Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة غافر
ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم ، لا جرم بدأ فرعون يذكر الدين فقال :
إنى أخاف أن يبدل دينكم﴾ ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: ﴿ أو أن يظهر فى
الأرض الفساد ﴾(١).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى عليه السلام - بعد أن سمع من فرعون تهديداته
له، وتطاوله عليه ، فقال - تعالى - : ﴿ وقال موسى إنى عذت بربی وریکم من كل متكبر لا
يؤمن بيوم الحساب ﴾ .
وقوله ﴿ عذت ﴾ بمعنى استجرت ولجأت. يقال: عاذ فلان بفلان واستعاذ به ، إذا لجأ
إليه . واستجار به .
أى: وقال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل التثبيت لهم على الحق ياقوم. إنى
استجرت وتحصنت بربي وربكم من شر كل مستكبر عن الإيمان بالحق ، كافر بيوم الحساب
وما فيه من ثواب وعقاب .
وفى هذا القول الذى قاله موسى لقومه : يتجلى صدق إيمانه ، وقوة يقينه ووثوقه برعاية اقه
- تعالى - له ، كما يتجلى فيه حرصه على نصحه لقومه بالثبات على الحق ، لأن اقه
- تعالى - الذى هو ربه وربهم ، كفيل برعايته ورعايتهم وبانجائه وبانجائهم من فرعون
وملئه ، كما يتجلى فيه أن الاستكبار عن اتباع الحق ، والتكذيب بالبعث ، على رأس الأسباب
التى تعين على قسوة القلب ، وفساد النفس .
قال صاحب الكشاف : وقوله: ﴿وربكم﴾ فيه بعث لهم على أن يقتدوا به ، فيعودوا باقه
عياده ، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال: ﴿ من كل متكبر ﴾ لتشمل استعادته من
فرعون وغيره من الجبابرة ، وليكون على طريقة التعريض ، فيكون أبلغ . وأراد بالتكبر :
الاستكبار عن الإذعان للحق ، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ، ومهانة نفسه ،
وعلى فرط ظلمه وعسفه .
وقال : ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب﴾ لأنه إذا اجتمع فى الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء
وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على اقه وعباده . ولم يترك عظيمة
إلا ارتكبها .. (٢) .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٠٣.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٦١ .

٢٨٢
المجلد الثانى عشر
وخلال هذا الوعيد والتهديد من فرعون وملئه لموسى - عليه السلام - ، قيض الله
- تعالى - لموسى رجلا مؤمنا من آل فرعون كان يخفى إيمانه . هذا الرجل أخذ يدافع عن
موسى دفاعا حكيما مؤثرا ، يحمل الترغيب تارة والترهيب أخرى ، والإِرشاد تارة والتأنيب
أخرى .. ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول :
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنُ مِّنْ ءَالِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ: أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ
اللَّهُ وَقَدْجَآءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنِيَكُ كَذِبًا
فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ,وَ إِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى
يَعِدُكُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ، يَقَوْمِ
لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِ الْأَرْضِ فَمَن يَنْصُرُنَا مِنْ
بَأَسِ اللَّهِ إِن جَآءَ تَأْقَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلََّ مَآ أَرَى وَمَآ
أَهْدِيَكُمْ إِلَّسَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ ﴿ مِثْلَ دَأَبٍ قَوْمِ نُوحِ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمَا لِّلْعِبَادِ
٣١
وَيَقَوْمِ إِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَالنَّنَادِ() يَوْمَ قُولُونَ مُدْبِرِينَ
مَالَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ وَمَن يُضْلِاللَّه ◌َا لَهُ مِنْ هَارِ
وَلَقَدْجَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَازِلْتُمْ فِ شَكٍ
مِّمَّاجَآءَ كُمْ بِهِهُ حَتَّىَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَنَ اللَّهُ

٢٨٣
سورة غافر
مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
) الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
(٣٤
مُرْتَاب
أَقَنَّهُمْ كَبُرَ مَقْنًا عِندَاللَّهِ وَعِندَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ
(٣٥)
يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَتِرٍ جَبَّارِه
قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن موسى - عليه السلام - أنه ما زاد
فى دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله، بين أنه - تعالى - قيض إنسانا أجنبيا غير
موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه ، وبالغ فى تسكين تلك الفتنة ، واجتهد فى إزالة ذلك
الشر .
ثم قال - رحمه الله - : يقول مصنف هذا الكتاب : ولقد جربت فى أحوال نفسى أنه كلما
قصدنى شرير بشر ولم أتعرض له ، وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى اللّه ، فإنه - سبحانه -
يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة . يبالغون فى دفع ذلك الشر .. (١) .
وظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل قوله
- تعالى -: ﴿ من آل فرعون﴾ ولم يكن من بنى إسرائيل.
وقد رجح ابن جرير - رحمه الله - ذلك فقال : وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى :
القول الذى قاله السدى من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون ، ولذا فقد أصغى لكلامه
واستمع منه ما قاله ، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله .. ولو كان إسرائيليا لكان
حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه بالعقوبة على قوله ، لأنه لم يكن يستنصح بنى اسرائيل
لاعتداده إياهم أعداء له .. ولكنه لماكان من ملأ قومه ، استمع إليه ، وكف فرعون عما كان قد
هم به من قتل موسى .. (٢) .
قالوا : وهذا الرجل المؤمن هو الذى نصح موسى - عليه السلام - بقوله : ﴿ إن الملأ
يأتمرون بك ليقتلوك ، فاخرج إنى لك من الناصحين ﴾ .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٠٤ .
( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٢٤ ص ٣٨ .

