Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة الروم هى السورة الثلاثون فى ترتيب المصحف أما ترتيبها فى النزول فهى السورة الثانية والثمانون ، وقد كان نزولها بعد سورة الانشقاق . ٢ - وقد افتتحت بالحديث عن قصة معينة ، وهى قصة الحروب التى دارت بين الفرس والروم ، والتى انتهت فى أول الأمر بانتصار الفرس ، ثم كان النصر بعد ذلك للروم . قال - تعالى -: ﴿الم. غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. فى بضع سنين ، للّه الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ﴾ . ٣ - ثم وبخت السورة الكريمة الكافرين ، لعدم تفكرهم فى أحوال أنفسهم ، وفى أحوال السابقين الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، وتوعدتهم بسوء المصير بسبب انطماس بصائرهم ، وإعراضهم عن دعوة الحق ، ووعدت المؤمنين بحسن الجزاء . قال - تعالى -: ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون . وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ، فأولئك فى العذاب محضرون ٤ - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك اثنى عشر دليلا على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وقد بدئت هذه الأدلة بقوله - تعالى - : ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون . ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن فى ذلك لآيات للعالمين . ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ . ٥ - وبعد أن أقام - سبحانه - هذه الأدلة المتعددة على وحدانيته وقدرته ، أتبع ذلك بأن أمر الناس باتباع الدين الحق، وبالإنابة إليه - تعالى - فقال: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ٦٢ المجلد الحادى عشر فطرة الله التى فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾. ٦ - ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى السراء والضراء ، ودعاهم إلى التعاطف والتراحم ، ونفرهم من تعاطى الربا ، فقال - تعالى -: ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، ذلك خير للذين يريدون وجه الله ، وأولئك هم المفلحون . وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس فلا يربو عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ٧ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وبين الآثار السيئة التى تترتب على جحود هذه النعم ، ودعا الناس للمرة الثانية إلى اتباع الدين القيم ، الذى لا يقبل الله - تعالى - دينا سواه، فقال - تعالى -: ﴿ فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من اللّه يومئذ يصَّدَّعون. من كفر فعليه كفره ، ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ . ٨ - ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة الله فى الرياح وفى إرسال الرسل ، وأمر كل عاقل أن يتأمل فى آثار هذه النعم ، ليزداد إيمانا على إيمانه ، فقال - تعالى - فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها ، إن ذلك لمحيى الموتى ، وهو على كل شىء قدير ﴾ . ٩ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان أهوال الساعة ، وحكى أقوال أهل العلم والإِيمان ، فى ردهم على المجرمين عندما يقسمون أنهم مالبثوا فى هذه الدنيا سوى ساعة واحدة، وأمر - سبحانه - نبيه - وَليزر - أن يصبر على أذى أعدائه ، فقال - تعالى - : فاصبر إن وعد الله حق ، ولا يستخفتك الذين لا يوقنون ﴾. ١٠ - وهكذا نجد أن سورة ((الروم)) قد أفاضت فى الحديث عن الأدلة المتعددة ، التى تشهد بوحدانية الله - تعالى - وقدرته ، كما تشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، وبأن يوم القيامة حق وصدق ، كما ساقت آيات متعددة فى المقارنة بين مصير الأخيار ، ومصير الأشرار ، ودعت الناس إلى الثبات على الدين الحق ، وهو دين الإِسلام ، كما حضت على التعاطف والتراحم بين المسلمين ، ونهت عن تعاطى الربا، لأنه لا يربو عند الله - تعالى - ، وإنما الذى يعطى من صدقات هو الذى يربو عند الله - عز وجل - كما ذكرت أنواعا من النعم التى أنعم الله - تعالى - بها على عباده ، وأمرتهم بشكره - سبحانه - عليها ، لکی يزيدهم من فضله . ٦٣ مقدمة هذه أهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد أخرى يراها من يتدبر هذه السورة الكريمة ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . د . محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر - ١٧ من رجب سنة ١٤٠٥ هـ ٧ / ٣ / ١٩٨٥ م ٦٥ سورة الروم التفسير قال الله تعالى :. سِاللَّهِ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ الَّمَّ نْ غُلِبَتِ الزُّومُ نْ فِ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَيِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ فِ يِضْعِ سِنِينٌ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيٍِ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٥ وَعْدَ اللَّهِ لَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ا يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ٧ سورة الروم من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد ذكرنا فى أكثر من سورة آراء العلماء فى هذه الحروف ، ورجحنا أن هذه الحروف قد ذكرها - سبحانه - فى افتتاح بعض السور القرآنية ، للتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله، لأن الله - تعالى - قد أنزله على رسوله - ومية - بمثل الحروف التى ينطق بها المشركون ، ومع ذلك فهم أعجز من أن يأتوا بسورة من مثله . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ﴿ غلبت الروم . فى أدنى الأرض .. ﴾ روايات منها ، ما رواه ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله ابن مسعود - رضى الله عنه - قال : كانت فارس ظاهرة على الروم . وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى دينهم ، فلما نزلت : ﴿الم . غلبت الروم فى أدنى الأرض .. ﴾ قالو: يا أبا بكر. ٦٦ المجلد الحادى عشر إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس فى بضع سنين : قال : صدق . قالوا : هل لك أن نقامرك ؟ - أى : نراهنك وكان ذلك قبل تحريم الرهان - فبايعوه على أربع قلائص - جمع قلوص ، وهى من الإبل: الشابة - إلى سبع سنين . فمضت السبع ولم يكن شىء . ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين، فذكر للنبى - ◌َّلر - فقال : ما بضع سنين عندكم؟ قالوا : دون العشر . قال : اذهب فزايدهم ، وازدد سنتين فى الأجل . قال : فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك .(١) . وقال بعض العلماء : اتفق المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على أن ملك فارس كان قد غزا بلاد الشام مرتين : فى سنة ٦١٣ ، وفى سنة ٦١٤ ، أى : قبل الهجرة بسبع سنين ، فحدث أن بلغ الخبر مكة . ففرح المشركون، وشمتوا فى المسلمين .. فنزلت هذه الآيات . فلم يمض من البضع - وهو ما بين الثلاث إلى التسع - سبع سنين ، إلا وقد انتصر الروم على الفرس ، وكان ذلك سنة ٦٢١ م. أى: قبل الهجرة بسنة(٢). وأدنى بمعنى أقرب . والمراد بالأرض : أرض الروم . أى : غلبت الروم فى أقرب أرضها من بلاد الفرس . قال ابن كثير : وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم ، حين غلبت الروم ، بين أذرعات وبصرى ، - على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما - ، وهى طرف بلاد الشام مما يلى الحجاز . وقال مجاهد : كان ذلك فى الجزيرة ، وهى أقرب بلاد الروم من فارس(٣). وقال الآلوسى: والمراد بالأرض: أرض الروم، على أن ((أل)) نائبة مناب الضمير المضاف إليه ، والأقربية بالنظر إلى أهل مكة ، لأن الكلام معهم . أو المراد بها أرض مكة ونواحيها ، لأنها الأرض المعهودة عندهم ، والأقربية بالنظر إلى الروم(٤) . وقوله - تعالى -: ﴿ وهم من بعد غلبهم سيغلبون. فى بضع سنين ﴾ بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين ، بأن الله - تعالى - سيحقق لهم ما يرجونه من انتصار الروم على الفرس . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٠٥. وتفسير ابن جرير جـ ٢١ ص ١٣ . (٢) تفسير القاسمى جـ ١٢ ص ٤٧٦٥ . ( ٣) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣١٠. (٤ ) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٧ . ٦٧ سورة الروم أى وهم - أى الروم - من بعد هزيمتهم من الفرس ، سينتصرون عليهم ، خلال بضع سنين . والتعبير بقوله - تعالى -: ﴿ سيغلبون. فى بضع سنين﴾، لتأكيد هذا الوعد ، وبيان أن نصر الروم على فارس سيتم خلال سنوات قليلة من عمر الأمم ، وقد تحقق هذا الوعد على أكمل صورة وأتمها ، فقد انتصر الروم على الفرس نصرا عظيما ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - حيث أخبر عن أمور ستقع فى المستقبل ، وقد وقعت كما أخبر . وقوله - سبحانه -: ﴿ اللّه الأمر من قبل ومن بعد ﴾ جملة معترضة لبيان قدرة الله - تعالى - التامة النافذة ، فى كل وقت وآن. أى : لله - تعالى - وحده الأمر النافذ من قبل انتصار الفرس على الروم ، ومن بعد انتصار الروم على الفرس : وكلا الفريقين كان نصره أو هزيمته بإرادة الله ومشيئته ، وليس لأحد من الخلق أن يخرج عما قدره - سبحانه - وأراده . ويومئذ ﴾ أى: ويوم أن يتغلب الروم على الفرس ﴿يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ حيث نصر أهل الكتاب وهم الروم ، على من لا كتاب لهم وهم الفرس ، الذين كانوا يعبدون النار فأبطل - سبحانه - بهذا النصر شماتة المشركين فى المسلمين ، وازداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم . قال ابن كثير : وقد كانت نصرة الروم على فارس ، يوم وقعة بدر ، فى قول طائفة كبيرة من العلماء ... فلما انتصرت الروم على فارس ، فرح المؤمنون بذلك ، لأن الروم أهل كتاب فى الجملة ، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) مؤكد لما قبله . أى: ينصر - سبحانه - من يريد نصره ، وبهزم من يريد هزيمته ، وهو ، العزيز الذى لا يغلبه غالب ، الرحيم الذى وسعت رحمته كل شىء . ثم زاد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا وتقوية فقال: ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ ولفظ «وعد)) منصوب بفعل محذوف . أى: وعد الله المؤمنين بالنصر وبالفرح وعدا مؤكدا، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أنه لا يخلف وعده . ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ ذلك ، لا نطماس بصائرهم، ولاستيلاء الجهل على عقولهم ، ولاستحواذ الشيطان عليهم . (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣١٠. ٦٨ المجلد الحادى عشر والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ﴾ يعود للأكثر من الناس. أى : هؤلاء الأكثرون من الناس ، من أسباب جهلهم بسنن الله - تعالى - فى خلقه ، أنهم لا يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها ، ووسائل المعيشة فيها . وهم عن الآخرة﴾ وما فيها من حساب وثواب وعقاب ﴿هم غافلون﴾ لأنهم آثروا الدار العاجلة ، على الدار الباقية ، فهم - كما قال - تعالى -: ﴿ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ﴾ . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : ﴿ يعلمون ظاهرا ﴾ بدل من قوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وفى هذا الإِبدال من النكتة أنه أبدله منه ، وجعله بحيث يقوم مقامه ، ويسد مسده . ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذى هو الجهل ، وبين وجود العلم الذى لا يتجاوز الدنيا .. وفى تنكير قوله : ﴿ ظاهرا﴾ إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهر الحياة الدنيا(١). فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الكافرين وأشباههم ، انهماكهم فى شئون الدنيا انهماكا تاما ، جعلهم غافلين عما ينتظرهم فى أخراهم من حساب وعقاب . ورحم الله القائل : ومن البلية أن ترى لك صاحبا فى صورة الرجل السميع المبصر وإذا يصاب بدينه لم يشعر فطن بكل مصيبة فى ماله ثم حضهم - سبحانه - على التفكر فى خلق أنفسهم ، وعلى التفكير فى ملكوت السموات والأرض ، لعل هذا التفكر والتدبر يهديهم إلى الصراط المستقيم ، فقال - تعالى - : أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُ واْ فِىّ أَنْفُسِهِم ◌َا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَنْهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ◌ِقَآٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ ٨ أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كيّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبِّمَّ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٦٨ . ٦٩ سورة الروم وَثَارُ واْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَا عَمَرُوهَا وَحَ تْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَغِنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُّوْاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ثُمَّكَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسْئُواْ السُّوَأَىّ أَنْ كَذَّبُواْبِ عَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ١٠ والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ أولم يتفكروا فى أنفسهم ، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى .. ﴾ لتوبيخ أولئك الكافرين الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون ، والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام . ما ﴾ فى قوله ﴿ ما خلق﴾ للنفى، والباء فى قوله ﴿ إلا بالحق) للملابسة. وقوله: وأجل مسمى ﴾ معطوف على الحق . والمعنى : أبلغ الجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم اكتفوا بالانهماك فى متع الحياة الدنيا ، ولم يتفكروا فى أحوال أنفسهم وفى أطوار خلقها ، لأنهم لو تفكروا لعلموا وأيقنوا ، أن الله - تعالى - : ما خلق السموات والأرض وما بينهما ، إلا ملتبسة بالحق الذى لا يشوبه باطل ، وبالحكمة التى لا يحوم حولها عبث ، وقد قدر - سبحانه - لهذه المخلوقات جميعها أجلا معينا تنتهى عنده ، وهو وقت قيام الساعة ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات . فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الأشقياء ، غفلتهم عن الدار الآخرة وما فيها من حساب ، وتحضهم على التفكر فى تكوين أنفسهم ، وفى ملكوت السموات والأرض ، لأن هذا التفكر من شأنه أن يهدى إلى الحق ، كما تلفت أنظارهم إلى أن لهذا الكون كله نهاية ينتهى عندها ، وقت أن يأذن الله - تعالى - بذلك ، وبقيام الساعة . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الأكثرية من الناس من قضية البعث والجزاء فقال : ﴿وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم الكافرون ﴾. أى: وإن كثيرا من الناس لفى انشغال تام بدنياهم عن آخرتهم ، ولا يؤمنون بما فى الآخرة من حساب وثواب وعقاب ، بل يقولون : ما الحياة إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، وعلى رأس هذا الصنف من الناس مشركو مكة الذين أرسل النبى - صلجر - فيهم ، لإِخراجهم من الظلمات إلى النور . ٧٠ المجلد الحادى عشر وقال - سبحانه -: ﴿وإن كثيرا من الناس .. ﴾ للإشعار بأن هناك عددا قليلا من الناس - بالنسبة لهؤلاء الكثيرين - قد آمنوا بلقاء ربهم ، واستعدوا لهذا اللقاء عن طريق العمل الصالح الذى يرضى خالقهم - عز وجل - . ثم قرعهم - سبحانه - للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين من الأمم قبلهم ، فقال - تعالى -: ﴿ أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم .. ﴾ . أى : أقعد مشركو مكة فى ديارهم ، ولم يسيروا فى الأرض سير المتأملين المتفكرين المعتبرين فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، من الأمم الماضية ، كقوم عاد وثمود ، وقوم لوط . وقوله - سبحانه - : ﴿ كانوا أشد منهم قوة) بيان لحال هؤلاء الأقوام السابقين وأثارو الأرض ﴾ أى: كان أولئك السابقون أقوى من أهل مكة فى كل مجال من مجالات القوة ، وكانوا أقدر منهم على حراثة الأرض ، وتهيئتها للزراعة ، واستخراج خيراتها من باطنها . وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ أى: حرثوا الأرض وشقوا عن باطنها ، وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها ، لأن أولئك الأقوام السابقين كانوا أقوى من كفار مكة ، وكانوا أكثر دراية بعمارة الأرض . وهؤلاء الأقوام السابقون: ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أى: بالمعجزات الواضحات ، وبالحجج الساطعات ، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوا رسلهم ، فأهلكهم الله - تعالى - ﴿ فما كان اللّه ليظلمهم﴾ أى: فما كان الله - تعالى - من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب . ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصى ما كان سببا فى هلاكهم . ثم بين - سبحانه - المصير السيئٍ ، الذى حل بهؤلاء الكافرين فقال: ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ﴾ . ولفظ (( عاقبة)» قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى - بفتح التاء - على أنه خبر ((كان)) قدم على اسمها، وهو لفظ ((السوأى)» الذى هو تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن. وجرد الفعل ((كان)) من التاء مع أن السوأى مؤنث ، لأن التأنيث غير حقيقى. فيكون المعنى : ثم كانت العقوبة السيئة وهى العذاب فى جهنم ، عاقبة الذين عملوا فى دنياهم الأعمال السيئات . ٧١ سورة الروم وقرأ الباقون برفع لفظ ((عاقبة)) على أنه اسم كان، وخبرها لفظ ((السوأى)) أى: ثم كانت عاقبة هؤلاء الكافرين الذين أساءوا فى دنياهم ، أسوأ العقوبات وأقبحها ، أو كانت عاقبتهم العاقبة السوأى وهى الإلقاء بهم فى النار وبئس القرار . وقوله - سبحانه - : ﴿ أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون﴾ تعليل لما آل إليه أمرهم من عاقبة سيئة ، أى : لأن كذبوا ، أو بأن كذبوا بحذف حرف الجر . أى ؛ كانت عاقبتهم فى الآخرة أسوأ العقوبات وأقبحها وهى العذاب فى جهنم ، لأنهم فى الدنيا كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق نبينا -* - وكانوا بها يستهزئون . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على قدرته ، وبين أحوال الناس وأقسامهم يوم القيامة ، فقال - تعالى - : اُللَّهُ يَبْدَوْأ الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُ هُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّن شُرَّكَآيِهِمْ شُفَعَوُاْ وَكَانُواْبِشُرَّكَبِهِمْ كَفِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيٍِ يَنَفَرَّقُونَ ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍيُحْبَرُونَ ١٥ وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُواْبِتَايَِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ ١٦ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ أى: ﴿ اللّه) - تعالى - وحده هو ﴿يبدأ الخلق) أى: ينشئه ويوجده على غير مثال سابق، ﴿ ثم يعيده﴾ أى: إلى الحياة مرة أخرى يوم القيامة ﴿ ثم إليه ترجعون ) للحساب والجزاء ، فيجازى - سبحانه - كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وأفرد - سبحانه -: الضمير فى ﴿ يعيده ) باعتبار لفظ الخلق. وجمعه فى قوله : ترجعون ﴾ باعتبار معناه . ٧٢ المجلد الحادى عشر ثم ذكر - سبحانه - حال المجرمين يوم القيامة فقال : ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون﴾ و﴿ يبلس﴾ من الإبلاس بمعنى السكوت والذهول وانقطاع الحجة، يقال: أبلس الرجل ، إذا وقف ساكتا حائرا مبهوتا لا يجد كلاما ينقذه مما هو فيه من بلاء . أى : ويوم تقوم الساعة ، ويشاهد المجرمون أهوالها ، يصابون بالذهول والحيرة والسكوت المطبق ، لانقطاع حجتهم ، وشدة حزنهم وهمهم ، ويأسهم من النجاة يأسا تاما . ﴿ ولم يكن