -: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه ، وفلتات
لسانه. وفى الحديث: (( ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها)).
وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال: خطبنا رسول الله - 14 - خطبة فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: ((إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم . ثم قال : قم يا فلان ، قم يا فلان -
حتى سمى ستة وثلاثين رجلا - ثم قال: إن فيكم - أو منكم - فاتقوا الله))(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ والله يعلم أعمالكم ) بيان لعلمه الشامل - سبحانه - وتهديد
لمن يجترح السيئات ، أى: والله - تعالى - يعلم أعمالكم علما تاما كاملا ، وسيجازيكم عليها
بما تستحقون من ثواب أو عقاب .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فى خلقه فقال: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم
والصابرين ونبلو أخباركم ﴾ .
أى : ولنعاملنكم - أيها الناس - معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية المتنوعة ، حتى
نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من غيرهم ، والصابرين منكم وغير الصابرين ﴿ ونبلو
أخباركم ﴾ أى : ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح .
فالمراد بقوله : ﴿ حتى نعلم المجاهدين .. ﴾ إظهار هذا العلم للناس ، حتى يتميز قوى
الإِيمان من ضعيفه ، وصحيح العقيدة من سقيمها .
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد هددت المنافقين تهديدا شديدا ، ووبختهم على مسالكهم
الذميمة ، وفضحتهم على رءوس الأشهاد ، وحذرت المؤمنين من شرورهم .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالدعوة إلى صلاح الأعمال ، وبتهديد الكافرين
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٠٤.

٢٤٥
سورة محمد
بالعذاب الشديد ، وبتبشير المؤمنين بالثواب الجزيل ، وبدعوتهم إلى الإكثار من الإِنفاق فى
سبيله .. فقال - تعالى - :
إِنَّالَّذِينَ
كَفَرُوا وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ وَ شَآَقُواْالرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ
◌َهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُ واْاللَّهَ شَيْئًا وَسَيُخْبِطُ أَعْمَلَهُمْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُم ◌ْ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اَلَّهِ ثُمَّ مَا تُواْ
وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُلَمُمْ ، فَلَتَهِنُواْ وَتَّدْعُوْ إِلَى السَّمِ
وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ ﴿ إِنَّمَا
اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُو ◌ْيُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ
وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ ﴿ إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ
تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَتَّكُمْ لَ هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ
لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ
فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن
تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَ كُمْ ثُمَّلَايَكُونُواْأَمْثَلَكُم
٣٨
والمراد بالذين كفروا فى قوله : - تعالى -: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾
جميع الكافرين ، كمشركى قريش ، والمنافقين ، وأهل الكتاب .
أى : إن الذين كفروا بكل ما يجب الإِيمان به ، ﴿وصدوا﴾ غيرهم عن الإِيمان بالحق.
و ((سبيل اللّه)) الواضح المستقيم.

٢٤٦
المجلد الثالث عشر
وشاقوا الرسول ﴾ أى: عادوه وخالفوه وآذوه، وأصل المشاقة: أن تصير فى شق
وجانب ، وعدوك فى شق وجانب آخر ، والمراد بها هنا : العداوة والبغضاء .
وقوله: ﴿ من بعدما تبين لهم﴾ ذم وتجهيل لهم، حيث حاربوا رسول الله - صل﴾ - من
بعد أن ظهر لهم أنه على الحق ، وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه .
وقوله: ﴿ لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم) بيان للآثار السيئة التى ترتبت على هذا
الصدود والعداوة .
أى: هؤلاء الذين كفروا، وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وحاربوا رسول الله - وَلخير -
هؤلاء لن يضروا الله - تعالى - شيئا بسبب كفرهم وضلالهم ، وسيبطل - سبحانه - أعمالهم
التى عملوها فى الدنيا ، وظنوها نافعة لهم ، كإطعام الطعام ، وصلة الأرحام .
لأن هذه الأعمال قد صدرت من نفس كافرة ولن يقبل - سبحانه - عملا من تلك
النفوس ، كما قال - تعالى -: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾.
﴾ .
وكما قال - سبحانه -: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته ومراقبته فقال .
يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾.
أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، أطيعوا الله - تعالى - فى كل ما أمركم
به. وأطيعوا رسوله - ﴿ - ولا تبطلوا ثواب أعمالكم بسبب ارتكابكم للمعاصى، التى على
رأسها النفاق والشقاق ، والمن والرياء ، وما يشبه ذلك من ألوان السيئات .
عن أبى العالية قال: كان أصحاب النبى - ول﴾ - بظنون أنه لا يضر مع ((لا إله إلا
الله)) ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية ، فخافوا أن يبطل الذنب
العمل .
وروى نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبى - * - نرى أنه ليس شىء
من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت هذه الآية ، فقلنا : ما هذا الذى يبطل أعمالنا ؟ فقلنا :
الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله - تعالى -: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به،
﴾.
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء
فلما نزلت كففنا من القول فى ذلك ، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ،
ونرجو لمن لم يصبها (١) .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٠٥.

