Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الفرقان
ثم أشار - سبحانه - إلى شروط التوبة الصادقة فقال : ﴿ومن تاب وعمل صالحا فإنه
﴾ .
يتوب إلى الله متابا
أى : ومن تاب عن المعاصى تركا تاما ، وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما فاته منه ،
فإنه فى هذه الحالة يكون قد تاب ورجع إلى الله - تعالى - رجوعا صحيحا ، مقبولا منه
- سبحانه - بحيث يترتب عليه محو العقاب وإثبات الثواب .
وهكذا نجد رحمة الله - تعالى - تحيط بالعبد من كل جوانبه ، لكى تحمله على ولوج باب
التوبة والطاعة ، وتوصد فى وجهه باب الفسوق والعصيان .
ثم واصلت السورة حديثها عن عباد الرحمن ، فقال - تعالى - : ﴿ والذين لا يشهدون
الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴾ .
وأصل الزور : تحسين الشىء ووصفه بغير صفته ، ووضعه فى غير موضعه ، مأخوذ من الزَّور
بمعنى الميل والانحراف عن الطريق المستقيم إلى غيره .
واللغو : هو مالا خير فيه من الأقوال أو الأفعال .
أى : إن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يرتكبون شهادة الزور ، ولا يحضرون المجالس
التى توجد فيها هذه الشهادة ، لأنها من أمهات الكبائر التى حاربها الإِسلام .
وفضلا عن ذلك فإنهم ((إذا مروا باللغو)) أى: بالمجالس التى فيها لغو من القول أو الفعل
((مروا كراما)» أى: أعرضوا عنها إكراما لأنفسهم ، وصونا لكرامتهم ، وحفاظا على دينهم
ومر وءتهم .
والتعبير بقوله - تعالى -: ﴿وإذا مروا ... ﴾ فيه إشعار بأن مرورهم على تلك المجالس
كان من باب المصادفة والاتفاق ، لأنهم أكبر من أن يقصدوا حضورها قصدا .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا
ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين ﴾(١).
ثم بين - سبحانه - سرعة تأثرهم وتذكرهم ، وقوة عاطفتهم نحو دينهم فقال: ﴿ والذين
إذا ذكروا بآيات ربهم ، لم يخروا عليها صما وعميانا
والمراد بآيات ربهم ، القرآن الكريم وما اشتمل عليه من عظات وهدايات ..
أى : أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم ، إذا ذكرهم مذكر بآيات الله - تعالى - المشتملة
(١) سورة القصص الآية ٥٥.

٢٢٢
المجلد العاشر
على المواعظ والثواب والعقاب ، أكبوا عليها ، وأقبلوا على المذكّر بها بآذان واعية ، وبعيون
مبصرة ، وليس كأولئك الكفار أو المنافقين الذين ينكبون على عقائدهم الباطلة انكباب الصم
العمى الذين لا يعقلون ، وينكرون ما جاءهم به رسول ربهم بدون فهم أو وعى أو تدبر .
فالآية الكريمة مدح للمؤمنين على حسن تذكرهم وتأثرهم ووعيهم ، وتعريض بالكافرين
والمنافقين الذين يسقطون على باطلهم سقوط الأنعام على ما يقدم لها من طعام وغيره .
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿لم يخروا .. ﴾ ليس بنفى للخرور، وإنما هو إثبات له،
ونفى للصمم والعمى ، كما تقول: لا يلقانى زيد مُسَلَّما هو نفى للسلام لا للقاء.
والمعنى : أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها ، وأقبلوا على المذكر بها ،
وهم فی إکبابهم عليها ، سامعون بآذان واعية . مبصرون بعیون راعية ، لا کالذین یذکرون بها
فتراهم مكبين عليها .. وهم كالصم العميان حيث لا يعونها كالمنافقين وأشباههم(١).
ثم ذكر - سبحانه - فى نهاية الحديث عنهم أنهم لا يكتفون بهذه المناقب الحميدة التى وهبهم
اللّه إياها ، وإنما هم يتضرعون إليه - سبحانه - أن يجعل منهم الذرية الصالحة ، وأن يرزقهم
الزوجات الصالحات . فقال - تعالى - : ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا
قرة أعين ، واجعلنا للمتقين إماما ﴾ .
أى : يقولون فى دعائهم وتضرعهم يا ﴿ ربنا هب لنا﴾ بفضلك وجودك ﴿من أزواجنا
وذرياتنا قرة أعين ﴾ أى : ما يجعل عيوننا تسربهم ، ونفوسنا تنشرح برؤيتهم ، وقلوبنا
تسكن وتطمئن وجودهم ، لأنهم أتقياء صالحون مهتدون ..
واجعلنا﴾ ياربنا ﴿ للمتقين إماما) أى: اجعلنا قدوة وأسوة للمتقين. يقتدون بنا فى
أقوالنا الطيبة ، وأعمالنا الصالحة ، فأنت تعلم - يامولانا - أننا نعمل على قدر ما نستطيع فى
سبيل إرضائك وفى السير على هدى رسولك - ﴿ - هذه هى صفات عباد الرحمن ذكرها
القرآن فى هذه الآيات الكريمة ، وهى تدل على قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم ..
فمإذا أعد الله - تعالى - لهم ؟
لقد بين - سبحانه - ما أعده لهم فقال: ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها
﴾ .
تحية وسلاما * خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما
والغرفة فى الأصل : كل بناء مرتفع ، والجمع غرف وغرفات كما فى قوله - تعالى - :
لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾(٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٩٥ .
(٢) سورة الزمر، آية ٢٠ .