٢٨٤
المجلد الثانى عشر
وكان اسمه «حزقيل)» أو «حبيب)).
أى : وقال رجل مؤمن من آل فرعون وحاشيته ، وكان يكتم إيمانه عنهم ، حتى لا يصيبه
أذى منهم، فعندما سمع فرعون يقول: ﴿ذرونى أقتل موسى﴾. قال لهم: ﴿أتقتلون
رجلا أن يقول ربى الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ﴾ .
أى : أتقتلون رجلا لأنه يقول ربى الله وحده ، وقد جاءكم بالحجج البينات ، وبالمعجزات
الواضحة من عند ربكم ، كدليل على صدقه فيما يبلغه عنه .
فقوله: ﴿ أن يقول ربى الله﴾ فى موضع المفعول لأجله. أى: أتقتلونه من أجل قوله
هذا. وجملة ﴿ وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ حالية من فاعل يقول وهو موسى - عليه
السلام - .
والمقصود بهذا الاستفهام : الإنكار عليهم والتبكيت لهم ، حيث قصدوا قتل رجل كل ذنبه
أنه عبد الله - تعالى - وحده وقد جاءهم بالمعجزات الواضحات الدالة على صحة فعله
وقوله .
قال الإِمام ابن كثير : وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط ، فلم يظهر إلا هذا
اليوم حين قال فرعون ﴿ذرونى أقتل موسى﴾ فأخذت الرجل غضبة الله - تعالى -
و(« أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» اللهم إلا ما رواه البخارى فى صحيحه حيث
قال :
حدثنا على بن عبد الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعى ، حدثنى عروة بن
الزبير قال : قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص : أخبرنى بأشد شىء صنعه المشركون برسول
الله - * - فقال: بينا رسول الله - ﴿ - بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ
بمنكب رسول الله - ﴿ - ولوى ثوبه فى عنقه ، فخنقه خنقا شديدا . فأقبل أبو بكر
- رضى الله عنه - فأخذ بمنكبه ودفع عن النبى - # - ثم قال: أتقتلون رجلا أن يقول
ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم(١).
وقال القرطبى : وعن على - رضى اللّه عنه - قال : اجتمعت قريش بعد وفاة أبى طالب
بثلاث: فأرادوا قتل رسول الله - ﴿ - فأقبل هذا يجؤه - أى يضربه - ، وهذا يُتْلْتِلهُ
- أى : يحركه تحريكا شديدا - فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان ، فأقبل يجأ هذا
ويتلتل ذا ، ويقول بأعلى صوته: ويلكم .. أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، والله إنه الرسول
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٣١ .

٢٨٥
سورة غافر
اللّه، فقطعت إحدى ضفيرتي أبى بكر يومئذ(١).
ثم يحكى القرآن الكريم أن ذلك الرجل المؤمن ، لم يكتف بالإِنكار على قومه قصدهم
موسى بالقتل بل أخذ فى محاولة إقناعهم بالعدول عن هذا القصد بشتى الأساليب والحجج
فقال: ﴿وإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم .. ﴾.
أى : أنه قال لهم : إن كان موسى - على سبيل الفرض - كاذبا فيما يقوله ويفعله فعليه
وحده يقع ضرر كذبه ، وليس عليكم منه شىء ، وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله ، فلا أقل
من أن يصيبكم بعض الذى يعدكم به من سوء عاقبة مخالفة ما أتاكم به من عند ربه ..
فأنت ترى أن الرجل كان فى نهاية الحكمة والإِنصاف وحسن المنطق ، فى مخاطبته لقومه ،
حيث بين لهم أن الأمر لا يخرج عن فرضين ، وكلاهما لا يوجب قصد موسى - عليه السلام -
بالقتل .
ورحم الله صاحب الكشاف . فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ملخصه : وقوله :
أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ... ﴾ هذا إنكار عظيم منه، وتبكيت شديد لهم، كأنه
قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التى هى قتل نفس محرمة ، وما لكم علة قط فى ارتكابها إلا
كلمة الحق التى نطق بها وهى قوله ﴿ ربى الله ﴾ ..
ثم أخذ فى الاحتجاج عليهم على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن يكون كاذبا أو
صادقا ، فإن يك كاذبا فعليه يعود كذبه ولا يتخطاه ضرره ، وإن يك صادقا يصبكم بعض
ما يعدكم به إن تعرضتم له .
فإن قلت : لم قال: ﴿ بعض الذى يعدكم ) وهو - أی موسی - نبی صادق ، لا بد لما
يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه ؟
قلت : لأنه احتاج فى مقاولة خصوم موسى ومنا كريه ، إلى أن يلاوصهم - أى يحايلهم -
ويداربهم ، ويسلك معهم طريق الإِنصاف فى القول ويأتيهم من جهة المناصحة ، فجاء بما علم
أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل فى تصديقهم له وقبولهم منه ، فقال ﴿ وإن يك صادقا
يصبكم بعض الذى يعدكم ﴾ وهو كلام المنصف فى مقاله ، غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ولا
يردوا عليه ، وذلك أنه حين فرضه صادقا ، فقد أثبت أنه صادق فى جميع ما يعد ، ولكنه أردفه
بقوله: ﴿ يصبكم بعض الذى يعدكم﴾ ليهضمه بعض حقه فى ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٣٠٨.