٢٤٧
سورة محمد
ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين استمروا على كفرهم حتى ماتوا عليه فقال : ﴿ إن
الذين كفروا ﴾ بالله - تعالى - ، وبكل ما يجب الإِيمان به .
وصدوا عن سبيل الله﴾ أى: ومنعوا غيرهم عن الطريق التى توصلهم إلى طاعة الله
ورضاه. ﴿ ثم ماتوا﴾ جميعا، ﴿وهم كفار﴾ دون أن يقلعوا عن كفرهم.
﴿ فلن يغفر الله لهم﴾ شيئا من ذنوبهم، لأن استمرارهم على الكفر حال بينهم وبين
المغفرة .
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : ﴿إن الذين كفروا
وماتوا وهم كفار ، فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم
﴾(١).
وما لهم من ناصرين
والفاء فى قوله : ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ﴾ فصيحة، والخطاب
للمؤمنين على سبيل التبشير والتثبيت والحض على مجاهدة المشركين .
أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن الله - تعالى - لن يغفر للكافرين ..
فلاتهنوا﴾ أى : فلا تضعفوا - أيها المؤمنون - أمامهم . ولا تخافوا من قتالهم .. من
الوهن بمعنى الضعف ، وفعله وهن بمعنى ضعف ، ومنه قوله - تعالى - : ﴿وكأين من نبى قاتل
معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل اللّه ﴾.
وقوله : ﴿ وتدعوا إلى السلم﴾ معطوف على ﴿تهنوا﴾ داخل فى حيز النهى.
أى : فلا تضعفوا عن قتال الكافرين ، ولا تدعوهم إلى الصلح والمسالمة على سبيل الخوف
منهم ، وإظهار العجز أمامهم ، فإن ذلك نوع من إعطاء الدنية التى تأباها تعاليم دينكم .
وقوله: ﴿وأنتم الأعلون، والله معكم، ولن يتركم أعمالكم﴾ جمل حالية.
أى : لا تضعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون، أى: الأكثر قهراً
وغلبة لأعدائكم ، والله - تعالى - معكم بعونه ونصره وتأييده .
﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ أى: ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم، يقال: وَتَرْتُ فلانا
حقه - من باب وعد - إذ انقصته حقه ولم تعطه له كاملا ، وترت الرجل ، إذا قتلت له قتيلا ،
أو سلبت منه ماله .
قالوا : ومحل النهى عن الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم ، إذا كان هذا الصلح أو تلك
(١) سورة آل عمران الآية ٩١ .

