Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة الزخرف والمراد بالذكر هنا : القرآن الكريم . والمعنى : أنعرض عنكم ونهملكم فلا نذكركم بالقرآن الكريم ، ولا نرشدكم إلى هداياته . بسبب إسرافكم على أنفسكم ، ومحاربتكم للحق ، وإيثاركم الغى على الرشد ؟ !! لا لن نفعل ذلك ، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد - * - ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ، ومن شاء فليكفر . قال الشوكانى: قوله: ﴿ أن كنتم قوما مسرفين﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائى بكسر ﴿ إن ﴾ على أنها شرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون بفتحها على التعليل ، أى: لأن كنتم قوما منهمكين فى الإِسراف مصرين عليه .(١) . ثم سلى - سبحانه - نبيه -* - عن مكرهم فقال: ﴿وكم أرسلنا من نبى فى الأولين ﴾ و﴿ كم ﴾ هنا خبرية لإفادة كثرة الأنبياء والمرسلين وهى مفعول مقدم لأرسلنا. وقوله ﴿ من نبى﴾ تمييز لها . أى : ما أكثر الرسل الذين أرسلناهم فى الأمم الأولين لهدايتهم ، فكان موقف أكثر هؤلاء الأمم من رسلهم . يدل على إعراضهم عنهم ، وتكذيبهم لهم ، فاصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك ، كما صبر الذين من قبلك . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال: ﴿ وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزئون ﴾ أى : أن هؤلاء السابقين لم يأتهم نبى من الأنبياء لهدايتهم ، إلا استهزأوا به ، وسخروا منه ، وأعرضوا عنه . فماذا كانت نتيجتهم ؟ كانت نتيجة استهزائهم برسلهم كما قال - تعالى -: ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ﴾ . والضمير فى قوله ﴿ منهم﴾ يعود إلى القوم المسرفين، المخاطبين بقوله - تعالى - : أفنضرب عنكم الذكر صفحا ... ﴾ وفى الآية التفات من الخطاب الى الغيبة ، لأنه كان الظاهر أن يقال : فأهلكنا أشد منكم بطشا - أيها المشركون - . وقوله: ﴿ أشد منهم﴾ مفعول به لأهلكنا. وأصله نعت لمحذوف، أى: فأهلكنا قوما أشد منهم بطشا . والبطش: السطوة والقوة . يقال : فلان بطش بفلان إذا أخذه بقوة وعنف ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾. والمراد ((بمثل الأولين)) صفتهم المتمثلة فى استئصال شأفتهم، وقطع دابرهم. (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٤ ص ٥٤٧ . ٦٢ المجلد الثالث عشر أى : هكذا كان موقف السابقين من رسلهم ، لقد استهزءوا برسلهم فأهلكناهم ، وكانوا أشد قوة وبطشا من قومك المسرفين - أيها الرسول الكريم - وقد اقتضت حكمتنا أن نسوق لقومك قصص هؤلاء السابقين وصفاتهم وما حل بهم من نكبات ، لكى يعتبروا بهم ، ولا ينهجوا نهجهم ، حتى لا يصيب قومك ما أصاب أولئك السابقين المكذبين . ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا فى الأرض ، فأخذهم اللّه بذنوبهم وما كان لهم من اللّه من واق ﴾(١). ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك نماذج من تناقض هؤلاء المشركين مع أنفسهم ومن مواقفهم الجحودية من نعم الله - تعالى - عليهم .. فقال - تعالى - : وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠ وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ، وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَاتَرَّكَبُونَ ا لِتَسْتَوَ أَعَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوَأْنِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْسُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ، وَإِنَّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ ١٤ واللام فى قوله - تعالى -: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض﴾ للقسم. وجوابه قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ ليقولن خلقهن ... ﴾. (١) سورة غافر الآية ٢١ . ٦٣ سورة الزخرف والمعنى : وحق اللّه الذى لا إله إلا هو ، لئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين عمن خلق هذا الكون ، ليقولن بدون تردد : الله - تعالى - المتصف فى نفس الأمر بالعزة والعلم . فالآية الكريمة تدل دلالة صريحة على أن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا العالم ، وأن معبوداتهم بعض خلقه - تعالى - ولكنهم لجهلهم وانطاس بصائرهم أشركوها معه فى العبادة ، وقالوا: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى .. ﴾. ويبدو أن هاتين الصفتين: ﴿ العزيز العليم ) ليستا من أقوالهم . فهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا الكون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون الله بصفاته التى جاء بها القرآن الكريم . ولذا قال بعض العلماء : الذى يظهر أن هذا الكلام مجزأ ، فبعضه من قولهم وبعضه من قول الله - تعالى - ، فالذى هو من قولهم ﴿خلقهن)، وما بعده من قول الله - عز وجل - ، وأصل الكلام أنهم قالوا: خلقهن اللّه، ويدل عليه قوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ . ثم لما قالوا : خلقهن الله وصف الله - تعالى - ذاته بهاتين الصفتين (١). ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفات أخرى فقال: ﴿الذى جعل لكم الأرض مهدا ... المهد والمهاد : الفراش الممهد المذلل الذى يستقر عليه من جلس فوقه . أى : الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم ، الذى جعل لكم الأرض كالفراش الممهد ، حيث بسطها لكم ، وجعلها صالحة لسيركم عليها ، ولإِنبات الزروع فيها . وجعل لكم فيها سبلا﴾ أى: وجعل لكم فيها طرقا متعددة، لكى تسلكوها ، فتصلوا من بلد إلى آخر ، ومن قطر إلى قطر ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا ، لتسلكوا منها سبلا فجاجا ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ لعلكم تهتدون﴾ بيان للحكمة من جعل الأرض كذلك، أى: جعلها ممهدة كثيرة الطرق ، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول إليه من البلاد ، ومن المنافع المتعددة . ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثانية فقال: ﴿ والذى نزل من السماء ماء بقدر .. ﴾. أى : وهو - تعالى - الذى أنزل من السماء ماء بمقدار معين على قدر حاجتكم ومصلحتكم ، ( ١ ) راجع حاشية الکشاف جـ ٤ ص ٢٣٨ . ٦٤ المجلد الثالث عشر ٦ فلا هو بالكثير الذى يغرقكم ، ولا هو بالقليل الذى لا يكفى حاجتكم ، بل نزله بقدر كفايتكم، كما قال - سبحانه -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر، فأسكناه فى الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وكقوله - تعالى - فى آية ثانية: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله إلا بقدر معلوم ... ﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿فأنشرنا به بلدة ميتا﴾ بيان للآثار المترتبة على هذا الإنزال للماء. أى : نحن الذين بقدرتنا أنزلنا من السماء ماء على قدر حاجتكم ، وحسبما تقتضيه مصلحتكم ، فأحيينا بهذا الماء بلدة مجدبة ، لانبات فيها ولا زرع . فالمراد بالنشور : الإِحياء للأرض عن طريق إنبات الزرع بها ، بعد أن كانت مجدبة . وقوله : ﴿ كذلك تخرجون﴾ بيان لإمكانية إحياء الناس بعد موتهم. أى : مثل ذلك الإِحياء الأرض بعد موتها ، تخرجون أنتم من قبوركم أحياء يوم القيامة . قال الآلوسى : وفى التعبير عن إخراج النبات بالإِنشار الذى هو إحياء الموتى ، وعن إحيائهم بالإِخراج ، تفخيم الإِنبات ، وتهوين لأمر البعث ، وفى ذلك من الرد على منكريه ما فيه .. (١) . وشبيه بهذه الآية قوله: ﴿وهو الذى يرسل الرياح بشرابين يدى رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ، فأخرجنا به من كل الثمرات ، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ﴾(٢). ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثالثة فقال: ﴿ والذى خلق الأزواج كلها ﴾ أى: خلق أصناف وأنواع المخلوقات كلها . فالمراد بالأزواج هنا : الأصناف المختلفة من الذكر والأنثى . ومن غير ذلك من أنواع مخلوقاته التى لا تحصى . قال - سبحانه - ﴿ سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ، ومما لا يعلمون ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ أى: وسخر لكم بقدرته ورحمته من السفن التى تستعملونها فى البحر ، ومن الإِبل التى تستعملونها فى البر ، (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٦٧ . ( ٢) سورة الأعراف الآية ٥٧ . ٦٥ سورة الزخرف ما تركبونه وتحملون عليه أثقالكم ، وتنتقلون بواسطته من مكان إلى آخر . فما فى قوله ﴿ ما تركبون﴾ موصولة، والعائد محذوف والجملة مفعول ﴿ جعل﴾ وقوله: ﴿ من الفلك والأنعام ) بيان له مقدم عليه. أى: وجعل لكم ما تركبونه من الفلك والأنعام . ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا التذليل والتسخير للفلك والأنعام فقال: ﴿ لتستووا على ظهوره .. ﴾ والضمير فى ﴿ظهوره﴾ يعود إلى ﴿ ما﴾ فى قوله ﴿ ما تركبون﴾ وجاء مفردا رعاية للفظ ﴿ ما ﴾ وجمع الظهور لأن المراد بالمركوب جنسه. والاستواء : الاستعلاء على الشىء ، والتمكن منه ، أى : سخر لكم من السفن والأنعام ما تركبونه ، ولتستعلوا على ظهوره استعلاء المالك على مملوكه . ﴿ ثم تذكروا﴾ بعد كل هذا التمكن والاستعلاء ﴿نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ أى: على تلك السفن والأنعام التى تركبونها . والضمير فى ﴿ عليه ﴾ يعود - أيضا - الى ﴿ ما﴾ فى قوله ﴿ ما تركبون﴾ باعتبار لفظه ﴿ وتقولوا﴾ على سبيل الشكر لله - تعالى - والاعتراف بفضله ﴿سبحان الذى سخر لنا هذا ﴾ . أى: وتقولوا: جل شأن اللّه، وتنزه عن الشريك والمثيل، فهو الذى سخر لنا هذا المركوب من الفلك والأنعام ، وجعله منقادا لنا ، طائعا لأمرنا . ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ أى: والحال أننا ما كنا لهذا المركوب الصعب بقادرين على التمكن منه ، لولا أن الله - تعالى - سخره لنا ، وجعله منقادا لأمرنا . فقوله: ﴿مقرنين ) أى: مطيقين وقادرين وضابطين، من أقرن الشىء، إذا أطاقه وقدر: عليه ، حتى لكأنه صار له قرنا ، أى : مثله فى الشدة والقوة . والمقصود: ما كنا بقادرين أو بمطيقين لتذليل هذه السفن والأنعام ، لولا أن الله - تعالى - قد جعلها منقادة لنا ، ومسخرة لخدمتنا . ولا يخفى أن الجمل أقوى من الإِنسان ، وأن البحر لو لم يذلله - سبحانه - لنا ، لما قدرت السفن على الجرى فيه . قال القرطبى: قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ أى: مطيقين .. أو ضابطين وفى أصله قولان: أحدهما : أنه مأخوذ من الإِقران ، يقال : أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق . وأقرنت · كذا : أطقته وحكمته ، كأنه جعله فى قرَن - أى : حبل - فأوثقه به وشده . ٦٦ المجلد الثالث عشر والثانى : أنه مأخوذ من المقارنة ، وهو أن يقرن بعضها ببعض فى السير يقال : قرنت كذا بكذا إذا ربطته به ، وجعلته قرينه(١) . وقوله : ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) من جملة ما يقولونه - أيضا - عند استوائهم على ظهور السفن والإِبل . أى : تقولون إذا استويتم عليه : سبحان