Indexed OCR Text
Pages 1-20
البَفْسيُ الوَسِطِ
لِلِقُرآزِ الْكُرِيمِ
تفسير سور
الزخرف
الشورى
الجاثية
الدخان
محمد
الأحقاف
الجرات
الفتح
الدكتور محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد الثالث عشر
٠
دار المعارف
مراجعة
د. عبد الرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.
بِسْمِ اللّهِ الرّحمنِ الرَّحِيم
رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
صدق الله العظيم
١٢٧١
تفسير
سُورَة الشورى
٧
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيم
مقدّمة
١ - سورة ((الشورى)) هى السورة الثانية والأربعون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها
بعد نزول سورة ((فصلت)). وعدد آياتها ثلاث وخمسون آية.
وتسمى - أيضا - سورة ﴿ حم عسق) ، لافتتاحها بذلك .
والرأى الصحيح أن سورة ﴿الشورى﴾ من السور المكية الخالصة. وقيل هى مكية إلا
أربع آيات منها تبدأ من قوله - تعالى -: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى
القربی
ولكن هذا القيل لا يعتمد على دليل صحيح ، بل الصحيح أن السورة كلها مكية .
٢ - وتبدأ سورة الشورى ببيان أن الله - تعالى - قد أوحى إلى نبيه - ليزر - كما أوحى
إلى غيره من الأنبياء ، وببيان مظاهر قدرته - عز وجل - ، وأنه - تعالى - قادر على أن
يجعل الناس أمة واحدة .
قال - تعالى -: ﴿ولو شاء اللّه لجعلهم أمة واحدة ، ولكن يدخل من يشاء فى رحمته ،
والظالمون مالهم من ولى ولا نصير ﴾ .
٣ - وبعد أن أنكر - سبحانه - على المشركين إشراكهم ، وساق الأدلة على بطلان هذا
الشرك ، وأمر بالرجوع إلى حكم الله - تعالى - فيما اختلفوا فيه .
بعد كل ذلك بين - سبحانه - أن الشريعة التى جاء بها الأنبياء واحدة فى جوهرها ، وأن
تفرق الناس فى عقائدهم ، مرجعه إلى بغيهم وأهوائهم .
قال - تعالى -: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذى أوحينا إليك ، وما
وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، كبر على المشركين
ما تدعوهم إليه ، الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب ﴾ .
٤ - تم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر نعم الله - تعالى - على عباده ،
٨
المجلد الثالث عشر
عن طريق ما أودع فيهم من عقول : وما أنزله لهم من شرائع ، وما حباهم به من أرزاق ...
ووبخت الكافرين على كفرهم مع كل هذه النعم التى أنعم بها عليهم ، وبينت ما سيكونون
عليه يوم القيامة من حسرة وندامة ، وما سيكون عليه المؤمنون الصادقون من فرح وحبور .
قال - تعالى -: ﴿ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم، والذين آمنوا وعملوا
الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ، ذلك هو الفضل الكبير . ذلك الذى
يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى
القربى ، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ، إن الله غفور شكور﴾.
٥ - ثم واصلت السورة حديثها عن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن ألوان نعمه على
خلقه ، فتحدثت عن فضله - تعالى - فى قبوله لتوبة التائبين ، وعفوه عن سيئاتهم ، وإجابته
لدعائهم وإنزاله الغيث عليهم من بعد قنوطهم ويأسهم ، وخلقه السموات والأرض وما فيهما
من أجل مصلحة الناس ومنفعتهم ، ورعايته لهم وهم فى سفنهم داخل البحر .
قال - تعالى -: ﴿ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام . إن يشأ يسكن الريح فيظللن
رواكد على ظهره ، إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بماكسبوا ويعف عن
کثیر ﴾ .
٦ - ثم بين - سبحانه - صفات المؤمنين الصادقين ، وأثنى عليهم ثناء عاطرا ، يحمل
العقلاء على الاقتداء بهم ، وعلى التحلى بصفاتهم .
قال - سبحانه -: ﴿ والذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش ، وإذا ما غضبوا هم
يغفرون . والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة ، وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم
ينفقون . والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح
فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين . ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾
٧ - وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، أتبع القرآن هذه
الصفات الكريمة للمؤمنين ، ببيان الأحوال السيئة التى سيكون عليها الظالمون يوم القيامة ،
ودعتهم إلى الدخول فى الدين الحق من قبل فوات الأوان .