٢٢٣
سورة الفرقان
﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وهم فى الغرفات آمنون
والمراد بها هنا : أعلى منازل الجنة أو الجنة نفسها أو جنسها الصادق بغرف كثيرة .
أى: أولئك المتقون المتصفون. بالصفات السابقة، يجازهم الله - تعالى - بأعلى المنازل
والدرجات فى الجنة ، بسبب صبرهم على طاعته ، وبعدهم عن معصيته ويلقون فى تلك المنازل
الرفيعة ﴿ تحية وسلاما﴾ عن ربهم - عز وجل - ومن ملائكته الكرام ، ومن بعضهم
لبعض .
خالدين فيها ﴾ أى: فى تلك المنازل الرفيعة ، والجنات العالية ، خلودا أبديا .
﴿ حسنت﴾ تلك الغرفة والمنزلة ﴿مستقرا﴾ يستقرون فيه ﴿ومقاما﴾ يقيمون فيه
وذلك فى مقابل ما أعد للكافرين من نار ساءت مستقرا ومقاما .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله :
قُلْ مَايَعْبَؤُاُبِكُتْرَتِ
لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدَّكَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا
R
قال القرطبى : يقال : ما عبأت بفلان ، أى: ما باليت به . أى : ما كان له عندى وزن
ولا قدر . وأصل يعبأ : من العبء وهو الثقل .. فالعبء: الحمل الثقيل ، والجمع أعباء .
و(( ما)) استفهامية ، وليس يبعد أن تكون نافية ، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفى
خرج مخرج الاستفهام، وحقيقة القول عندى أن موضع (( ما)) نصب والتقدير أى عبء يعبأ
بكم ربى ؟ أى: أى مبالاة يبالى بكم ربى لولا دعاؤكم .. (٢).
هذا، وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال منها : أن قوله - تعالى -: ﴿ قل ما يعبأ بكم
ربى لولا دعاؤكم ﴾ خطاب للمؤمنين أو للناس جميعا، وأن المصدر وهو. دعاؤكم مضاف
لفاعله ، وأن بقية الآية وهى قوله: ﴿فقد كذبتم .. ﴾ خطاب للكافرين ، والمعنى على هذا
القول :
(١) سورة سبأ آية ٣٧ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٣ ص ٨٤ .

٢٢٤
المجلد العاشر
قل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنين أو للناس جميعا، أى اعتداد لكم عند ربكم لولا
دعاؤكم ، أى : لولا عبادتكم له - عز وجل - أى : لولا إخلاصكم العبادة له لما اعتد بكم .
ثم أفرد الكافرين بالخطاب فقال : ﴿فقد كذبتم ﴾ أيها الكافرون ﴿فسوف يكون
لزاما ﴾ .
أى: فسوف يكون جزاء التكذيب ((لزاما)» أى: عذابا دائما ملازما لكم . فلزاما مصدر
لازم ، كقاتل قتالا ، والمراد به هنا اسم الفاعل .
وقد وضح صاحب الكشاف هذا القول فقال : لما وصف الله - تعالى - عبادة العباد ،
وعدد صالحاتهم وحسناتهم .. أتبع ذلك ببيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبا بهم وأعلى ذكرهم ،
لأجل عبادتهم فأمر رسوله - 15 - أن يصرح للناس ، ويجزم لهم القول ، بأن الاكتراث لهم
عند ربهم ، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر ...
وقوله ﴿ فقد كذبتم ﴾ يقول: إذا أعلمتكم أن حكمى، أنى لا أعتد بعبادى إلا من أجل
عبادتهم ، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمى ، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم فى النار .
ونظيره فى الكلام أن يقول الملك لمن عصاه: ((إن من عادتى أن أحسن إلى من يطيعنى ، ويتبع
أمرى، فقد عصيتَ فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك ... ))(١).
ومن العلماء من يرى أن الخطاب فى الآية للكافرين ، وأن المصدر مضاف لمفعوله ، فيكون
المعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين ، ما يعبأ بكم ربى ، ولا يكترث
لوجودكم ، لولا دعاؤه إياكم على لسانى، إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وبما أنى قد
دعوتكم فكذبتم دعوتى . فسوف يكون عاقبة ذلك ملازمة العذاب لكم .
وهذا قول جيد ولا إشكال فيه وقد تركنا بعض الأقوال لضعفها ، وغناء هذين القولين
عنها .
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الفرقان)) تلك السورة التى حكت شبهات المشركين
وأبطلتها. وساقت ماساقت من تسلية الرسول - وَ ط 9 - وتثبيته ، وبشرت عباد الرحمن بأرفع
المنازل .
ونسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا منهم ، وأن يحشرنا فى زمرتهم .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٩٧ .

