Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة الحج وقال - سبحانه - : ﴿وكُذِّب موسى ) لأنه لم يكذّب من جميع قومه وهم بنو إسرائيل . وإنما كان المكذب له هو فرعون وملأه، وللإشارة إلى أن موسى - عليه السلام - قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه ، ومع ذلك فقد قوبل بالتكذيب من فرعون وملئه . ثم بين - سبحانه - ما حل بهؤلاء من عقوبات فقال: ﴿فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ﴾ . والإملاء: الإِمهال وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله - وص له - قال: (( إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)). والنكير : اسم مصدر بمعنى الإِنكار ، يقال : أنكرت على فلان فعله ، إذا ردعته وزجرته عنه . أى : هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم ، لم أعاجلهم بالعقوبة ، بل أمهلتهم وأمليت لهم ، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر ، فانظر - أيها العاقل - كيف كان إنكارى عليهم ؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا ﴿ فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا . ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾(١) . وقال - سبحانه - ﴿ فأمليت للكافرين ﴾ بالإِظهار دون الإضمار ، لزيادة التشنيع عليهم والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ فكيف كان نكير ﴾ للتهويل والتعجيب . أى: لقد كان إنكارا فظيعا حول حياتهم إلى موت ، وعمرانهم إلى خراب ، وغرورهم إلى ذلة وهوان .. فعلى مشركى قريش أن يعتبروا بذلك ويتعظوا .. وإلا فالعاقبة معروفة لهم . وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التى كذبت رسلها .. أتبع ذلك - سبحانه - ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال: ﴿ فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة ، فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة ، وقصر مشيد وكلمة ((كأين)) مركبة من كاف التشبيه ، ومن أى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها . ومميزها غالبا ما يجر بمن كما فى الآية وفى غيرها . قال - تعالى - : ﴿ وکأين من نبى قاتل معه ربيون كثير ... ﴾ (٢)، ﴿وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنهم معرضون﴾(٣). (١ ) سورة العنكبوت الآية ٤٠ . (٢ ) سورة آل عمران الآية ١٤٦ . ( ٣) سورة يوسف الآية ١٠٥ . ٣٢٢ المجلد التاسع قال الآلوسي: وقوله: ﴿ فكأين من قرية﴾ منصوب بمضمر يفسره قوله - تعالى - : أهلكناها﴾ أى : فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها .. أو مرفوع على الابتداء ، وجملة أهلكناها ﴾ خبره . أى: فكثير من القرى أهلكناها .. وقوله: ﴿وهى ظالمة ﴾ جملة حالية من مفعول أهلكنا .. (١) . ولفظ ﴿ خاوية ﴾ بمعنى ساقطة أو خالية . يقال خوى البيت يخوى إذا سقط أو خلا ممن یسکنه . والعروش : جمع عرش وهو سقف البيت ، ويسمى العريش: وكل ما يُهيأ ليسُتْظَلَ به فهو عريش . وبئر معطلة أى : مهجورة لهلاك أهلها ، يقال : بأر فلان الأرض إذا حفرها ليستخرج منها الماء . والمشِيد : المجصص بالشّيد وهو الجصّ. يقال: شاد فلان بيته يَشِيده، إذا طلاه بالشُّيد. والمعنى : وكثير من القوى أهلكناها بسبب ظلمهم وكفرهم ، فإذا ما نظرت إليها وجدتها خالية من أهلها ، وقد سقطت سقوفها على جدرانها . وكثير من الآبار التى كانت تتفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة ، وكثير - أيضا - من القصور المشيدة الفخمة أخليناها من أهلها . وذلك لأنهم كذبوا رسلنا ، وجحدوا نعمنا ، فدمرناهم تدميرا . وجعلنا مساكنهم من بعدهم أثرا بعد عين . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد والتهديد لكفار قريش الذين كذبوا الرسول - ل - وأعرضوا عن دعوته . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا﴾ (٢) . ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد ، إلى التوبيخ والتقريع هؤلاء المشركين ، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول: ﴿ أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها .. ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ١٦٦. (٢ ) سورة الطلاق الآيتان ٨، ٩. ٣٢٣ سورة الحج والاستفهام للتوبيخ والإِنكار ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام . والمعنى : إن مصارع الغابرين وديارهم ، يمر بها كفار قريش ، ويعرفونها ، فهم يرون فى طريقهم إلى الشام قرى صالح وقرى قوم لوط .. قال - تعالى - : ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون ﴾(١) . والشأن فى هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ ، متى كان عنده قلب يعقل ما يجب فهمه ، أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه ، ولكن هؤلاء الجاهلين يرون مصارع الغابرين فلا يعقلون ، ولا يعتبرون ، ويسمعون الأحاديث عن تلك الآبار المعطلة ، والقصور الخالية من سكانها ، والمنازل المهدمة ، فلا يتعظون . وقوله - تعالى -: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ﴾ بيان لسبب انطماس بصائرهم ، وقسوة قلوبهم . والضمير فى قوله ﴿ فإنها ﴾ للقصة . أى: فإن الحال أنه لا يعتد بعمى الأبصار ، ولكن الذى يعتد به هو عمى القلوب التى فى الصدور ، وهؤلاء المشركون قد أصيبوا بالعمى الذى هو أشنع عمى وأقبحه . وهو عمى القلوب عن الفهم وقبول الحق . وذكر - سبحانه - أن مواضع القلوب فى