Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة المؤمنون
ثم بين - سبحانه - الآثار الجليلة المترتبة على إنزال الماء من السماء فقال: ﴿ فأنشأنا لكم
به جنات من نخيل وأعناب .. ﴾ .
أى : فأوجدنا لكم بسبب نزول الماء على الأرض بساتين متنوعة ، بعضها من نخيل ،
وبعضها من أعناب ، وبعضها منهما معًا ، وبعضها من غيرهما .
وخص النخيل والأعناب بالذكر ، لكثرة منافعهما ، وانتشارهما فى الجزيرة العربية ، أكثر
من غيرهما .
- لكم فيها﴾ أى: فى تلك الجنات ﴿فواكه كثيرة ﴾ تتلذذون بها فى مأكلكم
ومنها﴾. أى: ومن هذه البساتين والجنات ﴿تأكلون) ما تريدون أكله منها فى كل
الأوقات .
-:
والمراد بالشجرة فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء ...
شجرة الزيتون. وهى معطوفة على ((جنات)) من عطف الخاص على العام.
أى : فأنشأنا لكم بسبب هذا الماء النازل من السماء ، جنات ، وأنشأنا لكم بسببه -
أيضًا - شجرة مباركة تخرج من هذا الوادى المقدس الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى -
عليه السلام - وهو المعروف بطور سيناء . أى : بالجبل المسمى بهذا الاسم فى منطقة سيناء ،
ومكانها معروف .
قالوا : وكلمة سيناء - بفتح السين والمد على الراجح - معناها : الحسن باللغة النبطية .
أو معناها : الجبل الملىء بالأشجار . وقيل : مأخوذة من السنا بمعنى الارتفاع .
وخصت شجرة الزيتون بالذكر : لأنها من أكثر الأشجار فائدة بزيتها وطعامها وخشبها ،
ومن أقل الأشجار - أيضًا - تكلفة لزارعها .
وخص طور سيناء بإنباتها فيه ، مع أنها تنبت منه ومن غيره ، لأنها أكثر ما تكون انتشارًا
فى تلك الأماكن ، أو لأن منبتها الأصلى كان فى هذا المكان ، ثم انتقلت منه إلى غيره من
الأماكن .
وقوله : ﴿ تنبت بالدهن وصبغ للآكلين﴾ بيان لمنافع هذه الشجرة على سبيل المدح،
والتعليل لإِفرادها بالذكر .
والدهن : عصارة كل شىء ذى دسم . والمراد به هنا : زيت الزيتون .
وقراءة الجمهور: ﴿ تَنْبُتُ﴾ - بفتح التاء وضم الباء - على أنه مضارع نبت الثلاثى.
فيكون المعنى : هذه الشجرة من مزاياها أنها تنبت مصحوبة وملتبسة بالدهن الذى

٢٢
المجلد العاشر
يستخرج من زيتونها . فالباء فى قوله ﴿بالدهن ﴾ للمصاحبة والملابسة ، كما تقول : خرج
فلان بسلاحه . أى : مصاحبًا له .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : تنبت - بضم التاء وكسر الباء - من أنبت بمعنى نبت . أو :
من أنبت المتعدى بالهمزة ، كأنبت اللّه الزرع . والتقدير : تنبت ثمارها مصحوبة بالدهن .
والصبغ فى الأصل : يطلق على الشىء الذى يصبغ به الثوب . والمراد به هنا: الإِدام لأنه
يصبغ الخبز، ويجعله كأنه مصبوغ به .
أى : أن من فوائد هذه الشجرة المباركة أنها يتخذ منها الزيت الذى ينتفع به ، والإِدام
الذى يحلو معه أكل الخبز والطعام .
روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدى، أن رسول الله - في - قال: ((كلوا
الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة)).
:
وبعد أن بين - سبحانه - جانبًا من مظاهر نعمه فى الماء والنبات أتبع ذلك ببيان جانب
آخر من نعمه فى الأنعام والحيوان . فقال: ﴿وإن لكم فى الأنعام لعبرة .. ﴾.
والأنعام: تطلق على الإبل والبقر والغنم . وقد تطلق على الإِبل خاصة .
والعبرة : اسم من الاعتبار ، وهو الحالة التى تجعل الإنسان يعتبر ويتعظ بما يراه ويسمعه .
أى: وإن لكم - أيها الناس - فيما خلق الله لكم من الأنعام لعبرة وعظة ، تجعلكم
تخلصون العبادة لله - تعالى - وتشكرونه على آلائه .
وقوله - سبحانه -: ﴿نسقيكم مما فى بطونها ، ولكم فيها منافع كثيرة ومنها
تأكلون ... ﴾. بيان لمواطن العبرة ، وتعريف بأوجه النعمة .
أى : نسقيكم مما فى بطونها من ألبان خالصة ، تخرج من بين فرث ودم ، ولكم فى هذه
الأنعام منافع كثيرة ، كأصوافها وأوبارها وأشعارها ، ومنها تأكلون من لحومها ، ومما يستخرج
من ألبانها .
و﴿عليها﴾ أى: وعلى هذه الأنعام، والمراد بها هنا: الإِبل خاصة ﴿وعلى الفلك }
أى : السفن التى تجرى فى البحر ﴿تحملون﴾ بقدرتنا ومنتنا، حيث تحمل هذه الإِبل وتلك
السفن أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ...
وقريب من هاتين الآيتين فى المعنى قوله - تعالى -: ﴿ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت
أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع

٢٣
سورة المؤمنون
ومشارب أفلا يشكرون
﴾ (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ والذى خلق الأزواج كلها ، وجعل لكم من الفلك والأنعام
ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ، وتقولوا سبحان
الذى سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾(٢).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت لنا أنواعا من نعم الله - تعالى - على عباده ، هذه
النعم التى تدل على كمال قدرته ، وعظيم رحمته .
وبعد أن بين - سبحانه - دلائل قدرته عن طريق خلق الإِنسان ، وعن طريق خلقه لهذه
الكائنات التى يشاهدها الإِنسان وينتفع بها ... أتبع ذلك بالحديث عن بعض الرسل - عليهم
الصلاة والسلام - وعن موقف أقوامهم منهم ، وعن سوء عاقبة المكذبين لرسل الله - تعالى -
وأنبيائه . وابتدأ - سبحانه - الحديث عن جانب من قصة نوح مع قومه ، فقال - تعالى - :
وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَانُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُرُ مِّنْ إِلَهِ
غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿ فَقَالَ الْمَلُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا هَذَآ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْشَآءَاللّهُلَأَنْلَ
مَلَئِكَةُ مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِّءَابَآَنَا الْأَوَّلِينَ ® إِنْ هُوَ إِلَا
رَجُلٌ بِهِ، جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْبِهِ، حَتَّى حِينٍ(٥ ) قَالَ رَبِّ أَنْصُرْفِى
بِمَا كَذَّبُونِ ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِالْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ نَا وَفَارَالتَّنُّوُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن
كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
مِنْهُمُّ وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُواْإِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
٢٧
(١) سورة يس الآيات من ٧١ - ٧٣ .
( ٢) سورة الزخرف الآيات من ١٢ - ١٤.