٢٤٨
المجلد الثالث عشر
المسالمة تؤدى إلى إذلال المسلمين أو إظهارهم بمظهر الضعيف القابل لشروط أعدائه .. أما إذا
كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس من قبولها ، عملا بقوله -
تعالى -: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾.
ثم بين - سبحانه - ما يدل على هوان هذه الدنيا فقال : ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب
ولهو ﴾ .
قال الجمل : يعنى كيف تمنعكم الدنيا عن طلب الآخرة ، وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب
ولهو ، إلا ما كان منها فى عبادة الله - تعالى - وطاعته .
واللعب : ما يشغل الإِنسان وليس فيه منفعة فى الحال أو المآل ، ثم إذا استعمله الإِنسان ولم
ينتبه لأشغاله المهمة فهو اللعب ، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو(١) .
: وإن تؤمنوا﴾ إيمانا حقا﴿ وتتقوا﴾ الله - تعالى - ﴿يؤتكم أجوركم) كاملة غير
منقوصة، ﴿ ولا يسألكم أموالكم﴾ أى: ولا يأمركم - سبحانه - أن تخرجوا جميع
أموالكم على سبيل دفعها فى الزكاة المفروضة ، أو فى صدقة التطوع ، فالسؤال بمعنى الأمر
والتكليف ويصح أن يكون المعنى: ولا يسألكم رسولكم - ﴿ - شيئا من أموالكم، على
سبيل الأجر له على تبليغ دعوة ربه ، كما قال - تعالى -: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر
وما أنا من المتكلفين
فالضمير على المعنى الأول يعود إلى الله تعالى، وعلى الثانى يعود إلى الرسول - وَليه - ثم
أشار - سبحانه - إلى جانب من حكمته فى تشريعاته فقال: ﴿ إن يسألكموها فيحفكم
تبخلوا ويخرج أضغانكم ﴾ .
وقوله ﴿يحفكم﴾ من الإحفاء بمعنى الإلحاف: وهو المبالغة فى الطلب . يقال : أحفاه فى
المسألة ، إذا ألح عليه فى طلبها إلحاحا شديدا ، ومنه قوله - تعالى - ﴿ لا يسألون الناس
إلحافا ﴾ وأصله من أحفيت البعير ، إذا أرهقته فى المشى حتى انبرى ورق خفه .
أى : إن يكلفكم بأخراج جميع أموالكم ، ويبالغ فى طلب ذلك منكم ، تبخلوا بها فلا
تعطوها ، وبذلك ﴿ يخرج أضغائكم ﴾ أى: يظهر أحقادكم وكراهيتكم لهذا التكليف ، لأن
حبكم الجم للمال يجعلكم تكرهون كل تشريع يأمركم بإخراج جميع أموالكم .
فقوله ﴿ فيحفكم ﴾ عطف على فعل الشرط، وقوله ﴿تبخلوا﴾ جواب الشرط،
وقوله : ﴿ ويخرج أضغانكم) معطوف على هذا الجواب.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٥٥.

٢٤٩
سورة محمد
ثم تختتم السورة الكريمة بالدعوة إلى الإِنفاق فى سبيل اللّه فقال: ﴿هأنتم هؤلاء) -
أيها المؤمنون - ﴿ تدعون لتنفقوا فى سبيل الله ﴾ أى: فى وجوه الخير التى على رأسها الجهاد
فى سبيل إعلاء كلمة الله ، ونصرة دينه .
فمنكم من يبخل ﴾ أى: فمنكم - أيها المخاطبون - من يبخل بماله عن الإِنفاق فى
وجوه الخير ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾ أى: ومن يبخل فإنما يبخل عن داعى نفسه
لا عن داعى ربه ، أو فإنما يبخل على نفسه . يقال : بخل عليه وعنه - كفرح وكرم - بمعنى ،
لأن البخل فيه معنى المنع والإِمساك ومعنى التضييق على من مُنِع عنه المعروف ، فعدى بلفظ
عن﴾ نظرا للمعنى الأول، ولفظ ﴿ على ﴾ نظرا للمعنى الثانى.
﴿والله) - تعالى - هو ﴿الغنى وأنتم الفقراء) إليه، لاحتياجكم إلى عونه احتياجا
تاما ، ﴿ وإن تتولوا﴾ أى: وإن تعرضوا عن هذا الإِرشاد الحكيم.
يستبدل قوما غيركم ﴾ أى : يخلق بدلكم قوما آخرين .
ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ أى: ثم لا يكونوا أمثالكم فى الإعراض عن الخير ، وفى
البخل بما آتاهم الله من فضله .
والمتأمل فى هذه الآية يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوة إلى الإِيمان والسخاء ،
والنهى عن الجحود والبخل .
وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة محمد - وَّليه - نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر مساء الأربعاء ٦ من شهر ربيع الأول ١٤٠٦ هـ
كتبه الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
الموافق ١٨ / ١٢ / ١٩٨٥ م