قال - تعالى -: ﴿ استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من اللّه ، مالكم من .
ملجأ يومئذ وما لكم من نكير ﴾ .
٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من مظاهر فضله على
رسوله - * - فقال :
٠٠٠
٩
مقدمة
وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ماكنت تدرى ما الكتاب ولا الإِيمان ، ولكن جعلناه
نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ، وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم ، صراط اللّه الذى له
ما فى السموات وما فى الأرض . ألا إلى اللّه تصير الأمور ﴾.
٩ - ومن هذا العرض الإجمالى لآيات سورة الشورى . نراها زاخرة بالحديث عن الأدلة
على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى صدق الرسول - ﴿ - فيما يبلغه عن ربه ،
وعلى أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
كما نراها زاخرة - أيضا - بالحديث عن نعم الله على عباده ، وعن حسن عاقبة المؤمنين ،
وسوء عاقبة المكذبين وعن مشاهد يوم القيامة وما فيه من أهوال . وعن شبهات المشركين والرد
عليها بما يدحضها .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى
١١ / ١٠/ ١٩٨٥
١١
سورة الشورى
التفسير
٠١
كَذَلِكَ يُوحِىّ إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ
٢
عسق
اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ
الْعَلِىُّالْعَظِيمُ نْ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ
وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى
اُلْأَرْضِ أَلَا إِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
مِن دُونِهِ- أَوْلِيَآءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيرٍ))
سورة ((الشورى )) من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن ذكرنا
أن أقرب الأقوال إلى الصواب فى المقصود بهذه الحروف ، أنها وردت فى افتتاح بعض السور
على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن
تر ونه مؤلفا من کلام هو من جنس ما تؤلفون منه کلامکم ، ومنظوما من حروف هی من جنس
الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من أنه منزل من عند الله ،
فهاتوا مثله أو عشر سور من مثله ، أو سورة من مثله .. فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن
هذا القرآن من عند الله - تعالى - :
وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيره لهذه السورة آثارا واهية ، رأينا أن نذكر بعضها
للتنبيه على سقوطها .
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد روى الإِمام ابن جرير ها هنا أثرا غريبا عجيبا
منكرا ، فقال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال له - وعنده حذيفة ابن اليمان - أخبرنى عن
تفسير قول الله - تعالى -: ﴿ حم عسق). فأطرق ابن عباس ثم أعرض عنه .
١
١٢
المجلد الثالث عشر
فقال حذيفة للرجل : أنا أنبئك بها ، قد عرفتُ لم كرهها ؟ نزلت فى رجل من أهل بيته
يقال له: ((عبد الإله)) أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار الشرق ، تبنى عليه مدينتان،
يشق النهر بينهما شقا . فإذا أذن الله فى زوال ملكهم .. بعث الله على إحداهما نارا ليلا .. ثم
بخسف الله - تعالى - بالأخرى فذلك قوله ﴿ حم. عسق ﴾ .
يعنى : عزيمة من اللّه وفتنة وقضاء حُمَّ ﴿حم)، وعين ، يعنى عدلا منه، وسين : يعنى
سيكون . وق، يعنى: واقع بهاتين المدينتين .. (١) .
والكاف فى قوله - تعالى -: ﴿كذلك) بمعنى مثل، واسم الإشارة يعود إلى ما اشتملت
عليه هذه السورة الكريمة من عقائد وأحكام وآداب .
أى: مثل ما فى هذه السورة الكريمة من دعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق ،
أوحى الله به إليك وإلى الرسل من قبلك ، لتبلغوه للناس كى يعتبروا ويتعظوا .
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ﴿ كذلك يوحى إليك وإلى الذين من
قبلك ﴾ كلام مستأنف ، وارد لتحقيق أن مضمون السورة ، موافق لما فى تضاعيف الكتب
المنزلة ، على سائر الرسل المتقدمين فى الدعوة إلى التوحيد والإِرشاد إلى الحق .
والكاف مفعول ﴿ يوحى﴾ أى: يوحى مثل ما فى هذه السورة من المعانى.