٢٤
المجلد العاشر
فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْقَدُ لِلَّهِ الَّذِى نَا
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَقُل رَبِّ أَنْزِلْنِى مُنْزَ لَّ مُّبَارَكَا وَأَنْتَ خَيْرُ
الْمُفِلِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
٣٠
تلك هى قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، كما وردت فى هذه السورة الكريمة ، وقد
وردت بصورة أكثر تفصيلاً فى سورتى هود ونوح .
وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - . وقد ذكر نوح
فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعًا .
قال الجمل فى حاشيته : وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين ، لأنه أرسل على رأس
الأربعين ومكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة .
وقدمت قصته هنا على غيره ، لتتصل بقصة آدم المذكورة فى قوله: ﴿ولقد خلقنا الإِنسان من
سلالة من طين ﴾ للمناسبة بينهما من حيث إن نوحًا يعتبر آدم الثانى ، لانحصار النوع
الإِنسانى بعده فى نسله(١).
وقوم الرجل : أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم الرجل بين قوم ليس
منهم فى نسبه ، فيسميهم قومه على سبيل المجاز، لمجاورته لهم .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام . فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحًا لينهاهم عن ذلك ،
وليأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى - .
واللام فى قوله - سبحانه -: ﴿ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ... ) واقعة فى جواب قسم
محذوف .
أى: والله لقد أرسلنا نبينا نوحًا - عليه السلام - إلى قومه، ليخرجهم من ظلمات الكفر
إلى نور الإِيمان .
وقوله - سبحانه - ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ... ﴾ حكاية لما
وجهه إليهم من نصائح وإرشادات .
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٣ ص ١٨٨ .
:

٢٥
سورة المؤمنون
أى : أرسلنا نوحًا إلى قومه ، فقال لهم ما قاله كل نبى: ياقوم اعبدوا الله وحده، فإنكم
ليس لكم إله سواه ، فهو الذى خلقكم ، وهو الذى رزقكم . وهو الذى يحييكم وهو الذى
يميتكم ، وكل معبود غيره - سبحانه - فهو باطل .
وفى ندائهم بقوله: ﴿ياقوم﴾ تلطف فى الخطاب، ليستميلهم إلى دعوته ، فكأنه يقول
لهم : أنتم أهلى وعشيرتى يسرنى ما يسركم ، ويؤذينى ما يؤذيكم ، فاقبلوا دعوتى ، لأنى لكم
ناصح أمين .
وقوله: ﴿أفلا تتقون) تحذير لهم من الإصرار على شركهم ، بعد ترغيبهم فى عبادة الله
- تعالى - وحده بألطف أسلوب .
أى : أفلا تتقون الله - تعالى - وتخافون عقوبته ، بسبب عبادتكم لغيره ، مع أنه
- سبحانه - هو الذى خلقكم فالاستفهام للإنكار والتوبيخ .
ثم حكى - سبحانه - ما رد به قوم نوح عليه فقال : ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه
ما هذا إلا بشر مثلكم .. ﴾ .
والمراد بالملأ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح . وهذا اللفظ اسم جمع لا واحد له من
لفظه - كرهط - وهو مأخوذ من قولهم: فلان ملىء بكذا ، إذا كان قادرًا عليه . أو لأنهم
متمالئون أى : متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون مهابة ...
وفى وصفهم بالكفر : تشنيع عليهم وذم لهم ، وإشعار بأنهم عريقون فيه . أى : فقال
الأغنياء وأصحاب النفوذ الذين مردوا على الكفر ، فى الرد على نبيهم نوح عليه السلام:
وما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ .
أى : قالوا لأتباعهم على سبيل التحذير من الاستماع إلى دعوة نبيهم ، ما هذا، أى :
نوح عليه السلام - إلا بشر مثلكم ، ومن جنسكم ، ولا فرق بينكم وبينه فكيف يكون نبيًّا .
ولم يقولوا : ما نوح إلا بشر مثلكم ، بل أشاروا إليه بدون ذكر اسمه ، لأنهم لجهلهم
وغرورهم يقصدون تهوين شأنه عليه الصلاة والسلام - فى أعين قومه .
وقولهم: ﴿ يريد أن يتفضل عليكم﴾ أى: أن نوحًا جاء بما جاء به بقصد الرياسة
عليكم .
ومرادهم بهذا القول : تنفير الناس منه ، وحضهم على عداوته .
وقولهم: ﴿ولو شاء اللّه لأنزل ملائكة﴾ استبعاد منهم لكون الرسول من البشر أى:
ولو شاء الله أن يرسل رسولاً ليأمرنا بعبادته وحده . لأرسل ملائكة ليفعلوا ذلك ، فهم -