الصدور ، لزيادة التأكيد ، ولزيادة إثبات العمى لتلك القلوب التى حدد - سبحانه - موضعها تحديدا دقيقا . قال الآلوسى : فالكلام تذييل لتهويل ما نزل بهم من عدم فقه القلب ، وأنه العمى الذى لا عمى بعده ، بل لاعمى إلا هو ، أو المعنى: إن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها . وإن العمى بقلوبهم ، فكأنه قيل : أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب ذات بصائر ، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم ، وهى الآفة التى كل آفة دونها . كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم تقاعدهم عنها (٢). ثم أكد - سبحانه - انطماس بصائرهم، حيث بين أنهم بدل أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه ، استعجلوا العذاب فقال: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ، ولن يخلف الله وعده . وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون أى : أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا فى الأرض فيعتبروا ويتعظوا ، أخذوا يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - نزول العذاب عاجلا ، على سبيل الاستهزاء بك والاستخفاف بما هددناهم به ، ويقولون لك : متى هو ؟ . (١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧، ١٣٨. ( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ١٦٧ . ٣٢٤ المجلد التاسع فالجملة الكريمة ﴿ويستعجلونك بالعذاب ﴾ خبرية فى اللفظ ، استفهامية فى المعنى. وقوله - سبحانه -: ﴿ولن يخلف الله وعده ﴾ جملة حالية جىء بها لتهديدهم على استعالجهم العذاب ، أى : والحال أن الله - تعالى - لن يخلف ما وعدهم به من العذاب ، بل هو منجزه فى الوقت الذى يريده هو وليس الذى يريدونه هم . وقوله - سبحانه -: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ جملة مستأنفة سيقت لبيان أن حساب الأزمان فى تقدير الله - تعالى - يخالف ما يقدره البشر . أى : دعهم - أيها الرسول الكريم - يستعجلون العذاب ، فذلك دأب الظالمين فى كل حين ، وسبيل الجاهلين فى كل زمان ، وأعلمهم أن الله - تعالى - لن يخلف وعده إياهم به فى الوقت المحدد لذلك، وإن يوما عنده - تعالى- كألف سنة مما يعده هؤلاء فى دنياهم، وسيأتيهم هذا اليوم الذى يطول عليهم طولا شديدا ، لما يرون فيه من عذاب مهين . قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ قال ابن عباس ومجاهد : يعنى من الأيام التى خلق فيها السموات والأرض . وقال عكرمة : يعنى من أيام الآخرة ، أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب فى أيام قصيرة أنه يأتيهم به فى أيام طويلة . وقال الفراء : هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم فى الآخرة . وقيل المعنى : وإن يوما فى الخوف والشدة فى الآخرة كألف سنة من سنىّ الدنيا فيها خوف وشدة .. (١) . ثم أكد - سبحانه - أن إملاءه للظالمين ، سيعقبه العذاب الأليم ، فقال: ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير ﴾ . أى : وكثير من القرى الظالمة أمهلت عقوبة أهلها إلى أجل مسمى ، ثم أخذتها بعد ذلك أخذا شديدا ، جعلهم فى قراهم جائمين كأن لم يغنوا فيها ، وسيرجعون إلينا فيجدون عذابا أشد وأبقى ، إذ أن مصيرهم إلىَّ لا إلى غيرى . وبعد هذا العرض لمصارع الغابرين وبيان سنة الله - تعالى - فى المكذبين ، يأمر - سبحانه - نبيه - وَل﴿ - أن يرشد الناس إلى مصيرهم فيقول: ﴿قل يأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ﴾ . أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس ، إن وظيفتى أن أنذركم وأخوفكم من عذاب الله ، بدون التباس أو غموض . (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٧٨ . ٣٢٥ سورة الحج فالذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم من ربهم مغفرة واسعة ، ورزق كريم ، لا انقطاع معه ولا امتناع . والذين سعوا فى آياتنا معاجزين ﴾ أى: والذين بذلوا كل جهودهم فى إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا ، وأسرعوا فى تكذيبها وغالبوا المؤمنين وعارضوهم ليظهر وهم بمظهر العاجز عن الدفاع عن دينهم وعن عقيدتهم . أولئك﴾ الموصوفون بهذا السعى الأثيم ﴿أصحاب الجحيم﴾ أى: الملازمون للنار المتأججة ملازمة المالك لما يملكه . ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك الى الحديث عن فضل الله - تعالى - على أنبيائه ورسله حيث عصمهم من كيد الشيطان ووسوسته وحفظ دعوتهم من تكذيب المكذبين ، وعبث العابثين .. فقال - تعالى - : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ، فَيَفْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ◌َايَتِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيِهُ حَكِيمٌ (٥) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الَّلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿٥) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْبِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّاللَّهَ لَهَا ◌ِالَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ! (٥٤ قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق(١)، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ، ظنا منهم أن مشركى (١) الغرانيق: المراد بها هنا الأصنام. وهى فى الأصل تطلق على الذكور من طير الماء، واحدها: غُرْنُوق - بضم فسكون فضم - سمى به الطائر لبياضه . وقد كان المشركون يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله - تعالى - فسموها بالغرانيق تشبيها لها بالطيور التى ترتفع نحو السماء . ٣٢٦ -- المجلد التاسع قريش قد أسلموا . ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح . ثم قال - رحمه الله - : قال ابن أبى حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله - وصله - بمكة سورة النجم ، فلما بلغ هذا الموضع: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى ﴾. قال: فألقى الشيطان على لسانه: ((تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن ترتجى)). قالوا : - أى المشركون - : ماذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته .. ﴾(١). وجمع - سبحانه - بين الرسول والنبى ، لأن المقصود بالرسول من بعث بكتاب ، وبالنبى من بعث بغير كتاب ، أو المقصود بالرسول من بعث بشرع جديد ، وبالنبى من بعث لتقرير شرع من قبله . ولفظة ﴿ تمنّ﴾ هنا : فسره العلماء بتفسيرين : أولهما : أنه من التّمَنَّى، بمعنى محبة الشىء ، وشدة الرغبة فى الحصول عليه ، ومفعول ((ألقى)) محذوف والمراد بإلقاء الشيطان فى أمنيته: محاولته صرف الناس عن دعوة الحق ، عن طريق إلقاء الأباطيل فى نفوسهم ، وتثبيتهم على ما هم فيه من ضلال . والمعنى : وما أرسلنا من قبلك - يا محمد - من رسول ولانبى ، إلا إذا تمنى هداية قومه إلى الدين الحق الذى جاءهم به من عند ربه ، ألقى الشيطان الوساوس والشبهات فى طريق أمنيته لكى لا تتحقق هذه الأمنية ، بأن يوهم الشيطان الناس بأن هذا الرسول أو النبى ساحر أو مجنون ، أو غير ذلك من الصفات القبيحة التى برأ الله - تعالى - منها رسله وأنبياءه. قال - تعالى -: ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون ﴾(٢) . والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى ، ويؤيدها الواقع ، إذ أن كل رسول أو نبى بعثه الله - تعالى - كان حريصا على هداية قومه ، وكان يتمنى أن يؤمنوا جميعا ، بل إن الرسول - رصد - كاد يهلك نفسه هما وغما بسبب إصرار قومه على الكفر . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٤٢٨ طبعة دار الشعب. ( ٢) سورة الذاريات الآيتان ٥٢، ٥٣ . ٣٢٧ سورة الحج قال - تعالى -: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ (١). إلا أن قوم كل رسول أو نبى منهم من آمن به . ومنهم من أعرض عنه بسبب إغراء الشيطان لهم ، وإيهامهم بأن ماهم عليه من ضلال هو عين الهدى . وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله: ((قوله - تعالى - : ﴿ من رسول ولا نبى ﴾ دليل بين على تغاير الرسول والنبى. والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء : من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبى غير الرسول : من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله . والسبب فى نزول هذه الآية أن رسول الله - وَلير - لما أعرض عنه قومه وشاقوه، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به : تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم ، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم (٢) . أما التفسير الثانى للفظ ﴿منى ﴾ فهو أنه بمعنى قرأ وتلا . ومنه قول حسان بن ثابت ، فى رثاء عثمان بن عفان رضى الله عنه : تمنى كتاب الله أول لَيْلِهِ وآخره لاقى حمام المقادر أى : قرأ وتلا كتاب الله فى أول الليل. وفى آخر الليل وافاه أجله . ومفعول ﴿ ألقى ﴾ على هذا المعنى محذوف - أيضا - والمراد بما يلقيه الشيطان فى قراءته : ما يلقيه فى معناها من أكاذيب وأباطيل ، ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه الرسول وما يتلوه ، وليس المراد أنه يلقى فيها ماليس منها بالزيادة أو بالنقص ، فإن ذلك محال بالنسبة لكتاب الله - تعالى - الذى تكفل - سبحانه - بحفظه فقال : ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾(٣). والمعنى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - من رسول ولا نبى إلا إذا قرأ شيئا مما أنزلناه عليه ، ألقى الشيطان فى معنى قراءته الشبه والأباطيل ، ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبى . قال الآلوسى - رحمه الله -: والمعنى: وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا، إلا وحاله أنه (١ ) سورة الكهف الآية٦ . ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٦٤ . ( ٣ ) سورة الحجر الآية ٩ . ٣٢٨ المجلد التاسع إذا قرأ شيئا من الآيات ، ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه ، ليجادلوه بالباطل ، ويردوا ما جاء به ، كما قال - تعالى - ﴿ ... وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ﴾(١). وقال - سبحانه -: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .. (٢) ﴾. وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول - رَلير - ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾: إن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ما ذبحه الله . وكقولهم عند سماع قراءته لقوله - تعالى - إنكم وما تعبدون من دون الله. حصب جهنم .. ﴾(٣) إن عيسى قد عبد من دون الله، وكذلك الملائكة قد عبدوا من دون الله. (٤) . والآية الكريمة ﴿ ليجعل ما يلقى الشيطان ﴾ على هذا التفسير - أيضا - واضحة المعنى، إذ المراد بما يلقيه الشيطان فى قراءة الرسول أو النبى ، تلك الشبه والأباطيل التى يلقيها فى عقول الضالين ، فيجعلهم