٢٨٦
المجلد الثانى عشر
بكلام من أعطاه حقه وافيا ، فضلا عن أن يتعصب له ، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من
هذا القبيل .. (١) .
ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه إلى سنة من سنن الله التى لا تتغير فقال: ﴿ إن الله
لا يهدى من هو مسرف كذاب
أى: إن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يهدى الى الحق والصواب ،
من كان مسرفا فى أموره ، متجاوزا الحدود التى شرعها الله - تعالى - ومن كان كذابا فى
إخباره عن الله - تعالى - ، ولو كان موسى مسرفا أو كذابا ، لما أيده الله - تعالى -
بالمعجزات الباهرة . وبالحجج الساطعة الدالة على صدقه .
فالجملة الكريمة إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن ربه ، وتعريض
بما عليه فرعون من ظلم وكذب .
قال الجمل فى حاشيته : فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين نظرا لموسى وفرعون .
الوجه الأول: أن هذا إشارة الى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ، والمعنى : إن الله
هدى موسى إلى الإِتيان بالمعجزات الباهرة ، ومن هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفا ولا
كذابا .
الوجه الثانى : أن يكون المراد أن فرعون مسرف فى عزمه على قتل موسى . وكاذب فى
إدعائه الألوهية ، والله لايهدى من كان كذلك .. (٢).
ثم أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم ، وفى تحذيرهم من نقمه فقال: ﴿ يا قوم لكم الملك
اليوم ظاهرين فى الأرض ، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ﴾ .
أى: وقال الرجل المؤمن لقومه - أيضا -: يا قوم، أى: يا أهلى وياعشيرتى ، أنتم اليوم
لكم الملك ، حالة كونكم ظاهرين ، أى : غالبين ومنتصرين فى أرض مصر ، عالين فيها على
بنى إسرائيل قوم موسى .
وإذا كان أمرنا كذلك ، فمن يستطيع أن ينصرنا من عذاب الله، إن أرسله علينا ، بسبب
عدم شكرنا له ، واعتدائنا على خلقه .
وإنما نسب إليهم ما يسرهم من الملك والظهور فى الأرض دون أن يسلك نفسه معهم ،
وسلك نفسه معهم فى موطن التحذير ، تطييبا لقلوبهم ، وإيذانا بأنه ناصح أمين لهم ، وأنه لا
(١) راجع تفسير الكشاف ( جـ ٤ ص ١٦٢.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٣.

٢٨٧
سورة غافر
يهمه سوى منفعتهم ومصلحتهم ..
وهنا نجد القرآن الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة الرجل المؤمن ،
أخذته العزة بالإثم ، وقال ما يقوله كل طاغية معجب بنفسه: ﴿ ما أريكم إلا ما أرى ،
وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ .
أى : قال فرعون لقومه ، فى رده على نصيحة الرجل المؤمن: يا قوم لا أشير عليكم ولا
أخبركم إلا بما أراه صوابا وخيرا ، وهو أن أقتل موسى - عليه السلام - وما أهديكم برأيى
هذا إلا إلى طريق السداد والرشاد .
وغرض فرعون بهذا القول ، التدليس والتمويه على قومه . وأنه ما يريد إلا منفعتهم ، مع
أن الدافع الحقيقى لقوله هذا ، هو التخلص من موسى حتى يخلو له الجو فى تأليه نفسه على
جهلة قومه ، فإنهم كانوا كما قال - تعالى - فى شأنهم: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا
قوما فاسقين
.
ولكن الرجل المؤمن لم يسكت أمام هذا التدليس والتمويه الذى نطق به فرعون ، بل
استرسل فى نصحه لقومه. وحكى القرآن عنه ذلك فقال: ﴿وقال الذى آمن يا قوم ، إنى
أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب .. }
أى قال لهم : يا قوم إنى أخاف عليكم إذا تعرضتم لموسى - عليه السلام - بالقتل
أو بالتكذيب ، أن ينزل بكم عذاب مثل العذاب الذى نزل على الأمم الماضية التى تحزبت على
أنبيائها ، وأعرضت عن دعوتهم ، فكانت عاقبتها خسرا ..
فالمراد بالأحزاب : تلك الأمم السابقة التى وقفت من أنبيائها موقف العداء والبغضاء .
وكأن تلك الأمم من حزب ، والأنبياء من حزب آخر ..
والمراد باليوم هنا : الأحداث والوقائع والعقوبات التى حدثت فيه . فالكلام على حذف
مضاف .
أى : أخاف عليكم مثل حادث يوم الأحزاب .
وقوله : ﴿ مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ... ﴾ بدل أو عطف بيان من
قوله ﴿ مثل يوم الأحزاب ﴾.
والدأب : العادة الدائمة المستمرة يقال: دأب فلان على كذا ، إذا داوم عليه وجد فيه ، ثم
غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة .
أى : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم

٢٨٨
المجلد الثانى عشر
كقوم لوط ، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله - تعالى - تدميرا ، فاحذروا أن
تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى - عليه السلام - بالقتل أو الإِيذاء ، فينزل بكم
العذاب مثل ما نزل بهم .
﴿ وما اللّه﴾ - تعالى - ﴿يريد ظلما للعباد) أى: فما أنزله - سبحانه - بهم من
عذاب ، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم. وعلى الإِعراض عن دعوة أنبيائهم ،
وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
ثم يواصل الرجل المؤمن تذكير قومه بأهوال يوم القيامة فيقول: ﴿وياقوم إني أخاف
عليكم يوم التناد ﴾
أخاف عليكم يوم القيامة الذى يكثر فيه نداء أهل الجنة لأهل النار . ونداء أهل النار لأهل
الجنة ، ونداء الملائكة لأهل السعادة وأهل الشقاوة .
فلفظ ((التناد)) - بتخفيف الدال وحذف الياء - تفاعل من النداء، يقال: تنادى
القوم ، إذا نادى بعضهم بعضا ..
وقوله: ﴿يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ... ﴾ بدل من يوم التناد . أى:
أخاف عليكم من أهوال يوم القيامة ، يوم تنصرفون عن موقف الحساب والجزاء فتتلقاكم النار
بلهيبها وسعيرها ، وتحاولون الهرب منها فلا تستطيعون . لأنه لا عاصم لكم ولا مانع فى هذا
اليوم من عذاب الله - تعالى - وعقابه .
﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق
بسبب سوء استعداده ، واستحبابه العمى على الهدى . فما له من هاد يهديه إلى الصراط
المستقيم .
وهكذا نجد الرجل المؤمن بعد أن خوف قومه من العذاب الدنيوى ، أتبع ذلك بتخويفهم
من العذاب الألمخروى .
ثم ذكرهم بعد ذلك بما كان من أسلافهم مع أحد أنبيائهم فقال: ﴿ولقد جاءكم يوسف من
قبل بالبينات فمازلتم فى شك مما جاءكم به ، حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده
رسولا
﴾
والذى عليه المحققون أن المراد بيوسف هنا : يوسف بن يعقوب - عليهما السلام - والمراد
بمجيئه إليهم: مجيؤه إلى آبائهم ، إذ بين يوسف وموسى - عليهما السلام - أكثر من أربعة .
قرون ، فالتعبير فى الآية الكريمة من باب نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء لسيرهم على منوالهم
وعلى طريقتهم فى الإِعراض عن الحق .