تفسير
سودة آلْفِئْجُ

٢٥٣
مقدمة
بِسْمِ اللّهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة الفتح من السور المدنية ، وعدد آياتها تسع وعشرون آية ، وكان نزولها فى
أعقاب صلح الحديبية .
قال ابن كثير - رحمه الله -: نزلت سورة ((الفتح)) لما رجع رسول الله - 14 - من
الحديبية فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة ، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد
الحرام ، ليقضى عمرته فيه ، وحالوا بينه وبين ذلك ، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة ، وأن
يرجع عامه هذا ثم يأتى من قابل ، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة .. (١).
٢ - والمتدبر للقرآن الكريم ، يرى كثيرا من آياته وسوره ، فى أعقاب بعض الغزوات ،
ليتعلم المسلمون من تلك الآيات والسور ما ينفعهم وما يصلح من شأنهم .
فمثلا فى أعقاب غزوة (( بدر)» نزلت سورة الأنفال التى سماها ابن عباس سورة بدر .
وفى أعقاب غزوة ((أحد)) نزلت عشرات الآيات فى سورة آل عمران .
وفى أعقاب غزوة ((بنى النضير)) نزلت آيات من سورة الحشر .
وفى أعقاب غزوة ((الأحزاب)) نزلت آيات من سورة الأحزاب.
وفى أعقاب صلح الحديبية نزلت هذه السورة الكريمة ، التى تحكى الكثير من الأحداث التى
تتعلق بهذا الصلح .
٣ - وقبل أن نبدأ فى تفسير هذه السورة الكريمة ، نرى من الخير أن نعطى للقارىء فكرة
واضحة عن صلح الحديبية ، التى نزلت فى أعقابه هذه السورة .. فنقول - وبالله التوفيق - :
رأى النبى - - فى منامه أنه قد دخل المسجد الحرام هو وأصحابه ، وقد صرحت
السورة الكريمة بذلك فى قوله - تعالى -: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن
المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ... ﴾ فقص - * -
هذه الرؤيا على أصحابه ، ففرحوا بها . وكان المشركون قد منعوهم من دخول مكة ، ومن
الطواف بالمسجد الحرام .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٠٧ .

٢٥٤
المجلد الثالث عشر
۔
٤ - وخرج - - ومعه حوالى أربعمائة وألف من أصحابه ، ليس معهم من السلاح
سوى السيوف فى أغمادها ، وساقوا معهم الهدى الذى يتقربون بذبحه إلى الله - تعالى -
ليكون دليلا على أنهم لا يريدون حرب قريش، وإنما يريدون الطواف بالبيت الحرام .
وسار - ﴿ - من المدينة إلى مكة، فلما وصل إلى ((عُسْفَان)) وهو مكان بين مكة والمدينة
- جاءه بشر بن سفيان الكعبى وكان مكلفا من قِبَل النبى - ﴾ - لمعرفة أخبار قريش
فقال: يارسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العُوذُ المطَافِيلُ - أى:
ومعهم الإِبل التى لم تلد ، والإِبل التى ولدت ، قد لبسوا جلود النمور - أى : قد استعدوا
لقتالك وقد نزلوا بِذِى طَوىٍّ - وهو مكان بالقرب من مكة - ، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم
أبدا ..
فقال -* -: ((ياويح قريش !! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين
سائر العرب ، فإن هم أصابونى كان ذلك الذى أرادوا ، وإن أظهرنى الله عليهم ، دخلوا فى
الإِسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش؟ فو الله لا أزال أجاهد على
الذى بعثنى الله به ، حتى يظهره اللّه أو تنفرد هذه السالفة)) أى أو أن أقتل فى سبيل الله.
ثم قال -# -: ((مَن رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها))؟.
فقال رجل من قبيلة أسلم : أنا يارسول الله ، فسلك بهم طريقا وعرا ، انتهى بهم إلى
((الحديبية)» وهى قرية على بعد مرحلة من مكة ، أو هى بئر سمى المكان بها .
٥ - وفى هذا المكان بركت القصواء - وهى الناقة التى كان يركبها النبى - # - فقال
الناس: خلأت الناقة أى: حرنت وأبت المشى -، فقال -* -: ((ما خلأت وما هو لها
بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة . لا تدعونى قريش إلى خطة يسألوننى فيها صلة
الرحم إلا أعطيتهم إياها )).
ثم أمر - - الناس بالنزول فى هذا المكان ..
٦ - وعلمت قريش بنزول الرسول -﴿ - وأصحابه فى الحديبية ، فبدأوا يرسلون
رسلهم لمعرفة الأسباب التى حملت المسلمين إلى المجىء إليهم .
وكان من بين الرسل يُدَيْلُ بن ورقاء الخزاعى .. فلما سأل الرسول - 8# - عن سبب
مجيئه إلى مكة ، أخبره أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت الحرام ، ومعظما لحرمته ..
وعاد بديل إلى مكة ، وأخبر المشركين بما قاله الرسول -* - ولكنهم لم يقتنعوا،
وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالا . والله لا يدخلها علينا ◌َنوة أبدا ...

1
٢٥٥
مقدمة
٧ - ثم أرسلت قريش رسلا آخرين إلى النبى - #1 - كان من بينهم ، عروة بن مسعود
الثقفى .. فكان مما قاله للرسول - ﴿ه - : يا محمد، أجمعت أوشاب الناس - أى:
أخلاطهم - ثم جئت بهم إلى أهلك .. إن قريشا قد تعاهدت أنك لن تدخل عليهم مكة
عنوة ..
وكان عروة خلال حديثه مع رسول الله - وهي - يمد يده إلى لحيته - * - فكان المغيرة
بن شعبة يقرع يد عروة ويقول له : اكفف يدك عن وجه رسول اللّه قبل أن لا تصل أليك .
وشاهد عروة ما شاهد من احترام المسلمين لرسولهم - * - فعاد إلى المشركين وقال
لهم : يا معشر قريش، إنى قد جئت كسرى فى ملكه ، والنجاشى فى ملكه، وإنى والله
ما رأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى أصحابه ، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا ،
فروا رأيكم ..
٨ - ثم أرسل النبى -* - إلى قريش عثمان بن عفان - رضى الله عنه - لكى يخبرهم
بأن المسلمين ما جاءوا لحرب ، وإنما جاءوا للطواف بالبيت .
وذهب إليهم عثمان وأخبرهم بذلك ، ولكنهم صمموا على منع المسلمين من دخول مكة ،
قالوا لعثمان : إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطف .
فقال لهم: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله - ﴾ - .
وطال مكث عثمان عند قريش ، حتى أشيع بين المسلمين أنه قد قتله المشركون .
فقال - - حين بلغه أن عثمان قد قتل: ((لا نبرح حتى نناجز القوم)) ودعا المسلمين
إلى مبايعته على الموت ، فبايعه المسلمون على ذلك تحت شجرة الرضوان ...
ثم جاء عثمان بعد ذلك دون أن يصيبه أذى ...
٩ - وأخيرا أوفدت قريش إلى النبى -# - رجلا منهم اسمه سهيل بن عمرو ، ليعقد
صلحا مع المسلمين ، وقالوا له : انت محمدا فصالحه ، ولا يكن فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه
هذا ، فوالله لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا ..
وعندما رأى النبى - - سهيلا مقبلا نحوه ، قال لأصحابه: لقد سهل الله لكم من
أمركم، إن قريشا أرادت الصلح حين بعثت هذا الرجل .
وتم الصلح بين الفريقين على ما يأتى :
أولا : أن يرجع المسلمون دون زيارة البيت هذا العام ، فإذا كان العام التالى : أخلت
قريش لهم مكة ثلاثة أيام ، ليطوفوا بالبيت ، وليس معهم إلا السيوف فى غمدها ..

٢٥٦
المجلد الثالث عشر
ثانيا : أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين عشر سنوات .
ثالثا: من أتى الرسول - * - من قريش مسلما بغير إذن وليه رده إليهم ، ومن أتى
قريشا من المسلمين لم يردوه .
رابعا : من أحب أن يدخل فى عقد مع الرسول - * - فله ما أراد . ومن أحب أن
يدخل فى عهد قريش فله ذلك .
ولقد عز على بعض المسلمين قبول الرسول - ﴿ - لهذه الشروط ، التى ظاهرها الظلم
للمسلمين ، حتى قال عمر - رضى الله عنه - للرسول - * - : يارسول اللّه، ألسنا على
الحق وعدونا على الباطل؟ فقال - -: ((إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى)).
ثم أشار - - إلى المسلمين أن يتحللوا من عمرتهم ، بأن ينحروا هديهم ، وأن يحلقوا
رءوسهم أو يقصروا. ولكنهم لم يسارعوا بالامتثال، فدخل - * - على زوجه أم سلمة
- رضى الله عنها - ، وقد ظهر الغضب على وجهه .
فقالت له : يارسول الله ، اعذرهم، وابدأ بما تأمرهم به دون أن تكلم منهم أحدا .
فقام - ◌َ﴿ - فنحر هديه ، ودعا حالقه فحلق له ، فلما رأى المسلمون ذلك من نبيهم ،
قاموا فنحروا هديهم ، وجعل بعضهم يحلق بعضا .
ثم أقام المسلمون بعد ذلك عدة أيام بالحديبية ، ثم قفلوا راجعين إلى المدينة ، وعندما سمع
- * - بعضهم يقول : لقد رجعنا ولم نصنع شيئا ..
قال - - ((بل فتحتم أعظم الفتح)).
وصدق رسول الله - في - فى قوله هذا . فقد كان صلح الحديبية فتحا عظيما ، كما نبين
ذلك عند تفسيرنا للسورة الكريمة .
وبهذا العرض المجمل لأحداث صلح الحديبية ، نكون قد أعطينا القارىء فكرة مركزة عن
هذا الصلح ، وعن الجو العام الذى نزلت فى أعقابه سورة الفتح ، ومن أراد المزيد لمعرفة
أحداث صلح الحديبية فليرجع إلى كتب السيرة (١) .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
د . محمد سيد طنطاوى
٩ من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠٦ هـ
الموافق ٢١ / ١٢ / ١٩٨٥ م
(١) راجع سيرة ابن هشام جـ ٣ من ص ٣٥٥ إلى ص ٣٧٨ وتفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٢٧ .