٢٦
المجلد العاشر
لانطاس بصائرهم وسوء تفكيرهم - يتوهمون أن الرسول لا يكون من البشر ، وإنما يكون
من الملائكة .
ومفعول المشيئة محذوف . أى: ولو شاء الله عبادته وحده لأرسل ملائكة ليأمرونا بذلك ،
فلما لم يفعل علمنا أنه ما أرسل رسولاً ، فنوح - فى زعمهم - كاذب فى دعواه .
وقولهم : ﴿ ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين ﴾ أى ما سمعنا بهذا الكلام الذى جاءنا به
نوح فى آباءنا الأولين ، الذين ندين باتباعهم ، ونقتدى بهم فى عبادتهم لهذه الأصنام .
ثم هم لا يكتفون بهذا الجمود والتحجر ، بل يصفون نبيهم بما هو برىء منه فيقولون :
إن هو إلا رجل به جنة ، فتربصوا به حتى حين ﴾ .
والجنّة : الجنون ، يقال جُنَّ: فلان إذا أصيب بالجنون ، أو إذا مسه الجن فصار فى حالة
خبل وجنون .
والتربص : الانتظار والترقب ، أى: ما نوح - عليه السلام - الذى يدعى النبوة ،
إلا رجل به حالة من الجنون والخبل ، فانتظروا عليه إلى وقت شفائه من هذا الجنون أو إلى
وقت موته ، وعندئذ تستريحون منه ، ومن دعوته التى ما سمعنا بها فى آبائنا الأولين .
فأنت ترى أن القوم قد واجهوا نبيهم نوحًا - عليه السلام - بأقبح مواجهة حيث وصفوه
بأنه يريد من وراء دعوته لهم السيادة عليهم ، وأنه ليس نبيًا لأن الأنبياء لا يكونون من
البشر - فى زعمهم - وأنه قد خالف ما ألفوه عن آبائهم ، ومن خالف ما كان عليه آباؤهم
لا يجوز الاستماع إليه ، وأنه مصاب بالجنون وأنه عما قريب سيأخذه الموت ، أو يشفى مما هو
فيه .
وهكذا الجهل والغرور والجحود ... عندما يستولى على الناس ، يحول فى نظرهم الإصلاح
إلى إفساد ، والإِخلاص إلى حب للرياسة ، والشىء المعقول المقبول . إلى أى شىء غير
معقول وغير مقبول ، وكمال العقل ورجحانه ، إلى جنونه ونقصانه .
وصدق الله إذ يقول: ﴿سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق ، وإن
يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغى
(١)
يتخذوه سبيلا ..
ثم يحكى القرآن بعد ذلك أن نوحًا - عليه السلام - بعد أن استمع إلى ما قاله قومه فى
شأنه من ضلالات وسفاهات ، لجأ إلى ربه - عز وجل - يشكو إليه ما أصابه منهم ويلتمس
( ١) سورة الأعراف آية ١٤٦ .
٠

٢٧
سورة المؤمنون
منه النصر عليهم. فقال: كما حكى القرآن عنه: ﴿رب انصرنى بما كذبون﴾.
أى : قال نوح فى مناجاته لربه : يارب انصرنى على هؤلاء القوم الكافرين بسبب تكذيبهم
لى وتطاولهم على . وسخريتهم منى، وإصرارهم على عبادة غيرك .
وقد أجاب اللّه - تعالى - دعاء عبده نوح فقال: ﴿ فأوحينا إليه﴾ أى: فأوحينا إليه فى
أعقاب دعائه وتضرعه .
أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ﴾ أى: أوحينا إليه أن ابتدئ يا نوح فى صنع السفينة
وأنت تحت رعايتنا وحفظنا ، وسنرسل إليك وحينا ليرشدك إلى ما أنت فى حاجة إليه من إتقان
صنع السفينة ، ومن غير ذلك من شئون .
وفى التعبير بقوله - سبحانه - ﴿ أن اصنع﴾ إشارة إلى أن نوحًا - عليه السلام - قد
باشر بنفسه صنع السفينة التى هى وسيلة النجاة له وللمؤمنين معه .
وفى قوله - تعالى -: ﴿بأعيننا ووحينا﴾ إشارة إلى أن نوحًا بجانب مباشرته للصنع
بنفسه، كان مزودًا من الله - تعالى - بالعناية والرعاية وبحسن التوجيه والإِرشاد عن طريق
الوحى الأمين .
وذلك لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت ، أن لا يضيع عمل عباده المخلصين ، الذين
يبذلون أقصى جهدهم فى الوصول إلى غاياتهم الشريفة .
والباء فى قوله ﴿بأعيننا﴾ للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال من ضمير.
« اصنع)».
والفاء فى قوله - سبحانه - ﴿ فإذا جاء أمرنا ﴾ لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع
السفينة .
والمراد بالأمر هنا : العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين من قوم نوح - عليه
السلام - . ويشهد لذلك قوله - سبحانه - فى آية أخرى : ﴿ لا عاصم اليوم من أمر
اللّه﴾ أى: من عذابه ﴿ إلا من رحم﴾.
والمراد بمجىء هذا الأمر : اقتراب وقته ، ودنو ساعته ، وظهور علاماته وقوله - تعالى - :
وفار التنور﴾ بيان وتفسير لمجىء هذا الأمر، وحلول وقت إهلاكهم.
وقوله : ﴿ فار﴾ من الفوران. بمعنى شدة الغليان للماء وغيره . يقال للماء فار إذا اشتد
غليانه . ويقال للنار فارت إذا عظم هيجانها . ومنه قوله - تعالى - ﴿إذا ألقوا فيها سمعوا
لها شهيقًا وهى تفور ﴾.

٢٨
المجلد العاشر
وللمفسرين فى المراد بلفظ ﴿التنور﴾ أقوال منها : أن المراد به الشىء الذى يخبز فيه
الخبز، وهو ما يسمى بالموقد أو الفرن .
ومنها أن المراد به وجه الأرض . أو موضع اجتماع الماء فى السفينة ، أو طلوع الفجر .. وقد
رجح الإِمام ابن جرير القول الأول فقال : وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : وهو التنور
الذى يخبز فيه، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب .. (١).
ويبدو أن فوران التنور كان علامة لنوح على أن موعد إهلاك الكافرين من قومه قد
اقترب .
أى : فإذا اقترب موعد إهلاك قومك الظالمين يا نوح ، ومن علامة ذلك أن ينبع الماء من
التنور ويفور فورانًا شديدًا ﴿فاسلك فيها﴾ فأدخل فى السفينة ﴿من كل زوجين اثنين﴾
ولفظ ﴿زوجين﴾ تثنية زوج. والمراد به هنا: الذكر والأنثى من كل نوع.
وقراءة الجمهور: ﴿من كلَّ زوجين اثنين) بدون تنوين للفظ كل، وبإضافته إلى
زوجين ... .
د
وقرأ حفص ﴿ من كلّ زوجين اثنين) يتنوين كل، وهو تنوين عوض عن مضاف إليه.
والتقدير : فأدخل فى السفينة من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرًا
وأنثى، ويكون لفظ ﴿زوجين) مفعولاً لقوله ﴿فاسلك) ولفظ اثنين: صفة له.
والمراد بأهله فى قوله - تعالى - ﴿وأهلك): أهل بيته كزوجته وأولاده المؤمنين،
ويدخل فيهم كل من آمن به - عليه السلام - سواء أكان من ذوى قرابته أم من غيرهم ،
بدليل قوله - تعالى - فى سورة هود: ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من
سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ﴾ .
وجملة: ﴿إلا من سبق عليه القول منهم﴾ استثناء من الأهل. والمراد بمن سبق عليه القول
منهم : من بقى على كفره ولم يؤمن برسالة نوح - عليه السلام - كزوجته وابنه كنعان .
أى : أدخل فى السفينة ذكرًا وأنثى من أنواع المخلوقات، وأدخل فيها - أيضًا - المؤمنين
من أهلك ومن غيرهم ، إلا الذين سبق منا القول بهلاكهم بسبب إصرارهم على الكفر .
فلا تدخلهم فى السفينة ، بل اتركهم خارجها ليغرقوا مع المغرقين .
قال الآلوسى: وجىء بعلى فى قوله : ﴿ إلا من سبق عليه القول منهم ﴾ لكون السابق
ضارا ، كما جىء باللام فى قوله : ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ لكون السابق
نافعًا ﴾ (٢) .
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٢ ص ٢٥ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢٧ .

٢٩
سورة المؤمنون
وقوله - تعالى -: ﴿ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ نهى منه - سبحانه -
لنوح - عليه السلام - عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين ، أو عن طلب تأخير العذاب المهلك
لهم .
أى: اترك يا نوح هؤلاء الظالمين ، ولا تكلمنى فى شأنهم ، كأن تطلب الشفاعة لهم
أو تأخير العذاب عنهم ، فإنهم مقضى عليهم بالإِغراق لا محالة . ولا مبدل لحكمى أو إرادتى .
ويبدو - واقه أعلم - أن هذه الجملة الكريمة ، كانت نهيا من الله - تعالى - لنوح عن
الشفاعة فى ابنه الذى غرق مع المغرقين ، والذى حكى القرآن فى سورة هود أن نوحًا قد قال
فى شأنه: ﴿رب إن ابنى من أهلى، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين﴾.
ثم أرشد الله - تعالى - نبيه نوحًا إلى ما يقوله بعد أن يستقر فى السفينة فقال
- سبحانه -: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك﴾ من أهلك وأتباعك المؤمنين ﴿ على
الفلك
٠
أى : السفينة التى علمناك عن طريق وحينا كيفية صنعها بإحكام وإتقان ﴿ فقل ﴾ يانوح
على سبيل الشكر لنا ، والتقدير لذاتنا ﴿ الحمد لله الذى نجانا﴾ بفضله وكرمه ﴿من القوم
الظالمين﴾ الذين استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الضلالة على الهداية ، وتطاولوا على
نبيهم الذى جاء لسعادتهم .
﴿ وقلٍ﴾ - أيضًا - يا نوح ﴿رب أنزلنى مُنزَلا مباركًا﴾ أى: أنزلنى إنزالاً، أو مكان
إنزال مباركًا - أى مليئًا بالخيرات والبركات ، خاليًا مما حل بالظالمين من إغراق وإهلاك .
وأنت ﴾ يا إلهى ﴿ خير المنزلين﴾ بفضلك وكرمك فى المكان الطيب المبارك.
﴿
ثم عقب - سبحانه - على ما اشتملت عليه قصة نوح من حكم وآداب بقوله: ﴿ إن فى
ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ﴾ .
أی : إن فى ذلك الذی ذکر ناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح وقومه ﴿ لآيات
بينات ، ودلالات واضحات ، على أن هذا القرآن من عندنا لا من عند غيرنا ، وعلى أن
العاقبة للمؤمنين ، وسوء المنقلب للكافرين .
و ((إن)) فى قوله ﴿وإن كنا﴾ هى المخففة من الثقيلة، واللام فى قوله ﴿لمبتلين ﴾ هى
الفارقة بينها وبين إن النافية ، والجملة حالية ، والابتلاء : الاختبار والامتحان ...
أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه عن نوح وقومه لآيات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا ،
والحال والشأن أن من سنتنا أن نبتلى الناس بالنعم وبالنقم ، وبالخير وبالشر . ليتبين من يعتبر
ويتعظ ، وليتميز الخبيث من الطيب ، وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حى عن بينة ، وإن

٣٠
المجلد العاشر
اللّه لسميع عليم .
ثم تمضى السورة فى حديثها عن قصص الأولين ، فتحكى لنا قصة أقوام آخرين مع نبى من
أنبيائهم فتقول :
ثُرَأَنْشَأْنَ
مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ ﴿٦) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَاً مِنْهُمْأَنِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَالَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُ هُ، أَفَلَا نَتَّقُونَ () وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْبَأْ كُلُّ مِمَاتَأْ كُونَ مِنْهُ وَشْرَبُ مِمَّا
تَشْرَبُونَ ﴿، وَلَبِنْ أَطَعْتُم ◌َشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
أَيَعِدُ كُمْأَنَّكُمْإِذَا مِتُمْ وَكُمْتُمْ تُرَبًا وَعِظَامًا أَنَّكُرُخْرَجُونَ
٣٤
◌َهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿٦) إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا
٣٥
اُلُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٦) إِنْ هُوَ إِلََّ رَجُلُ
اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا فَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٦) قَالَ رَبِّ
أَنَصُرْ نِ بِمَا كَذَّبُونٍ (٦) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّصِحُنَّنَكِمِينَ @
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُنَاَءَ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ
اُلظَّالِمِينَ
٤١٢
أى : ثم أنشأنا من بعد أولئك القوم المغرقين الذين كذبوا نبيهم نوحًا - عليه السلام - ،
قرنًا آخرين ﴾ غيرهم ، وهم على الأرجح - قوم هود - عليه السلام - بدليل قوله
- تعالى - فى آية أخرى فى شأنهم: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ... ﴾(١).
( ١) سورة الأعراف آية ٦٩ .