الذى سخر لنا هذا المركب الصعب ، وما كنا بقادرين على تذليله لولا أن الله - تعالى - وفقنا لذلك ، وإنا إلى ربنا وخالقنا لراجعون يوم القيامة ، لكى يحاسبنا على أعمالنا ، ويجازينا عليها بجزائه العادل . هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من الاحاديث ، منها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى .. عن عبد الله بن عمر أن النبى - 18 - كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال: ﴿ سبحان الذى سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾. ثم يقول: اللهم إنى أسألك فى سفرى هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر . واطولنا البعيد . اللهم أنت الصاحب فى السفر . والخليفة فى الأهل. اللهم اصحبنا فى سفرنا . واخلفنا فى أهلنا .(٢). وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله - تعالى - ، ومن رحمته بعباده ، لكى يخلصوا له العبادة والطاعة . ثم حكى - سبحانه - ما افتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد عليها بما يزهق باطلهم ، فقال - تعالى - : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينُ ، أَمِ اتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَّكُمْ بِاَلْبَنِينَ ، وَإِذَابُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَكَظِيمٌ ®) أَوَ مَن يُنَشَّؤُّأُ فِى اُلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ (٨)، وَجَعَلُواْالْمَلَبِكَةَ (١) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٦٦ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٠٨. ٦٧ سورة الزخرف الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا أَشَهِدُ واْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَ تُهُمْ وَيُسْتَلُونَ ﴿ وَقَالُواْلَوْشَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمُ مَّالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّ يَخْرُصُونَ ﴿ أَمْ ءَانَيْنَهُمْ كِتَبَامِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ (@)، بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَ نَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَّءَاثَرِهِمْ مُهْتَدُونَ (@) وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاءَ ابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْءَاثَّرِهِمْ مُقْتَدُونَ( ٢٣ قَلَ أَوَّلَوْجِنْتُكُمْ بِأَهْدَى مِنَّا وَجَدٍ ثُمَّ عَلَيْهِ ءَابَاءَ كُرْفَالُواْ إِنَّابِمَا أُرْسِلْتُمِهِ كَفِرُونَ ﴿٢) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمٌّ فَانْظُرْ كَيْفَ ٢٥ كَانَ عَقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ والمراد بالجعل فى قوله - تعالى -: ﴿وجعلوا له من عباده جزءا ... ﴾ الاعتقاد الباطل ، والحكم الفاسد . والمراد بالجزء الولد . والمقصود به خصوص البنات ، كما يدل عليه سياق الآيات . قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿ وجعلوا له من عباده جزءا .. ﴾ متصل بقوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ... ﴾ والمراد بيان تناقضهم مع أنفسهم ... حيث اعترفوا بأنه - تعالى - خالق السموات والأرض ، ثم وصفوه بصفات المخلوقين .. وعبر عن الولد بالجزء ، لأنه بضعة - وفرع - من والده ، كما قيل : أولادنا أكبادنا .. وقيل الجزء: اسم للإِناث ، يقال: أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى .. (١). أى : أن هؤلاء المشركين بلغ من تناقضهم فى أقوالهم وأفعالهم ، أنهم إذا سألهم سائل عن (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٩٦ . : ٦٨ المجلد الثالث عشر خالق هذا الكون قالوا: الله . ومع ذلك فهم لجهالتهم اعتقدوا اعتقادا باطلا بأن الملائكة بناته ، مع أن الملائكة من مخلوقاته التى يشملها هذا الكون . فالمقصود من الآية الكريمة تجهيل هؤلاء المشركين ، وتعجيب كل عاقل من سفاهتهم . والظاهر أن المراد بالإِنسان فى قوله - تعالى -: ﴿ إن الإنسان لكفور مبين ﴾ الكافر والفاسق من بنى آدم ، لأن الإنسان المؤمن لا يجحد نعم الله، وإنما يشكره - تعالى - عليها . أى : إن الإنسان الكافر والفاسق عن أمر ربه ، لشديد الجحود لنعم ربه ، مظهرا ذلك فى أقواله وفى أفعاله . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على السخرية منهم ومن أحوالهم الشاذة فقال : ﴿ أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ﴾ فالاستفهام للتوبيخ والإِنكار . و﴿ أصفاكم﴾ أى: آثركم واختصكم. يقال: أصفى فلان فلانا بالشىء، إذا اختصه به . ومنه قولهم لما يختص السلطان به نفسه من الأشياء النفيسة : الصوافى . أى : لقد زعمتم أن الملائكة بنات اللّه، فخبرونى بربكم هلى يعقل أن يتخذ الله - تعالى - أولاده من البنات اللائى هن أقل منزلة من البنين فى تقديركم ، ويترك لكم الذكور ؟ إن من شأن الذى يختار جنس الأولاد أن يختار أعلاهم منزلة فبأى منطق زعمتم أن الملائكة بنات اللّه. قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ أم اتخذ مما يخلق .. ﴾ أى: بَلْ آتخذ والهمزة للإِنكار، تجهيلا لهم ، وتعجيبا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءا حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزءين . وهو الآناث دون الذكور .. فكأنه قيل : هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه - تعالى - جائزة فرضا وتمثيلا أما تستحون من الشطط فى القسمة ، ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزءين .. ؟