٢٢٥
سورة الفرقان
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ٤ من جمادى الأولى سنة ١٤٠٥ هـ .
الموافق ٢٥ من يناير سنة ١٩٨٥ م
كتبه الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
٠

:
1
.

تفسير
سُوَدَةِ الشَّجراءْ

٢٢٩
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة الشعراء هى السورة السادسة والعشرون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى
النزول فكان نزولها بعد سورة الواقعة . كما يقول صاحب الإتقان ، أى : هى السادسة
والأربعون فى ترتيب النزول .
٢ - قال القرطبى: هى مكية فى قول الجمهور. وقال مقاتل : منها مدنى ؛ الآية التى يذكر
فيها الشعراء ، وقوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل﴾. وقال ابن عباس
وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله - تعالى -: ﴿والشعراء يتبعهم
الغاوون) إلى آخر السورة. وهى مائتان وسبع وعشرون اية. وفى رواية: وست
وعشرون(١).
٣ - وسورة الشعراء تسمى - أيضا - بسورة ((الجامعة))، ويغلب على هذه السورة
الكريمة ، الحديث عن قصص الأنبياء مع أقوامهم .
فبعد أن تحدثت فى مطلعها عن سمو منزلة القرآن الكريم ، وعن موقف المشركين من
الرسول - وَ﴿ - أتبعت ذلك بالحديث عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل، ثم
عن قصة إبراهيم مع قومه ثم عن قصة نوح مع قومه ، ثم عن قصة هود مع قومه ، ثم عن قصة
صالح مع قومه ، ثم عن قصة لوط مع قومه ، ثم عن قصة شعيب مع قومه ..
٤ - ثم تحدثت فى أواخرها عن نزول الروح الأمين بالقرآن الكريم على قلب
النبى - * - ، وساقت ألوانا من التسلية والتعزية للرسول - - بسبب تكذيب
الكافرين له ، وأرشدته إلى ما يجب عليه نحو عشيرته الأقربين ، ونحو المؤمنين ، وبشرت
أتباعه بالنصر وأنذرت أعداءه بسوء المصير ، فقد ختمت بقوله - تعالى - : ﴿إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا ، وانتصروا من بعد ما ظلموا ، وسيعلم الذين
ظلموا أى منقلب ينقلبون ﴾ .
٥ - والسورة الكريمة بعد ذلك تمتاز بقصر آياتها ، ويجمعها لموضوعات السور الملكية ، من
إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى أن البعث حق، وعلى صدق النبى - * -
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٨٧ .

٢٣٠
المجلد العاشر
فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، كما نرى أسلوبها يمتاز بالترغيب
والترهيب ، الترغيب للمؤمنين فى العمل الصالح ، والترهيب للمشركين بسوء المصير إذا ما
استمروا على شركهم .
وقد ختمت كل قصة من قصص هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى -: ﴿ إن فى ذلك لآية
وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) وقد تكرر ذلك فيها ثمانى مرات ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة مدينة نصر، الأحد ٥ من جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ
٢٧ / ١ / ١٩٨٥ م
:

٢٣١
سورة الشعراء
التفسير
قال الله - تعالى - :
اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
◌َ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ
٢
طسْمَ ﴿١) تِلْكَءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ {
أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ إِن تَّشَأْتُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِءَيَةً فَظَلَّتْ
أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ ﴿ وَمَايَأْنِهِمِ مِنِ ذِكْرِ مِّنَ الرَّحْمَنِ مَحْدَثٍ
إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْ
بِهِ يَسْتَهْزِءُ ونَ ) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَنْنَا فِهَا مِنْ كُلِّ زَوْ
كَرِيمٍ ﴿ إِنَّفِ ذَلِكَ لَ يَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُ هُمْ مُؤْمِنِينَ (٥) وَإِنَّ
رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُالرَّحِيمُ ـ
٩
سورة الشعراء من السور التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - :
طسم ﴾ .
وقد ذكرنا آراء العلماء فى الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور :
((البقرة، آل عمران. والأعراف، ويونس .. )) إلخ.
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت
فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله: هاكم
القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من
جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله -

٢٣٢
المجلد العاشر
تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله ، فعجزوا وانقلبوا
خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
واسم الإشارة ﴿ تلك ﴾ يعود إلى الآيات القرآنية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة أو
إلى جميع آيات القرآن التى نزلت قبل ذلك .
والمراد بالكتاب القرآن الكريم الذى تكفل - سبحانه - بإنزاله على نبيه - اي - .
والمبين : اسم فاعل من أبان الذى هو بمعنى بان ، مبالغة فى الوضوح والظهور .
قال صاحب الصحاح: ((يقال: بان الشىء يبين بيانا، أى: اتضح ، فهو بين ، وكذا أبان
الشىء فهو مبين )»(١) .
أى : تلك الآيات القرآنية التى أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - والتى سننزلها
عليك تباعا حسب حكمتنا وإرادتنا ، هى آيات الكتاب الواضح إعجازه ، والظاهرة هداياته
ودلالاته على أنه من عند الله - تعالى - ، ولو كان من عند غيره - سبحانه - لوجدوا فيه
اختلافا كثيرا .
ثم خاطب - سبحانه - رسوله - 14 - بما يسليه عن تكذيب المشركين له ، وبما يهون
عليه أمرهم فقال - تعالى - ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ .
قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أن لفظة (لعل ) تكون للترجى فى المحبوب،
وللإِشفاق فى المحذور .
واستظهر أبو حيان فى تفسيره، أن (لعل) هنا للاشفاق عليه - ◌َل * - أن يبخع نفسه
لعدم إيمانهم .
وقال بعضهم: إن ﴿ لعل﴾ هنا للنهى، أى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم وهو الأظهر،
لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك. قال - تعالى - : ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم
حسرات ﴾(٢) .
والمعنى : لعلك - أيها الرسول الكريم - قاتل نفسك هما وغما . بسبب تكذيب الكافرين
لك ، وعدم إيمانهم بدعوتك وإعراضهم عن رسالتك التى أرسلناك بها إليهم ..
لا - أيها الرسول الكريم - لاتفعل ذلك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ، وإنك
لا تستطيع هداية أحد ولكن الله - تعالى - يهدى من يشاء ، وإننا ﴿ إن نشأ ننزل عليهم من
السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ .
ومفعول المشيئة محذوف ، والمراد بالآية هنا المعجزة القاهرة التى تجعلهم لا يملكون انصرافا
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٣.
(٢) تفسير أضواء البيان جـ ٤ ص ١٤ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

٢٣٣
سورة الشعراء
معها عن الإِيمان ، والأعناق جمع عنق . وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم تقول : جاءنى
عنق من الناس : أى جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمين فيهم .
والمعنى : لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك ، فإننا إن نشأ إيمانهم ، ننزل عليهم آية
ملجئة لهم إلى الإِيمان . تجعلهم ينقادون له ، ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم ، ولكنا لا نفعل
ذلك ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس فى الإِيمان عن طريق الاختيار والرغبة ،
وليس عن طريق الإِلجاء والقسر .
،
فظلت أعناقهم لها خاضعين
وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك الصورة الحسية
للإِشعار بأن هذه الآية لو أراد - سبحانه - إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما لها ، حتى
لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة .
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت : كيف صح مجىء خاضعين خبرا عن الأعناق ؟ قلت :
أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين . فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، وترك الكلام على
أصله . كقوله : ذهبت أهل اليمامة ، كأن الأهل غير مذكور . أو لما وصفت بالخضوع الذى هو
للعقلاء ، قيل : خاضعين .. وقيل أعناق الناس : رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل
لهم: هم الرءوس والنواصى والصدور ... وقيل: جماعات الناس .. ))(١).
ثم بين - سبحانه - ما عليه هؤلاء الكافرون من صلف وجحود فقال: ﴿ وما يأتيهم من
ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ﴾ .
أى: ولقد بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم كلما جاءهم قرآن محدث تنزيله على
نبيهم - رَد - ومتجدد نزوله عليه - * - أعرضوا عنه إعراضا تاما.
وعبر عن إعراضهم بصيغة النفى والاستثناء التى هى أقوى أدوات القصر ، للإشارة إلى
عتوهم فى الكفر والضلال ، وإصرارهم على العناد والتكذيب .
وفى ذكر اسم الرحمن هنا : إشارة إلى عظيم رحمته - سبحانه - بإنزال هذا الذكر ،
وتسجيل لأقصى دركات الجهالة عليهم ، لأنهم أعرضوا عن الهداية التى أنزلها الرحمن الرحيم
لسعادتهم ، وحرموا أنفسهم منها وهم أحوج الناس إليها .
و﴿ من﴾ الأولى لتأكيد عموم إعراضهم، والثانية لابتداء الغاية، وجملة ﴿إلا كانوا
عنه معرضين ﴾ حالية .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال : ﴿ فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به
يستهزئون ﴾ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٩٩ .