وجىء بقوله: ﴿يوحى﴾ بدل ﴿أوحى﴾ للدلالة على استمراره فى الماضى، وأن إيحاء
مثله ، عادته - تعالى - :
و ﴿ العزيز الحكيم﴾ صفتان له - عز وجل - (٢).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من
بعده ، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس
(٣)
وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا
ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى لذاته فقال: ﴿ له مافي السموات وما في الأرض وهو
العلى العظيم ﴾ .
أى: لقد أوحى الله - تعالى - إليك - أيها الرسول الكريم - بهذا القرآن كما أوحى إلى
الرسل من قبلك بما شاء من وحى ، وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب ، الحكيم فى
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٧٧ .
(٢) تفسير الآلوسى جــ ٢٥ ص ١١ .
(٣) سورة النساء آية ١٦٣.
١٣
سورة الشورى
كل أقواله وأفعاله ، والذى له جميع ما فى السموات وما فى الأرض خلقا وملكا وتصرفا ..
وهو - سبحانه - ﴿ العلى﴾ أى: المتعالى عن الأشباه والانداد والأمثال والأضداد.
العظيم ﴾ أى: فى ذاته وفى صفاته ، وفى أفعاله.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر علو شأنه وكمال عظمته وجلاله فقال : ﴿ تكاد
السموات يتفطرن من فوقهن ﴾ .
والفعل ﴿ تكاد﴾ مضارع ((كاد)» الذى هو من أفعال المقاربة. وقوله ﴿ يتفطرن
أى : يتشققن . والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ من فوقهن﴾ يعود إلى السموات ، باعتبار
أن كل سماء تنفطر فوق التى تليها .
وهذا التفطر سببه الخشية من الله - تعالى - ، والخوف من جلاله وعظمته فيكون المعنى :
تكاد السموات يتشققن فيسقطن مع عظمهن ﴿ من فوقهن﴾ أى: من أعلاهن ، خشية
ورهبة من عظمته - عز وجل - ، كما قال - تعالى - ﴿ ولله يسجد ما فى السموات وما فى
الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾
ويصح أن يكون هذا التفطر سببه ، شدة الفرية التى افتراها المشركون على الله - تعالى -
حيث زعموا أن الله ولدا، كما قال سبحانه -: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا
إدّا. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا . وما
ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا ﴾ .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت : لم قال: ﴿ من فوقهن﴾؟ قلت: لأن أعظم الآيات
وأدلها على الجلال والعظمة : فوق السموات ، وهى : العرش ، والكرسى ، وصفوف الملائكة ،
المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش ، وما لا يعلم كنهه إلا اللّه - تعالى - من آثار ملكوته
العظمى ، فلذا قال: ﴿ يتفطرن من فوقهن﴾ أى: يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية.
أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السموات ، فكان القياس أن يقال : من تحتهن ، من
الجهة التى جاءت منها الكلمة ، ولكنه بولغ فى دلف فجعلت مؤثرة فى جهة الفوق . كأنه قيل :
يكن يتفطرن من الجهة التى فوقهن ، دع الجهة التى تحتهن(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ﴾ مؤكد لما قبله من بيان علو
شأنه - عز وجل - ، وسمو عظمته وجلاله .
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٠٩ .
١٤
المجلد الثالث عشر
أى : والملائكة ينزهون ربهم - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله وكماله ، خوفا منه -
سبحانه - ، ورهبة لذاته .
وقوله: ﴿ويستغفرون لمن فى الأرض﴾ معطوف على ﴿يسبحون﴾. والمراد بمن فى
الأرض : المؤمنون بصفة خاصة ، لأنهم هم الذين يستحقون ذلك ، كما قال - تعالى - فى آية
أخرى: ﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ، ويستغفرون
للذين آمنوا ﴾ .
أى : أن الملائكة ينزهون الله - تعالى - عما لا يليق به . ويطلبون للمؤمنين من أهل
الأرض عفو الله - تعالى - ورحمته وغفرانه .
وقوله: ﴿ ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) تذييل قصد به الثناء على الله - تعالى - بما
هو أهله .
أى : ألا إن الله - تعالى - وحده ، هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده ،
لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا يحاسبه على ما يفعل محاسب .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المشركين فقال: ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء الله
حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ﴾ .
