Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة الشورى وَالَّذِينَ يُحَاجُونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُ مُّنُهُمْ دَاحِضَةُ عِندَرَبِهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ ١٦ قال الفخر الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما عظم وحيه إلى نبيه محمد - وَز - بقوله : كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ ذكر فى هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا .. ﴾ . أى : شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى .. وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر ، لأنهم أكابر الأنبياء ، وأصحاب الشرائع العظيمة ، والأتباع الكثيرة (١) . والمراد بما شرعه - سبحانه - على ألسنة هؤلاء الرسل : أصول الأديان التى لا يختلف فيها دين عن دين ، أو شريعة عن شريعة ، كإخلاص العبادة لله - تعالى - والإِيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ، والتحلى بمكارم الأخلاق كالصدق والعفاف . أما ما يتعلق بفروع الشرائع ، كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل التيسير لهم ، وتحريمها على قوم على سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل فى الأصول الثابتة فى جميع الأديان ، وإنما يختلف باختلاف الظروف والأحوال . ويؤيد ذلك قوله - تعالى -: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾(٢). وقوله - سبحانه - حكاية عن عيسى - عليه السلام - ﴿ ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم ﴾(٢). والمعنى : سن الله - تعالى - لكم - يا أمة محمد - والله - مر العقائد ومكارم الأخلاق، ما سنه لنوح - عليه السلام - الذى هو أول أولى العزم من الرسل ، وأول أصحاب الشرائع الجامعة . وشرع الله - تعالى - لكم - أيضا ما أوحاه إلى نبيه محمد - الجيزه - من آداب وأحكام وأوامر ونواه . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٢٨٢. (٢) سورة المائدة الآية ٤٨ . (٣) سورة آل عمران الآية ٥٠ . ٢٢ المجلد الثالث عشر وشرع لكم كذلك ما وصى به - سبحانه - أنبياءه : إبراهيم وموسى وعيسى ، من وصايا تتعلق بوجوب طاعة الله - تعالى - ، وإخلاص العبادة له ، والبعد عن كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم . وقوله - سبحانه -: ﴿ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ﴾ تفصيل وتوضيح لما شرعه - سبحانه - لهؤلاء الكرام ، ولما أوصاهم به . والمراد بإقامة الدين : التزام أوامره ونواهيه ، وطاعة الرسل فى كل ما جاءوا به من عند ربهم طاعة تامة . قال صاحب الكشاف : والمراد : إقامة دين الإِسلام الذى هو توحيد الله - تعالى - وطاعته ، والإِيمان برسله وكتبه ، وبيوم الجزاء ، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما ، ولم يرد الشرائع التى هى مصالح الأمم حسب أحوالها ، فإنها مختلفة متفاوتة . قال الله تعالى - ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ومحل ﴿ أن أقيموا﴾ إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه، وإما الرفع على الاستئناف ، كأنه قيل: وما ذلك المشروع ؟ فقيل: هو إقامة الدين .(١). أى : أوصاكم كما أوصى من قبلكم بالمحافظة على ما اشتمل عليه دين الإِسلام من عقائد وأحكام وآداب .. وأصول أجمعت عليها جميع الشرائع الإلهية ، كما أوصاكم بعدم الاختلاف فى أحكامه التى لا تقبل الاختلاف أو التفرق . ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من الدين الحق فقال : ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ . أى: شق وعظم على المشركين دعوتكم إياهم إلى وحدانية الله - تعالى - ، وإلى ترك ما ألفوه من شرك ، ومن تقاليد فاسدة ورثوها عن آبائهم . وقوله - تعالى -: ﴿ اللّه يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب﴾ بيان لكمال قدرته - تعالى - ونفاذ مشيئته . والاجتباء : الاصطفاء والاختيار . أى : اللّه - تعالى - بإرادته وحكمته يصطفى ويختار لرسالته من يشاء من عباده ، ويهدى إلى الحق من ينيب إليه ، ويرجع إلى طاعته - عز وجل - ويقبل على عبادته . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى اختلاف المختلفين فى أمر الدين ، وإلى تفرقهم شيعا وأحزابا فقال . ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيا بينهم﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢١٥ . ٢٣ سورة الشورى والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال والضمير فى قوله ﴿تفرقوا﴾ يعود على كل الذين اختلفوا على أنبيائهم ، وأعرضوا عن دعوتهم . وقوله ﴿ بغيا﴾ مفعول لأجله، مبين السبب الحقيقى للتفرق والاختلاف. أى: وما تفرق المتفرقون فى أمر الدين . وأعرضوا عما جاءتهم به رسلهم ، فى كل زمان ومكان ، إلا من بعد أن علموا الحق ، ووصل إليهم عن طريق أنبيائهم ، ولم يحملهم على هذا التفرق والاختلاف إلا البغى الذى استولى على نفوسهم ، والحسد لرسل الله - تعالى - على ما آتاهم الله من فضله . فقوله - تعالى -: ﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ) زيادة فى ذمهم ، فإن الاختلاف بعد العلم ، أدعى إلى الذم والتحقير ، لأنه يدل على أن هذا الاختلاف لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم وإصرار على الباطل . وقوله - تعالى - ﴿ بغيا بينهم ) زيادة أخرى تحمل كل عاقل على احتقارهم ونبذهم ، لأن هذه الجملة الكريمة تدل على أن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان الدافع إليه ، البغى والحسد والعناد . أى : أن اختلافهم على أنبيائهم كان الدافع إليه الظلم وتجاوز الحد ، والحرص على شهوات الدنيا ولذائذها ، والخوف على ضياع شىء منها من بين أيديهم . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله ورحمته بهذه الأمة فقال: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم ﴾ . والمراد بهذه الكلمة : ما وعد الله - تعالى -: نبيه - * - من أنه لن يهلك أمته بعذاب يستأصل شأفتهم ، كما أهلك قوم نوح وغيرهم ، ومن أنه - تعالى - سيؤخر عذابهم إلى الوقت الذى يختاره ويشاؤه - سبحانه - . أى : ولولا كلمة سبقت من ربك - أيها الرسول الكريم - ، بعدم إهلاكهم بعقوبة تستأصل شأفتهم ، وبتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى فى علمه - تعالى - لقضى بينهم بقطع دابرهم بسبب هذا الاختلاف الذى أدى بهم إلى الإعراض عن دعوتك ، وإلى عكوفهم على كفرهم . ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ) وهم أهل الكتاب المعاصرين لك من اليهود والنصارى ﴿ من بعدهم﴾ أى: من بعد الذين سبقوهم فى الاختلاف على أنبيائهم . لفى شك منه مريب ﴾ أى: لفى شك من هذا القرآن . ومن كل ما جئتهم به من عند ٢٤ المجلد الثالث عشر ربك ، هذا الشك أوقعهم فى الريبة وقلق النفس واضطرابها وتذبذبها ، ولذلك لم يؤمنوا بما جئتهم به من عند ربك . ثم حض - سبحانه - نبيه - ﴿ - على المضى فى دعوته فقال: ﴿ فلذلك فادع﴾. واسم الإشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر بإقامة الدين ، أى: فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد ، التى تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطئنين . واستقم كما أمرت ﴾ أى: واستقم على الصراط الذى كلفناك بالسير على نهجه، والزم المنهج القويم الذى أمرناك بالتزامه . ولا تتبع أهواءهم ﴾ أى : ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا . وقل﴾ لهم بكل ثبات وقوة ﴿آمنت بما أنزل الله من كتاب﴾ أى: آمنت بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية . فالمراد بالكتاب : جنسه . وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أى: وأمرنى ربى أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع قضاياكم إلىّ، فإن العدل شريعة الله تعالى. اللّه ربنا وربكم﴾ أى: الله - تعالى - وحده هو الخالق لنا ولكم ، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى . لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ أى : لنا أعمالنا التى سيحاسبنا الله عليها يوم القيامة، ولكم أنتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها ، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا . ﴿ لا حجة بيننا وبينكم﴾ أى: لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم، لأن الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم . اللّه يجمع بيننا وإليه المصير﴾ أى. الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، وإليه وحده ، مصيرنا ومصيركم ، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يجادلون بالباطل فقال : ﴿ والذين يحاجون فى الله . ٢٥ سورة الشورى من بعدما استجيب له ، حجتهم داحضة عند ربهم ﴾ . وقوله: ﴿ داحضة﴾ من الدحض بمعنى الزلل والزوال. وأصله: الطين الذى لا تستقر عليه الأقدام . يقال : دحضت رجل فلان ، إذا زلت وزلقت . أى: والذين يخاصمون فى الله. أى: فى دينه وشريعته، ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أى: من بعد أن استجاب العقلاء من الناس لهذا الدين الحق ، واتبعوا رسوله . ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم﴾ أى: حجة هؤلاء المجادلين بالباطل ، زائلة وزاهقة وعليهم غضب﴾ لا يقادر قدره من ربهم ﴿ولهم عذاب شديد﴾ يوم القيامة. ثم بين - سبحانه - حال الكافرين والمؤمنين بالنسبة ليوم القيامة ، كما بين جانبا من فضله على عباده ، ومن رحمته بهم ، فقال - تعالى - : اُللَّهُلَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانُّ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَاْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ أَلَّ إِنَّالَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِلَفِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ ١٨ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ؟ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْلَهُ فِى حَرْئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَانُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِمِن والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: ﴿ اللّه الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ جنسه أى : جميع الكتب السماوية التى أنزلها على أنبيائه . والمراد بالميزان : العدل والقسط الذى تضمنته شريعته - عز وجل - ، وأمر الناس بإقامته بينهم فى أمور معاشهم . ٢٦ المجلد الثالث عشر وتسمية العدل بالميزان من باب تسمية الشىء باسم آلته ، لأن الميزان آلة الإنصاف والقسط بين الناس فى معاملاتهم . قال - تعالى -: ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ﴾(١). وقال - سبحانه -: ﴿ الرحمن. علم القرآن . خلق الإِنسان علمه البيان . الشمس والقمر بحسبان . والنجم والشجر يسجدان . والسماء رفعها ووضع الميزان . أن لا تطغوا فى الميزان . وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ﴾ . أى : الله - تعالى - هو وحده الذى أنزل جميع الكتب السماوية لهداية الناس ومنفعتهم ، وقد أنزلها - سبحانه - ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وأنزل كذلك شريعته العادلة ليتحاكم إليها الناس فى قضاياهم ومعاملاتهم . وقوله - تعالى -: ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ إرشاد إلى أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى - : . أى : إن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى - وحده ، وأى شىء يجعلك عالما بوقتها إذا كان مرد علمها إلى الله وحده ، ومع ذلك لعل وقت قيامها قريب . وقال: ﴿قريب) ولم يقل قريبة ، لأن تأنيث الساعة غير حقيقى ، أو لأن لفظ فعيل يستوى فيه المذكر والمؤنث، كما فى قوله - تعالى -: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا﴾(٢). وقوله - تعالى -: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ، والذين آمنوا ، مشفقون منها .. ﴾ بيان لموقف الكافرين والمؤمنين من الساعة. أى : يستعجل الكافرون قيام الساعة ، استعجال استهزاء وإستخفاف لجهلهم وإنطماس بصائرهم ، أما الذين آمنوا باقه واليوم الآخر . فهم خائفون مشفقون من قيامها ، لما فيها من أهوال وحساب وثواب وعقاب ، ولأنهم لا يدرون ما الذى سيفعله الله - تعالى - بهم . فقوله - تعالى - ﴿ مشفقون﴾ من الإشفاق ، وهو عناية مشوبة بخوف ، لأن المشفق (١) سورة الحديد الآية ٢٥ . (٢) سورة الأحزاب: الآية ٦٣ . ٢٧ سورة الشورى يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه. فإذا عدى بحرف ((من)» فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدى بحرف (( فى)) فمعنى العناية فيه أظهر . وقوله - سبحانه - ﴿ ويعلمون أنها الحق ﴾ تأكيد لإيمان المؤمنين بها ، ومدح لهم على هذا الإيمان . أى : أن المؤمنين وجلون من الساعة لما فيها من حساب .. ومع ذلك فهم لصدق يقينهم يعتقدون أنها آتية لا ريب فيها ، ويستعدون لاستقبالها بالإِيمان العميق ، وبالعمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى - . ثم وبخ - سبحانه - الذين يشكون فى البعث والنشور فقال: ﴿ ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد وقوله: ﴿يمارون﴾ من الماراة بمعنى المجادلة والمخاصمة. يقال: مارى فلان فى الشىء يمارى مراء وماراة ، إذا خاصم وجادل . أى : ألا إن الذين يخاصمون فى قيام الساعة خصام شك وريبة ، لفى ضلال بعيد عن الحق ، وفى ذهول شديد عن الصواب ، لأن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شىء ، ولأن حكمته قد اقتضت أن يجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - أنه رءوف رحيم بعباده فقال: ﴿اللّه لطيف بعباده﴾ أى: حفى بهم ، عطوف عليهم ، يفيض عليهم جميعا من صنوف بره مالا تحصيه العقول ، ومن مظاهر ذلك أنه لا يعاجلهم بالعقوبة ، مع مجاهرتهم بمعصيته ، وأنه يرزقهم جميعا مع أن أكثرهم لا يشكرونه على نعمه . وقوله ﴿يرزق من يشاء﴾ أى: يبسط رزقه ويوسعه لمن يشاء من خلقه ﴿وهو ﴾ سبحانه ﴿ القوى العزيز ﴾ أى: وهو العظيم القوة الغالب على كل من سواه . ثم حكى - تعالى - سنته التى لا تتخلف فقال : ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ﴾ . والحرث فى الأصل : مصدر بمعنى إلقاء البذور فى الأرض ، لتنبت ما ينفع الناس من زرع . والمراد به ثمرات الأعمال ونتائجها ، تشبيها لها بثمرات البذور . والمعنى: من كان يريد من الناس بأعماله ثواب الآخرة ، ورضا الله - تعالى - ضاعف الله - عز وجل - له الأجر والثواب والعطاء . ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا ﴾ أى: ومن كان يريد بعمله شهوات الدنيا نؤته منها ، . ٢٨ المجلد الثالث عشر ما قدرناه له من حطامها وزخارفها . وما له فى الآخرة من نصيب﴾ أى: وليس له فى الآخرة نصيب من خيراتها الباقية ، ونعيمها الدائم . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا . ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا . كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا ﴾(١) . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على كفرهم ، وقارنت بين مصيرهم السىء ، وبين المصير الطيب الذى وعد الله به المؤمنين .. فقال - تعالى - : أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُ شَرَعُوْلَّهُم مِّنَ اُلِّّيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَا تَرَى الَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّاكَسَبُواْوَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُ مَّايَشَاءُ ونَ عِندَرَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( ٢٢ ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتْ قُللَّا أَسْتَلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةُ فَِّدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَّا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ ﴿٦، أَمْيَقُولُونَ أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًافَإِن يَشٍَ الهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكٌ وَيَمْعُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ الْحَّ ٢٤ بِكَلِمَتِّ ◌ِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١) سورة الإسراء الآيات من ٢٨، ٣١. ٢٩ سورة الشورى قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ أم لهم شركاء﴾ أى: ألهم ، والميم صلة الهمزة للتقريع . وهذا متصل بقوله : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ﴾ وقوله - تعالى - : اللّه الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾. كانوا لا يؤمنون به ، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذى لم يأذن به الله؟ وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك ، فمن أين يدينون به (١) . فالآية الكريمة تنكر عليهم شركهم بأبلغ أسلوب ، وتؤنيهم على جهالتهم حيث أشركوا بالله - تعالى - : دون أن يكون عندهم دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما وقعوا فيه من باطل . والمراد بكلمة الفصل فى قوله - تعالى -: ﴿ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم ﴾ ما تفضل به - سبحانه - من تأخير العذاب الماحق عنهم . أى: ولولا حكمنا بتأخير العذاب عنهم - فضلا منا وكرما - لقضى الأمر بين هؤلاء الكافرين وبين المؤمنين ، بأن أهلكنا الكافرين واستأصلنا شأفتهم فى الدنيا ، ولكن شاء ربك أن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة . ﴿ وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ فى الآخرة، بسبب إصرارهم على ظلمهم وموتهم على الكفر والشرك . ثم صور - سبحانه - أحوالهم السيئة يوم القيامة تصويرا مؤثرا فقال: ﴿ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم أى : ترى - أيها العاقل - هؤلاء الظالمين يوم القيامة ﴿مشفقين مما كسبوا﴾ أى خائفين خوفا شديدا ، بسبب ما اكتسبوه فى الدنيا من سيئات على رأسها الكفر ، وهذا الذعر الشديد لن ينفعهم ، فإن العذاب واقع بهم لامحالة ، سواء أخافوا أم لم يخافوا . وقوله - تعالى -: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم .. ﴾ بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - لعباده المؤمنين. والروضات : جمع روضة ، وهو أشرف بقاع الجنة وأطيبها وأعلاها . أى : هذا هو مصير الظالمين يوم القيامة ، أما الذين آمنوا وعملوا فى دنياهم الأعمال (١) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ١٩. ٣٠ المجلد الثالث عشر الصالحات ، فهم يوم القيامة يكونون فى أشرف بقاع الجنات وأطيبها وأسماها منزلة ، حالة كونهم لهم ما يشاءون من خيرات عند ربهم . ﴿ ذلك هو الفضل الكبير﴾ أى: الذى أعطيناه للمؤمنين من خيرات، هو الفضل الكبير الذى لا يعادله فضل ، ولا يماثله كرم . واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿ ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات أى : ذلك الفضل الكبير، هو البشارة العظمى؛ والعطاء الجزيل ، الذى يمنحه الله - تعالى - يوم القيامة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات . قال الألوسى قوله: ﴿ ذلك﴾ أى : الفضل الكبير، أو الثواب المفهوم من السياق، هو الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أى: يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول ، كما هو عادتهم فى التدريج فى الحذف ولا مانع من حذفها دفعة . وجوز كون ﴿ ذلك﴾ إشارة إلى التبشير المفهوم من ((يبشر)) .. أى: ذلك التبشير يبشره الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات(٢). ثم أمر الله - تعالى - نبيه -* - أن يؤكد لأولئك المشركين من قومه ، أنه لا يسألهم أجرا على دعوته ، وإنما يسألهم المودة والمعاملة الحسنة لقرابته منهم فقال: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى ﴾ . والضمير المجرور فى ﴿عليه﴾ يعود إلى التبليغ والتبشير والإنذار الذى يفعله الرسول -* - معهم ﴿والقربى) مصدر كالقرابة والخطاب لكفار قريش. وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال : أولها : أن المراد بالقربى : الصلة والقرابة التى تربط بين الرسول وبين كفار قريش . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إنى لا أسألكم على التبليغ أجرا ، لكن أسألكم أن تودونى لقرابتى فيكم، فتكفوا عنى أذاكم ، وتمنعوا عنى أذى غيركم ، وتستجيبوا لدعوتى ، فإن صلة القرابة والرحم التى بينى وبينكم توجب عليكم ذلك . فالقربى هنا : بمعنى القرابة وصلة الرحم . و ﴿ فى ﴾ للسببية بمعنى لام التعليل كما جاء فى الحديث الشريف: ((دخلت امرأة النار فى هرة)). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٣٠. 