Indexed OCR Text
Pages 61-80
تفسير سُورَة الصَّافَاتِ , 2 ٦٣ مقدمة بِسْم اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة الصافات هى السورة السابعة والثلاثون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها كما ذكر صاحب الإتقان - بعد سورة ((الأنعام))(١). ومعنى ذلك أن نزولها كان فى السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ، لأننا قد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لسورة الأنعام ، أنه يغلب على الظن أن نزولها كان فى السنة الرابعة من البعثة(٢). ٢ - قال الآلوسى : هى مكية ولم يحكوا فى ذلك خلافا . وهى مائة وإحدى وثمانون آية عند البصريين ، ومائة واثنتان وثمانون آية عند غيرهم(٣). وتعتبر هذه السورة - من حيث عدد الآيات - السورة الثالثة من بين السور المكية ، ولا يفوقها فى ذلك سوى سورتى الأعراف والشعراء . ٣ - وسميت بهذا الاسم لا فتتاحها بقوله - تعالى -: ﴿والصافات صفا). وقد سماها بعض العلماء بسورة ((الذبيح))، وذلك لأن قصة الذبيح لم تأت فى سور أخرى سواها . ٤ - وقد افتتحت سورة ((الصافات)) بقسم من اللّه - تعالى - بجماعات من خلقه على أن الألوهية والربوبية الحقة إنما هى الله - تعالى - وحده ، ثم أقام - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من الأدلة على صدق هذه القضية ، منها خلقه السموات والأرض وما بينهما ، ومنها تزيينه لسماء الدنيا بالكواكب . قال - تعالى -: ﴿ والصافات صفا فالزاجرات زجرا . فالتاليات ذكرا . إن إلهكم لواحد . رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق . إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظا من كل شيطان مارد ﴾ . ٥ - ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى تذرع بها المشركون فى إنكارهم للبعث (١) راجع الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ . ( ٢) راجع مقدمة تفسير سورة الانعام للمؤلف . (٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٦٤ . ٦٤ المجلد الثانى عشر والحساب ، ورد عليها بما يمحقها، فقال - تعالى -: ﴿وقالوا إن هذا إلا سحر مبين . أئذامتنا وكنا ترابا وعظاما أننا لمبعوثون. أو آباؤنا الأولون. قل نعم وأنتم داخرون . فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ﴾ . ٦ - وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء المشركين ، وتوبيخ الملائكة لهم ، وإقبال بعضهم على بعض للتساؤل والتخاصم .. بعد كل ذلك بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين ، فقال - تعالى - . ﴿ وما تجزون إلا ما كنتم تعملون: إلا عباد الله المخلصين . أولئك لهم رزق معلوم . فواكه وهم مكرمون . فى جنات النعيم . على سرر متقابلين . يطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذة للشاربين . لافيها غول ولاهم عنها ينزفون ﴾ . ٧ - ثم حكى - سبحانه - جانبا من المحاورات التى تدور بين أهل الجنة وأهل النار ، وكيف أن أهل الجنة يتوجهون بالحمد والشكر لخالقهم ، حيث أنعم عليهم بنعمة الإِيمان ، ولم يجعلهم من أهل النار الذين يأكلون من شجرة الزقوم . قال - تعالى -: ﴿إن هذا لهو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون . أذلك خير ، نزلا أم شجرة الزقوم . إنا جعلناها فتنة للظالمين . إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم ، طلعها كأنه رءوس الشياطين . فإنهم لآكلون منها فمالتون منها البطون ﴾ . ٨ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة إبراهيم مع قومه . ومع ابنه إسماعيل - عليهما السلام . ومن قصة موسى وهارون وإلياس ولوط ويونس - عليهم الصلاة والسلام - . ٩ - ثم أخذت السورة الكريمة - فى أواخرها - فى توبيخ المشركين الذين جعلوا بين الله - سبحانه - وبين الملائكة نسبا، ونزه - سبحانه - ذاته عن ذلك . وهدد أولئك الكافرين بأشد ألوان العذاب بسبب كفرهم وأقوالهم الباطلة . وبين بأن عباده المؤمنين هم المنصورون ، وختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين . والحمد لله رب العالمين﴾. ١٠ - والمتأمل فى هذه السورة الكريمة - بعد هذا العرض المجمل لآياتها - يراها بأنها قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى أن البعث حق ، وعلى أن الرسول - * - صادق فيما يبلغه عن ربه ، وذلك لكى تغرس العقيدة السليمة فى النفوس .. كما يراها تهتم بحكاية أقوال المشركين وشبهاتهم .. ثم ترد على تلك الأقوال والشبهات بما يزهقها ويبطلها . ٦٥ سورة الصافات كما يراها - كذلك - تسوق ألوانا من المحاورات التى تدور بين المشركين فيما بينهم عندما يحيط بهم العذاب يوم القيامة ، وألوانا من المحاورات التى تدور بينهم وبين أهل الجنة الذين نجاهم