أى: والذين اتخذوا من دون الله - تعالى - شفعاء وشركاء ليقربوهم إليه زلفى ، الله -
تعالى - وحده رقيب عليهم ، وسيجازهم بما يستحقون من عقاب يوم القيامة ، وما أنت - أيها
الرسول الكريم - عليهم بحفيظ أو رقيب على أعمالهم ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا
الحساب .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول - * - كما بين أنواعا
من الأدلة عن كمال قدرته ، ووجوب إفراده بالعبادة والخضوع ، ووجوب التحاكم إلى شريعته
عند الاختلاف والتنازع . فقال - تعالى - :
وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لُِّنْذِرَ أُمَّالْقُرَى وَمَنْ
حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيَّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِبِقٌ فِى
السَّعِيرِ ، وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ
مَنْ يَشَاءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِن وَلِيٍ وَلَا تَصِيرٍ ﴾
١٥
سورة الشورى
أَمِ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ أَوْلِيَاءَ قَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِىِ اَلْمَوْقَ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَمَا أَخْلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ:
إلى اللّهِ ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبِّ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِأَنِبُ أ
فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا
وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّايَذْرَ ؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١)
والكاف فى قوله - تعالى -: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا .. ﴾ فى محل نصب على
المصدرية ، واسم الإشارة يعود إلى مصدر ﴿ أوحينا ﴾.
أى: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح ، أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم - قرآنا
عربيا ، لا لبس فيه ولا غموض .
وقوله - سبحانه - ﴿ لتنذر أم القرى ومن حولها ﴾ تعليل لهذا الإيحاء. والمراد بأم
القرى : أهلها .
وسميت مكة بأم القرى ، لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل القرى كلها
ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها ، كما يتبع الفرع الأصل ، أى : أوحينا
إليك هذا القرآن لتنذر به أهل أم القرى ، ولتنذر به - أيضاً - من حولها من أهل القرى
الأخرى .
وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر فى الإِنذار ، لأنهم أقرب الناس إليه - 1 - كما
قال - تعالى - فى آية أخرى ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾.
وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته - وَج - كانت إليهم وحدهم، لأن هناك آيات
أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته - * - كانت إلى الناس كافة ، ومن هذه الآيات :
وقوله - تعالى -: ﴿ قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا) وقوله - سبحانه - :
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقوله - عز وجل -: ﴿وأوحى إلى هذا القرآن
١٦
المجلد الثالث عشر
لأنذركم به ومن بلغ ٤
فهذه الآيات وغيرها تنطق وتشهد بأن رسالته - ليزر - كانت للناس جميعا، بل للإِنس
وللجن ، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - : ﴿وإِذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون
القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قُضِى وَلَّوْا إلى قومهم منذرين
وجملة ﴿ وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه﴾ معطوفة على ما قبلها. والمراد بيوم الجمع: يوم
القيامة ، لأنه اليوم الذى يجتمع فيه الأولون والآخرون بين يدى الله - تعالى - للحساب
والجزاء ، والثواب والعقاب .
أى : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حولها ، وتنذر الناس جميعا وتخوفهم
من أهوال يوم القيامة ، الذى يجتمع فيه الخلائق للحساب .
وقوله ﴿ لا ريب فيه﴾ كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده ، أو صلة ليوم الجمع .
وقوله : ﴿ فريق فى الجنة وفريق فى السعير ﴾ بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الإِنذار.
أى : بعد هذا الإِنذار الذى أنذرته للناس - أيها الرسول الكريم - هناك فريق آمن بك
وصدقك فكان مصيره إلى الجنة ، وهناك فريق أعرض عنك وكذبك ، فكان مصيره إلى النار .
وقوله - تعالى - ﴿ ولو شاء اللّه لجعلهم أمة واحدة ، ولكن يدخل من يشاء فى رحمته ﴾
بيان لكمال قدرته - عز وجل - .
أى: ولو شاء الله - تعالى - أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق لجعلهم كذلك ،
لأن قدرته لا يعجزها شىء ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ليتميز الخبيث من الطيب ،
والمهتدى من الضال .
أما المهتدون فهم أهل رحمته ورضوانه ، وأما الضالون فهم أهل عذابه وغضبه فقوله -
تعالى - ﴿ولكن يدخل من يشاء فى رحمته ﴾ بيان لمن عرفوا الدين الحق واتبعوه وقوله -
سبحانه -: ﴿ والظالمون مالهم من ولى ولا نصير ﴾ بيان لمن استحبوا العمى على الهدى.