٢٣٤
المجلد العاشر
أى : فقد كذب هؤلاء الجاحدون بالذكر الذى أتيتهم به - أيها الرسول الكريم - دون أن
يكتفوا بالإعراض عنه ، فاصبر فسيأتيهم أنباء العذاب الذى كانوا يستهزئون به عندما
تحدثهم عنه، وهو واقع بهم لا محالة ولكن فى الوقت الذى يشاؤه - سبحانه - .
وفى التعبير عن وقوع العذاب بهم ، بإتيان أنبائه وأخباره ، تهويل من شأن هذا العذاب ،
وتحقيق لنزوله . أى : فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا به يستهزئون ويصيرون هم أحاديث
الناس يتحدثون بها ويتناقلون أنباءها .
ثم وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعلى عدم التفاتهم إلى ما فى هذا الكون من عظات
وعبر. فقال - تعالى -: ﴿ أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾.
والاستفهام للإِنكار والتوبيخ ، والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام .
أى : أعمى هؤلاء الجاحدون عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بهم ، ولم يروا بأعينهم
كيف أخرجنا النبات من الأرض ، وجعلنا فيها أصنافا وأنواعا لا تحصى من النباتات الكريمة
الجميلة المشتملة على الذكر والأنثى .
فالآية الكريمة توبيخ لهم على إعراضهم عن الآيات التكوينية ، بعد توبيخهم على
إعراضهم عن الآيات التنزيلية ، وتحريض لهم على التأمل فيما فوق الأرض من نبات مختلف
لأنواع والأشكال والثمار. لعل هذا التأمل ينبه حسهم الخامد وذهنهم البليد وقلبهم
المطموس .
قال صاحب الكشاف: (( وصف الزوج - وهو الصنف من النبات - بالكرم ، والكريم :
صفة لكل ما يرضى ويحمد فى بابه . يقال : وجه كريم إذا رضى فى حسنه وجماله ، وكتاب
كريم . أى : مرضى فى معانيه وفوائده .... والنبات الكريم : المرضى فيما يتعلق به من
المنافع .
فإن قلت : ما معنى الجمع بين كم وكل ؟ قلت: قد دل ﴿ كل﴾ على الإحاطة بأزواج
النبات على سبيل التفصيل . و﴿ كم ﴾ على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا
معنى الجمع بينهما ، وبه نبه على كمال قدرته .. )»(١) .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بآيتين تكررتا فى السورة الكريمة ثمانى مرات . ألا وهما
قوله - تعالى - ﴿ إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾.
أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج كريم فى الأرض ﴿لآية﴾ عظيمة
الدلالة على كمال قدرتنا ، وسعة رحمتنا ، وما كان أكثر هؤلاء الكافرين مؤمنين ، لإِيثارهم العمى
-
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٠٠ .

٢٣٥
سورة الشعراء
على الهدى ، والغى على الرشد ﴿ وإن ربك ﴾ - أيها الرسول الكريم - ﴿لهو العزيز ﴾
أى : صاحب العزة والغلبة والقهر ﴿الرحيم﴾ أى: الواسع الرحمة بعباده، حيث لم
يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم لعلهم يتوبون أو يعقلون .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من قصة موسى - عليه السلام - بأسلوب يتناسب مع ما
اشتملت عليه السورة الكريمة من إنذار وتخويف ، وبطريقة أحاطت بجوانب هذه القصة منذ
أن ذهب موسى - عليه السلام - لفرعون وقومه إلى أن انتهت بهلاكهم وإغراقهم .
لقد بدأ - سبحانه - هذه القصة بقوله - تعالى - :
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىَّ أَنِ أَنْتِ اَلْقَوْمَ
ج
الظَّالِمِينَ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ الَا يَتَّقُونَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِّ أَخَافُ
أَنْ يُكَذِّبُونِ ، وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ فَأَرْسِلْ
إِلَى هَرُونَ ﴿ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ()، قَالَ
كَلَا فَاذْهَبَا بِعَايَئِنَاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (٥) فَأْتِيَافِرْعَوْنَ
فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَابَنِىّ إِسْرِيِيلَ
جے
١٧
وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران ، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم - عليهم السلام - ويرجح المؤرخون أن ولادته كانت فى القرن الثالث عشر قبل
ميلاد عيسى - عليه السلام - وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى.
وقد وردت قصة موسى مع فرعون وقومه ، ومع إسرائيل فى كثير من سور القرآن الكريم
تارة بصورة فيها شىء من التفصيل ، وتارة بصورة فيها شىء من الاختصار والتركيز ، تبعا
لمقتضى الحال الذى وردت من أجله .
وقد وردت هنا وفى سورة الأعراف وفى سورة طه . وفى سورة القصص بأسلوب فيه بسطة
وتفصيل .
لقد افتتحت هنا بقوله - تعالى -: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين

٢٣٦
المجلد العاشر
وهذا النداء كان بالوادى المقدس طوى، كما جاء فى سورة طه (١) وفى سورة النازعات(٢).
أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن نادی ربك نبيه موسى قائلا له : اذهب إلى
القوم الظالمين لتبلغهم رسالتى ، وتأمرهم بإخلاص العبادة لى .
وقوله : ﴿ قوم فرعون﴾ بدل أو عطف بيان، ووصفهم - سبحانه - بالظلم لعبادتهم
لغيره ، ولعدوانهم على بنى إسرائيل بقتل الذكور، واستبقاء النساء .
وقوله : - تعالى - ﴿ ألا يتقون) تعجيب من حالهم . أى: ائتهم ياموسى وقل لهم:
ألا يتقون الله - تعالى - ويخشون عقابه . ويكفون عن كفرهم وظلمهم .
ثم حكى - سبحانه - رد موسى فقال: ﴿ قال رب إنى أخاف أن يكذبون ﴾ .
أى: قال موسى فى الإجابة على ربه - عز وجل - : يارب إنى أعرف هؤلاء القوم ،
وأعرف ما هم عليه من ظلم وطغيان ، وإنى أخاف تكذيبهم لى عندما أذهب إليهم لتبليغ وحيك
﴿ ويضيق صدرى﴾ أى: وينتابنى الغم والهم بسبب تكذيبهم لى ..
ولا ينطلق لسانى ﴾ أى: وليس عندى فصاحة اللسان التى تجعلنى أظهر ما فى نفسى
من تفنيد لأباطيلهم ، ومن إزهاق لشبهاتهم ، خصوصا عند اشتداد غضبى عليهم .
﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أى: فأرسل وحيك الأمين إلى أخى هارون، ليكون معينا لى على
تبليغ ما تكلفنى بتبليغه .
﴿ ولهم على ذنب﴾ حيث إنى قتلت منهم نفسا ﴿فأخاف أن يقتلون﴾ عندما أذهب
إليهم ، على سبيل القصاص منى .
فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قد شكا إلى ربه خوفه من تكذيبهم وضيق صدره
من طغيانهم ، وعقدة فى لسانه ، وخشيته من قتلهم له عندما يرونه .
وليس هذا من باب الامتناع عن أداء الرسالة ، أو الاعتذار عن تبليغها . وإنما هو من باب
طلب العون من الله - تعالى - والاستعانة به - عز وجل - على تحمل هذا الأمر والتماس
الإذن منه - فى إرسال هارون معه . ليكون عونا له فى مهمته ، وليخلفه فى تبليغ الرسالة فى
حال قتلهم له ..
وشبيه بهذا الجواب ماحكاه عنه - سبحانه - فى سورة طه فى قوله - تعالى - ﴿ اذهب
إلى فرعون إنه طغى . قال رب اشرح لى صدرى . ويسر لى أمرى . واحلل عقدة من لسانى
(١) سورة طه الآية ١٢ .
(٢) سورة النازعات الآية ١٦ .