الله - تعالى - من النار وسعيرها . كما يراها - أيضا - تسوق لنا نماذج من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، تارة بشىء من التفصيل كما فى قصة إبراهيم مع قومه، وتارة بشىء من التركيز والإجمال كما فى بقية قصص الأنبياء الذين ورد الحديث عنهم فيها . وتمتاز بعرضها للمعانى والأحداث بأسلوب مؤثر . ترى فيه قصر الفواصل وكثرة المشاهد ، والمواقف . مما يجعل القارىء لآياتها فى شوق إلى ما تسوقه من نتائج . نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الراجي عفو ربه القاهرة - مدينة نصر د . محمد سيد طنطاوى مساء الجمعة ٨ من ذى القعدة سنة ١٤٠٥ هـ ٢٦ / ٧ / ١٩٨٥ ٦٦ المجلد الثانى عشر (« التفسير » قال الله - تعالى - : 3.1 وَالصََّفَّتِ صَفَّا ن فَالزَّجِزَتِ زَجْرًا فَالتَّلِيَتِ ذِكْرَان إِنَّإِلَهَكُمْلَوْجِدٌ ن رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ؛ والواو فى قوله - تعالى -: ﴿والصافات﴾ للقسم. وجوابه قوله: ﴿إن إلهكم لواحد و((الصافات)) من الصف، وهو أن تجعل الشىء على خط مستقيم . تقول: صففت القوم فاصطفوا ، إذا أقمتهم على خط مستقيم . سواء أكانوا فى الصلاة ، أم فى الحرب ، أم فى غير ذلك . و «الزاجرات)): من الزجر، وهو الدفع بقوة . تقول : زجرت الإِبل زجرا - من باب قتل - إذا منعتها من الدخول فى شىء ودفعتها إلى غيره . و ((التاليات)): من التلاوة، بمعنى القراءة فى تدبر وتأمل. وأكثر المفسرين على أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات : جماعة من الملائكة . موصوفة بهذه الصفات . فيكون المعنى : وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله - تعالى - وطاعته ، · أو الذين يصفون أجنحتهم فى السماء انتظاراً لأمر الله ، والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصى ، أو يزجرون السحاب إلى الجهات التى كلفهم الله - تعالى - بدفعه إليها ، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه تقربا إليه - تعالى - وطاعة له . وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون فى قوله - تعالى - فى السورة نفسها: ﴿ وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون ٦٧ سورة الصافات كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم فى صحيحه عن حذيفة قال : قال رسول الله -# - (( فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض مسجدا . وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء))(١). وفى حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سَمُرَه قال: قال رسول انه - * - : (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم))؟ قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟ قال : ((يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون فى الصف))(٢). وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء ، لأجل الإعذار والإنذار به. كما فى قوله - تعالى - فى أوائل المرسلات: ﴿فالملقيات ذكراً. عذرا أو نذرا قال الإمام ابن كثير: قوله: ﴿ فالتاليات ذكرا ﴾ هم الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس ، وهذه الآية كقوله - تعالى -: ﴿فالملقيات ذكراً . عذرا أو نذرا﴾(٣) ومنهم من يرى أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات هنا: العلماء الذين يصفون أقدامهم عند الصلاة وغيرها من الطاعات ، ويزجرون غيرهم عن المعاصى ، ويتلون كلام انه - تعالى - . ومنهم من يرى أن المراد بالصافات : الطيور التى تصف أجنحتها فى الهواء وبالزاجرات وبالتاليات : جماعات الغزاة فى سبيل الله، الذين يزجرون أعداء الله - تعالى - : ويكثرون من ذكره . ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح ، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى سقناها قبل ذلك تؤيده ، ويؤيده - أيضاً - ما يجىء بعد ذلك من أوصاف للملائكة كما فى قوله - تعالى -: ﴿ لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب ﴾ والمراد بالملأ الأعلى هنا . الملائكة . ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين ، كابن مسعود وابن عباس ، ومسروق ،وسعيد بن جبير ، وعكرمة ومجاهد . وإنما أقسم الله - تعالى - هنا بالملائكة ، لشرفهم ، وسمو منزلتهم وامتثالهم لأوامره - (١) صحيح مسلم: فى كتاب المساجد جـ ٢ ص ٦٣ . (٢) صحيح مسلم كتاب الصلاة جـ ٢ ص ٢٩ . (٣) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣. ٦٨ المجلد الثانى عشر سبحانه - امتثالا تاما وله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه ، تنويها بشأن المقسم ، ولفتا لأنظار الناس إلى ما فيه من منافع . ولفظ ((الصافات)) مفعوله محذوف . والتقدير، وحق الملائكة الصافات نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله - تعالى - . والترتيب بالفاء فى هذه الصفات ، على سبيل الترقى ، إذ الأولى كمال ، والثانية أكمل ، التعدى منفعتها إلى الغير ، والثالثة أكمل وأكمل ، لتضمنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلى عن الرذائل ، والتحلى بالفضائل . وقوله ((صفا، وزجرا، وذكرا)) مصادر مؤكدة لما قبلها . وقوله - سبحانه -: ﴿إن إلهكم لواحد ﴾ جواب للقسم، وهو المقسم عليه . أى: وحق الملائكة الذين تلك صفاتهم ، إن ربكم - أيها الناس - لواحد لا شريك له فى ذاته ، ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، ولا فى خلقه . وقوله: ﴿رب السموات الأرض وما بينهما ورب المشارق﴾ بدل من قوله ﴿لواحد ﴾ أو خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف . أى: إن إلهكم - أيها الناس - لواحد: هو - سبحانه - رب السموات والأرض ، ورب ما بينهما من مخلوقات كالهواء وغيره ، ورب المشارق التى تشرق منها الشمس في كل يوم على مدار العام ، إذ لها فى كل يوم مشرق معين تشرق منه . ولها فى كل يوم - أيضاً مغرب تغرب فيه . واكتفى هنا بذكر المشارق عن المغارب ، لأن كل واحد منهما يستلزم الآخر ، ولأن الشروق أدل على القدرة، وأبلغ فى النعمة ، ولأن الشروق سابق على الغروب ، وقد قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾(١). والمراد بهما هنا جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التى هى ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك . وقال فى سورة الرحمن : ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ أى: مشرق الشتاء ومشرق. الصيف ومغربها ، أو مشرق الشمس والقمر ومغربها . وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجىء هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة على سبيل التثنية ، (١ ) سورة المزمل الآية ٩. ٦٩ سورة الصافات وتارة على سبيل الجمع . قال بعض العلماء : قوله ﴿ورب المشارق ﴾ أى: ولكل نجم مشرق ، ولكل كوكب مشرق فهى مشارق كثيرة فى كل جانب من جوانب السموات الفسيحة . وللتعبير دلالة أخرى دقيقة فى التعبير عن الواقع فى هذه الأرض التى نعيش عليها كذلك . فالأرض فى دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة - كما تتوالى المغارب ، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس ، كان هناك مشرق على هذا القطاع . وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له فى الكرة الأرضية .. وهى حقيقة ما كان يعرفها الناس فى زمان نزول القرآن الكريم ، أخبرهم الله - تعالى - بها فى ذلك الزمان القديم .. (١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر قدرته فى خلقه لهذه السموات وكيف أنه - تعالى - قد زين السماء الدنيا بالكواكب . وحفظها من تسلل أى شيطان إليها فقال تعالى : إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَّةِ الْكَوَاكِبِ ، وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَنِ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلَإِ اَلْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَائِبٍ جَ دُخُورٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُ ٨ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ( ١٠ وقوله - تعالى - ﴿زينا ﴾ من التزيين بمعنى التحسين والتجميل . والمراد بالسماء الدنيا : السماء التى هى أقرب سماء إلى الأرض . فالدنيا مؤنث أدنى بمعنى أقرب . والكواكب : جمع كوكب وهو النجم الذى يرى فى السماء . وقوله : ﴿بزينة الكواكب ﴾ فيه ثلاث قراءات سبعية ، فقد قرأ الجمهور بإضافة زينة إلى الكواكب. أى: بلا تنوين فى لفظ ((بزينة)). وقرأ بعضهم بتنوين لفظ ((زينة)) وخفض لفظ الكواكب على أنه بدل منه . وقرأ بعضهم بتنوين لفظ ﴿ بزينة ﴾ ونصب لفظ الكواكب ، على أنه مفعول لفعل محذوف أى : أعنى الكواكب . والمعنى : إنا بقدرتنا وفضلنا زينا السماء الدنيا التى ترونها بأعينكم - أيها الناس - بالكواكب ، فجعلناها مضيئة بحيث تهتدون بها فى سيركم من مكان إلى مكان . (١) فى ظلال القرآن جـ ٢٣ ص ٤٦. ٧٠ المجلد الثانى عشر كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما (١) للشياطين ومما لاشك أن منظر السماء وهى مليئة بالنجوم ، يشرح الصدور ، ويؤنس النفوس ، وخصوصا للسائرين فى نجاح الأرض ، أو ظلمات البحر . قوله - سبحانه - : ﴿وحفظا من كل شيطان مارد ﴾ بيان لما أحاط به - سبحانه - السماء الدنيا من حفظ ورعاية . ولفظ ((حفظا)) منصوب على المصدرية بإضار فعل قبله . أى وحفظناها حفظا ، أو معطوف على محل ((بزينة)). والشيطان : كل متمرد من الجن والإنس والدواب . والمراد