(١). ثم أكد - سبحانه - جهلهم وغفلتهم عن المنطق السليم فقال: ﴿وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم .. ﴾ . أى : أنهم قالوا الملائكة بنات اللّه، والحال أن الواحد منهم إذا بشره مبشر بأن امرأته قد ولدت له أنثى ، صار وجهه مسودا من شدة الحزن ، وظل ممتلئا بالهم والكرب . فالمراد بقوله: ﴿بما ضرب للرحمن مثلا﴾ جنس البنات حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه. قال الجمل: قوله: ﴿وإذا بشر أحدهم ... ) استئناف مقرر لما قبله. وقيل حال، على (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٤٣ . ٦٩ سورة الزخرف معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر ، ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم والالتفات إلى الغيبة للإِيذان بأن قبائحهم اقتضت الإعراض عنهم ، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها . و﴿ ما ﴾ فى قوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلا ﴾ موصولة ومعناها البنات وضرب بمعنى جعل، والمفعول الأول الذى هو عائد الموصول محذوف . أى: ضربه ، ومثلا هو المفعول الثانى ، والمثل بمعنى الشبه أى المشابه(١). ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيتهم السابق تبكيتا آخر فقال : ﴿ أو من ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين : . والاستفهام للإِنكار . وكلمة ﴿ من ﴾ عبارة عن جنس الإناث، وهى فى محل نصب بمضمر معطوف على ﴿ جعلوا﴾ و﴿ ينشأ﴾ يربى وينشأ. يقال: نشأ فلان فى بنى فلان، إذا شب وترعرع فيهم و﴿ الحلية ﴾ : اسم لما يتحلى ويتزين به . أى : أيجترئون ويجعلون الله - تعالى - الإناث ، اللائى من شأنهن أن ينشأن فى الزينة، لأن هذه الحياة هى المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدى ، واللائى من شأن معظمهن أنهن لا يقدرن على الدفاع عن أنفسهن لضعفهن وقصورهن فى الجدال وفى بيان الحجة التى ترد الخصم ، وتزيل الشبهة .. فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوء أدبهم ، حيث إنهم نسبوا إلى الله - تعالى - الإِناث اللائى من شأنهن النشأة فى الحلية والدعة والنعومة، فصرن بمقتضى هذه النشأة ، وبمقتضى تكوينهن البدنى والعقلى ، لا يقدرن على جدال أو قتال .. بينما نسبوا إلى أنفسهم الذكور الذين هم قوامون على النساء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذن قسمة ضيزى﴾. ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب فقال: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، أشهدوا خلقهم .. ﴾ والجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشىء ، كما تقول جعلت زيدا أفضل الناس ، أى حكمت عليه بذلك . أى : أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن ، وصفوة خلقه ، وأهل طاعته ، زعموا أنهم إناث ، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل ؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين ، ولذا ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ فى صحائف أعمالهم المليئة بالسيئات ﴿ ويسألون﴾ عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم القيامة . (١) حاشية الجمل على الجلائين جـ ٤ ص ٨٠ . ٧٠ المجلد الثالث عشر فالمراد بالكتابة والسؤال : معاقبتهم على افترائهم الكذب . وتجهيلهم فيما قالوه ، ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان معاذيرهم الكاذبة فقال: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ . أى: وقال هؤلاء المشركون على سبيل الاحتجاج بالأعذار الباطلة : لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للملائكة أو للأصنام ما عبدناهم . ثم يرد الله - تعالى - عليهم بما يخرس ألسنتهم ، وبهدم معاذيرهم فقال: ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ . أى . قالوا ما قالوه من غير علم أو برهان .. لأن مشيئة الله لا يعلمها أحد سواه، ولأنه - سبحانه - قد اقتضت حكمته ومشيئته . أن يجعل للانسان القدرة على اختيار طريق الحق أو طريق الباطل ، وهم قد اختاروا طريق الباطل ، واستحبوا الكفر على الإِيمان دون أن يكرههم على ذلك مكره ، فما قالوه ما هو إلا نوع من أنواع خرصهم وكذبهم وظنونهم الفاسدة . وقد فصلنا القول فى مسألة المشيئة عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة الأنعام : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ... ﴾ . وعند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة النحل : ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولا آباؤنا .. ﴾(١). وقوله - تعالى -: ﴿ أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ﴾ إضراب عن نفى أن يكون لهم فيما ادعوه علم عن طريق العقل ، إلى إبطال أن يكون لهم علم من جهة النقل . ٤﴾ بمعنى بل والهمزة . والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أى: بل أأعطيناهم كتابا من قبل القرآن ، فيه ما يشهد بصحة أقوالهم فهم بهذا الكتاب مستمسكون ؟ كلا إننا لم نعطهم شيئا من ذلك . ثم بين - سبحانه - مستندهم الحقيقى فقال: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ﴾ أى : أنهم ليس لهم فى الحيقة مستند لا من العقل ولا من النقل ، وإنما مستندهم الوحيد تقليدهم لآبائهم فى جهالاتهم وسفاهاتهم وكفرهم. فقد قالوا عندما دعاهم الرسول - الا*1 - الى الدين الحق: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، أى على دين وطريقة تؤم وتقصد ، وهى عبادة هذه الآلهة ﴿وإنا على آثارهم﴾ وطريقتهم ﴿مهتدون﴾ أى: سائرون بدون تفكر أو تدبر، أو (١) راجع تفسيرنا لهذه الآية ص ١٤٣ من تفسير سورة النحل . ٠٠٠ ٧١ سورة الزخرف حجة أو دليل ، فهم أشبه ما يكونون بقطيع الأنعام الذى يسير خلف قائده دون أن يعرف إلى أى طريق يسير .. وقوله - سبحانه - : ﴿ وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها ، إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون﴾ تسلية للرسول - صل﴿ - عما أصابه منهم من أذى ، ومن قول باطل . و﴿ الكاف ﴾ بمعنى مثل. واسم الإشارة ذلك يعود إلى حال الكافرين من قبلهم. أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما تراه من إعراض المشركين عن دعوتك . فإن شأنهم كشأن سابقيهم فى الكفر والضلال ، فإننا ما أرسلنا من قبلك من رسول فى قرية من القرى ، أو فى قوم من الأقوام ، إلا قال المنعمون منهم ، والذين أبطرهم الترف لمن جاءهم بالحق : إنا وجدنا آباءنا على دين وطريقة تؤم وتقصد ، وإنا على آثارهم ، وعلى نهجهم ، مقتدون . أى : مقتدون بهم فى عبادتهم وأفعالهم . وخص المترفين بالذكر ، لأنهم القادة الذين صرفهم التنعم وحب الجاه والسلطان ، عن النظر والتدبر والاستماع للحق ، وجعلهم يستحبون العمى على الهدى . وهنا يحكى القرآن رد الرسول - * - فيقول: ﴿ قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم .. } أى: قال الرسول - * - لقومه الذين أصروا على تقليد آبائهم فى الكفر والضلال: أتتبعون آباءكم وتقتدون بهم فى الكفر ، حتى ولو جئتكم بدين أهدى وأصوب مما كان عليه آباؤكم ؟ وقوله : - تعالى -: ﴿ قال أولو جئتكم ... ﴾ قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم . وقرأ الجمهور ﴿قل أولو جئتكم ... ) على أن الأمر للرسول - * - . وقوله - تعالى -: ﴿قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ أى: قال المترفون فى الرد على رسلهم : إنا بما أرسلتم به من الهدى والدعوة إلى الدين الحق كافرون ، وباقون على الدين الذى كان عليه آباؤنا . وقوله - سبحانه -: ﴿ فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) بيان للعاقبة السيئة التى حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم لآبائهم . أى : قالوا للرسل هذا القول الذى يدل على إيثارهم الغى على الرشد ، فانتقمنا منهم . بأن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم ٧٢ المجلد الثالث عشر من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا . ﴿ فانظر﴾ - أيها العاقل - وتأمل ﴿ كيف كان عاقبة المكذبين) لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا . هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات القرآنية التى حكت الأقوال الباطلة التى تفوه بها المشركون ، وردت عليهم ردا منطقيا حكيما يهدمها من قواعدها . لقد ذكرت - أولا - أنهم جعلوا لله - تعالى - من عباده جزءا ... ثم ردت عليهم بأنهم جاحدون لنعم الله، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذى يدل على جهلهم وغفلتهم ، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا - على سبيل الفرض والتقدير - لما اختار - سبحانه - لذاته جنس البنات ، وأعطاهم البنين .. ثم ذكرت - ثانيا - حالهم عندما يبشرون بالأنثى ، وتهكمت بهم حين نسبوا إلى الله من ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين ﴾ والمقصود بذلك جنس البنات ، ثم ذكرت - ثالثا - أنهم حكموا على الملائكة بأنهم إناث ، وردت عليهم بأن حكمهم هذا ساقط ، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم هذا الحكم الفاسد ، وأنهم سيجازون على أحكامهم التى لا دليل عليها ، بما يستحقون من عقاب . ثم ذكرت - رابعا - معاذيرهم التى اعتذروا بها عندما حاصرتهم الحجج الدامغة ، فقد قالوا: ﴿ لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ فرد - سبحانه - عليهم بقوله: ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ ، لأن قولهم هذا ما هو إلا لون من ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطة . ثم ذكرت - خامسا - أنهم فى إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل عقلى أو نقلى ، وإنما استندوا على شىء واحد هو التقليد لآبائهم فى جهلهم وضلالهم .. وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم .. ثم رد عليها بما يدحضها .. وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة .. أتبع - سبحانه - ذلك بذكر جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، وبذكر جانب من اعتراضاتهم على الرسول - ﴿ - وعلى دعوته ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - : وَإِذْقَالَ إِبَهِيْمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٦) إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُسَيهدِینِ ٢٧ ٠ ٠ ٧٣ سورة الزخرف وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِىِ عَقِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٥) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَبَآءَ هُمْ حَقَّ جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ٢٩ وَلَمَّاجَآءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّابِهِ كَفِرُونَ ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَنَيْنِ عَظِيمٍ ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ فَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ ٥/١/٢/ الدُّنْيَ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضَا سُخْرِ نَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ () وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ ١٣٣ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفَامِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَ يَظْهَرُونَ ( وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكُِّونَ ﴿٦)، وَزُخْرُفَأْوَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَرَّكَ ٣٥ لِلْمُتَّقِينَ أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك حال جدك إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لأبيه آزر ، ولقومه الذين كانوا عاكفين على عبادة الأصنام ، مقلدين فى ذلك آباءهم .. قال لهم : إننى برىء مما تعبدونه من هذه الأوثان . وذكرهم - سبحانه - هنا بحال إبراهيم ، لأنه كان أعظم آبائهم ، ومحط فخرهم ، والمجمع على محبته منهم . فكأنه - تعالى - يقول لهم : هذا هو حال جدكم إبراهيم الذى تعتزون به فلماذا لم تقلدوه فى إنكاره لعبادة الأصنام ، وفى هجره لما كان عليه أبوه وقومه ، وإخلاصه العبادة لله - تعالى - وحده . ٧٤ المجلد الثالث عشر وقوله : ﴿براء﴾ مصدر وقع موقع الصفة وهى برىء، على سبيل المبالغة فى التبرى من عبادتهم لغير الله - تعالى - يقال : تبرأت من فلان، فأنا منه براء . أى : كرهت قوله وفعله والقرب منه . والاستثناء فى قوله : ﴿إلا الذى فطرنى فإنه سيهدين﴾ منقطع، أى: أنا برىء من عبادة أصنامكم ، لكنى أعبد الذى خلقنى وفطرنى بقدرته ، فإنه هو الذى سيهدين إلى الصراط المستقيم . ويصح أن يكون متصلا بناء على أنهم كانوا يعبدون الله - تعالى - ويشركون معه فى هذه العبادة أصنامهم . أى: إننى برىء من عبادة أصنامكم، إلا أنى لا أعبد إلا الله - تعالى - الذى فطرنى. أى : خلقنى بقدرته على غير مثال سابق . وقال هنا ﴿سيهدين﴾ وقال فى آية أخرى: ﴿الذى خلقنى فهو يهدين﴾، للدلالة على ثقة ابراهيم - عليه السلام - بفضل ربه - تعالى - عليه ، وأنه يهديه فى الحال وفى الاستقبال ، وأن هذه الهداية مصاحبة له فى كل وقت من أوقات حياته . ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين قوله - تعالى - حكاية عن نبيه إبراهيم . : فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر ، فلما أفلت قال يا قوم إنى برىء مما تشركون . إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ... ﴾(١). وقوله - سبحابه -: ﴿ قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون . أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدو لى إلا رب العالمين . الذى خلقنى فهو يهدين .. ﴾(٢). والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿وجعلها كلمة باقية فى عقبه ... } يعود إلى كلمة التوحيد، المشتملة على البراءة من كل عبادة لغير الله - تعالى - ، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله - تعالى - : ﴿إننى براء مما تعبدون﴾. وضمير الفاعل المستتر فى قوله - سبحانه -: ﴿وجعلها .. ﴾ يعود إلى الله - تعالى - . أى : وجعل الله - تعالى - بفضله وكرمه ، كلمة التوحيد ، باقية فى عقب ابراهيم ، وفى (١) سورة الأنعام الآية ٧٨، ٧٩ . (٢) سورة الشعراء الآيات ٧٥ - ٧٨ . M ٧٥ سورة الزخرف ذريته من بعده ، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى سورة الصافات: ﴿ سلام على إبراهيم ، كذلك نجزى المحسنين . إنه من عبادنا المؤمنين . وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين . وباركنا عليه وعلى إسحاق ، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين .. ﴾ . ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - ، على معنى أنه أوصى ذريته من بعده بعبادة الله - تعالى - وحده ، وأنه دعا ربه أن يجعل فى ذريته من يعبده وحده . فيكون المعنى : وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهى كلمة التوحيد باقية فى ذريته حيث أوصاهم بعبادة الله وحده . ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ﴿ووصى بها - أى بكلمة التوحيد - إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ... ﴾(١). ثم بين - سبحانه - الحكمة فى ذلك الجعل فقال: ﴿ لعلهم يرجعون﴾ أى : جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كلمة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم ، ببركة دعائه لهم بالإِيمان ودعاء من آمن منهم . فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله - تعالى - بقوله: ﴿رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ... ﴾ وبقوله: ﴿ واجنينى وبنى أن نعبد الأصنام﴾. وقوله - سبحانه - : ﴿ بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ﴾ إضراب عن كلام محذوف ينساق إليه الكلام، والمراد ((بهؤلاء)) أهل مكة المعاصرين للنبى - * - وقوله: ﴿متعت ﴾ من التمتع بمعنى إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة ، واشتغالهم بذلك عن طاعة الله - تعالى - وشكره . والمعنى : اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية فى بعض ذرية إبراهيم لعل من بقى من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها ، ولكنهم لم يرجعوا بل أصروا على كفرهم ، فلم أعاجلهم بالعقوبة ، بل متعت هؤلاء المشركين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - بأن أمددتهم بالنعم المتعددة هم