٢٣٧
سورة الشعراء
يفقهوا قولى . واجعل لى وزيرا من أهلى هارون أخى . اشدد به أزرى . وأشركه فى أمرى .
کی نسبحك كثيرا . ونذكرك كثيرا . إنك كنت بنا بصيرا ﴾ .
وقد رد الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - ردا حاسما لإِزالة الخوف ، ومزهقا
لكل ما يحتمل أى يساور نفسه من عدوان عليه ، فقال - تعالى -: ﴿ قال كلا فاذهبا
بآياتنا إنا معكم مستمعون
أى : قال الله - تعالى - لموسى على سبيل الإِرشاد والتعليم: كلا ، لا تخف أن يكذبوك أو
أن يضيق صدرك ، أو أن لا ينطلق لسانك ، أو أن يقتلوك . كلا لا تخف من شىء من ذلك ،
فأنا معكما برعايتى ومادام الأمر كذلك فاذهب أنت وأخوك بآياتنا الدالة على وحدانيتنا فإننا
معكم سامعون لما تقولانه لهم ولما سيقولونه لكما .
وعبر - سبحانه - بكلا المفيدة للزجر ، لزيادة إدخال الطمأنينة على قلب موسى - عليه
السلام - .
والمراد بالآيات هنا : المعجزات التى أعطاها - سبحانه - لموسى وعلى رأسها العصا ..
وقال - سبحانه - ﴿ إنا معكم) مع أنهما اثنان ، تعظيما لشأنهما أو لكون الاثنين أقل
الجمع . أو المراد هما ومن أرسلا إليه .
والتعبير بقوله ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ بصيغة التأكيد والمعية والاستماع ، فيه ما فيه من
العناية بشأنهما ، والرعاية لهما ، والتأييد لأمرهما .
والفاء فى قوله : ﴿ فأتيا فرعون فقولا : إنا رسول رب العالمين . أن أرسل معنا بنى
إسرائيل ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الوعد برعايتهما.
و ((أن)) فى قوله ﴿ أن أرسل﴾ مفسرة. لتضمن الإِرسال المفهوم من الرسول معنى
القول .
أى : اذهبا وأنتما متسلحان بآياتنا الدالة على صدقكما ، فنحن معكم برعايتنا وقدرتنا .
فأتيا فرعون بدون خوف أو وجل منه ﴿ فقولا ﴾ له بكل شجاعة وجراءة ﴿إنا رسول رب
العالمين﴾ أى: رب جميع العوالم التى من بينها عالم الجن . وعالم الملائكة.
وقد أرسلنا - سبحانه - إليك ، لكى تطلق سراح بنى إسرائيل من ظلمك وبغيك ،
وتتركهم يذهبون معنا إلى أرض الله الواسعة لكى يعبدوا الله - تعالى - وحده .
قال الآلوسى: (( وإفراد الرسول فى قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ) لأنه مصدر بحسب
الأصل ، وصف به كما بوصف بغيره من المصادر للمبالغة ، كرجل عدل .. أو لوحدة المرسل أو

٢٣٨
المجلد العاشر
المرسل به - أى: لأنهما ذهبا برسالة واحدة وفى مهمة واحدة))(١).
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا ، ما أمر الله - تعالى - به نبيه موسى -
عليه السلام - ومازوده به - سبحانه - من إرشاد وتعليم ، بعد أن التمس منه - سبحانه -
العون والتأييد .
ثم أحكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين موسى وفرعون من محاورات فقال - تعالى -
١٨١
قَالَ أَلَمَنُرَبِّكَ فِيِنَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْعُمُرِكَ سِنِينَ
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَلَِّى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
(١٩
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
◌َفَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
٢٠
فَوَهَبَ لِىِرَبِ حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُها
عَلَّأَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيِّ إِسْرَِّيِلَ ﴿ ، قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمََّ إِنَ كُ مُوقِنِينَ
٢٣
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَعُونَ ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ
٢٤
٢٧
اُلْأَوَّلِينَ ﴿٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىَ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمََّهُمَاْ إِنَ كُمْتَعْقِلُونَ ، قَالَ
لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) قَالَ
أَوَلَوْجِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ ﴿ قَالَ فَأْتِ بِإِن كُنْتَ مِن
الصَّدِّقِينَ ﴿٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿ وَزْعَ يَدَهُ.
فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءٌ لِلنَّظِرِينَ
٣٣
ـيـ
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ٦٦ .
---
..- -
...-