٢٨٩
سورة غافر
أى: ولقد جاء يوسف - عليه السلام - إلى آبائكم من قبل مجىء موسى إليكم ، وكان
مجيئه إلى آبائكم مصحوبا بالمعجزات والبينات ، والآيات الواضحات الدالة على صدقه .
فمازلتم فى شك مما جاءكم به ﴾ أى: فما زال آباؤكم فى شك مما جاءهم به من البينات
والهدى ، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى - عليه السلام - .
حتى إذا هلك ﴾ أى: مات يوسف - عليه السلام - .
قلتم﴾ أى: قال آباؤكم الذين أنتم من نسلهم ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولا ،
فهم قد كذبوا رسالته فى حياته ، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته ، لأنهم نفوا أن يكون
هناك رسول من بعده .
فأنت ترى أن الرجل المؤمن يحذر قومه من أن يسلكوا مسلك آبائهم ، فى تكديب رسل
اللّه، وفى الإِعراض عن دعوتهم .
قال ابن كثير: قوله - تعالى -: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ) يعنى : أهل
مصر ، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى ، وهو يوسف - عليه السلام - ، كان عزيز
أهل مصر ، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة .
والجاه الدنيوى . ولهذا قال: ﴿ فمازلتم فى شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله
من بعده رسولا ﴾ أى: يئستم فقلتم طامعين: ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولا ) وذلك
لكفرهم وتكذيبهم (١).
وقوله : ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب﴾ أى: مثل ذلك الإضلال الفظيع،
يضل الله - تعالى - من هو مسرف فى ارتكاب الفسوق والعصيان ، ومن هو مرتاب فى دينه .
شاك فى صدق رسوله ، لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه .
ثم بين لهم أن غضب الله - تعالى - شديد ، على الذين يجادلون فى آياته الدالة على
وحدانيته وعلى كمال قدرته ، وعلى صدق أنبيائه ، بغير حجة أو دليل فقال ﴿ الذين يجادلون فى
آيات الله بغير سلطان أتاهم، كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا .... ﴾.
وقوله: ﴿الذين يجادلون ... ) مبتدأ، وخبره قوله - تعالى -: ﴿ كبر مقتا .. ﴾
والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله ﴿ يجادلون﴾ أى: كبر جدالهم و﴿ مقتا﴾
تمييز محول عن الفاعل ، أى: عظم بغضا جدالهم عند الله وعند المؤمنين .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٣٣ .

٢٩٠
المجلد الثانى عشر
أى : الذين يجادلون فى آيات الله الدالة على وحدانيته ، وعلى صدق أنبيائه بغير دليل أو
برهان أتاهم من الله - تعالى - عن طريق رسله ، هؤلاء الذين يفعلون ذلك ، كبر وعظم بغضا
جدالهم عند الله - تعالى - وعند الذين آمنوا .
قال الجمل : وهذه الصفة - وهى الجدال بالباطل بدون برهان - موجودة فى فرعون
وقومه ، ويكون الرجل المؤمن قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب ، لحسن محاورته لهم ،
واستجلاب قلوبهم . وأبرز ذلك فى صورة تذكرهم فلم يخصهم بالخطاب .
وفى قوله: ﴿ كبر﴾ ضرب من التعجب والاستعظام بجدالهم (١).
وقوله: ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ أى: مثل ذلك الطبع العجيب ،
يطبع الله - تعالى - ويختم بالكفر والعمى على قلب كل إنسان متكبر عن الاستماع للحق ،
متطاول ومتجبر على خلق الله - تعالى - بالعدوان والإِيذاء .
ومع هذا النصح الزاخر بالحكم الحكيمة ، والتوجيهات السليمة، والإِرشادات القويمة من
الرجل المؤمن لقومه .. ظل فرعون سادرا فى غيه ، مصرا على كفره وضلاله .. إلا أن الرجل
المؤمن لم ييأس من توجيه النصح بل أخذ يذكر وينذر ويبشر .. ويحكى القرآن الكريم كل ذلك
فيقول :
وَقَالَ فِرْعَوْنُ
يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَعَلِى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ﴿ أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ إِلَّ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّ لَأَظُنُّهُ كَذِبًاً
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
وَقَالَ الَّذِى
(٤٣٧
وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ (
ءَمَن يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِى
يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّالْآَخِرَةَ هِىَ
. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٥.