٣١
سورة المؤمنون
كما أن قصة هود مع قومه ، كثيرًا ما تأتى بعد قصة نوح مع قومه .
وقيل : هم قوم صالح - عليه السلام - .
وعلى أية حال فإن سورة ((المؤمنون)) فى عرضها لقصص الأنبياء تحرص على بيان أن
استقبال المكذبين لأنبيائهم كان متشابهًا فى القبح والتكذيب .
وقال - سبحانه - ﴿ قرنًا آخرين) للإشعار بأنهم كانوا يعيشون فى زمان واحد مع
نبيهم ، وأنهم كانوا معاصرين له ، ومشاهدين لأحواله قبل البعثة وبعدها .
ثم بين - سبحانه - أنه امتن عليهم بإرسال رسول فيهم فقال: ﴿ فأرسلنا فيهم رسولاً
منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .. ﴾ .
أى : كان من مظاهر رحمتنا ومنتنا على هؤلاء القوم الآخرين الذين جاءوا بعد إهلاك قوم
نوح ، أن أرسلنا فيهم رسولا منهم نشأ بين أظهرهم وعرفوا حسبه ونسبه ، فقال لهم ما قاله
كل نبى لقومه: اعبدوا الله وحده ، فإنكم ليس لكم من إله سواه ، لأنه - سبحانه - هو
الذى أوجدكم فى هذه الحياة .. ﴿أفلا تتقون) بأسه وعقابه إذا ما عبدتم غيره ؟ !.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما رد به هؤلاء المشركون الجاحدون على نبيهم فقال :
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ، وأترفناهم فى الحياة الدنيا ، ما هذا
إلا بشر مثلكم .. ﴾ .
أى: وقال الأغنياء والزعماء من قوم هذا النبى ، الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، وكذبوا
بالبعث والجزاء الذى يكون فى الآخرة ، والذين أبطرتهم النعمة التى أنعمنا عليهم بها فى
دنياهم ...
قالوا لنبيهم بجفاء وسوء أدب لكى يصرفوا غيرهم عن الإِيمان به : ما هذا الذى يدعى
النبوة ﴿ إلا بشر مثلكم ﴾ وكأنهم يرون - لغبائهم وانطاس عقولهم - أن الرسول لا يكون
من البشر ، أو يرون جوازكونه من البشر ، إلا أنهم قالوا ذلك على سبيل المكر ليصدوا
أتباعهم وعامة الناس عن دعوته .
ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ما يؤكده فى نفوس الناس فقالوا : ﴿ يأكل مما تأكلون
منه﴾ من طعام، وغذاء، ﴿ويشرب مما تشربون﴾ من ماء وما يشبه الماء.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم ﴿ولئن أطعتم﴾ أيها الناس ﴿ بشرّء مثلكم﴾ فى المأكل
والمشرب والملبس والعادات .. ﴿إنكم إذا﴾ بسبب هذه الطاعة ﴿لخاسرون﴾ خسارة
ليس بعدها خسارة .

٣٢
المجلد العاشر
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى أن الله - تعالى - وصف هؤلاء الجاحدين بالغنى والجاه ،
وأنهم من قوم هذا النبى فازداد حسدهم له وحقدهم عليه ، وأنهم أصلاء فى الكفر ، وفى
التكذيب باليوم الآخر ، وأنهم - فوق كل ذلك - من المترفين الذين عاشوا حياتهم فى اللهو
واللعب والتقلب فى ألوان الملذات .. ولا شىء يفسد الفطرة ، ويطمس القلوب ، ويعمى
النفوس والمشاعر عن سماع كلمة الحق . كالترف والتمرغ فى شهوات الحياة .
لذا تراهم فى شبهتهم الأولى يحاولون أن يصرفوا الناس عن هذا النبى ، بزعمهم أنه بشر ،
يأكل مما يأكل منه الناس ، ويشرب مما يشربون منه ، والعقلاء فى زعمهم - لا يتبعون نبيًا
من البشر ، لأن اتباعه يؤدى إلى الخسران المبين .
ولقد نهجوا فى قولهم الباطل هذا، نهج قوم نوح من قبلهم ، فقد قالوا فى شأنه: ﴿ ما هذا
إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم .. ﴾.
أما شبهتهم الثانية التى أثاروها لصرف الناس عن الحق . فقد حكاها القرآن فى قوله
عنهم: ﴿ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون .. ﴾. أى: أيعدكم هذا
الذى يدعى النبوة - وهو بشر مثلكم - أنكم إذا فارقتم هذه الحياة وصرتم أمواتًا ، وصارت
بعض أجزاء أجسامكم ترابًا وبعضها عظامًا نخرة ، أنكم مخرجون من قبوركم إلى الحياة مرة
أخرى للحساب والجزاء ؟ .
والاستفهام فى قوله ﴿ أيعدكم ﴾ للإنكار والتحذير من اتباع هذا النبى، والجملة مستأنفة
مقررة لمضمون ما قبلها من الصد عن الاستماع إلى ما جاءهم به نبيهم ، لأنه - فى زعمهم -
يؤدى إلى الخسران .
وكرر - سبحانه - لفظ ﴿ أنكم ﴾ لبيان حرصهم على تأكيد أقوالهم الباطلة فى نفوس
الناس ، حتى يفروا من وجه نبيهم .
ثم حكى - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بكل ما أثاروه من شبه لصرف أتباعهم عن الحق بل
أضافوا إلى ذلك . أن ما يقوله هذا النبى مستبعد فى العقول، وأنه رجل افترى على الله
كذبا ..
فقال - تعالى - : ﴿ هيهات هيهات لما توعدون * إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا
وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين
ولفظ (( هيهات)) اسم فعل ماض ، معناه: بُعُد بعدًا شديدًا، والغالب فى استعمال هذا
اللفظ مكررًا، ويكون اللفظ الثانى مؤكدًا تأكيدًا لفظيًا للأول .