قال الآلوسى ما ملخصه: ﴿ولكن يدخل من يشاء فى رحمته﴾ أى: أنه - تعالى -
يدخل فى رحمته من يشاء أن يدخله فيها ، ويدخل فى عذابه من يشاء أن يدخله فيه ، ولا ريب
فى أن مشيئته - تعالى - لكل من الإدخالين ، تابعة لاستحقاق كل فريق لعمله .
وقال: ﴿ والظالمون مالهم من ولى ولا نصير﴾ ولم يقل ويدخل من يشاء فى عذابه،
للإِيذان بأن الإِدخال فى العذاب ، بسبب سوء اختيار الداخلين فيه(١).
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٤ .
١٧
سورة الشورى
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ، ولكن حق القول
منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى﴾(٢).
ثم أنكر - سبحانه - على أولئك الجاهلين اتخاذهم آلهة من دونه فقال: ﴿ أم اتخذوا من
دونه أولياء ، فالله هو الولى، وهو يحيى الموتى، وهو على كل شىء قدير ﴾.
فأم بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكارى ، لإِنكار وقوع الشرك منهم ونفيه بأبلغ وجه .
أى : أن ما فعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم آلهة من دونه - تعالى - شىء منكر بلغ
النهاية فى قبحه وفساده .
﴾ الإنكار وقوله: ﴿ فالله هو الولى ﴾
قال صاحب الكشاف: ((معنى الهمزة فى ﴿
أى : هو الذى يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد ، فالفاء فى قوله ﴿فالله هو
الولى﴾ جواب شرط مقدر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولى سواه. أى: إن أرادوا وليا بحق،
فالله هو الولى بالحق ، لا ولى سواه(٣).
: وهو يحيى﴾ الموتى أى: وهو - سبحانه - الذى فى قدرته إعادة الحياة إلى الموتى بعد
موتهم .
﴿ وهو على كل شىء قدير﴾ أى: وهو - تعالى - وحده الذى لا يعجز قدرته شىء،
وما دام الأمر كذلك ، فكيف اتخذ أولئك الجاهلون أولياء من دونه .
ثم وجه - سبحانه - أمره إلى نبيه - ول# - ، بأن يرشد المؤمنين إلى وجوب تحاكمهم إلى
شريعته - تعالى - إذا ما دب خلاف بينهم ، أو بينهم وبين أعدائهم ، فقال : ﴿ وما اختلفتم
فيه من شىء فحكمه إلى الله
أى : عليكم أيها المؤمنون - إذا ما اختلفتم فى أمر من الأمور ، أن تحتكموا فيه الى شريعة
الله - عز وجل - ، وأن تقبلوا عن إذعان وطاعة حكمه - تعالى - .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن
كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا .. ﴾(٤).
(١) سورة السجدة الآية ١٣ .
(٢) سورة الأنعام الآية ٣٥ .
(٣) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢١١ .
( ٤ ) سورة النساء الآية ٥٩ .
١
١٨
المجلد الثالث عشر
وإسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: ﴿ ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ يعود
إلى الله - تعالى - الذى يجب أن يكون التحاكم إليه وحده عند الاختلاف .
أى: ذلك الحاكم العادل الذى لا حاكم بحق سواه ﴿ربى) وخالقى ورازقى ..
عليه﴾ وحده ﴿توكلت﴾ واعتمدت فى جميع شئونى ﴿وإليه أنيب﴾ أى: وإليه وحده
أرجع فى كل أمورى .
فاطر السموات والأرض ﴾ أى هو خالقها وموجدهما على غير مثال سابق ، من فطر
الشىء إذا ابتدعه واخترعه دون أن يُسبَق إلى ذلك .
جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ﴾ أى : جعل لكم - سبحانه -
بقدرته من جنس أنفسكم أزواجا ، أى : نساء تجمع بينكم وبينهن المودة والرحمة ، كما قال -
تعالى -: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة
ورحمة ﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿ومن الأنعام أزواجا ﴾ معطوف على ما قبله . أى: كما خلق
لكم من أنفسكم أزواجا ، خلق - أيضا - للأنعام من جنسها إناثا ، ليحصل التوالد والتناسل
والتعمير لهذا الكون .
وقوله - تعالى - ﴿يذرؤكم فيه﴾ بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق للأزواج.