٢٩١
سورة غافر
؟ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا
دَارُ الْقَرَارِ
١٣٩
وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنْتَ وَهُوَ مُؤْمِرٌ
فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَانٍ، !
٤٠
وَيَقَوْمِ مَالِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِى إِلَى
النَّارِ نْ تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ،مَا لَيْسَ
لِهِ، عِلْمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِالْغَفَّرِ ، لَاَجَرَوَ
أَنَّمَا تَدْعُونَفِ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ,دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَاوَلَا فِ الْآَخِرَةِ
وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ
﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى
فَوَقَتُهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ
٤٤
اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿
مَا مَكَرُ واْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَهُ الْعَذَابِ النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْرِظُواْ
ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
٤٦
والمراد بالصرح فى قوله - تعالى -: ﴿وقال فرعون ياهامان ابن لى صرحا ... ﴾ البناء
العالى المكشوف للناس ، الذى يرى الناظر من فوقه ما يريد أن يراه ، مأخوذ من التصريح
بمعنى الكشف والإِيضاح .
والأسباب : جمع سبب ، وهو كل ما يتوصل به إلى الشىء ، والمراد بها هنا : أبواب السماء
وطرقها ، التى يصل منها إلى ما بداخلها .
أى: وقال فرعون لوزيره هامان: ياهامان ابن لى بناء ظاهرا عاليا مكشوفا لا يخفى على

٢٩٢
المجلد الثانى عشر
الناظر وإن كان بعيدا عنه ، لعلى عن طريق الصعود على هذا البناء الشاهق أبلغ الأبواب
الخاصة بالسموات ، فأدخل منها فأنظر الى إله موسى .
والمراد بالظن فى قوله ﴿وإنى لأظنه كاذبا ﴾ اليقين لقوله - تعالى - فى آية أخرى:
وقال فرعون يأيها الملأ ماعلمت لكم من إله غيرى فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لى
صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من الكاذبين ﴾(١).
فقوله - كما حكى القرآن عنه -: ﴿ ما علمت لكم من إله غيرى﴾ قرينة قوية على
أن المراد بالظن فى الآيتين : اليقين والجزم ، بسبب غروره وطغيانه .
أى : وإنى لأعتقد وأجزم بأن موسى كاذبا فى دعواه أن هناك إلها غيرى لكم ، وفى دعواه
أنه رسول إلينا .
وكرر لفظ الأسباب لأن اللفظ الثانى يدل على الأول ، والشىء إذا أبهم ثم أوضح ، كان
تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها .
وقوله: ﴿ فأطلع﴾ قرأه الجمهور بالرفع عطفا على ﴿أبلغ﴾ فيكون فى حيز الترجى.
وقرأه بعض القراء السبعة بالنصب فيكون جوابا للأمر فى قوله : ﴿ ابن لى
صرحا .. ﴾ .
ولاشك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه بلغ الغاية فى الطغيان والفجور
والاستخفاف بالعقول ، يدل - أيضا - على شدة خداعه ، إذ هو يريد أن يتوصل من وراء
هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه ولو كان هناك إله سواه لشاهده هو وغيره من الناس .
قال الإِمام ابن كثير : وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح ، الذى لم ير فى الدنيا بناء أعلى
منه ، وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما قاله ، من أن هناك إلها غير
فرعون .. (٢) .
وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : وقول فرعون هذا المقصود منه التلبيس والتمويه
والتخليط على قومه توصلا لبقائهم على الكفر ، وإلا فهو يعرف حقيقة الإِله ، وأنه ليس فى
جهة ، ولكنه أراد التلبيس ، فكأنه يقول لهم : لو كان إله موسى موجودا لكان له محل ، ومحله
إما الأرض وإما السماء ، ولم نره فى الأرض ، فيبقى أن يكون فى السماء ، والسماء لا يتوصل
(١) سورة القصص آية ٣٨.
(٢٠ ) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٤٨.

٢٩٣
سورة غافر
إليها إلا بسلم .. (١).
ثم بين - سبحانه - أن مكر فرعون هذا مصيره إلى الخسران فقال : ﴿وكذلك زين
لفرعون سوء عمله ، وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا فى تباب ﴾ .
والتباب : الهلاك والخسران ، يقال : تب الله - تعالى - فلانا ، أى : أهلكه ، وتبت يدا
فلان ، أى : خسرتا ومنه قوله - سبحانه -: ﴿تبت يدا أبى لهب وتب ... ﴾.
أى : ومثل ذلك التزيين القبيح، زين لفرعون سوء عمله ، فرآه حسنا ، لفجوره
وطغيانه ، وصد عن سبيل الهدى والرشاد ، لأنه استحب العمى على الهدى . وما كيد فرعون
ومكره وتلبيسه واحتياله فى إبطال الحق ، إلا فى هلاك وخسران وانقطاع .
ثم حكى القرآن الكريم أن الرجل المؤمن قد تابع حديثه ونصائحه لقومه ، بعد أن استمع
إلى ما قاله فرعون من باطل وغرور فقال: ﴿وقال الذى آمن ياقوم اتبعون .. ﴾ أى: فيما
أنصحكم به ، وأرشدكم إليه .
﴿ أهدكم سبيل الرشاد ﴾ أى: اتبعونى فيما نصحتكم به، فإن فى اتباعكم لى هدايتكم
إلى الطريق الذى كله صلاح وسعادة وسداد . أما اتباعكم لفرعون فيؤدى بكم إلى طريق الغى
والضلال .
: يا قوم إنما هذه الدنيا متاع ... ﴾ أى: هذه الدنيا متاع زائل مهما طالت أيامه ..
﴿وإن الآخرة) وحدها ﴿ هى دار القرار﴾ أى: هى الدار التى فيها البقاء والدوام
والخلود .
﴿ من عمل سيئة﴾ فى هذه الدنيا ﴿ فلا يجزى﴾ فى الآخرة ﴿ إلا مثلها﴾ كرما من
الله - تعالى - وعدلا .
ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ بالله - تعالى - إيمانا حقا .
فأولئك ﴾ المؤمنون الصادقون ﴿يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾ أى:
يرزقون فيها رزقا واسعا هنيئا ، لا يعلم قدره إلا الله - تعالى - ، ولا يحاسبهم عليه محاسب.
فقد تفضل - سبحانه - على عباده . أن يضاعف لهم الحسنات دون السيئات .
ثم استنكر موقف قومه منه فقال: ﴿ويا قوم مالى أدعوكم الى النجاة ﴾ من العذاب
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٦.