وآباؤهم ، وبقيت تلك النعم فيهم : ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، وجاءهم ﴿رسول مبين﴾ هو أنت - أيها الرسول الكريم - فإن رسالتك واضحة المعالم ، بينة المقاصد ، ليس فيها شىء من الغموض الذى يحملهم على الإِعراض عنها . (١ ) سورة البقرة الآية ١٢٢ . ٧٦ المجلد الثالث عشر فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الكلمة الباقية فى عقب إبراهيم وهى كلمة التوحيد ، لم يتبعها جميع أفراد ذريته ، بل اتبعها قوم وكفر بها آخرون وأن هؤلاء الكافرين - وعلى رأسهم كفار قريش - لم يعاجلهم الله - تعالى - بالعقوبة ، بل أعطاهم نعما متعددة ، فلم يشكروه - تعالى - عليها ، واستمروا على ذلك ، حتى جاءهم الحق ، فلم يؤمنوا به ، ولا بمن حمله إليهم وهو الرسول المبين - 3 198 - . ومن الآيات التى تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها المؤمن ، وكان منها الكافر . قوله - تعالى -: ﴿ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ، وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب ، فمنهم مهتد ، وكثير منهم فاسقون ﴾(١) . ثم بين - سبحانه - موقفهم من الحق الذى جاءهم به الرسول - خل - فقال: ﴿ ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ﴾ . أى: وحين جاءهم الرسول - مصر - بالحق من عند ربهم ، لكى يخرجهم من ظلمات الكفر ، إلى نور الإِيمان .. قالوا - على سبيل الجحود والعناد - : هذا الذى جئتنا به نوع من السحر ، وإنا به كافرون مكذبون . والتعبير بقوله: ﴿جاءهم﴾ يشعر بأن الحق قد وصل إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم فى البحث عنه ، ومع ذلك فقد استقبلوه بالجحود والإِنكار . ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان حسدهم وعنادهم فقال: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ . والمراد بالقريتين مكة أو الطائف . ومقصودهما إحداهما ، كالوليد بن المغيرة من مكة ، وكعروة بن مسعود من الطائف .. ويعنون بالعظم : كثرة المال ، والرئاسة فى قومه . أى : وقال هؤلاء المشركون - على سبل العناد والحسد - : هلا أنزل هذا القرآن ، الذى يقرؤه علينا محمد - موز - على رجل عظيم فى ماله وسلطانه ، ويكون من إحدى هاتين القريتين ، وهما مكة أو الطائف . فهم لجهلهم وانطماس بصائرهم، استكثروا أن ينزل هذا القرآن على محمد - ويلي - الذى وإن كان فى القمة من الشرف والسمو بين قومه إلا أنه لم يكن أكثرهم مالا وسلطانا ، وهم يريدون أن تكون النبوة فى زعيم من زعمائهم ، أو رئيس من رؤسائهم . (١) سورة الحديد. الآية ٢٦ . ٧٧ سورة الزخرف وهذا منهم - كما يقول الآلوسى - لجهلهم بأن رتبة الرسالة ، إنما تستدعى عظيم النفس ، بالتخلى عن الرذائل الدنية ، والتحلى بالكمالات والفضائل القدسية ، دون التزخرف بالزخارف الدنيوية (١). وقد وبخهم الله - تعالى - على جهلهم هذا بقوله : ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك .. ﴾ فالاستفهام للإِنكار والتهكم بهم ، والتعجب من تفكيرهم . والمراد بالرحمة: ما يشمل النبوة، وما أنزله على نبيه - وَلجه - من وحى ، وما منحه إياه من خلق كريم ، وخير عميم . أى: كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة ؟ إنهم ليس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك ، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها حيث شاؤا ، وليختاروا لها من أرادوا . ومادام الأمر كذلك فكيف يعترضون على نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم - ؟ . ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلقه فقال: ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ... ﴾ أى: نحن قسمنا بينهم أرزاقهم فى هذه الدنيا، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم ، ونحن الذين - بحكمتنا - تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم . ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات فى الدنيا ، فهذا غنى وذاك فقير ، وهذا مخدوم ، وذاك خادم ، وهذا قوى ، وذاك ضعيف . ثم ذكر - سبحانه - الحكمة من هذا التفاوت فى الأرزاق فقال : ﴿ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ﴾ . أى : فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فى حوائجهم ، ويعاون بعضهم بعضا فى مصالحهم ، وبذلك تنتظم الحياة ، وينهض العمران . ويعم الخير بين الناس ، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله - تعالى - له من رزق واستعداد .. ولو أنا تركنا أمر تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا ، وعم الخراب فى الأرض ، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه ، لأن الحرص والطمع من طبيعته . وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم فى منصب النبوة ، وهو بلا شك أعلى شأنا ، وأبعد شأوا من أمور الدنيا . وقوله ﴿ سخريا ﴾ بضم السين - من التسخير ، بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة (١) تفسر الآلوسى جـ ٢٥ ص ٧٨ . ٧٨ المجلد الثالث عشر بعضهم لبعض ، وعمل بعضهم لبعض ، فالغنى - مثلا - يقدم المال لغيره ، نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين .. وبذلك تنتظم أمور الحياة ، وتسير فى طريقها الذى رسمه - سبحانه - لها . قال الجمل ما ملخصه : قوله: ﴿ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ أى: ليستخدم بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم ، الأجراء الفقراء بالعمل ، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فيلتئم قوام العالم ، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش ، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الامر الدنىء ، فكيف يطمعون فى الاعتراض فى أمر النبوة ، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ، ونكل العالى إلى غيرنا .. ؟