٢٥٧
سورة الفتح
التفسير
قال الله - تعالى - :
مِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
31
إِنَّا فَتَحْنَالَكَ فَتْحًامُبِينًا ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَاتَّقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ
وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِمَّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ))
وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرً ا عَزِيزَانُ هُوَالَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَ فِ قُلُوبِ
الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَّا مَعَ إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمَانَ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ
سَبِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزَا عَظِيمًا (٥)، وَيُعَذِّبَ
اُلْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الظَّانِينَ
بِاَللَّهِ ظَنَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْجَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ، وَلِلَّهِ جُنُودُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًان
١
افتتحت سورة ((الفتح)) بهذه البشارات السامية، والمدائح العالية للنبى - وَله -
افتتحت بقوله - تعالى - : ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ .

٢٥٨
المجلد الثالث عشر
والفتح فى الأصل : إزالة الأغلاق عن الشىء .. وفتح البلد : المقصود به الظفر به ،
ووقوعه تحت سيطرة الفاتح .
والذى عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا : صلح الحديبية وما ترتب عليه من
خيرات كثيرة ، ومنافع جمة للمسلمين .
ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها : ما أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن
مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله - وَر -، وكان قد خرج إليها - وَل - يوم
الاثنين هلال ذى القعدة ، فأقام بها بضعة عشر يوما ، ثم قفل راجعا إلى المدينة ، فينما نحن
نسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى - وكان إذا أتاه اشتد عليه - فسرى عنه وبه من السرور
ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه: ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾.
وروى الإِمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال : شهدنا الحديبية ، فلما
انصرفنا منها وجدنا رسول الله - صلى - واقفا عند كراع الغميم - موضع بين مكة والمدينة -
وقد جمع الناس وقرأ عليهم: ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ الآيات .
فقال رجل: يارسول الله، أو فتح هو؟ فقال - وَلجر - : أى والذى نفسى بيده إنه
لفتح (١) .
ويرى بعضهم : أن المراد بالفتح هنا: فتح مكة ، والتعبير عنه بالماضى فى قوله : ﴿ إنا
فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ لتحقق الوقوع، فهو من قبيل قوله - تعالى -: ﴿ أتى أمر الله فلا
تستعجلوه ... ﴾ ويبدو لنا أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود الآثار الصحيحة التى
تشهد لذلك ، ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإسلامية ما يجعله من أعظم
الفتوح ، إن لم يكن أعظمها .
لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان بين المسملين والمشركين ، فاستطاع المسلمون أن ينشروا
دعوة الحق فى مكة وفى غيرها ، كما استطاعوا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم ،
فترتب على ذلك أن دخل فى الإِسلام عدد كبير من الناس .
قال الزهرى : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا
بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم ، وتمكن الإِسلام من قلوبهم ، وأسلم خلق كثير ، وکثر بهم سواد
الإسلام .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٠٧ وتفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٨٣ .