يؤولونها تأويلا سقيما ويفهمونها فهما خاطئا . وقوله - تعالى -: ﴿ فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ﴾ بيان لسنته - سبحانه - التى لا تتخلف فى إحقاق الحق . وإبطال الباطل . وقوله ﴿ فينسخ﴾ من النسخ بمعنى الإِزالة . يقال : نسخت الشمس الظل إذا أزالته. أى : فيزيل - سبحانه - بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان فى القلوب التى شاء الله - تعالى - لها الإِيمان والثبات على الحق ثم يحكم - سبحانه - آياته بأن يجعلها متقنة ، لا تقبل الرد ، ولا تحتمل الشك فى كونها من عنده - عز وجل - والله عليم بجميع شئون خلقه ، حكيم فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الحكمة فى إلقاء الشيطان لشبهه وضلالته هى امتحان الناس فقال: ﴿ ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ... ﴾. أى : فعل ما فعل - سبحانه - ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه فى القلوب فتنة واختبارا وامتحانا ، للذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وارتياب ، وهم المنافقون ، وللذين قست قلوبهم ، وهم الكافرون المجاهرون بالجحود والعناد . فقوله - تعالى -: ﴿ ليجعل .. ﴾ متعلق ﴿بألقى﴾ أى: ألقى الشيطان فى أمنية الرسل والأنبياء ليجعل الله - تعالى - ذلك الإلقاء فتنة للذين فى قلوبهم مرض . (١) سورة الأنعام الآية ١٢١ . (٢) سورة الأنعام الآية ١١٢ . (٣) سورة الأنبياء الآية ٩٨. (٤) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ١٧٣ . ٣٢٩ سورة الحج ومعنى كونه فتنة لهم : أنه سبب لتماديهم فى الضلال ، وفى إصرارهم على الفسوق والعصيان . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الفريقين فقال: ﴿وإن الظالمين )، وهم من فى قلوبهم مرض ، ومن قست قلوبهم ﴿ لفى شقاق بعيد ﴾ أى لفى خلاف للحق شديد. بسبب نفاقهم وكفرهم . ثم بين - سبحانه - حكمة أخرى لما فعله الشيطان من إلقاء الشبه والوساوس فى القلوب فقال : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ، فتخبت له قلوبهم ﴾ . والضمير فى ﴿ أنه ﴾ يعود إلى ماجاء به الرسل والأنبياء من عند ربهم. أى : وفعل ما فعل - سبحانه - أيضا ، ليعلم العلماء من عباده ، الذين حبب - سبحانه - إليهم الإِيمان ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، أن ما جاء به الرسل والأنبياء هو الحق الثابت من ربك ، فيزدادوا إيمانا به ﴿ فتخبت له قلوبهم ﴾ أى : فتخضع وتسكن وتطمئن إليه نفوسهم . و﴿ وإن الله﴾ - تعالى - ﴿ لهادى الذين آمنوا﴾ به وصدقوا أنبياءه ورسله ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة . هذا ، وقد أبطل العلماء - قديما وحديثا - قصة الغرانيق ، ومن العلماء القدماء الذين تصدوا لهذا الإِبطال الإِمام الفخر الرازى ، فقد قال ما ملخصه : قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق ، واستدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول . أما القرآن فمن وجوه منها قوله - تعالى -: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ﴾(١) وقوله - سبحانه -: ﴿ وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحى يوحى﴾(٢)، وقوله - عز رجل - : ﴿ قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى ، إن أتبع إلا ما يوحى إلى .. ﴾١٣ . وأما السنة ، فقد قال الإِمام البيهقى : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل وأيضاً فقد روى البخارى فى صحيحه أن النبى - م - قرأ سورة ((والنجم)) وسجد فيها المسلمون والمشركون والإِنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق . وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق . ٠١، سورة الحاقة الآيات ٤٤ - ٤٦ . (٢ ) سورة النجم الآيتان ٤٠٣ ٠ ( ٣ ) سيرا يونس الآية ١٥. ٣٣٠ المجلد التاسع وأما المعقول فمن وجوه منها : أن من جوز على الرسول - 18 - تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه - ◌َّ - كان نفى الأوثان . ومنها : أننا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه .. فإنه لا فرق فى العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه . فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة . أكثر ما فى الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها . لكنهم ما بلغوا حد التواتر . وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة (١). وقال بعض العلماء ماملخصه : اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا ، ودلالة القرآن على بطلانها ، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به ، وصرح بعد ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب . والحاصل : أن القرآن دل على بطلانها ، ولم تثبت من جهة النقل ، مع استحالة الإِلقاء على لسانه - 19 - شرعا ولو على سبيل السهو . والذى يظهر لنا أنه الصواب : هو أن ما يلقيه الشيطان فى قراءة النبى : الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها ، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين .. والدليل على هذا المعنى : أن الله - تعالى - بين أن الحكمة فى الإلقاء المذكور امتحان الخلق ، لأنه قال: ﴿ ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة الذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ... ﴾ ثم قال: ﴿ وليعلم الذين أتوا العلم أنه الحق من ربك ... ﴾ فهذا يدل على أن الشيطان يلقى عليهم ، أن الذى يقرؤه النبى ليس بحق ، فيصدقه الأشقياء ، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم ، ويعلمون أنه الحق لا الكذب ، كما يزعم لهم الشيطان فى إلقائه .. ))(٢). ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيستمرون على شكهم فى القرآن حتى تأتيهم الساعة ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الناس يوم القيامة ، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا . ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . فقال - عز وجل - : وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَقَّ تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْيَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( ٥٥ (١ ) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ١٦٧ . (٢) تفسير أضواء البيان جـ ٥ ص ٧٣١ لفضيلة السيخ محمد الأمين الشنقيطى وراجع تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ١٧٥. ٣٣١ سورة الحج اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلِّ يَحْكُمُ بَنَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوأِعَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ٥٧ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْمَاتُواْ لَيَرْ زُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقَا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ(٥) قال الجمل: (( لما ذكر - سبحانه - حال الكافرين أولا ، ثم حال المؤمنين ثانيا ، عاد إلى شرح حال الكافرين ، فهو رجوع لقوله : ﴿وإن الظالمين لفى شقاق بعيد ﴾ والمرية بالكسر والضم . لغتان مشهورتان (١) . والضمير فى قوله : ﴿ منه ﴾ يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى ما جاء به الرسول من عند ربه ، وقيل إلى ما ألقاه الشيطان . وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : هى كناية من ذكر القرآن الذى أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم .. ﴾ أقرب منه من ذكر قوله ﴿ فينسخ اللّه ما يلقى الشيطان .. ﴾(٢). والمعنى ولا يزال الذين كفروا فى شك وريب مما أوحاه الله إليك من قرآن ، بسبب قسوة قلوبهم ، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم . وسيستمرون على هذه الحال ﴿ حتى تأتيهم الساعة ﴾ أى: القيامة ﴿بغتة ﴾ أى: فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ أى : لا مثل له فى هوله وشدة عذابه ولا يوم بعده ، إذ كل يوم يلد ما بعده عن الأيام إلا هذا اليوم وهو يوم القيامة فإنه لا يوم بعده . قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ قال مجاهد : قال أبى بن كعب : هو يوم بدر . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٧٦. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١٧ ص ١٣٥ . ٣٣٢ المجلد التاسع وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير . وفى رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له ، وكذا قال الضحاك والحسن . وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أو عدوا به ، لكن هذا هو المراد ، ولهذا قال: ﴿ الملك يومئذ لله يحكم بينهم﴾ كقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾(١). ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ، وشمول قهره لغيره فقال : ﴿ الملك يومئذ لله يحكم بينهم .. ﴾ والتنوين فى قوله ﴿يومئذ﴾ عوض عن جملة. أى : السلطان القاهر ، والتصرف الكامل ، يوم تأتيهم الساعة بغتة ، أو يوم يأتيهم عذابها يكون لله - تعالى - وحده ، كما أن الحكم بين الناس جميعا يكون له وحده - سبحانه - فالذين آمنوا وعملوا ﴾ الأعمال ﴿ الصالحات ﴾ يكونون فى هذا اليوم ﴿ فى جنات النعيم ﴾ ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ التى جاءتهم بها رسلنا ﴿ فأولئك لهم عذاب مهين﴾ أى : لهم عذاب ينالون بسببه ما ينالون من هوان وذل . والذين هاجروا ﴾ من ديارهم ﴿ فى سبيل﴾ إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ﴿ ثم قتلوا﴾ أى: قتلهم الكفار فى الجهاد ﴿ أو ماتوا ﴾ أى: على فراشهم . هؤلاء وهؤلاء ﴿ لير زقنهم الله ﴾ - تعالى - بفضله وكرمه ﴿رزقا حسنا﴾ يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه . حيث يبوئهم جنته . قال - تعالى - : ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون .. ﴾ (٢). وقال - سبحانه - ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾(٣). وقوله - عز وجل -: ﴿وإن اللّه لهو خير الرازقين ) تذييل قصد به بيان أن عطاءه - سبحانه - فوق كل عطاء ، لأنه يرزق من يشاء بغير حساب ، ويعطى من يشاء دون أن ينازعه منازع ، أو يعارضه معارض ، أو ينقص مما عنده شىء . وقوله - تعالى -: ﴿ ليدخلنهم مدخلا يرضونه .. ﴾ استئناف مقرر لما قبله . (١ ) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٤٤٢. (٢) سورة آل عمران الآية ١٦٩. (٣) سورة النساء آية ١٠٠. ٣٣٣ سورة الحج و ((مدخلا)) أى: إدخالا ، من أدخل يدخل - بضم الياء - وهو مصدر ميمى للفعل الذى قبله ، والمفعول محدوف . أى : ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه . وقرأ نافع ﴿ مدخلا ﴾ - بفتح الميم - على أنه اسم مكان أريد به الجنة ، أى : ليدخلنهم مكانا يرضونه وهو الجنة . . وإن الله ﴾ - تعالى - ﴿ لعليم ﴾ بالذى يرضيهم، وبالذى يستحقه كل إنسان من خير أو شر ﴿ حليم ﴾ فلا يعاجل بالعقوبة ، بل يستر ويعفو عن كثير . ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من ظلمهم ، فقال - تعالى - : ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلٍ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه يُولِيعُ الَّيْلَ فِى لَعَفُوٌ غَفُورٌ )) النَّهَارِ وَيُولِعُ النَّهَارَ فِ آَلَيْلِ وَأَنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ﴾﴾ واسم الإشارة ذلك ، فى قوله - تعالى - ﴿ ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ﴾. يعود إلى ما ذكره - سبحانه - قبل ذلك من أن الملك له يوم القيامة ، ومن الرزق الحسن الذى منحه للمهاجرين فى سبيله ثم قتلوا أو ما توا . والعقاب : مأخوذ من التعاقب ، وهو مجىء الشىء بعد غيره . والمراد به هنا : مجازاة الظالم بمثل ظلمه . قال القرطبى : قال مقاتل : نزلت هذه الآية فى قوم من مشركى مكة . لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم: فقالوا: إن أصحاب محمد - وَلّ - يكرهون القتال فى الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم فى الشهر الحرام . فأبى ٣٣٤ المجلد التاسع المشركون إلا القتال ، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين ، وحصل فى أنفس المسلمين شىء من القتال فى الشهر الحرام ، فأنزل الله الآية . فمعنى ﴿ من عاقب بمثل ما عوقب به ﴾ أى: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ، فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين فى الصورة فهى مثل: ﴿وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها﴾(١). وقوله ﴿ ثم بغى عليه ﴾ أى: أن الظالم المبتدئ بالظلم عاد مرة أخرى فبغى على المظلوم وآذاه . وقوله ﴿ لينصرنه الله ﴾ وعد مؤكد منه - سبحانه - بنصرة المظلوم ، والجملة جواب قسم محذوف . أى والله لينصرن - سبحانه - المظلوم على الظالم فى الحال أو المآل . قوله : ﴿ إن الله لعفو غفور﴾ تعليل للنصرة، وبيان بأن المظلوم عندما ترك العفو عن الظالم ، لا يؤاخذه - سبحانه - على ذلك ، مادام لم يتجاوز فى رد العدوان الحدود المشروعة ، وهى الانتصار على القصاص بالمثل . أى: إن الله - تعالى - لكثير العفو عن عباده ، وكثير المغفرة لذنوبهم وخطاياهم. ثم بين - سبحانه - أن نصره للمظلوم مرجعه إلى شمول قدرته على كل شىء ، فقال - تعالى -: ﴿ ذلك بأن الله يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ﴾. ومعنى : يولج : يدخل . يقال : ولج فلان منزله ، إذا دخله . أى : ذلك الذين فعلناه من نصرة المبغى عليه على الباغى ، كائن بسبب أن قدرتنا لا يعجزها شىء ، ومن مظاهر ذلك أننا ندخل جزءا من الليل فى النهار فيقصر الليل ويزيد النهار، وندخل جزءا من النهار فى الليل فيحصل العكس . وأنتم ترون ذلك بأعينكم ، وتشاهدون كيف يسيران بهذا النظام البديع . وأن الله سميع بصير﴾ أى: وأن الله - تعالى - سميع لكل المسموعات، بصير بكل المبصرات ، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء . وقوله - سبحانه -: ﴿ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل .. ﴾ بيان لحقيته - عز وجل - للعبادة والطاعة والخضوع التام . واسم الإشارة يعود إلى ما وصف به نفسه قبل ذلك من صفات القدرة الباهرة والعلم التام . أى : ذلك الذى تراه - أيها العاقل - فى هذا الكون من مخلوقات ، ومن نصر للمظلوم ، ومن إدخال الليل فى النهار وإدخال النهار فى الليل ، سببه أن الله - تعالى - هو الإله الحق (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٩٠. ٣٣٥ سورة الحج الذى يجب أن تعنو له الوجوه . وأن ما عداه من معبودات آلهة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان . ﴿ وأن الله﴾ - تعالى - وحده ﴿هو العلى﴾ أى: العالى على جميع الكائنات بقدرته ، وكل شىء دونه ﴿ الكبير﴾ أى: العظيم الذى لا يدانيه فى عظمته أحد . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وصفت اللّه - تعالى - بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة فضله ورحمته بعباده فقال : أَلَوْتَرَأَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَةُ إِنَّ اللّهَلَطِيفُ خَبِيرٌ للَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ٦٤ أَوْتَرَأَنَّاللَّهَ سَخَّرَ لَكُ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمَِّهِ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَهُوفٌ رَحِيمٌ ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى أَخْيَاكُمْ ثُمَّيُمِئُكُمْ ثُمَّ ◌ُحِيكُمْ إِنَّالْإِنسَنَ لَكَفُورُ (٦٦ والاستفهام فى قوله: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة .. ﴾ للتقرير . وقوله : ﴿ مخضرة ﴾ أى: ذات خضرة بسبب النبات الذى ينبته اللّه فيها بعد نزول المطر عليها . والمعنى : لقد رأيت ببصرك وعلمت ببصيرتك أيها المخاطب أن الله - تعالى - قد أنزل من السماء ماء ، فتصير الأرض بسببه ذات خضرة ، وفى ذلك أعظم الأدلة على كمال قدرته ، وعظيم رحمته بعباده . وقال - سبحانه - ﴿ فتصبح ﴾ بصيغة المضارع، لاستحضار صورة الاخضرار ، الذى ٣٣٦ المجلد التاسع اتصفت به الأرض بعد نزول المطر عليها ، وصيغة الماضى لا تفيد دوام استحضارها ، لأن الفعل الماضى يفيد انقطاع الشىء . ولم ينصب هذا الفعل المضارع فى جواب الاستفهام ، لأن الاستفهام تقريرى فهو فى معنى الخبر ، والخبر لا جواب له ، فكأنه قيل : لقد رأيت ، ولأن السببية هنا غير متحققة ، إذ الرؤية لا يتسبب عنها اخضرار الأرض ، وإنما اخضرارها يكون بسبب نزول المطر . وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك فقال : فإن قلت : هلا قيل : فأصبحت ؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع ؟ . قلت : لنكتة فيه وهى إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول : أنعم علىَّ فلان عام كذا ، فأروح وأغدو شاكرا له . ولو قلت : فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ . قلت : لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض ، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار . مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر . إن نصبته فأنت ناف لشكره . شاك تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم فى علم الإِعراب وتوقير أهله .(١) . وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : كيف قال فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر . فالجواب : أن تصبح هنا بمعنى تصير ، والعرب تقول : فلان أصبح غنيا ، أى : صار غنيا ، أو أن الفاء للتعقيب ، وتعقيب كل شىء بحسبه ، كقوله - تعالى -: ﴿ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ... ﴾(٣) مع أن بين كل شيئين أربعين يوما، كما جاء فى الحديث الصحيح .. (٣) . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿ إن الله لطيف خبير) أى: إن الله - تعالى - لطيف بعباده . ومن مظاهر لطفه بهم ، إنزاله المطر على الأرض للانتفاع بما تنبته من كل زوج بهيج ، وهو - تعالى - خبير بأحوال عباده ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من هذه الاحوال . فإنه - سبحانه - ﴿ له ما فى السموات وما في الأرض ﴾ خلقا وملكا وتصرفا ﴿وإن الله (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٦٨ . ( ٢) سورة المؤمنين الآية ١٤ . ( ٣) تفسير أضواء البيان جـ ٥ ص ٧٤٢ . ٣٣٧ سورة الحج لهو الغنى ﴾ عن كل ما سواه ﴿ الحميد ﴾ أى: المستوجب للحمد من كل خلقه. وقوله - تعالى -: ﴿ ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض، والفلك تجرى فى البحر بأمره ، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ... ﴾ بيان لألوان أخرى من النعم التى أنعم بها على بنى آدم . أى : لقد علمت - أيضا - أيها العاقل ، أن الله - تعالى - سخر لكم يابنى آدم - ما فى الأرض من دواب وشجر وأنهار ، وغير ذلك مما تحتاجونه لحياتكم ، وسخر لمنفعتكم السفن التى تجرى فى البحر بتقديره وإرادته وإذنه . وهو - سبحانه - الذى يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض ، فتهلك من فيها ، ولو شاء لأذن لها فى الوقوع فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها . قال الجمل : وقوله: ﴿ إلا بإذنه﴾: الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، وهو لا يقع إلا فى الكلام الموجب إلا أن قوله: ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض﴾ فى قوة النفى . أى : لا يتركها تقع فى حالة من الأحوال إلا فى حالة كونها ملتبسة بمشيئة الله - تعالى - ، فالباء للملابسة (١). وقوله - سبحانه -: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ أى: لكثير الرأفة والرحمة بهم، ومن علامات ذلك أنه سخر لهم ما فى الأرض وسخر لهم الفلك ، وأمسك السماء عنهم ، ولم يسقطها عليهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ إن اللّه يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ، إنه كان حليما غفورا ﴾(٢) . ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بما هو أجلها وأعظمها فقال: ﴿وهو الذى أحياكم ﴾ أى : بعد أن كنتم أمواتا فى بطون أمهاتكم ، وقبل أن ينفخ بقدرته الروح فيكم . ﴿ ثم يميتكم﴾ أى: بعد انقضاء آجالكم فى هذه الحياة ﴿ ثم يحييكم﴾ أى: عند البعث والحساب . ﴿ إن الإِنسان لكفور﴾ أى: لكثير الجحود والكفران لنعم ربه التى لا تحصى. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من الأدلة على قدرته - سبحانه - ، كما ذكرت ألوانا من نعمه على عباده ، ومن ذلك إنزال الماء من السماء فتصبح (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٧٨ . (٢ ) سورة فاطر الآية ٤١ . ٣٣٨ المجلد التاسع الأرض مخضرة بعد أن كانت يابسة . وتسخير ما فى الأرض للإِنسان ، وتسخير الفلك لخدمته ومنفعته ، وإمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بمشيئته - تعالى - وإيجادنا من العدم بقدرته ورحمته . وبعد أن عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده أتبعت ذلك ببيان أنه - سبحانه - قد جعل لكم أمة شرعة ومنهاجا، وأمرت النبى - وسير - أن يمضى فى طريقه لتبليغ رسالة الله - تعالى - دون أن يلتفت إلى ممارات المشركين له ، وأن يفوض الحكم فيهم إليه - سبحانه - فهو العليم بكل شىء ، فقال - تعالى - : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكَّا هُمْ نَاسِكُوهٌ فَلَا يُنَزِ عُنَّكَ فِ آلْأَمَّيِّ وَدْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ ٦٧ وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَصِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ الَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ٧٠ قال الآلوسى : قوله - تعالى -: ﴿ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ... ﴾ كلام مستأنف جىء به لزجر معاصريه - وَ ليه - من أهل الأديان السماوية عن منازعته ، ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع، وإظهار خطئهم(١). والمراد بالأمة هنا : القوم الذين يدينون بشريعة معينة . والمراد بالمنسك المنهج والشريعة التى يتبعونها فى عقيدتهم وفى معاملاتهم .. . أى : شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه فى اعتقادهم وفى طريقة حياتهم ، فالأمة التى وجدت من مبعث موسى الى مبعث عيسى - عليهما السلام - شريعتها التوراة، والأمة التى وجدت من مبعث عيسى حتى مبعث محمد - وَو - شريعتها الإِنجيل ، والأمة التى وجدت منذ مبعث محمد - وَالله - إلى يوم القيامة شريعتها القرآن . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ١٩٥. ٣٣٩ سورة الحج وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد - وَله - أن تتبعه فيما جاء به من عند ربه ، لأن شريعته هى الشريعة الناسخة لما قبلها ، والمهيمنة عليها . ويرى بعضهم أن المراد بالمنسك هنا : المكان الذى يذبحون فيه ذبائحهم تقربا إلى الله - تعالى - . وقد رجح الإِمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وأصل المنسك فى كلام العرب : الموضع المعتاد الذى يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر . يقال : إن لفلان منسكا يعتاده ، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر . وقد اختلف أهل التأويل فى معنى المنسك هنا ، فقيل : عيد ، وقيل : إراقة الدم .. والصواب من القول فى ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر يمنى، لأن المناسك التى كان المشركون جادلوا فيها رسول الله - وَل - كانت إراقة الدم فى هذه الأيام ... ولذلك قلنا: عنى بالمنسك فى هذا الموضع: الذبح .. (١). ويبدو لنا أن القول الأول ، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب إلى الصواب لشموله للذبح وغيره . والضمير فى قوله : ﴿ هم ناسكوه ﴾ يعود لكل أمة. أى : جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها ، وتنهج على نهجها .. والفاء فى قوله - تعالى - : ﴿ فلا ينازعنك فى الأمر ﴾ لترتيب النهى على ما قبلها . والمنازعة: المجادلة والمخاصمة. والمراد بالأمر: ما جاء به النبى - وَ 18 - من عند ربه - تعالى - من تشريعات وأحكام . أى : قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها ، وما دام الأمر كذلك ، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول الكريم - الشريعة التى أوحيناها إليك ، وأمرناك باتباعها ، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك فى ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم ، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك ، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم ، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم ، ومهيمن عليها وناسخ لها . ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال: ﴿ وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ . أى : وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق ، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع والتخاصم ، وإلى الدخول فى دين الاسلام : فإنك أنت على الصراط المستقيم ، الذى (١) تفسير ابن جرير جـ ١٧ ص ١٣٨. ٣٤٠ المجلد التاسع لا اعوجاج فيه ولا التباس . ثم بين له - سبحانه - ما يفعله إذا ما لجوا فى منازعتهم له فقال: ﴿وإن جادلوك فقل اللّه أعلم بما تعملون﴾. أى : وإن أبوا إلا مجادلتك بعد أن ظهر الحق ، ولزمتهم الحجة ، فقل لهم - أيها الرسول الكريم - أمرى وأمركم إلى الله - تعالى - ، فهو الذى يتولى الحكم بينى وبينكم يوم القيامة ، لأنه - سبحانه - هو العليم بحالى وحالكم . وهذه الجملة الكريمة قد تضمنت تهديدهم على استمرارهم فى جدالهم بعد أن تبين لهم الحق ، كما تضمنت وجوب إعراض الرسول - ◌َ * - عنهم . ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والإعراض فقال: ﴿الله يحكم بينكم﴾ أيها المسلمون وبين هؤلاء الكافرين ﴿ يوم القيامة فيما كنتم فيه ﴾ في الدنيا ﴿ تختلفون﴾ من أمر هذا الدين ، وحينئذ يتبين من هو على الحق ومن هو على الباطل ، وسيجازى - سبحانه - كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بتأكيد علمه بكل شىء فقال : ﴿ ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والأرض .. ﴾ . أى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وتيقنت ، أن اللّه - تعالى - لا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما يحصل فى السموات والأرض من أقوال أو أفعال . إن ذلك ﴾ الذى يجرى فى السموات والأرض كائن وثابت ﴿فى كتاب﴾ هو اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال الخلق . ﴿ إن ذلك ﴾ الذى ذكرناه لك من الحكم بين الناس، ومن العلم بأحوالهم ومن تسجيل أعمالهم ﴿على الله) - تعالى - ﴿ يسير) وهين، لأنه - سبحانه - له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين . ثم وبخ - سبحانه - الكافرين على جهلهم ، حيث عبدوا من دونه مالا ينفعهم ولا يضرهم ، وحيث كرهوا الحق وأصحابه ، فقال - تعالى - : وَيَعْبُدُونَمِندُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُعَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَالَيْسَ لَهُمْ بِهِ، عِلْمُّ ◌َمَا لِلّلِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴿ وَإِذَانَتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَاتٍّ ◌َحْرِفُ فِىِ