والذرء: التكاثر والبث . يقال: ذرأ فلان الشىء، إذا بثه وكثره .
والضمير المنصوب فى قوله ﴿يذرؤكم﴾ يعود إلى المخاطبين وإلى الأنعام ، على سبيل
التغليب للعقلاء على غيرهم .
والضمير فى قوله ﴿ فيه﴾ يعود إلى التزاوج بين الذكور والإناث المفهوم من قوله -
تعالى -: ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ﴾.
أى : يكثركم وينميكم بسبب هذا التزاوج الذى يحصل بين ذكوركم وإناثكم حيث
يتناسل - أحيانا - بين الذكر الواحد والأنثى الواحدة ، عدد كبير من الأولاد .
وقال - سبحانه - ﴿يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل يذرؤكم به أى : بسببه ، للأشعار بأن هذا
التزاوج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير .
قال - تعالى -: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها
زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ﴾ .
قال بعض العلماء : فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور فى قوله ﴿يذرؤكم فيه﴾ مع
١٩
سورة الشورى
أنه على ما ذكرتم، يعود إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام ؟ .
فالجواب : أن من أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن ، رجوع الضمير بصيغة
الإفراد إلى المثنى أو الجمع باعتبار ما ذكر .
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم ،
من إله غير الله يأتيكم به ﴾ أى: يأتيكم بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم(١).
ثم نزه - سبحانه - ذاته عن الشبيه أو النظير .. فقال ﴿ ليس كمثله شىء ﴾.
أى : ليس مثله شىء - تعالى - : لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، فالكاف مزيدة
فى خبر ﴿ ليس﴾ و﴿ شىء﴾ اسمها . أى: ليس شىء مثله.
أو أن الكاف أصلية . فيكون المعنى : ليس مثله - تعالى - أحد لا فى الذات ولا فى
الصفات ولا فى الأفعال .
وذلك كقول العرب : مثلك لا يبخل ، يعنون : أنت لا تبخل على سبيل الكناية ، قصدا
إلى المبالغة فى نفى البخل عن المخاطب بنفيه عن مثله ، فيثبت انتفاؤه عنه بدليله .
والمقصود من الجملة الكريمة على كل تفسير : تنزيهه - تعالى - عن مشابهة خلقه فى الذات
أو الصفات أو الأفعال .
قال صاحب الكشاف : قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه
عن ذاته ، قصدوا المبالغة فى ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده ،
وعمن هو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه .
ونظيره قولك للعربى: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر .. (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿وهو السميع البصير﴾ أى: وهو - سبحانه - السميع لكل أقوال
خلقه ، البصير بما يسرونه وما يعلنونه من أفعال .
له مقاليد السموات والأرض ﴾ أى: له وحده مفاتيح خزائنهما ، وله وحده - أيضا -
ملك هذه الخزائن ، لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها .
والمقاليد : جمع مقلاد أو أقليد وهو المفتاح .
(١) تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ١٧٥ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢١٢ .
٢٠
المجلد الثالث عشر
يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أى: هو - سبحانه - الذى يوسع الرزق لمن شاء أن
يوسعه له ، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه .
إنه﴾ - تعالى -: ﴿ بكل شىء عليم) لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى
السماء .
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ، على وحدانية الله -
تعالى - وكمال قدرته .
ثم أكد - سبحانه - الحقيقة التى افتتحت بها السورة الكريمة ، وهى وحدة الأديان فى
جوهرها وأصولها ، وبين الأسباب التى أدت إلى اختلاف الناس فى عقائدهم ، وأرشد
النبى - * - إلى أفضل الأساليب فى الدعوة إلى الحق، فقال - تعالى - :
◌ُشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىنَّ أَنْ أَقِيُواْ الدِّينَ
وَلَ نَنَفَرَّقُواْ فِيْهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ
يَجْتَّبِّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّإِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (٣)، وَمَا
نَفَرَّقُواْإِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّابَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّالَّذِينَ
أُورِثُوا الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ هِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ
١٤
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِّتٌّ وَلَا ◌َّعْ أَهْوَآءَ هُمْ
وَقُلْ ءَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ
يَيْنَكُمُ اللّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَّكُمْ أَعْمَلُكُمَّ
لَاحُجََّ بَيْنَنَا وَبَّنْنَّكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
١٥