٢٥٩
سورة الفتح
قال ابن هشام: والدليل على صحة قول الزهرى، أن رسول الله - وَله - خرج إلى
الحديبية فى ألف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة فى عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - فى
عشرة آلاف من أصحابه .
وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات، وهى ((إن )) والمصدر
((فتحا)) والوصف ((مبينا)» وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح، ولإدخال
السرور على قلوبهم ، بعد تلك الشروط التى اشتمل عليها الصلح ، والتى ظنها بعضهم أن فيها
إجحافا بالمسلمين .
وأسند - سبحانه - الفعل إلى نون العظمة ﴿ فتحنا ﴾ لتفخيم شأن المخبر - عز
وجل - وعلو شأن المخبَرَ عنه وهو الفتح .
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور ﴿ لك﴾ على المفعول المطلق ﴿فتحا﴾ للاهتمام
وللإِشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله - وله - وفى ذلك ما فيه من تعظيم أمره - الخير -
ومن وجوب طاعته ، والامتثال لأمره .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله - * - فقال: ﴿ ليغفر لك الله
ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ويتم نعمته عليك ، ويهديك صراطا مستقيما . وينصرك الله نصرا
عزيزا﴾ .
واللام فى قوله ﴿ ليغفر﴾ متعلقة بقوله: ﴿فتحنا) وهى للتعليل . والمراد بما تقدم من
ذنبه - * - ما كان قبل النبوة ، وبما تأخر منه ما كان بعدها .
والمراد بالذنب هنا بالنسبة له - وج - ما كان خلاف الأولى ، فهو من باب حسنات
الأبرار سيئات المقربين ، أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه
- * - ذنب ، لأن غفران الذنوب معناه: سترها وتغطيتها وإزالتها .
قال الشوكانى: وقوله - تعالى -: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾
اللام : متعلقة بفتحنا وهى لام العلة ، قال المبرد : هى لام كى ومعناها : إنا فتحنا لك فتحا
مبينا - أى : ظاهرا واضحا مكشوفا - لكى يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة فى الفتح ، فلما
انضم إلى المغفرة شىء حادث واقع حسن معنى كى .
وقال ابن عطية : المراد أن الله فتح لك لكى يجعل الفتح علامة لغفرانه لك ، فكأنها لام
الصيرورة .. (١).
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٤ للشوكانى.

٢٦٠
المجلد الثالث عشر
وقال بعض العلماء: وقوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ هو كناية عن
عدم المؤاخذة. أو المراد بالذنب ما فرط منه - له - من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه
- وَ لجر - أو المراد بالغفران: الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه ذنب . لأن
الغفر هو الستر ، والستر إما بين العبد والذنب ، وهو اللائق بمقام النبوة ، أو بين الذنب
وعقوبته ، وهو اللائق بغيره .
واللام فى ﴿ ليغفر﴾ للعلة الغائية. أى: أن مجموع المتعاطفات الأربعة غاية للفتح
المبين ، وسبب عنه لا كل واحد منها .
والمعنى : يسرنا لك هذا الفتح الإِتمام النعمة عليك ، وهدايتك إلى الصراط المستقيم ،
ولنصرك نصرا عزيزا .
ولما امتن الله عليه بهذه النعم ، صدرها بما هو أعظم ، وهو المغفرة الشاملة ليجمع له بين
عزى الدنيا والآخرة . فليست المغفرة مسببة عن الفتح (١).
ولقد كان - * - مع هذه المغفرة من الله - تعالى - له ، أعبد الناس لربه، وأشدهم
خوفا منه ، وأكثرهم صلة به .
قال ابن كثير : قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة
قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبى - وَلّ - يصلى حتى تَرِمَ قدماه أى:
تتورم - فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((أفلا أكون
عبدا شكورا )) ..
وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله - ر18َّ - إذا صلى قام حتى تتفطر
رجلاه - أى : تتشقق - فقالت له عائشة : يارسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك
ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ .
فقال: (( ياعائشة، أفلا أكون عبدا شكورا .. )) (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ويتم نعمته عليك ﴾ معطوف على ما قبله . أى: ويتم
- سبحانه - نعمه عليك - أيها الرسول الكريم - بأن يظهر دعوتك ، ويكتب لها النصر ،
" والخلود ، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من الأنبياء ، فضلا عن غيرهم .
ويهديك صراطا مستقيما﴾ أى : ويهديك ويرشدك - سبحانه - بفضله وكرمه، إلى
(١) تفسير صفوة البيان جـ ٢ ص ٣٣٣ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٠٩ .