به هنا : المتمرد من الجن . والمارد: الشديد العتو والخروج عن طاعة الله - تعالى - المتعرى من كل خير . أى : إنا جعلنا السماء الدنيا مزينة بالكواكب وضيائها ، وجعلناها كذلك محفوظة من كل شيطان متجرد من الخير ، خارج عن طاعتنا ورحمتنا . وقوله - سبحانه -: ﴿ لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ، ويقذفون من كل جانب . دحورا ولهم عذاب واصب ﴾ جملة مستأنفة لبيان حالهم عند حفظ السماء ، وبيان كيفية الحفظ ، وما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما حاولوا استراق السمع منها . ولفظ ((يسِّمَّعُون)) بتشديد السين - وأصله يتسمعون. فأدغمت التاء فى السين والضمير للشياطين، وقرأ الجمهور ﴿لا يَسْمعون﴾ بإسكان السين. قال صاحب الكشاف: الضمير فى ((لا يسمعون)) لكل شيطان ، لأنه فى معنى الشياطين ، وقرئ بالتخفيف والتشديد. وأصله ((يتسمعون)). والتسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع . أو فلم يسمع . فإن قلت : أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث ، وسمعت إليه يتحدث . وسمعت حديثه ، وإلى حديثه ؟ قلت : المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعد يإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك(٢). والملأ فى الأصل : الجماعة يجتمعون على أمر فيملئون النفوس هيبة ، والمراد بالملأ الأعلى هنا : الملائكة الذين يسكنون السماء . (١) سورة الملك آية ٥ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٥. ٧١ سورة الصافات وسموا بذلك لشرفهم ، ولأنهم فى جهة العلو ، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون الأرض . وقوله: ﴿ويقذفون﴾ من القذف بمعنى الرجم والرمى، و﴿ دحورا﴾ مفعولا لأجله، أى: يقذفون لأجل الدُّحور، وهو الطرد والإبعاد ، مصدر دَحَرَه يَدْحَرُهُ دَحْراً ودُحُورًا : إذا طرده وأبعده . والواصب: الدائم ، من الوصوب بمعنى الدوام، يقال: وَصَب الشىء يَصِبُ وصُوباً، إذا دام وثبت، ومنه قوله: ﴿وله الدين واصبا﴾ أى: دائما ثابتا. والمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب ، وحفظناها - بقدرتنا ورعايتنا - من كل شيطان متجرد من الخير ، فإن هذا الشيطان وأمثاله كلما حاولوا الاستماع إلى الملائكة فى السماء ، لم تمكنهم من ذلك ، بل قذفناهم ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء ، من أجل أن ندمرهم ونطردهم ونبعدهم عنها ، ولهم منا - فوق كل ذلك - عذاب دائم ثابت لا نهاية له . وقوله: ﴿ إلا من خطف الخطفة﴾ استثناء من الواو فى ((يسمعون)) و((مَنْ)) فى محل بدل من الواو . والخطف : الأخذ للشىء بسرعة وخفية واختلاس وغفلة من المأخوذ منه . أى: لا يسمع الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلا الشيطان الذى خطف الخطفة من كلام الملائكة بسرعة وخفة ، فيما يتفاوضون فيه من أحوال البشر - دون ما يتعلق بالوحى - فإنه فى هذه الحالة يتبع هذا الشيطان ويلحقه ﴿شهاب ثاقب﴾ أى: شعلة من النار تتقب الجو بضوئها فتهلكه وتحرقه وتثقبه وتمزقه . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملتت حرسا شديدا وشهباً . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع. فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا ﴾(١). ومما يدل على أن استراقهم للسمع ، واختطافهم للخطفة ، إنما يكون فى غير الوحى ، قوله - تعالى - ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون﴾(٢). وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : كانت للشياطين مقاعد فى السماء فكانوا يستمعون الوحى قال : وكانت النجوم لا تجرى ، وكانت الشياطين لا ترمى . قال : فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض ، فزادوا فى الكلمة تسعا . قال: فلما بعث رسول (١) سورة الجن الآيتان ٩،٨. (٢) سورة الشعراء الآية ٢١٢ . ٧٢ المجلد الثانى عشر الله - وَ - جعل الشيطان إذا قعد مقعده، جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه(١). ثم أمر - سبحانه - رسوله - * - أن يوبخ المنكرين للبعث والحساب ، وحكى جانبا من أقوالهم الباطلة حول هذه القضية ، ورد عليهم ردا يزهق باطلهم .. فقال - تعالى - : فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُ خَلْمًا ابَلْ عَجِبْتَ ١١ أَمَ مَّنْ خَقْنَا إِنَّا خَقْنَهُمْ مِّن طِينٍ لَّازِبِ وَيَسْخَرُونَ ﴿ وَإِذَا ذَكَّرُ واْ لَا يَذَّكُرُونَ ﴿٢، وَإِذَا رَأَوْءَايٌَّ يَسْتَسْخِرُونَ ﴿ وَ قَالُوَإِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌمُّبِينٌ ﴿ أَعِذَا مِنْنَا وَكْنَانُرَابًا وَعِظَامًا نَعَمْ وَأَنْتَمْ دَاخِرُونَ ٠٠١٤,٠٠٠ أَمِنَّا لَمَبْعُوتُونَ ﴿١٦)، أَوَءَابَآ ؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴿ وَقَالُواْنَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الَّذِينِ ﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُنْتُمْيِهِ تُكَّذِّبُونَ ٢١ والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فاستفتهم .. ﴾ هى الفصيحة ، والاستفتاء : الاستخبار عن الشىء ومعرفة وجه الصواب فيه . والمراد من الاستفهام فى الآية : توبيخ المشركين على إصرارهم على شركهم وجهلهم . وتعجيب العقلاء من أحوالهم . واللازب : أى : الملتصق بعضه ببعض . يقال : لزب الشىء يلزب لزبا ولزوبا ، إذا تداخل بعضه فى بعض ، والتصق بعضه ببعض . والطين اللازب : هو الذى يلزق باليد - مثلا - إذا ما التقت به قال النابغة الذبياني : فلا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب أى : ضربة ملازمة لا مفارقة لها . والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك ٥ أيها الرسول الكريم - من أن كل شىء فى هذا (١): تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٥ ٧٣ سورة الصافات الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا ، فاسأل هؤلاء المشركين ((أهم أشد خلقا)) أى: أهم أقوى خلقة وأمتن بنية، وأضخم أجسادا .. ((أم من خلقنا)) من ملائكة غلاظ شداد ، ومن سماوات طباقا ، ومن أرض ذات فجاج . لاشك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به عليك ، سوى قولهم : إن خلق الملائكة والسموات والأرض . أشد من خلقنا . وقوله - تعالى - ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب) إشارة إلى المادة الأولى التى خلقوا منها فى ضمن خلق أبيهم آدم - عليه السلام - . أى : إنا خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض ، ومتداخل بعضه فى بعض . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذى أنكره المشركون . أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض والملائكة .. أعظم وأكبر منهم ... ومن كان قادراً على خلق الأعظم والأكبر كان من باب أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر . وقد ذكر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾(١) . وأما الدليل الثانى فهو قوله - تعالى -: ﴿إنا خلقناهم من طين لازب﴾ وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب ، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما . إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإِعادة أيسر من الابتداء . وقد قرر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات منها قوله - تعالى -: ﴿وهو الذى يبدؤ الخلق ثم يعيده ، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴾(٢) . ثم بين - سبحانه - أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال: ﴿بل عجبت ويسخرون ﴾ . قال الجمل : وقوله: ﴿بل عجبت﴾ إضراب إما عن مقدر دل عليه قوله : فاستفتهم﴾ أى: هم لا يقرون بل عجبت، وإما عن الأمر بالاستفتاء، أى : (١) سورة غافر الآية ٥٧ . ٠٠٠ (٢) سورة الروم الآية ٢٧ . ٧٤ المجلد الثانى عشر لا تستفتهم فإنهم معاندون ، بل انظر إلى تفاوت حالك وحالهم(١). أى : بل عجبت - أيها الرسول الكريم - ومن حقك أن تعجب ، من إنكار هؤلاء الجاحدين لإمكانية البعث ، مع هذه الأدلة الساطعة التى سقناها لهم على أن البعث حق . وجملة ((يسخرون)) حالية . أى : والحال أنهم يسخرون من تعجبك ومن إنكارك عليهم ذلك ، ومن إيمانك العميق بهذه الحقيقة ، حتى إنك لترددها على مسامعهم صباح مساء . قال الآلوسى: وقرأ حمزة والكسائى: ﴿ بل عجبتُ ﴾ - بضم التاء - .. وأولت هذه القراءة بأن ذلك من باب الفرض ، أى : لو كان العجب مما يجوز علىَّ لعجبت من هذه الحال . ثم قال : والذى يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس عند الجهل للسبب ، ولذا قيل : إذا ظهر السبب بطل العجب ، وهو فى الله - تعالى - بمعنى يليق لذاته - تعالى - وهو - سبحانه - أعلم به ، فلا يعينون معناه(٢) . وقوله - تعالى -: ﴿وإذا ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون ﴾ بيان لشدة تماديهم فى الباطل ، وإصرارهم عليه . أى : أن هؤلاء القوم من دأبهم ومن صفاتهم الملازمة لهم ، أنهم إذا وعظوا بما ينفعهم لا يتعظون، وإذا رأوا آية واضحة فى دلالتها على الحق ﴿ يستسخرون﴾ أى: يبالغون فى السخرية وفى الاستهزاء بها ، يقال : استسخر القوم من الشىء ، إذا استدعى بعضهم بعضا للاستهزاء به . ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بالسخرية ، بل قالوا أقوالا تدل على جحودهم وجهلهم ، فقال - تعالى - ﴿ وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ﴾. أى: وقالوا - على سبيل الجحود والعناد - ما هذا الذى أتانا به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا سحر واضح بين ، ولا يشك أحد منا فى كونه كذلك . أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أننا لمبعوثون ، أوآباؤنا الأولون ﴾ . أى: أنهم لم يكتفوا بقولهم: إن ما جاء به الرسول -# - سحر واضح ، بل أضافوا إلى ذلك على سبيل المبالغة فى الإنكار لما جاءهم به قولهم : أنذا متنا وانتهت حياتنا ووضعنا فى قبورنا ، وصرنا تراباً وعظاما أننا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى ؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون أيضاً ؟. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٣٢ . ( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٧٧ . ٧٥ سورة الصافات ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على انطاس بصائرهم ، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شىء . والتى من آثارها إيجادهم من العدم . ولذا لقن الله - تعالى - نبيه -* - الجواب الذى يخرس ألسنتهم فقال: ﴿ قل نعم وأنتم داخرون ﴾ أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - ستبعثون أنتم وآباؤكم الأقدمون ، وأنتم جميعاً. داخرون ﴾ أى: صاغرون مستسلمون ، لا تستطيعون التأخر أو التردد .. يقال : دخر الشخص يدخر - بفتح الخاء - دخورا ، إذا ذل وصغر وهان . ثم بين - سبحانه - أن بعثهم من قبورهم إنما يقع بصيحة واحدة فقال : ﴿ فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ﴾ . والزجرة واحدة من الزجر ، يقال : زجر الراعى غنمه إذا صاح عليها ، ومنعها من شىء معين . والضمير راجع إلى البعثة المدلول عليها بسياق الكلام ، والفاء : هى الفصيحة . أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا . فإنما بعثهم من مرقدهم يكون بصيحة واحدة يصيحها إسرافيل فيهم بأمرنا ، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون إلى ما حولهم فى ذهول ، وينتظرون فى استسلام وذلة حكم الله - تعالى - فيهم . والمراد بهذه الزجرة : النفخة الثانية التى يقوم بها إسرافيل بأمر الله - تعالى - كما قال - تعالى -: ﴿ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾(١). والتعبير عن الصيحة بالزجرة للدلالة على شدتها وعنفها على هؤلاء المشركين ، وأنها قد أتتهم ممن لا يستطيعون معصية أمره . ثم بين - سبحانه - أحوالهم بعد هذه الزجرة فقال: ﴿وقالوا يا ويلنا﴾ أى: وقالوا بعد أن خرجوا من قبورهم فى ذهول: ﴿ياويلنا﴾ أى: يا هلا كنا احضر فهذا أوان حضورك . وقوله : ﴿ هذا يوم الدين﴾ يصح أن يكون من كلام بعضهم مع بعض بعد أن رأوا أن ما كانوا ينكرونه ، قد أصبح حقيقة واقعة أمام أعينهم . أى : قال بعضهم لبعضهم فى ذعر وفزع: يا ويلنا هذا يوم الجزاء على الأعمال . الذى كنا ننكره فى الدنيا ، قد أصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا . (١) سورة الزمر الآية ٦٨ . ٧٦ المجلد الثانى عشر ويصح أن يكون هو وما بعده ، وهو قوله - تعالى -: ﴿ هذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون ﴾ من كلام الملائكة على سبيل التأنيب لهم. أى : تقول لهم الملائكة : اطلبوا ما شئتم من الويل والهلاك ، فهذا اليوم هو يوم الجزاء على الأعمال ، وهو يوم الفصل والقضاء الذى كنتم تكذبون به فى الدنيا ، وتستهزئون ممن يأمركم بحسن الاستعداد له، وينذركم بسوء المصير إذا ما سرتم فى طريق الكفر به ، والإنكار له . ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم ، وصور أحوالهم البائسة تصويرا تقشعر من هوله الجلود ، وحكى جانبا من حسراتهم خلال تساؤلهم فيما بينهم فقال - تعالى - : أَحْتُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوايَعْبُدُونَ(٢) مِندُونِ الَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُ مَسْئُولُونَ ٢٤ مَالَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴿ بَلْ هُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ () وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَاءَ لُونَ (٢٦) قَالُوَاْإِنَّكُمْ كُمْتَأْتُونَنَاعَنِ اَلْيَمِينِ ٢٨ قَالُواْبَل لَمْتَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَّ كُمْ قَوْمًا طَِّينَ ﴿) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِّنَا إِنَّ لَذَا بِقُونَ﴾ ٣١ فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ ﴿ فَإِنَّهُمْبَوْمَيِدٍ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٢) إِنَّ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَإِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُ ونَ ﴿ وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْءَ الِهَتِّنَا لِشَاعِ تَجْنُونٍ ﴿ بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَذَا بِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿٣)، وَمَا تُجْرَوْنَ إِلَّ مَاكُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣٩ وقوله - تعالى -: ﴿ احشروا ﴾ من الحشر بمعنى الجمع مع السوق يقال: حشر القائد جنده حشرا - من باب قتل - إذا جمعهم . والمحشر : المكان الذى يجتمع فيه الخلائق . ٧٧ سورة الصافات والمراد بالذين ظلموا : المشركون الذين أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، ومن الآيات التى وردت وأطلق فيها الظلم على الشرك والكفر ، قوله - تعالى - : ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وقوله - سبحانه - ﴿والكافرون هم الظالمون ﴾. وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى - - فسر الظلم بالشرك فى قوله - تعالى - : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾(١). والمراد بأزواجهم : أشباههم ، ونظراؤهم وأمثالهم فى الشرك والكفر ، وهذا التفسير مأثور عن عدد من الصحابة والتابعين ، منهم عمر بن الخطاب ، والنعمان بن بشير ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ،وعكرمة ومجاهد ، وأبو العالية . وقيل المراد بأزواجهم . قرناؤهم من الشياطين ، بأن يحشر كل كافر مع شيطانه . وقيل المراد بهم : نساؤهم اللاتى كن على دينهم ، بأن كن مشركات فى الدنيا كأزواجهن ، ويبدو لنا أن جميع من ذكروا محشور . والعياذ بالله . إلى جهنم، إلا أن تفسير الأزواج هنا: بالأشباه والنظائر والأصناف أولى ، خصوصا وأن إطلاق الأزواج على الأصناف والأشباه جاء كثيرا فى القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ، ومما لا يعلمون ﴾ . والمراد بما كانوا يعبدونه : الآلهة الباطلة التى كانوا فى الدنيا يعبدونها من دون الله، كالأصنام والأوثان . والأمر من الله - تعالى - للملائكة فى هذا اليوم الشديد ، وهو يوم القيامة . أى : احشروا واجمعوا الذين كانوا مشركين فى الدنيا ، واجمعوا معهم كل من كان على شاكلتهم فى الكفر والضلال ، ثم اجمعوا معهم - أيضا - آلهتهم الباطلة التى عبدوها من دون الله - تعالى - ثم ألقوا بها جميعا فى جهنم، ليذوقوا سعيرها وحرها . وفى حشر الآلهة الباطلة مع عابديها ، زيادة تحسير وتخجيل لهؤلاء العابدين لأنهم رأوا بأعينهم بطلان وخسران ما كانوا يفعلونه فى الدنيا . والضمير فى قوله: ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ يعود إلى المشركين وأشباههم وآلهتهم . وقوله: ﴿ فاهدوهم﴾ من الهداية بمعنى الدلالة على الشىء والإِرشاد إليه. أى : احشروهم جميعا إلى جهنم ، وعرفوهم طريقها إن كانوا لا يعرفونه ، وأروهم إياه إن كانوا لا يرونه . (١) سورة الأنعام الآية ٨٢ . ٧٨ المجلد الثانى عشر والتعبير بالهداية والصراط فيه ما فيه من التهكم بهم ، والتأنيب لهم فكأنه - سبحانه - يقول: بما أنهم لم يهتدوا فى الدنيا إلى الخير وإلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم ، فليهتدوا فى الآخرة إلى صراط الجحيم . وقوله - سبحانه - ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ زيادة فى توبيخهم وإذلالهم ، والوقف هنا : بمعنى الحبس . قال القرطبى : يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هى وقوفا .. أى : أحبسوهم ، وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم ، وفيه تقديم وتأخير أى : قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار .. (١) أى: واحيسوهم فى موقف الحساب، لأنهم مسئولون عما كانوا يقترفونه فى الدنيا من عقائد زائفة ، وأفعال منكرة ، وأقوال باطلة . ولا تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التى صرحت بأن المجرمين يسألون يوم القيامة، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم لا يسألون كما فى قوله - تعالى -: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان أقول لا تعارض بين هذه الآيات ، لأن فى يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسألون فى موقف ولا يسألون فى آخر .. أو أن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع والسؤال المنفى هو سؤال الاستعلام والاستخبار . قوله - تعالى -: ﴿ مالكم لا تناصرون﴾ تقريع آخر لهم، أى: ما الذى جعلكم فى هذا اليوم عاجزين عن التناصر فيما بينكم - أيها الكافرون - مع أنكم فى الدنيا كنتم تزعمون أنكم جميع منتصر ؟ ثم أضرب - سبحانه - عما تقدم إلى بيان حالهم يوم القيامة فقال: ﴿ بل هم اليوم مستسلمون والاستسلام : أصله طلب السلامة ، والمراد به هنا : الانقياد التام ، والخضوع المطلق . يقال: استسلم المدو لعدوه، إذا انقاد له وخضع لأمره . أى : ليسوا فى هذا اليوم بقادرين على التناصر ، بل هم اليوم خاضعون ومستسلمون ، لعجزهم عن أى حيلة تنقذهم مما هم فيه من بلاء . ثم يحكى - سبحانه - ما يدور بينهم من مجادلات يوم القيامة فيقول: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ٠ (١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٧٤. ٧٩ سورة الصافات ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا ، يكون بين الأتباع والمتبوعين ، أو بين العامة والزعماء . كما تدل عليه آيات منها قوله - تعالى -: ﴿ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ، يرجع بعضهم إلى بعض القول ، يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا ، لولا أنتم لكنا مؤمنين ﴾(١) . ثم حكى - سبحانه - ما قاله الضعفاء للزعماء فقال: ﴿ قالوا إنكم كنتم تأتونثا عن اليمين ) وللمفسرين فى تأويل معنى اليمين عنا اتجاهات منها : أن المراد باليمين هنا : الجهة التى هى جهة الخير واليمن : أى : قال الضعفاء للرؤساء : إنكم كنتم فى الدنيا توهموننا وتخدعوننا بالبقاء على ما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان، لأن بقاءنا على ذلك فيه الخير واليمن والسلامة . فأين مصداق ما قلتموه لنا وقد نزل بنا. ما نزل من أهوال وآلام ؟ فالمقصود بالآية الكريمة بيان ما يقوله الأتباع للمتبوعين على سبيل الحسرة والندامة ، لأنهم خدعوا بوسوستهم ، وأصيبوا بالخيبة بسبب اتباعهم لهم . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما ،وكانوا يتيمنون بها ، فيها يصافحون ، ويماسحون ، ويناولون ويتناولون ، ويزاولون أكثر الأمور : لما كانت كذلك استعيرت لجهة الخير وجانبه ، فقيل : أتاه عن اليمين ، أى من الخير وناحيته .. (٢). ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا : اليمين الشرعية التى هى القسم ، وعن بمعنى الباء . أى : قالوا لهم : إنكم كنتم فى الدنيا تأتوننا بالأيمان المغلظة على أننا وأنتم على الحق فصدقناكم ، فأين نحن وأنتم الآن من هذه الأيمان المغلظة ؟ لقد ظهر كذبها وبطلانها ، وأنتم اليوم مسئولون عما نحن فيه من کرب . ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا : القوة والغلبة . أى : أنكم كنتم فى الدنيا تجبروننا وتقسروننا على اتباعكم لأننا كنا ضعفاء وكنتم أقوياء . والذى نراه أن الآية الكريمة تسع كل هذه الأقوال ، لأن الرؤساء أوهموا الضعفاء بأنهم على (١) سورة سبأ الآية ٣١. (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٩. ٠ ٨٠ المجلد الثانى عشر الحق ، وأقسموا لهم على ذلك ، وهددوهم بالقتل أو الطرد إن هم اتبعوا ما جاءهم به الرسول - 3 * - . ومقصود الضعفاء من هذا القول ، إلقاء المسئولية كاملة على الرؤساء ، توهما منهم أن هذا الإِلقاء سيخفف عنهم شيئاً من العذاب . ثم يحكى القرآن بعد ذلك : أن الرؤساء قد ردوا عليهم بخمسة أجوبة . أولها: ﴿ قالوا بل لم تكونوا مؤمنين﴾ أى: قال الرؤساء للأتباع: نحن لم نتسبب فى كفركم فى الدنيا ، بل أنتم الذين أبيتم الإِيمان باختياركم ، وآثرتم عليه الكفر باختياركم - أيضا - فكفركم نابع من ذواتكم ، وليس من شىء خارج عنكم ، ولم يدخل الإِيمان قلوبكم فى وقت من الأوقات . فالجملة الكريمة إضراب إبطالى من المتبوعين ، عما ادعاه التابعون . وثانيها : يتجلى فى قوله - تعالى -: ﴿وما كان لنا عليكم من سلطان ﴾ أى: وما كان لنا عليكم من قوة أو غلبة تجبركم على البقاء فى الكفر والضلال ، ولكنكم أنتم الذين رضيتم بالكفر عن اختيار واقتناع منكم به . وثالثها قوله - تعالى -: ﴿بل كنتم قوما طاغين﴾ أى: نحن لم يكن لنا سلطان عليكم ، بل أنتم الذين كنتم فى الدنيا قوما طاغين وضالين مثلنا . والطغيان مجاوزة الحد فى كل شىء . ورابعها : نراه فى قوله - سبحانه - : ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ والفاء للتفريع على ما تقدم، من كون الرؤساء لم يجبروا الضعفاء على البقاء فى الكفر . أى : نحن وأنتم لم تكونوا مؤمنين أصلا . فكانت نتيجتنا جميعا ، أن استحققنا العذاب ، وأن لزمنا ما توعدنا به خالقنا من ذوق العذاب ، جزاء كفرنا وشركنا به - تعالى - . وخامس هذه الأجوبة : بينه - سبحانه - فى قوله - حكاية عنهم - : ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوین . أى : فدعوناكم للغواية والضلالة دعوة غير ملجئة ، فاستجبتم لنا باختياركم الغى على الرشد ﴿ إنا كنا غاوين﴾ مثلكم، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم فنحن ما أجبرناكم على اتباعنا ولكن أنتم الذين اتبعتمونا باختياركم . وهكذا رد الرؤساء على الضعفاء فيما اتهموهم به من أنهم السبب فيما حل بهم من عذاب أليم يوم القيامة .