لهم﴾ فى هذا اليوم ﴿ من شركائهم﴾ الذين عبدوهم فى الدنيا ﴿شفعاء﴾ يشفعون لهم ، ويجيرونهم من عذاب الله . وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ أى: أنهم فى هذا اليوم العسير لم يكن لهم من شفعاء يشفعون لهم . بل إنهم صاروا فى هذا اليوم الشديد ، كافرين بشركائهم الذين توهموا منهم الشفاعة ، لأنهم يوم القيامة تتجلى لهم الحقائق ، ويعرفون أن هؤلاء الشركاء لا يرجى منهم نفع ، ولا يخشى منهم ضر . ثم كرر - سبحانه - هذا المعنى على سبيل التأكيد والتهويل من شأنه فقال: ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ﴾ . والضمير فى قوله : ﴿يتفرقون ﴾ للناس جميعا. والمراد بتفرقهم أن كل طائفة منهم تتجه إلى الجهة التى أمرهم - سبحانه - بالتوجه إليها ، لينال كلّ جزاءه . ثم بين - سبحانه - كيفية هذا التفرق فقال: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون والروضة : تطلق على كل مكان مرتفع زاخر بالنبات الحسن . والمراد بها هنا : الجنة . ويحبرون : من الحبور بمعنى الفرح والسرور والابتهاج . أى : ويوم تقوم الساعة ، فى هذا اليوم يتفرق الناس إلى فريقين ، فأما فريق الذين آمنوا وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحات ، فسيكونون فى الآخرة فى جنة عظيمة ، يسرون بدخولها سرورا عظيما ، وينعمون فيها نعيما لا يحيط به الوصف . وأما الذين كفروا﴾ بالله وبرسله وباليوم الآخر ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ الدالة على وحدانيتنا وصدق أنبيائنا ﴿ فأولئك ﴾ الكافرون ﴿ فى العذاب محضرون﴾ أى: مقيمون فيه ، ومجموعون إليه ، بحيث لا يستطيعون الهروب منه - والعياذ بالله . وبعد هذا البيان المؤثر لأهوال يوم القيامة ، ولأحوال الناس فيه .. ساق - سبحانه - ٧٣ سورة الروم أنواعا متعددة من الأدلة والبراهين على وحدانيته - عز وجل - وقدرته ، ورحمته بخلقه ، فقال - تعالى - : فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴿)، يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ اَلْمِيْتَ مِنَ الْحَيّ وَيُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ١٩ ﴿ وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴿٢)، وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ وَمِنْءَايَمِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ أَلْسِفَتِكُمْ وَأَلْوَنِكُمَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِلْعَلِمِينَ ﴿٢)، وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُمُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَا ؤُكُمْ مِّنْ فَضْلِهِ، إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتِ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَيُحِىءَبِهِ الْأَرْضَ ٢٤ بَعْدَ مَوْنِهَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِوٍَّثُمَ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴿ وَلَهُ وَمَن فِىِ السَّمَوَتِ ٧٤ المجلد الحادى عشر وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَنِئُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُاْ اُلْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُوَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ ٢٧ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قالوا الإِمام الرازى : لما بين - سبحانه - عظمته فى الابتداء بقوله ( ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ﴾، وعظمته فى الانتهاء ، بقوله : ﴿ ويوم تقوم الساعة﴾ وأن الناس يتفرقون فريقين، ويحكم - عز وجل - على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالى ، بعد كل ذلك أمر بتنزيهه عن كل سوء ، وبحمده على كل حال، فقال: ﴿فسبحان اللّه حين تمسون﴾(١). والفاء فى قوله: ﴿فسبحان .. ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ولفظ ((سبحان)) اسم مصدر، منصوب بفعل محذوف . والتسبيح: تنزيه الله - تعالى - : عن كل مالا يليق بجلاله . والمعنى: إذا علمتم ما أخبرتكم به قبل ذلك ، فسبحوا الله - تعالى - ونزهوه عن كل نقص ﴿ حين تمسون﴾ أى: حين تدخلون فى وقت المساء، ﴿وحين تصبحون﴾ أى: تدخلون فى وقت الصباح . وقوله - تعالى -: ﴿وله الحمد فى السموات والأرض) جملة معترضة لبيان أن جميع الكائنات تحمده على نعمه ، وأن فوائد هذا الثناء تعود عليهم لا عليه - سبحانه - . وقوله ﴿وعشياً﴾ معطوف على ﴿حين تمسون﴾ أى: سبحوا الله - تعالى -: حين تمسون ، وحين تصبحون ، وحين يستركم الليل بظلامه . وحين تكونون فى وقت الظهيرة ، فإنه - سبحانه - هو المستحق للحمد والثناء من أهل السموات ومن أهل الأرض ، ومن جميع المخلوقات . قال ابن كثير: وعن رسول الله - ﴿ - أنه قال: ((ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذى وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى ، سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون . وفى حديث آخر: (( من قال حين يصبح : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون .. أدرك ما فاته فى يومه ، ومن قالها حين يمسى، أدرك ما فاته فى ليلته(٢))). ( ١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٥١٤ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣١٤ . ٧٥ سورة الروم ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر قدرته فقال : ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ كإخراجه الإِنسان من النطفة ، والنبات من الحب، والمؤمن من الكافر ﴿ويخرج الميت من الحى ﴾ كما فى عكس هذه الأمور، كإخراجه النطفة من الإِنسان ، والحب من النبات ، والكافر من المؤمن . ﴿ ويحيى الأرض﴾ بالنبات ﴿بعد موتها﴾: أى: بعد قحطها وجدبها، كما قال - سبحانه -: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج﴾، وقوله - تعالى - : ﴿وكذلك تخرجون ﴾ تذيبل قصد به تقريب إمكانية البعث من العقول والأفهام . أى : ومثل هذا الإِخراج البديع للنبات من الأرض ، وللحى من الميت ، نخرجكم - أيها الناس - من قبوركم يوم القيامة ، للحساب والجزاء . ثم أورد - سبحانه - بعد ذلك أنواعا من الأدلة على قدرته التى لا يعجزها شىء ، فقال - تعالى - ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾. والآيات : جمع آية ، وتطلق على الآية القرآنية ، وعلى الشىء العجيب ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ .. والمراد بها هنا: الأدلة الواضحة ، والبراهين الساطعة ، الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته . والمعنى : ومن آياته - سبحانه - الدالة على عظمته ، وعلى كمال قدرته ، أنه خلقكم من تراب ، أى : خلق أباكم آدم من تراب ، وأنتم فروع عنه . و ((إذا)) فى قوله: ﴿ ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ هى الفجائية. أى : خلقكم بتلك الصورة البديعة من مادة التراب التى لا يرى فيها رائحة للحياة ، ثم صرتم بعد خَلْقِنا إياكم فى أطوار متعددة ، بشرا تنتشرون فى الأرض ، وتمشون فى مناكبها ، وتتقلبون فيها تارة عن طريق الزراعة ، وتارة عن طريق التجارة ، وتارة عن طريق الأسفار .. كل ذلك طلبا للرزق ، ولجمع الأموال . وعبر - سبحانه - بثم المفيدة للتراخى، لأن انتشارهم فى الأرض لا يتأتى إلا بعد مرورهم بأطوار متعددة ، منها أطوار خلقهم فى بطون أمهاتهم ، وأطوار طفولتهم وصباهم ، إلى أن يبلغوا سن الرشد . قال الشوكانى : وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء ، لكنها وقعت هنا بعد ثم ، بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة ، وهى أطوار الإِنسان ، كما حكاها الله - تعالى - فى ٧٦ المجلد الحادى عشر مواضع، من كونه نطفة، ثم علقة ، ثم مضغة، ثم عظما مكسوا لحما .(١) . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية ، دالة على كمال قدرته ورأفته بعباده ، فقال : ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ﴾ أى: ومن آياته الدالة على رحمته بكم ، أنه - سبحانه - خلق لكم ﴿ من أنفسكم ﴾ أى : من جنسكم فى البشرية والإِنسانية أزواجا . قال الألوسى: قوله: ﴿من أنفسكم أزواجا ) فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدام - عليه السلام - متضمن لخلقهن من أنفسكم ((فمن)) للتبعيض والأنفس بمعناها الحقيقى، ويجوز أن تكون ((من)) ابتدائية ، والأنفس مجاز عن الجنس ، أى : خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر ، قيل : وهو الأوفق لما بعد (٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة. أى: خلق لكم من جنسكم أزواجا ، لتسكنوا إليها ، ويميل بعضكم إلى بعض ، فإن الجنس إلى الجنس أميل ، والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما﴿ وجعل ﴾ - سبحانه - بينكم ﴾ يا معشر الأزواج والزوجات ﴿ مودة ورحمة﴾ أى: محبة ورأفة، لم تكن بينكم قبل ذلك ، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذى شرعه - سبحانه - بين الرجال والنساء ، والذى وصفه - تعالى - بهذا الوصف الدقيق ، فى قوله - عز وجل - : ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ . ﴿ إن فى ذلك﴾ الذى ذكرناه لكم قبل ذلك ﴿لآيات﴾ عظيمة تهدى إلى الرشد وإلى الاعتبار ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ فى مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بخلقه. ثم ذكر - سبحانه - آية ثالثة فقال: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض ) أى : ومن آياته الدالة على قدرته التامة على كل شىء ، خلقه السموات والأرض بتلك الصورة البديعة · واختلاف ألسنتكم ﴾ أى: واختلاف لغاتكم فهذا يتكلم بالعربية ، وآخر بالفارسية وثالث بالرومية .. إلى غير ذلك مما لا يعلم عدده من اللغات ، بل إن الأمة الواحدة تجد فيها عشرات اللغات التى يتكلم بها أفرادها ، ومئات اللهجات ﴿وألوانكم ﴾ أى: ومن آياته كذلك، اختلاف ألوانكم ، فهذا أبيض ، وهذا أسود ، وهذا أصفر ، وهذا أشقر .. مع أن الجميع من أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء . بل إنك لا تجد شخصين يتطابقان تطابقا تاما فى خلقتهما وشكلهما . س (١) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٢١٩ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٣٠. سورة الروم قال صاحب الكشاف : الألسنة : اللغات . أو أجناس النطق وأشكاله . خالف - عز وجل - بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين فى همس واحد ، ولا جهارة ، ولا حدة ، ولا رخاوة ، ولا فصاحة .. ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله ، وكذلك الصور وتخطيطها ، والألوان وتنويعها ، ولاختلاف ذلك وقع التعارف ، ولو اتفقت وتشاكلت ، وكانت ضربا واحدا ، لوقع التجاهل والالتباس ، ولتعطلت مصالح كثيرة ... وهم على الكثرة التى لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون(١). ·إن فى ذلك﴾ الذى وضحناه لكم ﴿ لآيات﴾ بينات ﴿ للعالمين﴾ - بفتح اللام - وهى قراءة الجمهور، أى : إن فى ذلك لآيات لجميع أصناف العالم من بار وفاجر ، ومؤمن وكافر . وقرأ حفص - بكسر اللام - أى : إن فى ذلك لآيات لأولى العلم والفهم من الناس . ثم ذكر - سبحانه - آية رابعة فقال: ﴿ومن آياته منامكم﴾ أى: نومكم ﴿ بالليل والنهار﴾ لراحة أبدانكم وأذهانكم، ﴿وابتغاؤكم من فضله﴾ أى: وطلبكم أرزاقكم فيها من فضل الله وعطائه الواسع . قال الجمل : قيل فى الآية تقديم وتأخير ، ليكون كل واحد مع ما يلائمه ، والتقدير : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل ، وعطف عليه ، لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار ، والأحسن أن يجعل على حاله ، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله ولا سيما فى أوقات القيلولة فى البلاد الحارة»(٢). إن فى ذلك ﴾ كله ﴿لآيات لقوم يسمعون ﴾ هذه التوجيهات سماع تدبر وتفكر واعتبار فيعملون بما يسمعون . ثم ساق - سبحانه - آية خامسة فقال : ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا . أى: ومن آياته - سبحانه - الدالة على قدرته ، أنه يريكم البرق ، فتارة تخافون مما يحدث بعده من صواعق متلفة ، وأمطار مزعجة ، وتارة ترجون من ورائه المطر النافع ، والغيث المدرار . وانتصاب (( خوفا وطمعا)) على أنهما مفعول لأجله ، أى : يريكم ذلك من أجل الخوف والطمع ، إذ بهما يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء ، فلا يبطر ولا ييأس من رحمة الله . وينزل من السماء ماء ﴾ كثيرا ﴿ فيحيى به﴾ أى: بسبب هذا الماء ﴿الأرض بعد (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٣٣ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٨٩ . ٧٨ المجلد الحادى عشر موتها ) أى: بأن يحولها من أرض جدباء هامدة إلى أرض خضراء زاخرة بالنبات ﴿إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ هذه الارشادات ، ويستعملون عقولهم فى الخير لا فى الشر، وفى الحق لا فى الباطل ، وفى استنباط المعانى الدالة على كمال قدرة الله - تعالى - ورحمته . ثم ذكر - سبحانه - آية سادسة فقال: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ والمراد بقيامهما : ثباتهما وبقاؤهما بتلك الصورة العجيبة البديعة . أى: ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته ، خلقه السموات والأرض ، وإبقاؤه لهما على هذه الصورة البديعة ، وقيامهما وثباتهما واستمساكهما على تلك الهيئة العجيبة ، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته . قال ابن كثير: وشبيه بذلك قوله - تعالى -: ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه). وقوله: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾. وكان عمر بن الخطاب . رضى الله عنه - إذا اجتهد فى اليمين قال: لا، والله الذى تقوم السماء والأرض بأمره ، أى : هى قائمة ثابتة بأمره وتسخيره إياها (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ بيان لامتثالهم لأمره بدون تقاعس ، عندما يدعوهم الداعى للخروج من قبورهم للبعث والحساب . و((ثم)) بعدها كلام محذوف، و((إذا)) الأولى شرطيه، والثانية فجائية، والداعى هو إسرافيل بأمر الله - تعالى -: وقوله: ﴿ من الأرض) متعلق بقوله ﴿ دعاكم﴾. أى : ثم بعد موتكم ووضعكم فى قبوركم ، إذا دعاكم الداعى دعوة واحدة من الأرض التى أنتم مستقرون فيها ، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين بدون تلبث أو توقف ، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعى المطاع . قال صاحب الكشاف : وإنما عطف هذه الجملة على قيام السموات والأرض بثم ، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر ، واقتداره - سبحانه - على مثله وهو أن يقول : يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ، كما قال - تعالى -: ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾(٢). وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿فإنما هى زجرة واحدة . فإذا