٢٩٤
المجلد الثانى عشر
الدنيوى والأخروى ، بأن آمركم بالايمان والعمل الصالح ، وأنهاكم عن قتل رجل يقول ربى
الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وهو موسى - عليه السلام - .
وأنتم ﴿ تدعوننى إلى النار﴾ أى: تدعوننى لما يوصل إلى النار وهو عبادة غير الله
- تعالى - ، والموافقة على قتل الصالحين أو إيذائهم ..
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم كرر نداء قومه ؟ ولم جاء بالواو فى النداء الثالث دون
. الثانى ؟ .
قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم ، وإيقاظ عن سنة الغفلة ، وفيه : أنهم قومه
وعشيرته .. ونصيحتهم عليه واجبة ، فهو يتحزن لهم ، ويتلطف بهم ، ويستدعى بذلك أن لا
يتهموه - فإن سرورهم سروره ، وغمهم غمه - وأن ينزلوا على تنصيحه لهم ، كما كرر
إبراهيم - عليه السلام - فى نصيحة أبيه قوله : ﴿ يا أبت ﴾ فى سورة مريم.
وأما المجىء بالواو العاطفة فى النداء الثالث دون الثانى ، فلأن الثانى داخل على كلام هو
بيان للمجمل ، وتفسير له فأعطى الداخل عليه حكمه فى امتناع دخول الواو . وأما الثالث :
فداخل على كلام ليس بتلك المثابة(١) .
وقوله: ﴿ تدعوننى لأكفر باقه وأشرك به ما ليس لى به علم ... ﴾ بدل من قوله:
وتدعوننى إلى النار ﴾ وتفسير وبيان له .
أى : أنا أدعوكم إلى النجاة من النار، وأنتم تدعوننى إلى الإشراك باقه - تعالى - وإلى
الكفر به، مع أنى أعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لا شريك له ، لا فى ذاته ولا فى صفاته .
وقوله: ﴿وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار﴾ بيان الفرق الشاسع بين دعوته لهم ودعوتهم
له .
فهم يدعونه إلى الشرك والكفر ، وإلى عبادة آلهة قد قام الدليل القاطع على بطلانها ، وهو
يدعوهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده، الغالب لكل ما سواه ، الواسع المغفرة لمن تاب إليه
بعد أن عصاه ..
ثم يؤكد لهم بصورة لا تقبل الشك أو التردد أن ما يطلبونه منه هو الباطل وأن ما يطلبه
منهم هو الحق فيقول : ﴿لا جرم أن ما تدعوننى إليه، ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى
الآخرة ... ﴾ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٦٨.

٢٩٥
سورة غافر
وجرم : فعل ماض بمعنى حق وثبت ووجب . وقد وردت هذه الكلمة فى القرآن فى خمسة
مواضع ، وفى كل موضع جاءت متلوة بأنّ واسمها .
وجمهور النحاة على أنها مركبة من ((لا)) و((جرم)) تركيب خمسة عشر . ومعناها بعد هذا
التركيب معنى الفعل حق وثبت ، والجملة بعدها هى الفاعل لهذا الفعل ..
ومن النحاة من يرى أن ((لا)) نافية للجنس، و((جرم)» اسمها ، وما بعدها خبرها.
أى : حق وثبت لدى بما لا يقبل الشك ، أن آلهتكم التى تدعوننى لعبادتها آلهة باطلة ،
لاوزن لها ولا قيمة لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ..
﴿وأن مردنا﴾ جميعا ﴿إلى الله﴾ - تعالى - وحده ﴿وأن المسرفين) أى:
المستكثرين من المعاصى فى الدنيا ﴿هم أصحاب النار﴾ فى الآخرة .
ثم نصح نصائحه الحكيمة الغالية بقوله : فستذكرون ياقوم ما أقول لكم من حق وصدق .
وأفوض أمرى الى اله ﴾ - تعالى - وحده لكى يعصمنى من كل سوء.
إن الله ﴾ - تعالى - ﴿بصير بالعباد ) لا يخفى عليه شىء من أقوالهم أو أفعالهم،
وسيجازى يوم القيامة كل نفس بما كسبت .
وقوله - تعالى -: ﴿ فوقاه اللّه سيئات ما مكروا﴾ بيان للعاقبة الطيبة التى أكرمه الله
- سبحانه - بها بعد صدوعه بكلمة الحق أمام فرعون وجنده ..
أى : فكانت نتيجة إيمان هذا الرجل ، وجهره بكلمة الحق ، ونصحه لقومه ، أن وقاه الله
- تعالى - ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن مكر سئٍّ ..
وحاق بآل فرعون﴾ أى: ونزل وأحاط بفرعون وقومه ﴿سوء العذاب ﴾ بأن
أغرقهم الله - تعالى - فى اليم، وجعلهم عبرة لمن يعتبر.
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بعد موتهم، وعند قيام الساعة ، فقال: ﴿ النار
يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ ..
والغدو: أول النهار. والعشى: آخره، وجملة: ﴿النار يعرضون عليها .. ﴾ بدل من
قوله - تعالى - ﴿ سوء العذاب﴾. بعرض أرواح فرعون وملئه على النار بعد موتهم وهم فى
قبورهم فى الصباح والمساء، ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ يقال لملائكة العذاب: ﴿أدخلوا آل
فرعون أشد العذاب ﴾ وهو عذاب جهنم وبئس المصير مصيرهم.
قال القرطبى : والجمهور على أن هذا العرض فى البرزخ واحتج بعض أهل العلم فى تثبيت
عذاب القبر بقوله - تعالى - : ﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ﴾ مادامت الدنيا ..