٣٣
سورة المؤمنون
أى : قال الملأ من قوم هذا النبى لغيرهم ، على سبيل التحذير من اتباعه: بعد بعدًا كبيرًا
ما يعدكم به هذا الرجل من أن هناك بعثًا وحسابًا وجزاء بعد الموت ، وأن هناك جنة ونارًا يوم
القيامة .
قال الآلوسى: ((وقوله - سبحانه -: ﴿ هيهات﴾ اسم بمعنى بعد.
وهو فى الأصل اسم صوت ، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو الصحة أو الوقوع
أو نحو ذلك مما يفهم من السياق . والغالب فى هذه الكلمة مجيئها مكررة .. وقوله ؛ ﴿ لما
توعدون﴾ بيان لمرجع ذلك الضمير، فاللام متعلقة بمقدر، كما فى قولهم: سقيا له. أى:
التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد كائن لما توعدون .. (١) .
وقوله - سبحانه - ﴿ إن هى إلا حياتنا الدنيا .. ﴾ بيان لتماديهم فى جحودهم وجهلهم
وغرورهم .
أى: إنهم لم يكتفوا باستبعاد حصول البعث والجزاء يوم القيامة بل أضافوا إلى ذلك الإنكار
الشديد لحصولهما فقالوا : ما الحياة الحقيقية التى لا حياة بعدها إلا حياتنا الدنيا التى نحياها ،
ولا وجود لحياة أخرى ، كما يقول هذا النبى - فنحن نموت كما مات آباؤنا ، ونحيا كما يولد
أبناؤنا . وهكذا الدنيا فيها موت لبعض الناس ، وفيها حياة لغيرهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾
بعد الموت على الإِطلاق .
ثم أضافوا إلى إنكارهم هذا للدار الآخرة ، تطاولاً على نبيهم ، واتهامًا له بما هو برىء
منه ، فقالوا: ﴿ إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ... ﴾ أى؛ ما هذا النبى الذى أمركم
بترك عبادة آلهتكم ، وأخبركم بأن هناك بعثًا وحسابًا ، إلا رجل اختلق على الله الكذب فيما
يقوله ويدعو إليه ﴿وما نحن له بمؤمنين ﴾ فى يوم من الأيام، فكونوا مثلنا - أيها الناس -
فى عدم الإِيمان به ، وفى الانصراف عنه .
وهكذا يصور لنا القرآن الكريم بأسلوبه البليغ ، موقف الطغاة من دعوة الحق ، وكيف أنهم
لا يكتفون بالانصراف عنها وحدهم ، بل يؤليون غيرهم بكل وسيلة على الانقياد لهم ، وعلى
محاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل وشتى الطرق .
ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف النبى الذى أرسله الله - تعالى - لهؤلاء القوم الظالمين
فيقول : ﴿ قال رب انصرنى بما كذبون﴾.
أى: قال ما قاله أخوه نوح من قبله: رب انصرنى على هؤلاء الجاحدين ، فأنت تعلم -
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٣١.

٣٤
!
المجلد العاشر
يا إلهى - أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك .
وجاءت الاستجابة من الله - تعالى - لهذا النبى، كما جاءت لأخيه نوح من قبله ، ويحكى
القرآن ذلك فيقول : ﴿ قال عما قليل ليصبحن نادمين ﴾.
أى : قال الله - عز وجل - لنبيه : لقد أجبنا دعاءك أيها النبى الكريم ، وبعد وقت قليل
من الزمان . ليصبحن نادمين أشد الندم على أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم القبيحة ، ولكن هذا
الندم لن ينفعهم لأنه جاء فى غير أوانه .
والجار والمجرور فى قوله ﴿عما قليل﴾ متعلق بقوله: ﴿ليصبحن نادمين) أى:
ليصبحن عن زمن قليل نادمين، و((عن)) هنا بمعنى بعد، و(( ما)) جىء بها لتأكيد معنى
القلة .
وأكد - سبحانه - قوله ﴿ ليصبحن﴾ بلام القسم ونون التوكيد ، لبيان أن هذا الوعيد
آت لا ريب فيه ، وفى وقت قريب .
وجاء الوعيد فعلاً. وأخبر - سبحانه - عن ذلك فقال: ﴿فأخذتهم الصيحة
بالحق ... ﴾. أى: فأهلكناهم إهلاكًا تامًا، الصيحة التى صاحها بهم جبريل - عليه
السلام - حيث صاح بهم مع الريح العاتية التى أرسلها الله عليهم فدمروا تدميرا .
وذكر - سبحانه - هنا الصيحة فقط مع أن قوم هود قد أهلكوا بها وبالريح الصرصر
العاتية للإشعار بأن إحدى هاتين العقوبتين لو انفردت كافية لإِهلاكهم ، فقد قال
- سبحانه - فى شأن الريح التى أرسلها عليهم: ﴿ تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا
لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين ﴾(١).
وقوله ﴿ بالحق ) حال من الصيحة، وهو متعلق بمحذوف، والتقدير ، فأخذتهم الصيحة
حالة كونها بالعدل الذى لا ظلم معه ، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم لنبيهم .
وقوله سبحانه - : ﴿ فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ) بيان لمصيرهم الأليم .
والغثاء : الرميم الهامد الذى يحمله السيل من ورق الشجر وغيره ، يقال : غثا الوادى يغثو إذا
کثر غاؤه .
أى : فصيرناهم هلكى هامدين كغثاء السيل البالى ، الذى اختلط بزيده ، فهلاكًا وبعدًا
لهؤلاء القوم الظالمين ، كما هلك وبعد من قبلهم قوم نوح - عليه السلام - .
(١) سورة الأحقاف الآية ٢٥.

٤.
٣٥
سورة المؤمنون
ثم تمضى السورة فى استعراضها - على سبيل الإجمال - لقصص بعض الأنبياء ، قال
- تعالى - :
ثُمَّأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قُرُونَاءَ اخَرِينَ
٤٢
مَا تَسْبِقُّ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ﴿٢) ثُمَّأَرْسَلْنَارُسُلَنَا تَتْرًا
كُلَّ مَاجَاءَ أُمَّةً رَسُولٌهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعَنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَهُمْ
أَحَادِيثٌ فَبُعْدًا لِّقَوْمِ لََّ يُؤْمِنُونَ (٥) ثُمَّأَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ
﴾ إِلَى فِرْعُونَ وَمَلَاِيْهِ،
هَرُونَ بِثَايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُو ◌ْ قَوْمًاً عَالِينَ ﴿ فَقَالُواْأَنُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْمِنَ الْمُهْلَكِينَ
٤٧
وَقَوْمُهُمَا لَنَّا عَبِدُونَ﴾
﴿﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ لَعَلَّهُمْ يَنَدُونَ * وَحَعَلْنَا
أَبَّنَ مَنْيَمَ وَأُمَّهُ: مَايَةٌ وَءَا وَيْنَهُمَّا إِلَى رَبْوَةِذَاتِ قَرَارٍوَمَعِينٍ
) يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنّى بِمَا
٥٠
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْرَبُّكُمْ
Or
فَاتَّقُونِ
أى: ﴿ ثم أنشأنا﴾ من بعد قوم نوح وقوم هود ﴿قرونًا آخرين﴾ أى: أقوامًا
آخرين من الناس ، كل قوم كانوا مجتمعين فى زمان واحد ، كقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم
شعيب وغيرهم .
وقوله عز وجل - : ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ بيان لمظهر من مظاهر
قدرة الله - تعالى - وإحكامه لشئون خلقه ..