هم بالساهرة ﴾(٣) وكما فى قوله - عز وجل -: ﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده . وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ﴾(٤). (١) سورة النحل . الآية ١٢٥. (٢) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٢٠٥ . ( ٣) سورة النازعات الأيتان ١٣، ١٤. ( ٤ ) سورة الإسراء الآية ٥٢ . ٧٩ سورة الروم ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بآية جامعة لكل معانى القدرة والإِيجاد والهيمنة على هذا الكون فقال : ﴿وله من في السموات والأرض﴾ أى من الملائكة والجن والإِنس، خلقا ، وملكا ، وتصرفا ، كل ذلك له وحده - سبحانه - لا لأحد غيره . وقوله : ﴿ كل له قانتون﴾ مؤكد لما قبله ومقرر له، أى: كل الخلائق له لا لغيره طائعون خاضعون ، خاشعون ، طوعا وكرها ، إذ لا يمتنع عليه - سبحانه - شىء يريد فعله بهم ، من حياة أو موت ، ومن صحة أو مرض ، ومن غنى أو فقر . هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يرى أكثر من عشرة أدلة ، على وحدانية الله - تعالى - وعلى انفراده بالخلق ، وعلى إمكانية البعث ، ومن هذه الأدلة خلق الإِنسان من تراب ، وصيرورته بعد تقلبه فى أطوار التكوين بشراً سويا ، وإيجاده - سبحانه - للذكور والإِناث ، حتى يبقى النوع الإِنسانى إلى الوقت المقدر فى علمه - تعالى - : وإيجاده للناس على هذه الصورة التى اختلفت معها ألسنتهم وألوانهم ، مع أن أصلهم واحد ، وجعله - تعالى - الليل مناما لراحة الناس ، والنهار معاشا لابتغاء الرزق ، وإنزاله المطر من السماء لإحياء الأرض بالنبات ، وبقاء السموات والأرض على هذه الصورة العجيبة بأمره وتدبيره .. إلى غير ذلك من الأدلة المبثوثة فى الأنفس والآفاق . ثم أكد - سبحانه - ما يدل على إمكانية البعث، فقال - تعالى -: ﴿وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده .. ﴾ أى : وهو - سبحانه - الذى يبدأ الخلق بدون مثال سابق ، ثم يعيد هذه المخلوقات بعدموتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء . والضمير فى قوله: ﴿وهو أهون عليه﴾ للإِعادة المفهومة من قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ والتذكير للضمير باعتبار المعنى ، أى: والعود أو الرد ، أو الإِرجاع أهون عليه . أى : وهو - سبحانه - وحده الذى يخلق المخلوقات من العدم ، ثم يعيدها إلى الحياة مرة أخرى فى الوقت الذى يريده ، وهذه الإعادة للأموات أهون عليه ، أى : أسهل عليه من البدء . وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب ، بما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشىء من مادته الأولى أسهل من ابتدائه . ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد وضح هذا المعنى فقال : قوله : ﴿وهو أهون عليه ﴾ أى : فيما يجب عندكم ، وينقاس على أصولكم ، ويقتضيه معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة ٨٠ المجلد الحادى عشر شىء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها ، وتعتذرون للصانع اذا خَطِىٌّ فى بعض ما ينشئه بقولكم : أول الغزو أخرق ، وتسمون الماهر فى صناعته معاودا ، تعنون أنه عاودها كرة بعد أخرى ، حتى مرن عليها وهانت عليه . فإن قلت لم أخرت الصلة فى قوله: ﴿وهو أهون عليه) وقدمت فى قوله ﴿ هو على هين ﴾؟ قلت . هناك قصد الاختصاص وهو محزه ، فقيل: هو عليه هين ، وان كان مستصعبا عندكم أن يولد بين هِمّ - أى : شيخ فان - وعاقر. وأما هنا فلا معنى للاختصاص ، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون ، من أن الإعادة أسهل من الابتداء ، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى .. )) (١) . ومنهم من يرى أن أهون هنا بمعنى هين ، أى : إرجاعكم إلى الحياة بعد موتكم هين عليه . والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل فى كثير من كلامهم ، ومنه قول الشاعر : إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول أى : بنى لنا بيتا دعائمه غزيزة طويلة ومنه قولهم : الله أكبر أى : كبير. وقوله - تعالى -: ﴿وله المثل الأعلى فى السموات والأرض .. ﴾ أى: وله - سبحانه - الوصف الأعلى الذى ليس لغيره مثله ، لا فى السموات ولا فى الأرض ، إذ لا يشاركه أحد فى ذاته أو صفاته فهو - سبحانه - ليس كمثله شىء . ﴿ وهو العزيز﴾ الذى يَغلب ولا يُغلب ﴿الحكيم) فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. وبعد هذا التطواف المتنوع فى آفاق الأنفس ، وفى أعماق هذا الكون ، ضرب - سبحانه - مثلا لا مجال للجدل فيه، لوضوحه واعتماده على المنطق السليم، وأمر رسوله - وَله - أن يمضى فى طريقه المستقيم ، كما أمر المؤمنين بأن يلتجئوا إليه - سبحانه - وحده ، وأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه ، فقال - تعالى - : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَل تَّكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِىِ مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٥٦.