٠٠٠
٢٩٦
المجلد الثانى عشر
قال مجاهد وغيره : هذه الآية تدل على عذاب القبر فى الدنيا ألا تراه يقول - سبحانه -
عن عذاب الآخرة: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾.
وفى الحديث عن ابن مسعود : إن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار ، تعرض
على النار بالغداة والعشى، فيقال: هذه داركم .. (١).
هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة ، يرى أن القرآن قد ساق على لسان مؤمن آل
فرعون ، أسمى الأساليب وأحكمها فى الدعوة إلى الحق ، فقد بدأ نصحه بنهى قومه عن قتل
موسى - عليه السلام - ثم ذكرهم بنعم الله عليهم ، وبسوء عاقبة الظالمين ، وبأن نعيم الدنيا
زائل ، أما نعيم الآخرة فباق ، وبأن ما يدعوهم إليه هو الحق ، وبأن ما يدعونه إليه هو
الباطل .
ثم ختم تلك النصائح الغالية بتفويض أمره إلى الله فقال: ﴿فستذكرون ما أقول لكم
وأفوض أمرى إلى الله، إن الله بصير بالعباد ) فكانت نتيجة هذا التفويض، أن وقاه القه
- تعالى - من سوء مكر أعدائه ، ونجاه من شرورهم ، وأن جعل مكرهم السيئ يحيق بهم .
ثم حكى - سبحانه - جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات ، وكيف أن كل فريق منهم
يطلب من الملائكة تخفيف العذاب عنه ، ولكن لا يجابون إلى طلبهم ، ولا تقبل معذرتهم ، وأن
سنة الله قد اقتضت أن ينصر عباده الصالحين فى الدنيا والآخرة قال - تعالى - :
وَإِذْيَتَحَاُونَ فِى
النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتَوُ اْلِلَّذِينَ آسْتَكْبَرُ وَأَإِنَّاكُنَا
لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ
﴾ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُلُّ فِيهَآ إِنَّ اللّهَ
٤٧
قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ
(١) راجع تفسير القرعى ج ١٥ من ٣١٨.

٢٩٧
سورة غافر
جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّايَوْمًامِّنَ الْعَذَابِ
قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيْنَتِّ قَالُواْ
بَلَىْ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَادُ عَوُا الْكِكَفِرِينَ إِلََّ فِ ضَلَالٍ
٥ إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَءَامَنُواْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَبُهُمّ
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾﴾، وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى
الْهُدَى وَأَوْرَتْنَا بَنِيّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ
(٥٣
هُدَّى
وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ، فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ
٥٥
وَاْلْإِبْكَرِ
و ﴿ إذ﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿وإذ يتحاجون فى النار ﴾ متعلق بمحذوف تقديره:
اذكر ، أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك ليعتبروا ويتعظوا وقت أن يتخاصم أهل
النار فيما بينهم .
فيقول الضعفاء ﴾ منهم ﴿ للذين استكبروا﴾ فى الدنيا وكانوا رؤساء وقادة:
إنا كنا لكم تبعا ﴾ أى إنا كنا فى الدنيا تابعين لكم ، ومنقادين لهواكم ومسخرين
لخدمتكم .. والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ فهل أنتم معنون عنا نصيبا من النار﴾ للطلب
المصحوب بالرجاء والاستجداء ..
أى : هذا هو حالنا أمامكم ، وقد كنا فى الدنيا منقادين لكم انقياد العبد لسيده ، فادفعوا
عنا شيئا من هذا العذاب المهين الذى نزل بنا ، فطالما دافعنا عنكم فى الدنيا وسرنا وراءكم
بدون تفكير أو معارضة ..
٠

٢٩٨
المجلد الثانى عشر
وقوله ﴿ نصيبا﴾ منصوب بفعل مقدر يدل عليه قوله ﴿مغنون﴾ أى: فهل أنتم
تدفعون عنا جزءا من العذاب الذى نحن فيه ، وتحملون عنا نصيبا منه .
وهنا يرد عليهم المستكبرون ، بضيق وملل. ويحكى القرآن ذلك فيقول ﴿ قال الذين
استكبروا ﴾ أى للضعفاء.
إنا كل فيها ﴾ أى: إنا نحن وأنتم جميعا فى جهنم، فكيف ندفع عنكم شيئا من
العذاب ، وإننا لو كانت عندنا القدرة على دفع شىء من العذاب ، لدفعناه عن أنفسنا .
ولفظ ﴿ كل﴾ مبتدأ ، وفيها متعلق بمحذوف خبر، والجملة من المبتدأ والخبر ، خبر إن .
وجملة: ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ) من جملة الرد ، أى: إن الله - تعالى - قد حكم
بين العباد بحكمه العادل ، فجعل للمؤمنين الجنة ، وجعل للكافرين النار وقدر لكل منا ومنكم
عذابا لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئا .
وبعد أن يئس الكل من نصرة بعضهم لبعض ، اتجهوا جميعا نحو خزنة جهنم لعلهم
يشفعون لهم عند ربهم، ويحكى القرآن: ذلك فيقول: ﴿وقال الذين فى النار، لخزنة
جهنم ﴾ وهم الملائكة المكلفون بتعذيب الكافرين .
قالوا لهم : ﴿ ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ﴾ أى: ادعوا ربكم أن يخفف عنا
يوما واحدا من الأيام الكثيرة التى ينزل علينا العذاب فيها بدون انقطاع ، لعلنا فى هذا اليوم
نستطيع أن نلتقط أنفاسنا التى مزقها العذاب الدائم .
وهنا يرد عليهم خزنة جهنم بقولهم: ﴿ أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ﴾ أى: قالوا لهم
على سبيل التوبيخ والتأنيب : أو لم تك رسلكم فى الدنيا تنذركم بسوء مصير الكافرين ،
وتأتيكم بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم .
قالوا بلى ﴾ أى: الكافرون لخزنة جهنم: بل أتونا بكل ذلك فكذبناهم .
وهنا رد عليهم الخزنة بقولهم : مادام الأمر كما ذكرتم من أن الرسل قد نصحوكم ولكنكم
أعرضتم عنهم ﴿فادعوا﴾ ماشئتم فإن الدعاء والطلب والرجاء لن ينفعكم شيئا.
وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال ﴾ أى: وما دعاء الكافرين وتضرعهم إلا فى ضياع
وخسران .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ﴿ إنا لننصر رسلنا ، والذين
آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ .
والأشهاد : جمع شاهد ، وعلى رأسهم الأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة بأنهم