٣٦
المجلد العاشر
أى : ما تسبق أمة من الأمم أجلها الذى قدرناه لها ساعة من الزمان ، ولا تستأخر عنه
ساعة ، بل الكل نهلكه وميته فى الوقت الذى حددناه بقدرتنا وحكمتنا .
و((من)» فى قوله ﴿من أمة) مزيدة للتأكيد: وفى هذا المعنى قوله - تعالى - :
ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾(١).
ثم بين - سبحانه - على سبيل الإجمال ، أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسلاً آخرين ،
متتابعين فى إرسالهم . كل واحد يأتى فى أعقاب أخيه . ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ،
فقال - تعالى -: ﴿ ثم أرسلنا رسلنا تقرى ..
ولفظ ﴿ تترى﴾ مصدر كدعوى، وألفه للتأنيث وأصله: وَتْرى فقلبت الواو تاء ، وهو
منصوب على الحال من رسلنا .
أى: ثم أرسلنا بعد ذلك رسلنا متواترين متتابعين واحدًا بعد الآخر ، مع فترة ومهلة من
الزمان بينها .
قال القرطبى: ومعنى ((تقرى)): تتواتر، ويتبع بعضهم بعضًا ترغيبًا وترهيبًا ..
قال الأصمعى: واترت كتبى عليه ، أتبعت بعضها بعضًا إلا أن بين كل واحد منها وبين
الآخر مهلة .. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿تقرَّى﴾ بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه
التنوين على فتح الراء، كقولك: حمدًا وشكرًا .. (٢).
ثم بين - سبحانه - موقف كل أمة من رسولها فقال: ﴿ كلما جاء أمة رسولها
كذبوه ... ﴾ .
أى: كلما جاء رسول كل أمة إليها ليبلغها رسالة الله - تعالى - وليدعوها إلى عبادته
وحده - سبحانه - كذب أهل هذه الأمة هذا الرسول المرسل إليهم . وأعرضوا عنه
وآذوه ...
قال ابن كثير: (( وقوله: ﴿ كلما جاء أمة رسولها كذبوه ﴾ يعنى جمهورهم وأكثرهم ،
کقوله - تعالى - ﴿ ياحسرة على العباد ما یأتیھم من رسول إلا كانوا به يستهزئون
٣)
وأضاف - سبحانه - الرسول إلى الأمة ، للإشارة إلى أن كل رسول قد جاء إلى الأمة
(١ ) سورة الأعراف الآية ٣٤.
( ٢) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٢٥ .
(٣) سورة يس الآية ٣٠.

٣٧
سورة المؤمنون
المرسل إليها . وفى التعبير بقوله: ﴿ كلما جاء ... ﴾ إشعار بأنهم قابلوه بالتكذيب. بمجرد
مجيئه إليهم ، أى : إنهم بادروه بذلك بدون تريث أو تفكر .
فإذا كانت عاقبتهم ؟ كانت عاقبتهم كما بينها - سبحانه - فى قوله : ﴿ فأتبعنا بعضهم
بعضًا وجعلناهم أحاديث فبعدًا لقوم لا يؤمنون ﴾.
أى : فأتبعنا بعضهم بعضًا فى الهلاك والتدمير ، وجعلناهم بسبب تكذيبهم لرسلهم أحاديث
يتحدث الناس بها على سبيل التعجب والتلهى ، ولم يبق بين الناس إلا أخبارهم السيئة .
وذكرهم القبيح ﴿فبعدًا﴾ وهلاكًا لقوم لا يؤمنون بالحق، ولا يستجيبون للهدى.
قال صاحب الكشاف: ((وقوله ﴿وجعلناهم أحاديث﴾ أى: أخبارًا يسمر بها،
ويتعجب منها . والأحاديث تكون اسم جمع للحديث ، ومنه أحاديث رسول الله - رز -
وتكون جمعًا للأحدوثة : التى هى مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة . وهى : مما يتحدث به
الناس تلهيًا وتعجبًا، وهو المراد هنا))(١).
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبًا من قصة موسى وهارون - عليهما السلام - فقال :
﴿ ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا
قومًا عالين ﴾ .
أى : ثم أرسلنا من بعد أولئك الأقوام المهلكين الذين جعلناهم أحاديث ﴿ موسى وأخاه
هارون بآياتنا ﴾ الدالة على قدرتنا، وهى الآيات التسع وهى: العصا، واليد ، والسنون،
والبحر ، والطوفان ، والجراد، والقمل ، والضفادع ، والدم .
وزودناه مع هذه الآيات العظيمة بسلطان مبين ، أى : بحجة قوية واضحة ، تحمل كل
عاقل على الإِيمان به ، وعلى الاستجابة له .
وكان هذا الإِرسال منا لموسى وهارون إلى فرعون وملئه ، أى : وجهاء قومه وزعمائهم
الذين يتبعهم غيرهم .
فاستكبروا﴾ جميعًا عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون - عليهما السلام،
وكانوا قومًا عالين ﴾ أى؛ مغرورين متكبرين، مسرفين فى البغى والعدوان .
ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون وملئه فقال: ﴿فقالوا أنؤمن
لبشرين مثلنا﴾ وهما موسى وهارون ﴿وقومها﴾ أى: بنو إسرائيل الذين منهم
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٨٠.

٣٨
المجلد العاشر
موسى وهارون ﴿ لنا عابدون ﴾ أى: مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ينقاد الخادم
لمخدومه .
فأنت ترى أن فرعون وملأه ، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون ، لأنهما - أولاً -
بشر مثلهم ، والبشرية - فى زعمهم الفاسد - تتنافى مع الرسالة والنبوة ، ولأنهما - ثانيًا -
من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيته ، ولا يليق - فى طبعهم المغرور - أن يتبع فرعون
وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستضعفين .
قال الآلوسى: ((وقوله: ﴿ فقالوا﴾ عطف على ﴿استكبروا﴾ وما بينهما اعتراض
مقرر للاستكبار ، والمراد : فقالوا فيما بينهم .. وثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله
- تعالى - ﴿ بشرًا سويا﴾ وعلى الجمع، كما فى قوله : - تعالى - ﴿ فإما ترين من البشر
أحدًا .. ﴾ ولم يئن ﴿ مثل﴾ نظرا إلى كونه فى حكم المصدر، ولو أفرد البشر لصح ، لأنه
اسم جنس يطلق على الواحد وغيره ، وكذا لو ثنى المثل ، فإنه جاء مثنى فى قوله: ﴿ يرونهم
مثليهم رأى العين﴾(١) ومجموعًا كما فى قوله: ﴿ ... ثم لا يكونوا أمثالكم﴾(٢). وهذه
القصص - كما ترى - تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة ، قياس حال الأنبياء على
أحوالهم ، بناء على جهلهم بتفاصيل شئون الحقيقة البشرية ، وتباين طبقات أفرادها فى مراقى
الكمال .. ومن عجب أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر ، وقد رضى أكثرهم للإِلهية بحجر .. )) (٣).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة فرعون وملئه فقال: ﴿ فكذبوهما فكانوا من
المهلكين ﴾ .
أى : فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون - عليهما السلام - فيما جاءا به من عند
ربها - عز وجل - فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جميعًا .
ثم بين - سبحانه - ما أعطاه لموسى بعد هلاك فرعون وقومه فقال: ﴿ولقد آتينا موسى
الكتاب لعلهم يهتدون ﴾ .
والضمير فى قوله - تعالى - ﴿ لعلهم ﴾ يعود إلى قوم موسى من بنى إسرائيل . لأنه من
المعروف أن التوراة أنزلت على موسى بعد هلاك فرعون وملئه ..
أى : ولقد آتينا موسى - بفضلنا وكرمنا - الكتاب المشتمل على الهداية والإِرشاد ، وهو
التوراة ، ﴿ لعلهم﴾ أى: بنى إسرائيل ﴿ يهتدون﴾ إلى الصراط المستقيم، بسبب اتباعهم
لتعاليمه ، وتمسكهم بأحكامه . فالترجى فى قوله ﴿ لعلهم ﴾ إنما هو بالنسبة لهم.
(١) سورة آل عمران الآية ١٣ .
(٢) سورة محم الآية ٣٨ .
(٣) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٣٦.