1 ٣١ سورة الشورى ولاشك أن منع أذاهم عنه - * - بسبب قرابته فيهم ليس أجرا . وثانيها : أن المراد بالقربى هنا : أقاربه وعشيرته وعترته فيكون المعنى لا أسألكم أجرا على دعوتى لكم إلى الخير والحق ، ولكن أسألكم أن تحفظونى فى قرابتى وأهل بيتى ، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأى نوع من الأذى . ولا شك - أيضا - أن إحسانهم إلى أقاربه ، ليس أجرا منهم له على ذلك لأن الإِحسان إلى الناس ، شىء قررته جميع الشرائع وتقتضيه مكارم الأخلاق . وثالثها : أن المراد بالقربى هنا: التقرب إلى الله - تعالى - بالإِيمان والعمل الصالح. أى : لا أسألكم على التبليغ أجرا، ولكن أسألكم أن تتقربوا إلى الله - تعالى - بما يرضيه بأن تتركوا الكفر والفسوق والعصيان ، وتدخلوا فى الإِيمان والطاعة لله - تعالى - . وهذا الذى طلبه منهم ، ليس أجرا على التبليغ ، لأن التقرب إلى الله بالطاعات فرض عليهم . وقد رجح العلماء القول الأول ، واستدلوا على هذا الترجيح بأحاديث منها : ما رواه البخارى عن ابن عباس أنه سئل عن معنى قوله - تعالى - ﴿ إلا المودة فى القربى﴾، فقال سعيد بن جبير: ((قربى آل محمد)) فقال ابن عباس: عَجِلت. إن النبى - ◌َليزر - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة . فقال : إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة . وقال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث وغيره ، وبهذا الرأى قال مجاهد وعكرمة ، وقتادة ، والسدى، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم(١). وقال الإِمام ابن جرير - بعد أن ساق هذه الأقوال - وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، وأشبهها بظاهر التنزيل ، قول من قال معناه : لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش ، إلا أن تودونى فى قرابتى منكم ، وتصلوا الرحم التى بينى وبينكم . وإنما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لدخول ﴿ فى﴾ فى قوله: ﴿ إلا المودة فى القربى ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال إلا أن تودوا قرابتى ، أو تتقربوا إلى الله ، لم يكن . لدخول ﴿فى ﴾ فى الكلام فى هذا الموضع وجه معروف ولكان التنزيل إلا مودة القربى، إن . عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله -# - أو إلا المودة بالقربى إن عنى به الأمر بالتودد والتقرب إلى الله - تعالى - . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٨٧ . ٣٢ المجلد الثالث عشر وفى دخول ﴿ فى﴾ فى الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودتى فى قرابتى منكم (١). ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال: ﴿ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ، إن الله غفور شكور . وقوله ﴿ يقترف ﴾ من القرف بفتح القاف وإسكان الراء. بمعنى الكسب، يقال: فلان يقرف لعياله ، أى : يكسب لهم ما يكفيهم لأمور معاشهم . ومن يكتسب حسنة يبغى بها التقرب إلى الله تعالى ، نضاعف له - بفضلنا وإحساننا - ثوابها ، إن الله تعالى واسع المغفرة لعباده . كثير الشكر للطائعين بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون . ثم عادت السورة إلى توبيخ الكافرين على كذبهم وعنادهم ، فقال تعالى: ﴿ أم يقولون افترى على الله كذبا ﴾ . أى: بل أيقولون إن محمدا - # - قد افترى على الله - تعالى - كذبا فیما يدعونا إليه ، وفيما يتلوه علينا من قرآن ؟ ثم أجاب - سبحانه - عن افترائهم هذا بقوله : ﴿ فإن يشأ اللّه يختم على قلبك ﴾ أى : فإن يشأ الله - تعالى - يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى عليه الكذب ، لأن افتراء الكذب على الله لا يكون إلا ممن طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، وأنت أيها الرسول الكريم مبرأ ومنزه عن ذلك . فالمقصود من الجملة الكريمة تنزيه ساحة الرسول - * - عما قاله المشركون فى شأنه ، وإثبات أن افتراء الكذب. إنما هو من شأنهم لا من شأنه - * - . قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ فإن يشأ اللّه يختم على قلبك﴾ أى: فإن يشأ الله - تعالى - يجعلك من المختوم على قلوبهم ، حتى تفترى عليه الكذب ، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان فى مثل حالهم . وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله ، وأنه فى البعد مثل الشرك بالله ، والدخول فى جملة المختوم على قلوبهم ومثال هذا : أن يُخوَّن بعض الأمناء فيقول: لعل الله خذلنى، لعل اللّه أعمى قلبى، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب ، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله ، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم .(٢) . (١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٥ ص ١٧ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٢٣ . ٣٣ سورة الشورى وقوله - سبحانه -: ﴿ويمح اللّه الباطل، ويحق الحق بكلماته ، إنه عليم بذات الصدور﴾: كلام مستأنف غير داخل فى جواب الشرط ، لأنه - تعالى - يمحو الباطل مطلقا ، وسقطت الواو من الفعل ﴿يمح ﴾ لفظا لالتقاء الساكنين، وخطا حملا له على اللفظ ، كما كتبوا ﴿سندع الزبانية﴾ فهو مرفوع لا مجزوم، ويؤيده عطف ﴿ويحق﴾ المرفوع عليه . أى: من شأن الله - تعالى - أن يمحو الباطل، وأن يثبت الحق بكلماته الفاصلة، وقضائه العادل ، كما قال - تعالى -: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾. إنه﴾ سبحانه - ﴿ عليم بذات الصدور﴾ أى: مطلع على ما تخفيه الصدور من أسرار ونوايا ، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر . ثم تحدثت السورة الكريمة عن دلائل الإِيمان فى الأنفس والآفاق ، وعن آثار القدرة فيما يحيط بالناس ، وفيما يتعلق بحياتهم ومعاشهم ، وفيما يتعلق بمظاهر لطفه بهم ،وفضله عليهم ، فقال - تعالى - : وَهُوَالَّذِى يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ ٢٥ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَيَزِيِدُمِّن فَضْلِهِ، وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ لِعِبَادِهِ لَبَغَوَّا فِى الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، ٢) وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ٢٧ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ومر ے وَمِنْءَايَنِهِ، خَلْقُ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّالْحَمِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَابَثَّ فِيهِمَا مِن دَآئَةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ) وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا ٣٤ المجلد الثالث عشر كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴿﴿ وَمَآ أَنْتُمُ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا تَصِيرٍ آ وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِكَلْأَعْلَمِ ﴿ إِن يَشَأَيُسْكِنِ الْرِيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوََّإِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّصَبَّارٍشَكُورٍ أَوْ يُو بِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْوَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ، وَيَعْلَمَ الَّذِينَ ١٣٣ يُحَدِلُونَ فِّءَئِنَامَالَهُ مِّن ◌َحِصِ (٥) فَمَا أُوتِيتُ مِّنْ شَىْءٍ فَتَعُ اْحَيَوَةِ الدُّنيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَلُونَ ﴿ قال الجمل فى حاشيته : قوله - تعالى -: ﴿وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ﴾ قال ابن عباس : يريد أولياءه وأهل طاعته . والتوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كان معصية بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط : الإقلاع عن المعصية ، والندم على فعلها ، والعزم على عدم العودة إليها . وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمى، أضيف إلى ذلك : أن يبرأ من حق صاحبها .. (١) والمعنى : وهو - سبحانه - وحده الذى يقبل التوبة من عباده التائبين إليه ، شفقة عليهم ، ورحمة بهم ، بأن يكفر سيئاتهم ، ولا يعاقبهم عليها . والقبول يعدى بعن، لتضمنه معنى الإبانة والقطع ، ويعدى بمن لتضمنه معنى الأخذ كما فى قوله - تعالى -: ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ﴾. وعدى بعن هنا للإشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده . وقوله - تعالى - ﴿ويعفو عن السيئات﴾ تأكيد لما قبله وتقرير له أى : أنه عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين ، وفضلا عن ذلك ، يعفو عن سيئاتهم ، ويسترها عليهم ، بل . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٦٣ . ٣٥ سورة الشورى ويحولها - بفضله إلى حسنات ، كما قال - تعالى - ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾. وقوله - سبحانه - ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ تحذير من التمادى فى تأخير التوبة ، وفى اقتراف ما نهى عنه ، فكأنه - تعالى - يقول : لقد فتحت لكم باب التوبة والعفو ، فأقبلوا على طاعتى ، واتركوا معصيتى ، فإنى عليم بما تفعلونه من خير أو شر ، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . و﴿ ما ﴾ فى قوله ﴿ويعلم ما تفعلون﴾ موصولة، والعائد محذوف. أى: ويعلم الذى تفعلونه دون أن يخفى عليه - تعالى - شىء منه . وقوله - تعالى - : ﴿ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله .. ﴾ معطوف على قوله : ﴿ يقبل التوبة عن عباده ﴾. أى : ويستجيب سبحانه من الذين آمنوا دعاءهم ، ويزيدهم من فضله وإحسانه ، بأن يعطيهم من النعم والخيرات أكثر مما سألوا . قال الآلوسى ما ملخصه : والموصول مفعول بدون تقدير شىء ، بناء على أن یستجیب ﴾ یتعدی بنفسه ، کما یتعدی باللام ، نحو شكرته وشكرت له ، أو بتقدير اللام على أنه من باب الحذف والإِيصال ، والأصل: ويستجيب للذين آمنوا .. (١). والكافرون لهم عذاب شديد ﴾ أى: هذا هو حال المؤمنين يجيب لهم - سبحانه - دعاءهم ، ويزيدهم من فضله وإحسانه .. أما الكافرون الذين ستروا نعمه ، وجحدوا فضله ، فلهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - . ثم بين - سبحانه - جانبا مما اقتضته حكمته فى تدبير أمور عباده فقال: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ﴾ . والبغى : تجاوز الحد فى كل شىء يقال: بغى الجرح ، إذا أظهر ما بداخله من دم أو غيره . وبغى القوم ، إذا تجاوزوا حدودهم فى العدوان على غيرهم . أى : ولو بسط الله - تعالى - الرزق لعباده ، بأن وسعه عليهم جميعا توسعة فوق حاجتهم ، ﴿ ليغوا فى الأرض﴾ أى: لتجاوزوا حدودهم، ولتكبروا فيها ، ولطغوا وعتوا وتركوا الشكر لنا ، وقالوا ما قاله قارون: ﴿ إنما أوتيته على علم عندى ﴾. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٣٧ . ٣٦ المجلد الثالث عشر وقوله : ﴿ ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾ بيان لما اقتضته حكمته - تعالى - أى : أن حكمته - تعالى - قد اقتضت عدم التوسعة فى الرزق لجميع عباده ، لأن هذه التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبطر ، لذا أنزل الله - تعالى - لهم الرزق بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته ، كما قال - سبحانه -: ﴿وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿إنه بعباده خبير بصير ﴾ تعليل لتنزيله الرزق على عباده بتقدير وتحديد دقيق . أى : فعل ما فعل - سبحانه - من إنزال الرزق على عباده بقدر ، لأنه - تعالى - خبير بخفايا أحوال عباده ، وبطوايا نفوسهم ، بصير بما يقولونه وبما يفعلونه . قال صاحب الكشاف : أى أنه - تعالى - يعلم ما يؤول إليه حالهم ، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم، وأقرب إلى جمع شملهم ، فيفقر ويغنى ، ويمنع ويعطى ، ويقبض ويبسط ، كما توجبه الحكمة الربانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا ، ولو أفقرهم لهلكوا . ولا شبهة فى أن البغى مع الفقر أقل ، ومع البسط أكثر وأغلب ، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغى والإحجام عنه ، فلو عم البسط ، لغلب البغى حتى ينقلب الأمر اإلى عكس ما هو عليه الآن(١). ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وكلها تدل على وحدانيته وكمال قدرته فقال - تعالى -: ﴿ وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ﴾. أى: وهو - سبحانه - الذى ينزل المطر على عباده ، من بعد أن انتظروه فترة طويلة حتى ظهرت على ملامحهم علامات اليأس ، وبدأت على وجوههم أمارات القنوط . وقوله - تعالى -: ﴿وينشر رحمته﴾ معطوف على ﴿ينزل﴾. أى: ينزل الأمطار بعد يأس الناس من نزولها ، وينشر رحمته عليهم عن طريق ما ينتج عن هذه الأمطار من خيرات وبركات وأرزاق . وهو﴾ - سبحانه - ﴿الولى﴾ أى: الذى يتولى عباده برحمته وإحسانه الحميد﴾ أى: المحمود على فعله ، حيث أنزل على عباده الغيث بعد أن ينسوا منه، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تصور جانبا من فضل الله على عباده بطريقة محسوسة، فالتعبير بالغيث يشعر بالغوث والنجدة بعد أن فقد الناس الأمل فى ذلك ، والتعبير بالقنوط (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٢٤ . ٣٧ سورة الشورى يشعر بأن آثار الضيق قد ظهرت على وجوههم ، والتعبير بقوله - تعالى - ﴿ وينشر رحمته﴾ ، يشعر بانتشار الرجاء والفرح والانشراح على الوجوه بعد أن حل بها القنوط . والتعبير بقوله - تعالى -: ﴿وهو الولى الحميد ) يشعر بقرب الله - تعالى - من عباده ، وبوجوب شكره على ما أعطى بعد المنع ، وعلى ما فرج بعد الضيق . ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان كمال قدرته فقال: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيها من دابة ﴾ . والمراد بالآيات هنا: الدلائل والعلامات الواضحة الدالة على كمال قدرته - عز وجل - . وقوله: ﴿وما بث﴾ معطوف على ﴿ خلق السموات والأرض﴾. أى: ومن العلامات الناصعة الدالة على كمال قدرته - تعالى - خلقه السموات والأرض بتلك الصورة الباهرة البديعة التى نشاهدها بأعيننا ، وخلقه - أيضا - لما بث فيهما من دابة ، ولما نشر وفرق فيهما من دواب لا يعلم عددها إلا الله - تعالى - . والدابة : اسم لكل ما يدب على وجه الأرض أو غيرها . وظاهر الآية الكريمة يفيد وجود دواب فى السموات . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم قال: ﴿ فيهما من دابة﴾ والدواب فى الأرض وحدها ؟ . قلت : يجوز أن ينسب الشىء إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه كما يقال : بنو تميم فيهم شاعر مجيد ، أو شجاع بطل ، وإنما هو فى فخذ من أفخاذهم . ويجوز أن يكون للملائكة - عليهم السلام - مشى مع الطيران ، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسى ، ولا يبعد أن يخلق - سبحانه - فى السموات حيوانا يمشى فيها مشى الأناسى على الأرض ، سبحان الذى خلق ما نعلم وما لانعلم من أصناف الخلق .(١) . وقوله - تعالى -: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ﴾ بيان لكمال قدرته - عز وجل - . أى : وهو - سبحانه - قادر قدرة تامة على جمع الخلائق يوم القيامة للحساب والجزاء . كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾ ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٥٥ . ٣٨ المجلد الثالث عشر ثم بين - سبحانه - أن ما يصيب الناس من بلاء إنما هو بسبب أعمالهم فقال: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ . أى: وما أصابكم - أيها الناس - من بلاء، كمرض وخوف وفقر فإنما هو بسبب ما اكتسبتموه من ذنوب، وما اقترفتموه من خطايا، ويعفو - سبحانه - عن كثير من السيئات التى ارتكبتموها، فلا يحاسبكم عليها رحمة منه بكم . قال - تعالى - ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة .. ﴾(١). وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث والآثار منها ما رواه ابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال: ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب اللّه، وحدثنا بها رسول - * - قال: وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ﴾ وسأفسرها لك يا على: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله - تعالى - أحلم من أن يثنى عليه العقوبة فى الآخرة، وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه)) (٢). ثم حذر - سبحانه - الناس من عقابه فقال: ﴿وما أنتم بمعجزين فى الأرض، وما لكم من دون اللّه من ولى ولا نصير ﴾. أى: وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على الهرب منا فى أى مكان من الأرض أو فى غيرها ، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أى مكان كنتم فيه، وليس لكم غير الله - تعالى - من ولى يتولى أموركم، أو نصير يدفع عنكم عذابه . قال - تعالى -: ﴿ ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ﴾ . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من دلائل قدرته عن طريق ما يشاهده الناس فى البحر، فقال - تعالى -: ﴿ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام ﴾. والجوار: جمع جارية والمراد بها السفينة لأنها تجرى فى البحر، وهى صفة لموصوف محذوف . والأعلام: جمع علم وهو الجبل الكبير، وأصله الأثر الذى يعلم به الشىء كعلم الطريق، وعلم الجيش، وسمى علما لأن الناس يسترشدون به فى سيرهم . (١ ) سورة فاطر الآية ٤٥ . (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٩٥ . ٣٩ سورة الشورى أى: ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته، هذه السفن الجارية فى البحر، حتى لكأنها من ضخامتها وعظمها الجبال الشاهقة . إن يشأ﴾ - سبحانه - ﴿ يسكن الريح﴾ التى بسببها تجرى السفن فى البحار فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أى: فيصرن ثوابت على ظهر البحر لا يجرين. يقال: ركد الماء ركودا - من باب قعد - إذا سكن، فهو راكد . وكل شىء ثابت فى مكانه فهو راكد . ﴿ إن فى ذلك ﴾ الذى ذكرناه لكم من السفن المسخرة فى البحر بأمره - تعالى - لآيات﴾ عظيمات ﴿ لكل صبار شكور﴾ أى: لكل إنسان قد تحلى بصفتى الصبر والشكر اللّه - تعالى -، حتى صارتا هاتان الصفتان سجية من سجاياه .. ﴿ أو يوبقهن بما كسبوا ﴾ أى أو يهلكهن ويغرقهن بسبب ما اكتسبه الراكبون فى هذه السفن من ذنوب وخطايا . يقال: أوبق فلان فلانا إذا حبسه أو أهلكه . ووبق فلان - كوعد ووجل، وبوقا إذا هلك . وهو معطوف على قوله ((يسكن)) وكذلك قوله ((ويعفو)). أى: إن يشأ - سبحانه - يسكن الريح فتظل السفن ساكنة على ظهر البحر، أو إن يشأ يرسل الريح عاصفة بتلك السفن بمن فيها، أو إن يشأ ينج ناسا بالعفو عنهم . قال صاحب الكشاف: ((يوبقهن)) يهلكهن. والمعنى: أنه إن يشأ يبتلى المسافرين فى البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فيركد الجوارى على ظهر البحر، ويمنعهن من الجرى، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكن إغراقا بسبب ما كسبوا من الذنوب ﴿ويعف عن كثير ﴾ منها . فإن قلت: علام عطف ((يوبقهن)) قلت: على ((يسكن)) لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها . فإن قلت: فما معنى إدخال العفو فى حكم الإِيباق حيث جزم جزمه ؟ قلت: معناه: أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم . فإن قلت: فمن قرأ ((ويعفو))؟ قلت: قد استأنف الكلام)) (١). ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: ﴿ويعلم الذين يجادلون فى آياتنا ما لهم من محيص ﴾ والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب. يقال: حاص فلان عن الشىء، إذا حاول الفرار منه . (١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٢٧ . ٤٠ المجلد الثالث عشر وقراءة الجمهور بنصب ((يعلم)) على أنه منصوب على فعل مقدر. أى: فعل ما فعل - سبحانه - لينتقم من الظالمين، وليعلم الذين يجادلون فى آياتنا الدالة على وحدنيتنا وقدرتنا .. أنهم لا محيص لهم ولا مهرب من عذابنا، بسبب جدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق . ثم بين - سبحانه - أن متاع الدنيا مهما كثر فهو إلى زوال، فقال: ﴿ فما أوتيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا ... ﴾ أى: فما أعطيتم من شىء من متع الحياة الدنيا كالغنى والصحة والجاه . فإنما هو متاع زائل من متع الحياة الدنيا . وما عند الله ﴾ من عطاء وثواب فى الآخرة. خير وأبقى، أى: هو خير فى ذاته من متاع الحياة الدنيا، وأبقى منه زمانا حيث لا يزول ولا يفنى . وقوله ﴿ للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ متعلق بقوله (خير وأبقى﴾ أى: هذا الذى ذكرناه لكم من نعم الآخرة خير وأبقى، للذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا؛ وللذين هم يتوكلون ولا يعتمدون إلا على ربهم وحده، لا على غيره أصلا . ** * وبعد هذا البيان المفصل للبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وللنعم التى أسبغها - سبحانه - على عباده ... بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان الصفات الطيبة والمناقب الحميدة، التى وفق الله - تعالى - عباده المؤمنين للتحلى بها، فقال: وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَالْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَامَا غَضِبُوَأْهُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٢٦) وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُو ◌ْ لِرَبِهِمْ وَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِعَّارَزَقْتَهُمْ يُتْفِقُونَ ﴿٢) وَالَّذِينَ إِذَاأَصَابَهُمُ الْبَغْىُمْ يَنْنَصِرُونَ ﴿٢) وَحَرَّؤَأْسَنِئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ، عَلَى الَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ النَّالِمِينَ ﴿ وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ كُلْمِهِ فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنْ سَبِيلٍ ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ اْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِالْأُمُورِ ٤٣