٢٩٩
سورة غافر
قد بلغوهم دعوة الله ، والملائكة الذين يشهدون للرسل بالتبليغ، وللمؤمنين بالإِيمان والكافرين
بالكفر ، وكل من يقوم يوم القيامة للشهادة على غيره يكون من الأشهاد .
أى : لقد اقتضت سنتنا التى لا تتخلف أن ننصر رسلنا والمؤمنين فى الدنيا بالحجة الدامغة
التى تزهق باطل أعدائهم ، و بالتغلب عليهم ، وبالانتقام منهم .
وأن ننصرهم فى الآخرة كذلك بأن نجعل لهم الجنة ، والنار لأعدائهم .
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ أى : فى الدنيا
والآخرة ، يعنى أنه ينصرهم فى الدارين جميعا بالحجة والظفر على أعدائهم ، وإن غلبوا فى .
الدنيا فى بعض الأحايين امتحانا من اللّه، فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو
بعد حين(١) .
وما ذكره صاحب الكشاف فإننا نراه واقعا فى سيرة الرسول - وَ الله - وفى سيرة أتباعه
فلقد هاجر النبى - رز - من مكة وليس معه سوى أبى بكر الصديق ، وعاد إليها بعد ثمانى
سنوات فاتحا غازيا ظافرا ، ومن حوله الآلاف من أصحابه .
والمؤمنون قد يُغْلَبون - أحيانا - ويُعْتَدى عليهم .. ولكن العاقبة لابد أن تكون لهم . متى
داوموا على التمسك بما يقتضيه إيمانهم من الثبات على الحق ، ومن العمل الصالح ..
وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة ، بيوم يقوم الأشهاد ، للإشعار بأن نصر الرسل
والمؤمنين فى هذا اليوم سيكون نصرا مشهودا معلوما من الأولين والآخرين ، لا ينكره منكر .
ولا ينازع فيه منازع .
وقوله : ﴿ يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾. أى: وننصرهم يوم القيامة يوم يقدم الظالمون
أعذارهم لكى نعفو عنهم . فلا يقبل منهم عذر واحد ، لأنها أعذار ساقطة . وجاءت فى غير
وقتها .
ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله - تعالى -: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ لأن المقصود
منها واحد . وهو أنهم ليس لهم عذر مقبول حتى يلتفت إليهم ، وإنما عذرهم مرفوض رفضا
تاما .
﴿ ولهم اللعنة﴾ من الله - تعالى - ومن عباده المؤمنين ﴿ولهم) - أيضا - ﴿ سوء
الدار ) وهى جهنم وسوؤها ما يسوء فيها من العذاب ، فالإضافة من باب إضافة الصفة إلى
الموصوف . أى : ولهم الدار السوءى .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٧٢ .

٣٠٠
المجلد الثانى عشر
وفى هاتين الآيتين مافيها من البشارة السارة العظيمة للمؤمنين ومن الإهانة التى ليس بعدها
إهانة للكافرين .
ثم ساق - سبحانه - مثالا من نصره لرسله ولعباده المؤمنين . فقال - تعالى -: ﴿ولقد
آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب ، هدى وذكرى لأولى الألباب ﴾.
أى: والله لقد آتينا عبدنا ونبينا موسى ما يهتدى به من المعجزات والصحف والشرائع.
وأورثنا من بعده قومه بنى إسرائيل الكتاب وهو التوراة . لكى ينتفعوا بإرشاداته وأحكامه
وتوجيهاته .
وفعلنا ما فعلنا من أجل أن يكون ذلك الكتاب هداية وذكرى لأصحاب العقول السليمة
فقوله - تعالى - ﴿هدى وذكرى﴾ مفعول لأجله. أو هما مصدران فى موضع الحال. أى:
وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب ، حالة كونه هاديا ومذكرا لأولى الألباب . لأنهم هم الذين
ينتفعون بالهدايات . وهم الذين يتذكرون ويعتبرون دون غيرهم .
ثم ختم - سبحانه الآيات الكريمة بأمر النبى - جزر - بالصبر على أذى أعدائه . فقال :
فاصبر إن وعد الله حق ..
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أننا سننصر رسلنا والذين
آمنوا فى الحياة الدنيا ﴿ويوم يقوم الأشهاد .. ﴾ فاصبر على ما أصابك من أعدائك، فإن
ما وعدك الله - تعالى - به من النصر ثابت لاشك فيه ، وحق لا باطل معه .
واستغفر لذنبك ﴾ فإن استغفارك هذا وأنت المعصوم من كل ما يغضبنا - يجعل أمتك
تقتدى بك فى ذلك ، وتسير على نهجك فى الإكثار من فعل الطاعات .
وسبح بحمد ربك بالعشى والإِبكار ﴾ أى: وبجانب استغفارك من الذنوب ، أكثر من
تسبيح ربك ومن تنزيهه عن كل مالا يليق به عند حلول الليل ، وعند تباكير الصباح ، فإن هذا
الاستغفار ، وذلك التسبيح ، خير زاد للوصول إلى السعادة والفوز فى الدنيا والآخرة .
قال الإمام الرازى ما ملخصه : واعلم أن مجامع الطاعات محصورة فى قسمين : التوبة عما
لا ينبغى ، والاشتغال بما ينبغى ، والأول مقدم على الثانى بحسب الرتبة الذاتية . فوجب أن
يكون مقدما عليه فى الذكر ..
أما التوبة عما لا ينبغى، فنراها فى قوله - تعالى -: ﴿واستغفر لذنبك
وأما الاشتغال بما ينبغى ، فتراه فى قوله - تعالى - ﴿وسبح بحمد ربك بالعشى
والإِبكار