٣٩
سورة المؤمنون
وقريب من هذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا
القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ﴾(١).
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، حيث أوجد عيسى من غير أب وجعل أمه
مريم تلده من غير أن يمسها بشر . فقال - تعالى - ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ... ﴾.
أى : وجعلنا نبينا عيسى - عليه السلام - ، كما جعلنا أمه مريم ، آية واضحة وحجة
عظيمة ، فى الدلالة على قدرتنا النافذة التى لا يعجزها شىء .
قال أبو حيان: ((قوله: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ أى: جعلنا قصتهما، وهى آية
عظمى بمجموعها ، وهى آيات مع التفصيل، ويحتمل أن يكون حذف من الأول ((آية)) لدلالة
الثانى، أى: وجعلنا ابن مريم آية، وأمه آية))(٢).
وقوله - تعالى - ﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ بيان لجانب مما أنعم - به
سبحانه - على عيسى وأمه .
والربوة : المكان المرتفع من الأرض . وأصلها من قولهم : ربا الشىء يربو ، إذا ازداد
وارتفع ، ومنه الربا لأنه زيادة أخذت على أصل المال .
ومعين ؛ اسم مفعول من عانه إذا أدركه وأبصره بعينه ، فالميم زائدة ، وأصله معيون كمبيوع
ثم دخله الإعلال . والكلام على حذف مضاف . أى : وماء بعين .
أى : ومن مظاهر رعايتنا وإحساننا إلى عيسى وأمه أننا آويناهما وأسكناهما ، وأنزلناهما فى
جهة مرتفعة من الأرض ، وهذه الجهة ذات قرار ، أى : ذات استقرار لاستوائها وصلاحيتها
للسكن لما فيها من الزروع والثمار ، وهى فى الوقت ذاته ينساب الماء الظاهر للعيون فى
ربوعها .
قالوا : والمراد بهذه الربوة : بيت المقدس بفلسطين ، أو دمشق ، أو مصر .
والمقصود من الآية الكريمة : الإِشارة إلى إيواء الله - تعالى - لهما ، فى مكان طيب ، ينضر
فيه الزرع ، وتطيب فيه الثمار ، ويسيل فيه الماء ويجدان خلال عيشهما به الأمان والراحة .
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء ، بتوجيه خطاب إلى الرسل جميعًا ،
أمرهم فيه بالأكل من الطيبات ، وبالتزود من العمل الصالح ، فقال - تعالى - : ﴿يأيها
الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا ، إنى بما تعملون عليم ﴾ .
( ١ ) سورة القصص الآية ٤٣ .
( ٢ ) تفسير البحر المحيط جـ ٦ ص ٤٠٨ .

٤٠
المجلد العاشر
ووجه - سبحانه - الخطاب إلى الرسل جميعًا ، مع أن الموجود منهم عند نزول الآية واحد
فقط، وهو الرسول - ﴿ - للدلالة على أن كل رسول أمر فى زمنه بالأكل من الطيبات التى
أحلها - تعالى - وبالعمل الصالح .
وفى الآية إشارة إلى أن المداومة على الأكل من الطيبات التى أحلها الله ، والتى لا شبهة
فيها ، له أثره فى مواظبة الإِنسان على العمل الصالح .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يأمر الله - تعالى - عباده المرسلين بالأكل
من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح ،
فقام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا أتم قيام ، وجمعوا بين كل خير. قولاً وعملاً .
ودلالة ونصحًا .
ثم ساق - رحمه الله - عددًا من الأحاديث فى هذا المعنى منها : أن أم عبد الله - بنت
شداد بن أوس - بعثت إلى رسول الله - ﴿ - بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك مع
طول النهار وشدة الحر . فرد إليها رسولها : أنّى كانت لك الشاة ؟ - أى : على أية حال
تملكينها - فقالت: اشتريتها من مالى ، فشرب منه ، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت
له : يارسول الله. بعثتُ إليك بلبن مرئية لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلىّ الرسول
فيه؟ فقال لها: ((بذلك أمرت الرسل. أن لا تأكل إلا طيبًا ولا تعمل إلا صالحًا)).
ومنها : ما ثبت فى صحيح مسلم . عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله
- * - ((يأيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به
المرسلين فقال: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ... ﴾ وقال: ﴿يأيها الذين
آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه من
حرام . ومشربه من حرام ، وملبسه من حرام ، وغذى بالحرام . يمد يديه إلى السماء : يارب
يارب فأنى يستجاب لذلك))(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ إنى بما تعملون عليم) تحذير من مخالفة ما أمر به - تعالى - .
أى : إنى بما تعملون - أيها الرسل وأيها الناس - عليم فأجازيكم على هذا العمل
بما تستحقون .
وقوله - سبحانه - ﴿ وإن هذه أمتكم أمة واحدة .. ﴾ جملة مستأنفة .
والمراد بالأمة هنا : الشريعة والدين الذى أنزله الله - تعالى - على أنبيائه ورسله ، أى :
وإن شريعتكم - أيها الرسل - جميعًا هى شريعة واحدة لا تختلف فى أصولها التى تتعلق
( ١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٥ ص ٤٧١ .