(١). هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تغيير لها ولا تبديل ، والتى تؤيدها المشاهدة فى كل زمان ومكان ، فحتى الدول التى تدعى المساواة فى كل شىء .. ترى سمة التفاوت فى الأرزاق وفى غيرها واضحة جلية ، وصدق الله فى قوله : ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ﴾. ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ﴿والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق ... ﴾ (٢). وقوله - سبحانه -: ﴿ انظر كيف فضلنابعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر درجات ، ﴾(٢) ٠ وأكبر تفضيلا ثم ختم - سبحانه - هذا التهوين لحطام الدنيا فقال : ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ، ومعارج عليها يظهرون ﴾ . و﴿ لولا﴾ حرف امتناع لامتناع. والكلام على حذف مضاف. والمراد بالأمة الواحدة: أمة الكفر . والمعارج جمع معرج وهى المصاعد التى يصعد عليها إلى أعلى . أى: ولولا كراهة أن يكون الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الكفر حين يشاهدون سعة الرزق ، ورفاهية العيش ، ظاهرة بين الكافرين .. لولا كراهية ذلك . لجعلنا بمشيئتنا وقدرتنا ، لمن يكفر بالرحمن ، الشىء الكثير من حطام الدنيا ، بأن نجعل لبيوتهم سقفا من فضة ، ولجعلنا لهم مصاعد فخمة عليها يرقون إلى أعلى مساكنهم . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٨٤ . (٢) سورة النحل آية ٧١ . ( ٣) سورة الإسراء آية ٢١ . 1 ٧٩ سورة الزخرف ولجعلنا - أيضا - لبيوتهم أبوابا جميلة ، وسررا ثمينة ﴿ عليها يتكئون ﴾ أى: على السرر يتكئون وهم جالسون فوقها . ﴿وزخرفا﴾ أى: ولجعلنا لهم زخرفا، ليستعملوه فى أسقف منازلهم، وفى أبواب بيوتهم ، وفى غير ذلك من شئون حياتهم . والزخرف : يطلق على الشىء الذى يتزين به . فيشمل الذهب والفضة ، وغيرهما مما يستعمله الناس فى تزيين بيوتهم . وقوله: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين ﴾ أى : وما كل ما ذكرناه من البيوت الموصوفة بما ذكرناه من الصفات السابقة ، إلا شىء يتمتع به المتمتعون فى الحياة ، التى أمرها إلى زوال واضمحلال .. أما الآخرة التى زينتها باقية لا تنتهى ولا تنقطع ، فهى عند ربك خاصة بالمؤمنين الصادقين ، الذين آثروا النعيم الباقى على النعيم الفانى ، فقدموا فى دنياهم العمل الصالح ، الذى ينفعهم فى أخراهم . وبعد هذا الحديث الجامع عن هوان شأن الدنيا عند الله - تعالى - ، أتبع - سبحانه - ذلك ببيان حال الذين يعرضون عن ذكر الله - تعالى - ، وأنهم يوم القيامة لن ينفعهم ندمهم أو تحسرهم، وسلى النبى - وَلاَ - عما أصابه منهم . فقال - تعالى -: وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَّهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِيْنٌ ٦)، وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ حَتَّى إِذَاجَاءَ نَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اُلْقَرِيْنُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمِ (٣٨ إِذَ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٢٦) أَفَأَنْتَ تُشَمِعُ الصُّوَّ أَوْتَهْدِى اُلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِ ضَلَلِ مُبِینٍ ٤٠ فَإِمَّاتَذْ هَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم ◌ُّنْتَقِمُونَ (٦) أَوْثُرِيَنَّكَ الَّذِى ٨٠ المجلد الثالث عشر وَعَدْقَهُمْ فَإِنَّا عَلَتِهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴿﴿ فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُتْشَلُونَ ﴿﴿ وَسْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَآَ ٤٥ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةً يُعْبَدُونَ وقوله - سبحانه -: ﴿ يعش﴾ أى: يعرض . يقال عشا فلان يعشو ، كدعا يدعو ، وعشى يعشى ، كرضى يرضى ، إذا ضعف بصره ، ومنه قولهم : ناقة عشواء ، إذا كانت لا تبصر إلا شيئا قليلا ، والمراد هنا : عمى البصيرة وضعف إدراكها للخير . ومنه قولهم : ركب فلان العشواء ، إذا خبط أمره على غير هدى أو بصيرة . والمعنى : ومن يتعام عن ذكر الرحمن ، ويعرض عن قرآنه ، ويتجاهل هدى الرسول - * - ﴿ نقيض له شيطانا﴾ أى، نهىء ونسبب له شيطانا رجيما يستولى عليه، ويستحوذ على قلبه وعقله . فهو له قرين﴾ أى: فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا الإنسان الذى أعرض عن القرآن ، ملازمة القرين لقرينه ، والشىء لظله . ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإِنس إنهم كانوا خاسرين ﴾(١) . ثم بين - سبحانه - الآثار التى تترتب على مقارنة الشيطان للإِنسان فقال: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ . والضمير فى ﴿ وإنهم ﴾ يعود إلى الشيطان باعتبار جنسه، وفى قوله - تعالى - ليصدونهم﴾ يعود إلى ﴿ومن﴾ فى قوله ﴿ومن يعش ... ) باعتبار معناها. أى : ومن يعرض عن طاعة الله، نهىء له شيطانا ، فيكون ملازما له ملازمة تامة ، وإن هؤلاء الشياطين وظيفتهم أنهم يصدون هؤلاء الفاسقين عن ذكر الله - تعالى - ، وعن سبيله الحق وصراطه المستقيم . (١) سورة فصلت الآية ٢٥.