٢٣٩
سورة الشعراء
أى : قال فرعون لموسى بعد أن عرفه ، وبعد أن طلب منه موسى أن يرسل معه بنو
إسرائيل . قال له يا موسى (ألم نربك فينا وليدا ﴾ أى: ألم يسبق لك أنك عشت فى
منزلنا ، ورعيناك وأنت طفل صغير عندما قالت امرأتى ﴿ لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه
.
ولدا ..
ولبثت فينا﴾ أى: فى كنفنا وتحت سقف بيتنا ﴿ من عمرك سنين﴾ عددا .
وفعلت فعلتك التى فعلت ﴾ وهى قتلك لرجل من شيعتى ﴿وأنت من الكافرين ﴾.
أى : وأنت من الجاحدين بعد ذلك لنعمتى التى أنعمتها عليك، فى حال طفولتك ، وفى حال
صباك ، وفى حال شبابك .
لأنك جئتنى أنت وأخوك بما يخالف ديننا ، وطلبتما منا أن نرسل معكما بنى إسرائيل . فهل
هذا جزاء إحسانى إليك ؟ .
وهكذا نرى فرعون يوجه إلى موسى - عليه السلام - تلك الأسئلة على سبيل الإِنكار
عليه لما جاء به ، متوهما أنه قد قطع عليه طريق الإِجابة .
ولكن موسى - عليه السلام - وقد استجاب الله - تعالى - دعاءه ، وأزال عقدة لسانه ،
رد عليه ردا حكيما ، فقال - كما حكى القرآن عنه: ﴿ قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ﴾.
أى قال موسى فى جوابه على فرعون : أنا لا أنكر أنى قد فعلت هذه الفعلة التى تذكرنى
بها ، ولكنى فعلتها وأنا فى ذلك الوقت من الضالين ، أى : فعلت ذلك قبل أن يشرفنى اللّه
بوحيه ، ويكلفنى بحمل رسالته ، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوكزة نؤدى إلى
قتل ذلك الرجل من شيعتك ، لأنى ما قصدت قتله ، وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم
لغيره .
فالمراد بالضلال هنا : الجهل بالشىء ، والذهاب عن معرفة حقيقيته .
وقوله : ﴿ ففررت منكم لما خفتكم﴾ بيان لما ترتب على فعلته التى فعلها .
أى : وبعد هذه الفعلة التى فعلتها وأنا من الضالين ، توقعت الشر منكم ، ففررت من
وجوهكم حين خشيت منكم على نفسى فكانت النتيجة أن وهبنى ﴿ ربى حكما ﴾ أى: علما
نافعا ﴿وجعلنى من المرسلين﴾ الذين اصطفاهم الله - تعالى - لحمل رسالته والتشرف
بنبوته .
ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى هذا الرد الملزم لفرعون . ردا آخر أشد إلزاما
وتوبيخا فقال : ﴿ وتلك نعمة تمنها علىّ أن عبدت بنى إسرائيل ﴾.

٢٤٠
المجلد العاشر
واسم الإشارة ﴿تلك ﴾ يعود إلى التربية المفهومة من قوله - تعالى - قبل ذلك:
نربك فينا وليدا ... الخ ﴾ .
وقوله ﴿ تمنها ﴾ من المن بمعنى الإِنعام يقال: منّ فلان على فلان منة إذا أنعم عليه بنعمة.
وعبدت : أى : اتخذتهم عبيدا لك تسخرهم لخدمتك .
٠
قال الجمل: و﴿ تلك﴾ مبتدأ، و﴿ نعمة﴾ خبر. و﴿ تمنها﴾ صفة للخير و ﴿ أن
عبدت ﴾ عطف بيان للمبتدأ موضح له .
وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يرى بعضهم أنه قاله على وجهة الاعتراف له
بالنعمة ، فكأنه يقول له : تلك التربية التى ربيتها لى نعمة منك على ، ولكن ذلك لا يمنع من
أن أكون رسولا من الله - تعالى - إليك، لكى تقلع عن كفرك ، ولكى ترسل معنا بنى
إسرائيل .
ويرى آخرون أن هذا الكلام من موسى لفرعون، إنما قاله على سبيل التهكم به ، والإِنكار
عليه فيما امتن به عليه ، فكانه يقول له: إن ما تمنّ به على هو فى الحقيقة نقمة ، وإلا فأية منة
لك علىّ فى استعبادك لقومى وأنا واحد منهم ، إن خوف أمى من قتلك لى هو الذى حملها على
أن تلقى بى فى البحر ، وتربيتى فى بيتك كانت لأسباب خارجة عن قدرتك ...
ويبدو لنا أن هذا الرأى أقرب إلى الصواب ، لأنه هو المناسب لسياق القصة ، ولذا قال
صاحب الكشاف عند تفسير لهذه الآية: (( ثم كر موسى على امتنان فرعون عليه بالتربية
فأبطله من أصله ، واستأصله من سِنْخِه - أى : من أساسه -، وأبى أن يسمى نعمته
إلا نقمة . حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بنى إسرائيل ، لأن تعبيدهم وقصدهم بالذبح
لأبنائهم هو السبب فى حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه ، وتذليلهم
واتخاذهم خدما له ... )) (١).
وبهذا الجواب التوبيخى أفحم موسى - عليه السلام - فرعون . وجعله يحول الحديث عن
هذه المسألة التى تتعلق بتربيته لموسى إلى الحديث عن شىء آخر حكاه القرآن فى قوله :
قال فرعون وما رب العالمين ﴾ أى قال فرعون لموسى: أى شىء رب العالمين الذى أنت
وأخوك جئتما لتبلغا رسالته لى ، وما صفته ؟
وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون - قبحه الله - وتجاوزه كل حد فى الفجور ، فإن هذا
السؤال يحمل فى طياته استنكار أن يكون هناك إله سواه ، كما حكى عنه القرآن فى آية أخرى
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٠٦ .